عَنْ مُعاذٍ - ﵁ - قال: قُلتُ: يا رَسولَ الله أَخبِرني بِعَمَلٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ ويُباعِدُني مِنَ النَّارِ، قال: «لقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظيمٍ وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ الله عليه: تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بهِ شيئًا، وتُقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤتِي الزَّكاةَ، وتَصُومُ رَمضَانَ، وتَحُجُّ البَيتَ». ثمَّ قالَ: «ألا أَدُلُّكَ على أبوابِ الخير؟ الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدقَةُ تُطْفِئُ الخَطيئَةَ كَما يُطفئُ الماءُ النارَ، وصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوفِ اللَّيلِ، ثمَّ تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتَّى بَلَغَ: ﴿يَعْمَلُوْنَ﴾ (^١)، ثُمَّ قالَ: «أَلا أُخْبِرُكُ برَأْسِ الأمْرِ وعَمودِه وذِرْوَة سنامِهِ؟» قُلتُ: بَلَى يا رَسولَ الله، قال: «رَأسُ الأمْرِ الإسلامُ، وعَمُودُه الصَّلاةُ، وذِرْوَةُ سَنامِهِ الجهادُ»، ثم قال: «ألا أُخبِرُكَ بمَلاكِ ذلك كُلِّهِ؟»، قلتُ: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، قال: «كُفَّ عَلَيكَ هذا»، قلتُ: يا نَبيَّ الله، وإنَّا لمُؤَاخَذُونَ بِما نَتَكَلَّمُ بهِ؟ فقالَ: «ثَكِلتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجوهِهِمْ، أو على مَنَاخِرِهم إلاَّ حَصائِدُ أَلسِنَتِهِم». رواهُ الترمذيُّ، وقال: حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ.
هذا الحديث خرَّجه الإمام أحمد (^٢)، والترمذي (^٣)، والنَّسائي (^٤)، وابن ماجه (^٥)
من
رواية معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وفيما قاله - ﵀ - نظر من وجهين:
_________________
(١) السجدة: ١٦ - ١٧.
(٢) في " مسنده " ٥/ ٢٣١.
(٣) في " جامعه " (٢٦١٦).
(٤) في " الكبرى " (١١٣٩٤) وفي " التفسير "، له (٤١٤).
(٥) في " سننه " (٣٩٧٣). وأخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠٣٠٣)، وعبد بن حميد (١١٢)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (١٩٦)، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٢٦٦)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١٠٤)، والبيهقي في " الشعب " (٣٣٥٠)، والبغوي (١١).
[ ٦٠٢ ]
أحدهما: أنَّه لم يثبت سماعُ أبي وائل من معاذ، وإنْ كان قد أدركه بالسِّنِّ، وكان معاذٌ بالشَّام، وأبو وائل بالكوفة، وما زال الأئمةُ - كأحمد وغيره - يستدلُّون على انتفاء السَّماع بمثل هذا، وقد قال أبو حاتم الرازي في سماع أبي وائل من أبي الدرداء: قد أدركه، وكان بالكُوفة، وأبو الدَّرداء بالشام، يعني: أنَّه لم يصحَّ له سماع منه (^١). وقد حكى أبو زرعة الدِّمشقي عن قوم أنَّهم توقَّفُوا في سماعِ أبي وائل من عمر، أو نفوه، فسماعه من معاذ أبعد.
والثاني: أنَّه قد رواه حمَّادُ بنُ سلمة، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن شهر بن حوشبٍ، عن معاذ، خرَّجه الإمام أحمد مختصرًا (^٢)، قال الدارقطني (^٣): وهو أشبهُ بالصَّواب؛ لأنَّ الحديثَ معروفٌ من رواية شهرٍ على اختلافٍ عليه فيه.
قلت: ورواية شهر عن معاذ مرسلةٌ يقينًا (^٤)، وشهرٌ مختلفٌ في توثيقه وتضعيفه (^٥)، وقد خرَّجه الإمامُ أحمد من رواية شهر، عن عبدِ الرحمان بن غَنْمٍ، عن معاذ (^٦)، وخرَّجه الإمام أحمد أيضًا من رواية عُروة بن النزَّال، أو النزال ابن عروة، وميمون بن أبي شبيب (^٧)، كلاهما عن معاذ، ولم يسمع عروةُ ولا ميمونُ من معاذ،
وله طرقٌ أخرى عن معاذ كلُّها ضعيفة (^٨).
_________________
(١) انظر: المراسيل لابن أبي حاتم (٣١٩).
(٢) في " مسنده " ٥/ ٢٤٨. وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٢١٥١٥)، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٢٠٠).
(٣) في " العلل " ٦/ ٧٩ س (٩٨٨).
(٤) انظر: الكنى للبخاري (٢٠١).
(٥) انظر: الجرح والتعديل ٤/ ٣٤٧ (١٦٦٨)، وتهذيب الكمال ٣/ ٤١١ (٢٧٦٧).
(٦) في " مسنده " ٥/ ٢٣٥ و٢٣٦ و٢٤٥. وأخرجه: ابن المبارك في " الجهاد " (٣١)، والبزار (٢٦٦٩) و(٢٦٧٠)، والطبراني في " الكبير " ٥/ (١١٥) و(١١٦) و(١٤٠) وفي " مسند الشاميين "، له (٢٢٢).
(٧) في " مسنده " ٥/ ٢٣٧. وأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٠٣١٤)، وابن أبي عاصم في " الجهاد " (١٦) وفي " الزهد "، له (٧)، والنسائي ٤/ ١٦٦، والطبري في " تفسيره " (٢١٥١٥)، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٣٠٤) و(٣٠٥)، والحاكم ٢/ ٧٦ و٤١٢.
(٨) أخرجه: أحمد ٥/ ٢٣٤، والبزار (٢٦٥١)، والطبراني في " مسند الشاميين " (١٤٩٢)، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٥/ ١٥٤ عن عطية بن قيس بلفظ: «الجهاد عمود الإسلام، وذروة سنامه». وفيه بكير بن عبد الله بن أبي مريم (أبو بكر)، سئل عنه أحمد بن حنبل فقال: «ضعيف كان عيسى لا يرضاه»، وسئل عنه يحيى بن معين فضعفه، وقال أبو زرعة الرازي: «ضعيف، منكر الحديث». انظر: الجرح والتعديل ٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨، وتهذيب الكمال ٢/ ٢٥٢
[ ٦٠٣ ]
وقوله: «أخبرني بعملٍ يُدخلني الجنَّةَ، ويُباعدني من النَّار» قد تقدَّم في شرح الحديث الثاني والعشرين من وجوه ثابتة من حديث أبي هريرة وأبي أيوب وغيرهما: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عن مثل هذه المسألة، وأجاب بنحو ما أجاب به في حديث معاذ.
وفي رواية الإمام أحمد في حديث معاذ أنَّه قال: يا رسول الله، إنِّي أريدُ أنْ
أسألَكَ عن كلمةٍ (^١) قد أمرضَتنِي وأسقمتني وأحزنتني، قال: «سل عمَّا شئتَ»، قال: أخبرني بعملٍ يدخلُنِي الجنَّة لا أسألكَ غيرَه، وهذا يدلُّ على شدَّةِ اهتمامِ معاذٍ - ﵁ - بالأعمال الصَّالحة، وفيه دليلٌ على أنَّ الأعمالَ سببٌ لدخول الجنَّة، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٢).
وأما قولُه - ﷺ -: «لَنْ يدخُلَ أحدٌ منكُمُ الجنَّة بِعمَلِه» (^٣) فالمراد - والله أعلم - أنَّ العملَ بنفسه لا يستحقُّ به أحدٌ الجنَّة لولا أنَّ الله جعله - بفضله ورحمته - سببًا لذلك، والعملُ نفسُه من رحمة الله وفضله على عبده، فالجنَّةُ وأسبابُها كلٌّ من فضل الله ورحمته.
وقوله: «لقد سألتَ عن عظيم» قد سبق في شرح الحديث المشار إليه أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال لِرجل سأله عن مثل هذا: «لئن كُنتَ أوجزت المسألة، لقد أعظمتَ وأطولتَ» (^٤)، وذلك لأنَّ دخولَ الجنَّة
_________________
(١) في (ص): «مسألة».
(٢) الزخرف: ٧٢.
(٣) أخرجه: عبد الله بن المبارك في " الزهد " (١٤٤٥)، والطيالسي (٢٣٢٢)، وابن الجعد (٢٧٧٢)، وأحمد ٢/ ٢٣٥ و٣٢٦ و٣٩٠ و٤٥١ و٤٧٣ و٥٠٩ و٥١٤ و٥٢٤، والبخاري ٨/ ١٢٨ (٦٤٦٣) وفي " الأدب المفرد "، له (٤٦١)، ومسلم ٨/ ١٣٨
(٤) (٧١)، وابن ماجه (٤٢٠١)، وأبو يعلى (١٢٤٣)، وابن حبان (٣٤٨) و(٦٦٠)، والطبراني في " الأوسط " (٨٠٠٤)، والقضاعي في " مسند الشهاب "
(٥) ، والبيهقي ٣/ ١٨ وفي " الشعب "، له (٧٦٦) و(١٠١٤٩) من طرق عن أبي هريرة، به.
(٦) أخرجه: الطبراني في " الكبير " (٧٢٨٤)، وقد تقدم.
[ ٦٠٤ ]
والنَّجاةَ من النار أمرٌ عظيم جدًا، ولأجله أنزل الله الكتب، وأرسلَ الرُّسلَ، وقال النَّبيُّ - ﷺ - لرجلٍ: «كيف تقولُ إذا صلَّيتَ؟» قال: أسألُ الله الجنَّة، وأعوذُ به من النار، ولا أُحسِنُ دندنَتَك (^١) ولا دندَنَة مُعاذ، يشير إلى كثرة دعائهما واجتهادهما في المسألة، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «حَوْلَها نُدَندِن».
وفي روايةٍ: «هل تصير دندنتي ودندنةُ مُعاذٍ إلا أنْ نسأل الله الجنَّةَ، ونعوذ به من النار» (^٢).
وقوله: «وإنَّه ليسيرٌ على من يسَّره الله عليه» إشارةٌ إلى أنَّ التَّوفيقَ كُلَّه بيد الله - ﷿ -، فمن يسَّرَ الله عليه الهدى اهتدى، ومن لم يُيسره عليه، لم يتيسَّر له ذلك، قالَ الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (^٣)،
وقال - ﷺ -: «اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ لهُ، أمَّا أهل السَّعادة، فيُيسَّرون لعمل أهل السَّعادة، وأمَّا أهل الشَّقاوة، فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة»، ثم تلا - ﷺ - هذه الآية (^٤). وكان النَّبيُّ - ﷺ - يقولُ في دعائه: «واهدني ويسِّر الهُدى لي» (^٥)،
وأخبر الله عن نبيه موسى - ﵇ - أنَّه قال في دعائه: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ (^٦)، وكان ابنُ عمر يدعو: اللهمَّ يسرني لليُسرى، وجنِبني العُسرى (^٧).
_________________
(١) الدندنة الكلام الذي لا يفهم. انظر: مختصر المختصر لابن خزيمة عقيب حديث (٧٢٥).
(٢) أخرجه: أحمد ٥/ ٧٤، وابن ماجه (٩١٠) و(٣٨٤٧)، وابن خزيمة (٧٢٥)، وابن حبان (٨٦٨)، والبيهقي في "الصغرى" (٤٦٧) عن أبي هريرة، به، وهو حديث صحيح. وقد أبهم اسم الصحابي في " مسند الإمام أحمد " فقال: «عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -».
(٣) الليل: ٥ - ١٠.
(٤) أخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠٠٧٤)، والطيالسي (١٥١)، وأحمد ١/ ١٢٩، وعبد ابن حميد (٨٤)، والبخاري ٢/ ١٢٠ (١٣٦٢) و٦/ ٢١٢ (٤٩٤٧) و(٤٩٤٨) و(٤٩٤٩) وفي " الأدب المفرد "، له (٩٠٣)، ومسلم ٨/ ٤٥ (٢٦٤٧) (٦)، وأبو داود (٤٦٩٤)، وأبو يعلى (٥٨٢)، والبغوي (٧٢) عن علي بن أبي طالب، به.
(٥) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٩٣٩٠)، وأحمد ١/ ٢٢٧، وعبد بن حميد (٧١٧)، والبخاري في " الأدب المفرد " (٦٦٥)، وأبو داود (١٥١٠) و(١٥١١)، والترمذي
(٦) ، وابن ماجه (٣٨٣٠)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٦٠٧)، وابن حبان (٩٤٧) و(٩٤٨)، والطبراني في " الدعاء " (١٤١١) و(١٤١٢)، والحاكم ١/ ٥١٩ - ٥٢٠، والبغوي (١٣٧٥)، وقال الترمذي: «حسنٌ صحيح». …
(٧) طه: ٢٥ - ٢٦.
(٨) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٩٨٦١)، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ١/ ٣٠٨.
[ ٦٠٥ ]
وقد سبق في شرح الحديث المشار إليه توجيهُ ترتيب دخول الجنَّة على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: التَّوحيدُ، والصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصِّيام، والحجُّ.
وقوله: «ألا أدلُّكَ على أبوابِ الخيرِ» لمَّا رتَّبَ دخولَ الجنَّة على واجبات الإسلام، دلَّه بعد ذلك على أبواب الخيرِ مِنَ النَّوافِل، فإنَّ أفضلَ أولياءِ الله هُمُ المقرَّبون، الذين يتقرَّبون إليه بالنَّوافل بعدَ أداءِ الفرائض.
وقوله: «الصومُ جنَّة» هذا الكلام ثابتٌ عن النَّبيِّ - ﷺ - من وجُوهٍ كثيرةٍ، وخرَّجاه في " الصحيحين " (^١) من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، وخرَّجه الإمام أحمد (^٢) بزيادة، وهي: «الصِّيام جنَّةٌ وحِصْنٌ حصينٌ مِنَ النَّار».
وخرّج من حديث عثمان بن أبي العاص، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال:
«الصوم جنَّةٌ مِنَ النَّارِ (^٣)، كجُنَّة أحدكم من القِتال» (^٤).
ومن حديث جابر، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «قال ربُّنا - ﷿ -: الصِّيام جنَّةٌ يستجِنُّ بها العبدُ من النَّار» (^٥).
وخرَّج أحمد (^٦) والنَّسائي (^٧) من حديث أبي عُبيدة، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «الصِّيام جنَّة ما لم يَخْرِقْها»، وقوله: «ما لم يخرقها»، يعني: بالكلام السيء ونحوه، ولهذا في حديث أبي هريرة المخرج في " الصحيحين " (^٨) عن النَّبيِّ - ﷺ -: «الصيام جنَّة، فإذا كان يومُ صومِ أحدكم، فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤٌ سابَّه فليقل: إني امرؤ صائم».
_________________
(١) صحيح البخاري ٣/ ٣١ (١٨٩٤)، وصحيح مسلم ٣/ ١٥٦ (١١٥١) (١٦٢). وأخرجه: مالك في " الموطأ " (٨٦٠) برواية الليثي، وأحمد ٢/ ٤٦٥، وأبو داود
(٢) ، والنسائي (٣٢٥٢) و(٣٢٥٣)، وابن حبان (٣٤٢٧).
(٣) في " مسنده " ٢/ ٤٠٢. وأخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (٣٥٧١).
(٤) عبارة: «من النار» سقطت من (ص).
(٥) في " مسنده " ٤/ ٢١ و٢٢ و٢١٧، وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، والحديث في " مختصر المختصر " (١٨٩١) وراجع تخريجه هناك.
(٦) أخرجه: أحمد ٣/ ٣٤١ و٣٩٦، وإسناده ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة.
(٧) في " مسنده " ١/ ١٩٥ و١٩٦، وإسناده لا بأس به.
(٨) في " المجتبى " ٤/ ١٦٧ و١٦٨.
(٩) سبق تخريجه.
[ ٦٠٦ ]
وقال بعضُ السَّلف: الغيبةُ تخرقُ الصِّيامَ، والاستغفارُ يرقَعُهُ، فمن استطاع منكم أنْ لا يأتي بصوم مخرَّقٍ فليفعل (^١).
وقال ابنُ المنكدر: الصائمُ إذا اغتاب خرق، وإذا استغفر رقع.
وخرَّج الطبراني (^٢) بإسنادٍ فيه نظرٌ عن أبي هريرة مرفوعًا: «الصِّيامُ جُنَّةٌ ما لم يخرقها»، قيل: بم يخرقه؟ قال: «بكذبٍ أو غيبةٍ (^٣)».
فالجُنَّة: هي ما يستجنُّ بها العبد، كالمجنِّ الذي يقيه عندَ القتالِ من الضَّرب، فكذلك الصيام يقي صاحبه منَ المعاصي في الدُّنيا، كما قال - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٤)،
فإذا كان له جُنَّةٌ من المعاصي، كان له في الآخرة جُنَّةٌ من النار، وإنْ لم يكن له جُنَّةٌ في الدنيا من المعاصي، لم يكن له جُنَّةٌ في الآخرة من النار.
وخرَّج ابنُ مردويه من حديث عليٍّ مرفوعًا، قال: «بعث الله يحيى بن زكريا إلى بني إسرائيل بخمس كلماتٍ»، فذكر الحديثَ بطوله، وفيه: «وإنَّ الله يأمُركُم أنْ تصُوموا، ومَثَلُ ذلك كمثل رجلٍ مشى إلى عدوِّه، وقد أخذَ للقتال جُنَّةً، فلا يخافُ من حيث ما أُتي» (^٥). وخرَّجه من وجهٍ آخر عن عليٍّ موقوفًا، وفيه قال: «والصيامُ مَثَلُه كمثل رجلٍ انتصره النَّاسُ، فاستحدَّ في السِّلاح،
_________________
(١) أخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (٣٦٤٤) عن أبي هريرة.
(٢) في " الأوسط " (٤٥٣٦) و(٧٨١٤). وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٤/ ٣٢. وفيه الربيع بن بدر، قال عنه يحيى بن معين: «بصريٌّ ضعيف ليس بشيء»، وقال البخاري: «يقال له: عليلة بن بدر السعدي التميمي بصري»، وقال أبو داود: «ضعيف»، وقال أبو حاتم: «لا يشتغل به ولا بروايته، فإنَّه ضعيف الحديث ذاهب الحديث». انظر: الكامل ٤/ ٢٩، وتهذيب الكمال ٢/ ٤٥٧ (١٨٣٩). وهو كذلك من رواية الحسن عن أبي هريرة، وقد قال أبو حاتم الرازي، والذهبي بعدم سماع الحسن من أبي هريرة. انظر على سبيل المثال: المراسيل لابن أبي حاتم (١٠٢) و(١٠٣) و(١٠٤) … إلخ، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٥٦٦.
(٣) من قوله: «قيل بم يخرقه …» إلى سقط من (ص).
(٤) البقرة: ١٨٣.
(٥) أخرجه: البزار (٦٩٥) بدون لفظة: «وإن الله يأمركم أن تصوموا …» وقال عقبه : «ولم أرى الخامسة في كتابي»، وإسناد الحديث ضعيف.
[ ٦٠٧ ]
حتَّى ظنَّ أنَّه لن يصل إليه سلاحُ العدوِّ، فكذلك الصيامُ جنَّة» (^١).
وقوله: «والصدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النارَ» هذا الكلامُ رُويَ عن النَّبيِّ - ﷺ - مِن وجوهٍ أُخر، فخرَّجه الإمامُ أحمد والترمذي
من حديث كعب بن عُجرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «الصَّومُ جُنَّةٌ حصينةٌ، والصَّدقةُ تُطفئ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماء النار» (^٢).
وخرَّجه الطبراني وغيره من حديث أنس مرفوعًا، بمعناه (^٣).
وخرّجه الترمذي (^٤) وابنُ حبان في " صحيحه " (^٥) من حديث أنس، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إنَّ صدقة السِّرِّ لتطفئُ غضبَ الربِّ، وتدفع مِيتةَ السُّوء».
ورُوي عن عليِّ بنِ الحسين: أنَّه كان يحملُ الخبزَ على ظهرهِ باللَّيل يتَّبِعُ
به المساكين في ظُلمة الليل، ويقول: إنَّ الصَّدقة في ظلامِ (^٦) اللَّيلِ تُطفئُ غضبَ الرَّبِّ - ﷿ - (^٧). وقد قال الله - ﷿ -: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (^٨)، فدلَّ على أنَّ الصدقة يُكفَّر بها من السيئات: إما مطلقًا، أو صدقة السر.
وقوله: «وصلاةُ الرَّجُلِ في جوف الليل»، يعني: أنَّها تُطفئ الخطيئة أيضًا كالصَّدقة، ويدلُّ على ذلك ما خرَّجه الإمام أحمد من رواية عُروة بن النَّزَّال، عن معاذ قال: أقبلنا مع النَّبيِّ - ﷺ - من غزوة تبوك، فذكر الحديثَ، وفيه: «الصَّومُ جنَّةٌ، والصَّدقةُ وقيامُ العبد في جوف الليل يُكفر
الخطيئة» (^٩).
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزاق (٥١٤١).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) في " جامعه " (٦٦٤)، وقال: «حسن غريب» على أنَّ في إسناده عبد الله بن عيسى الخزاز ضعيف.
(٥) الإحسان (٣٣٠٩).
(٦) في (ج): «سواد».
(٧) أخرجه: ابن أبي عاصم في " الزهد ": ١٦، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٣/ ١٣٥ - ١٣٦.
(٨) البقرة: ٢٧١.
(٩) سبق تخريجه.
[ ٦٠٨ ]
وفي " صحيح مسلم " (^١) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبة قيامُ الليل».
وقد رُوي عن جماعةٍ من الصحابة: أنَّ الناس يحترقون بالنهار بالذنوب، وكلَّما قاموا إلى صلاةٍ من الصَّلوات المكتوبات أطفؤوا ذنوبهم، ورُوي ذلك مرفوعًا من وجوهٍ فيها نظرٌ.
فكذلك قيامُ الليل يُكفر الخطايا؛ لأنَّه أفضلُ نوافل الصلاة، وفي
" الترمذي " (^٢) من حديث بلال، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «عليكم بِقيام الليل،
فإنَّه دأبُ الصالحين قَبلَكُم، وإنَّ قيامَ الليل قربةٌ إلى الله - ﷿ -، ومنهاةٌ عن
الإثم، وتكفيرٌ للسيئات، ومطردة للدَّاءِ عن الجسد». وخرَّجه أيضًا من حديث
أبي أُمامة (^٣)، عن النَّبيِّ - ﷺ - بنحوه، وقال: هو أصحُّ من حديث بلال.
وخرَّجه ابن خزيمة (^٤) والحاكم (^٥) في " صحيحيهما " من حديث أبي أمامة أيضًا.
وقال ابن مسعود: فضلُ صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية. وخرَّجه أبو نعيم عنه مرفوعًا (^٦)، والموقوف (^٧) أصح.
_________________
(١) الصحيح ٣/ ١٦٩ (١١٦٣) (٢٠٢) و(٢٠٣).
(٢) الجامع الكبير (٣٥٤٩). وأخرجه: المروزي في " قيام الليل " (١٨)، والروياني في " مسند الصحابة " (٧٤٥)، والشاشي (٩٧٨)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٣٠٨٧)، وهذا حديث ضعيف، قال الترمذي: «غريب لا نعرفه من حديث بلال إلا من هذا الوجه، ولا يصحّ من قبل إسناده؛ وسمعت محمد بن إسماعيل، يقول: محمد القرشي هو: محمد بن سعيد الشامي، وهو: ابن قيس، وهو: محمد بن حسّان، وقد ترك حديثه».
(٣) الجامع الكبير (٣٥٤٩ م ٢).
(٤) مختصر المختصر (١١٣٥)، وقلت في تعليقي هناك: «هذا الحديث منكر من منكرات معاوية بن صالح، وقد ساقه ابن عدي في كتابه " الكامل " ضمن منكراته، وقد سبق إلى هذا الإعلال أبو حاتم الرازي فقد قال: «وهو حديث منكر لم يروه غير معاوية بن صالح، وأظنه من حديث محمد بن سعيد الشامي الأزدي؛ فإنَّه يروي هذا الحديث بإسنادٍ آخر» علل الحديث (٣٤٦)».
(٥) المستدرك ١/ ٣٠٨. وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٧٤٦٦) وفي " الأوسط "، له (٣٢٦٥)، والبيهقي ٢/ ٥٠٢، والبغوي (٩٢٢).
(٦) في " حلية الأولياء " ٤/ ١٦٧ و٥/ ٣٦.
(٧) في " حلية الأولياء " ٤/ ١٦٧ و٥/ ٣٦ و٧/ ٢٣٨. وأخرجه: ابن أبي شيبة (٦٦١٠)، والطبراني في " الكبير " (٨٩٩٨) و(٨٩٩٩) موقوفًا.
[ ٦٠٩ ]
وقد تقدَّم أنَّ صدقة السِّرِّ تُطفئُ الخطيئة، وتُطفئ غضبَ الرَّبِّ، فكذلك صلاةُ الليل.
وقوله: «ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^١)، يعني: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - تلا هاتين الآيتين عندَ ذكره فضلَ صلاة الليل، ليبيِّنَ بذلك فضل صلاة الليل، وقد رُويَ عن أنس أنَّ هذه الآية نزلت في انتظار صلاةِ العشاء، خرَّجه الترمذي وصححه (^٢). ورُوي عنه أنَّه قال في هذه الآية: كانوا يتنفلون بينَ المغرب والعشاء، خرَّجه أبو داود (^٣). وروي نحوه عن بلال، خرّجه البزار بإسنادٍ ضعيف (^٤).
وكلُّ هذا يدخل في عموم لفظ الآية، فإنَّ الله مدح الذين تتجافى جنوبُهم عن المضاجع لدعائه، فيشملُ ذلك كلَّ مَنْ ترك النَّومَ بالليل لذكر الله ودُعائه، فيدخلُ فيه مَنْ صلَّى بين العشاءين، ومن انتظرَ صلاة العشاءِ فلم ينم حتَّى يُصليها لاسيما مع حاجته إلى النوم، ومجاهدة نفسه على تركه لأداء الفريضة، وقد قال النَّبيُّ - ﷺ - لمنِ انتظرَ صلاةَ العشاء: «إنَّكم لن تَزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصَّلاة» (^٥).
ويدخلُ فيه مَنْ نامَ ثمَّ قام مِنْ نومه باللَّيل للتهجُّدِ، وهو أفضلُ أنواع التطوُّع بالصَّلاة مطلقًا.
_________________
(١) السجدة: ١٦ - ١٧.
(٢) في " جامعه " (٣١٩٦). وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٢١٥٠٥).
(٣) في " سننه " (١٣٢٢). وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٢١٥٠٥).
(٤) في " مسنده " (١٣٦٤). وفيه عبد الله بن شبيب، قال عنه الهيثمي: «ضعيف». انظر: مجمع الزوائد ٧/ ٩٠، وكذا في السند علل أُخر.
(٥) أخرجه: ابن أبي شيبة (٤٠٧٤)، وأحمد ٣/ ١٨٢ و١٨٩ و٢٠٠ و٢٦٧، وعبد بن حميد (١٢٩٢)، والبخاري ١/ ١٥٠ (٥٧٢) و١/ ١٦٨ (٦٦١) و١/ ٢١٤ (٨٤٧) و٧/ ٢٠١ (٥٨٦٩)، ومسلم ٢/ ١١٦ (٦٤٠) (٢٢٢)، وأبو يعلى (٣٣١٣)، وأبو عوانة ١/ ٣٠٣، وابن حبان (١٥٣٧)، وأبو نعيم في " المسند المستخرج " (١٤٢٣)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٦٣٧٠).
[ ٦١٠ ]
وربما دخل فيه من ترك النَّوم عندَ طُلوع الفجر، وقام إلى أداء صلاةِ الصُّبح، لاسيما مع غَلَبَةِ النَّوم عليه، ولهذا يُشرع للمؤذِّن في أذان الفجر أنْ يقولَ في أذانه: الصَّلاة خَيرٌ مِن النوم.
وقوله - ﷺ -: «وصلاةُ الرَّجُلِ من جوف الليل» ذكر أفضلَ أوقات التهجُّد بالليل، وهو جوفُ الليل،
وخرَّج الترمذي (^١) والنَّسائي (^٢) من حديث أبي أمامة، قال: قيل: يا رسول الله، أيُّ الدُّعاء أسمع؟ قالَ: «جوفُ الليل الآخرِ، ودُبُرُ الصَّلوات المكتوبات».
وخرَّجه ابن أبي الدنيا «^٣) من حديث أبي ذرٍّ قال: سألتُ النَّبيَّ - ﷺ - أي الليل خير؟ قالَ: «خير الليل جوفه». وخرَّج الإمام أحمد (^٤) من حديث أبي مسلم قال: قلت لأبي ذرٍّ: أيُّ قيام الليل أفضل؟ قال: سألت النَّبيَّ - ﷺ - كما سألتني، فقال:
«جوفُ اللَّيل الغابر (^٥)، أو نصف الليل، وقليلٌ فاعله».
_________________
(١) في " جامعه " (٣٤٩٩)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن» على أنَّ إسناده قد أعل بالانقطاع فقد أعل سند الحديث ابن القطان فقال: «اعلم أنَّ ما يرويه ابن سابط، عن أبي أمامة، هو منقطع لم يسمع منه» بيان الوهم والإيهام ٢/ ٣٨٥ (٣٨٧).
(٢) في " الكبرى " (٩٩٣٦) وفي " عمل اليوم والليلة "، له (١٠٨).
(٣) في " التهجد " (٢٤٠).)، ولفظه: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فقال: أيُّ الصلاة أفضل؟ قال: «جوفُ الليل الأوسط»، قال: أيُّ الدُّعاء أسمع؟ قال: «دُبر المكتوبات». وخرَّج النَّسائي ¬في " الكبرى " (٤٢١٦). وأخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٣٦ (١٦٣٥) ثم ساقه مرسلًا، وظاهر صنيعه أنَّه أعله بالإرسال.
(٤) في " مسنده " ٥/ ١٧٩. وأخرجه: النسائي في " الكبرى " (١٣٠٨)، وابن حبان (٢٥٦٤)، والبيهقي ٣/ ٤، وإسناده ضعيف المهاجر أبو خالد قال عنه أبو حاتم: «لين الحديث ليس بذاك، وليس بالمتقن، يكتب حديثه»؛ لكن للحديث شواهد تقويه.
(٥) أي: الباقي.
[ ٦١١ ]
وخرَّج البزار (^١)، والطبراني (^٢) من حديث ابنِ عمر، قال: سُئلَ النَّبيُّ - ﷺ -: أيُّ الليل أجوبُ دعوةً؟ قالَ: «جوف الليل»، زاد البزار في روايته: «الآخر».
وخرَّج الترمذي (^٣) من حديثِ عمرو بن عبسة، سمع النَّبيَّ - ﷺ - يقول
: «أقربُ ما يكونُ الربُّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكونَ ممَّن يذكر الله في تلك الساعة فكن»، وصححه، وخرَّجه الإمام أحمد (^٤)،
ولفظه قالَ: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ الساعات أفضلُ؟ قال: «جوفُ الليل الآخر» وفي روايةٍ (^٥) له أيضًا: قال: «جوف الليل الآخر أجوبُه دعوةً»، وفي روايةٍ (^٦) له: قلتُ: يا رسول الله، هل مِنْ ساعةٍ أقربُ إلى الله من أخرى؟ قال: «جوف الليل الآخر (^٧)». وخرَّجه ابن ماجه (^٨)، وعنده: «جوفُ اللَّيل الأوسط» وفي روايةٍ للإمام أحمد (^٩) عن عمرو بن عبسة، قال: قلتُ: يا رسول الله، هل من ساعةٍ أفضلُ من ساعةٍ؟ قال: «إنَّ الله ليتدلَّى في جوف الليل، فيغفر إلاَّ ما كان من الشرك».
وقد قيل: إنَّ جوف الليل إذا أطلق، فالمرادُ به وسطُه، وإنْ قيل: جوف الليل الآخر،
فالمرادُ وسط النِّصف الثاني، وهو السدسُ الخامسُ من أسداس الليل، وهو الوقتُ الذي ورد فيه النزول الإلهي.
_________________
(١) كما في " كشف الأستار " (٣١٥١).
(٢) في " الأوسط " (٣٤٢٨)، وفي " الصغير "، له (٣٤٧).
(٣) في " جامعه " (٣٥٧٩). = = … وأخرجه: النسائي ١/ ٢٧٩ وفي " الكبرى "، له (١٥٤٤)، وابن خزيمة (١١٤٧)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ٣٧ و٣٥٢، والحاكم ١/ ٣٠٩.
(٤) في " مسنده " ٤/ ١١٢ و٣٨٥. وأخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ٤/ ١٦٤ - ١٦٥، وعبد بن حميد (٣٠٠).
(٥) في " مسنده " ٤/ ٣٨٧، وإسناد هذه الرواية ضعيف، وقد اضطرب راويها ففي بعضها : «أوجبه». وأخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٥/ ١٥٤.
(٦) في " مسنده " ٤/ ١١٤. وأخرجه: عبد بن حميد (٢٩٧)، والنسائي ١/ ٢٧٩ و٢٨٣ وفي "الكبرى"، له (١٥٤٤) و(١٥٦٠)، وابن خزيمة (١١٤٧)، وهو حديث صحيح. …
(٧) من قوله: «أجوبه دعوة …» إلى هنا سقط من (ص).
(٨) في " سننه " (١٢٥١)، وإسناده ضعيف لضعف يزيد بن طلق وعبد الرحمان بن البيلماني.
(٩) في " مسنده " ٤/ ٣٨٥، وإسناده ضعيف لانقطاعه بين سليم بن عامر وعمر بن عَبسة.
[ ٦١٢ ]
وقوله - ﷺ -: «ألا أُخبرك برأسِ الأمر وعموده وذِروة سنامه؟» قلتُ: بلى
يا رسول الله، قال: «رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاةُ، وذِروةُ سنامه
الجهادُ»، وفي روايةٍ للإمام أحمد من رواية شهر بن حوشب، عن ابن غَنْمٍ، عن معاذ قال: قال لي نبيُّ الله - ﷺ -: «إنْ شئتَ حدَّثتُك برأسِ هذا الأمرِ وقِوام هذا الأمرِ وذِروة السَّنام»، قلتُ: بلى، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ رأسَ هذا الأمر أنْ تشهدَ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسولُه، وإنَّ قِوام هذا الأمر إقام الصَّلاة، وإيتاءُ الزكاة، وإنَّ ذِروة السَّنام منه الجهادُ في سبيل الله، إنَّما أُمِرْتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتّى يُقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزَّكاة، ويشهدوا أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، فإذا فعلوا ذلك، فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّها، وحسابُهم على الله - ﷿ -». وقال رسول الله - ﷺ -:
«والذي نفسُ محمدٍ بيده، ما شحب وجهٌ، ولا اغبرَّت قدمٌ في عملٍ يُبتغى فيه درجات الجنَّة بعدَ الصلاة المفروضة كجهادٍ في سبيل الله، ولا ثَقَّلَ ميزانَ عبدٍ كدابَّةٍ تنفق له في سبيل الله، أو يُحمل عليها في سبيل الله - ﷿ -» (^١).
فأخبر النَّبيُّ - ﷺ - عن ثلاثة أشياء: رأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه.
فأمَّا رأس الأمر، ويعني بالأمر: الدين الذي بعث به وهو الإسلام، وقد جاء تفسيرُه في الرواية الأخرى بالشهادتين، فمن لم يقرَّ بهما ظاهرًا وباطنًا، فليسَ من الإسلام في شيء.
وأمَّا قِوام الدين الذي يقومُ به الدِّين كما يقومُ الفسطاطُ على عموده، فهو
الصلاة، وفي الرواية الأخرى: «وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة» وقد سبق القولُ في أركان الإسلام وارتباط بعضها ببعض.
وأمَّا ذِروة سنامه - وهو أعلى ما فيه وأرفعه - فهو الجهاد، وهذا يدلُّ على أنَّه أفضلُ الأعمال بعدَ الفرائض، كما هو قولُ الإمام أحمد وغيره من العلماء.
وقوله في رواية الإمام أحمد: «والذي نفس محمدٍ بيده ما شحب وجهٌ ولا اغبرَّت قدمٌ
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٦١٣ ]
في عمل يُبتغى به درجات الجنَّة بعدَ الصَّلاة المفروضة كجهادٍ في سبيلِ الله - ﷿ -» يدلُّ على ذلك صريحًا.
وفي " الصحيحين " (^١) عن أبي ذرٍّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ العمل أفضلُ؟ قال: «إيمانٌ بالله وجهادٌ في سبيله».
وفيهما (^٢) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «أفضلُ الأعمال إيمانٌ بالله، ثمَّ جهاد في سبيل الله».
والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ جدًا.
وقوله: «ألا أُخبرك بملاك ذلك كُلِّه» قلتُ: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه فقال: «كُفَّ عليك هذا» إلى آخر الحديث. هذا يدلُّ على أنَّ كفَّ اللسان وضبطه وحبسه هو أصلُ الخير كُلِّه، وأنَّ من ملك لسانه، فقد ملك أمره وأحكمه (^٣) وضبطه، وقد سبق الكلامُ على هذا المعنى في شرح حديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا، أو ليصمت» (^٤). وفي شرح حديث: «قل: آمنتُ باللهِ، ثم استقم» (^٥). وخرَّج البزار في " مسنده " (^٦) من حديث أبي اليَسَر (^٧) أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، دلَّني على عملٍ يُدخلني الجنَّة، قال: «أمسك هذا»، وأشار إلى لسانه، فأعادها عليه، فقال: «ثكلتك أمُّك، هل يَكُبُّ النَّاسَ على مناخرهم في النَّار إلاَّ حصائدُ ألسنتهم»
وقال: إسناده حسن.
والمرادُ بحصائد الألسنة: جزاءُ الكلام المحرَّم وعقوباته؛ فإنَّ الإنسانَ يزرع
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه: البخاري ٢/ ١٦٤ (١٥١٩)، ومسلم ١/ ٦١ (٨٣) (١٣٥).
(٣) سقطت من (ص).
(٤) الحديث الخامس عشر.
(٥) الحديث الحادي والعشرون.
(٦) البحر الزخار (٢٣٠٢). وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١٠/ ٣٠٠.
(٧) أبو اليَسَر، بفتح التحتانية والمهملة: كعب بن عمرو بن عباد السَّلمي، بالفتح، صحابي بدريٌّ جليل. التقريب (٥٦٤٦).
[ ٦١٤ ]
بقوله وعمله (^١) الحسنات والسَّيِّئات، ثم يَحصُدُ يومَ القيامة ما زرع، فمن زرع خيرًا من قولٍ أو عملٍ حَصَد الكرامةَ، ومن زرع شرًَّا مِنْ قولٍ أو عملٍ حصد غدًا النَّدامة.
وظاهرُ حديثِ معاذ يدلُّ على أنَّ أكثر ما يدخل النَّاسُ به النار النُّطقُ بألسنتهم، فإنَّ معصية النُّطق يدخل فيها الشِّركُ وهو أعظمُ الذنوب عندَ الله - ﷿ - (^٢)، ويدخل فيها القولُ على الله بغير علم، وهو قرينُ الشِّركِ، ويدخلُ فيه شهادةُ الزُّور التي عدَلت الإشراك بالله - ﷿ -، ويدخلُ فيها السِّحر والقذفُ وغيرُ ذلك مِنَ الكبائر والصَّغائر كالكذب والغيبةِ والنَّميمة، وسائرُ المعاصي الفعلية لا يخلو غالبًا من قول يقترن بها يكون معينًا عليها.
وفي حديث أبي هُريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «أكثرُ ما يُدخِلُ النَّاسَ النارَ الأجوفان: الفمُ والفرجُ» خرَّجه الإمام أحمد (^٣) والترمذي (^٤).
وفي " الصحيحين " (^٥) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إنَّ الرجلَ ليتكلَّمُ بالكلمة ما يتبيَّنُ ما فيها، يَزِلُّ بها في النَّار أبعدَ ما بينَ المشرق والمغرب»
وخرَّجه الترمذي (^٦)، ولفظه: «إنَّ الرجلَ ليتكلَّم بالكلمة لا يرى بها بأسًا، يهوي بها سبعين خريفًا في النار».
وروى مالك (^٧)، عن زيد بنِ أسلم، عن أبيه: أنَّ عمرَ دخل على أبي بكر الصديق ﵄ وهو يجبذ لسانه، فقال عمر (^٨): مه، غفر الله لك! فقال أبو بكرٍ: هذا أوردني الموارد.
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) عبارة: «عند الله - ﷿ -» لم ترد في (ص).
(٣) في " مسنده " ٢/ ٢٩١ و٣٩٢ و٤٤٢.
(٤) في " جامعه " (٢٠٠٤)، وقال الترمذي: «صحيح غريب».
(٥) أخرجه: البخاري ٨/ ١٢٥ (٦٤٧٧)، ومسلم ٨/ ٢٢٢ - ٢٢٣ (٢٩٨٨) (٥٠). وأخرجه: ابن حبان (٥٧٠٧) و(٥٧٠٨)، والبيهقي ٨/ ١٦٤ وفي " شعب الإيمان "، له
(٦) في " جامعه " (٢٣١٤)، وقال: «حسن غريب» على أنَّ الحديث صحيح. وأخرجه: أحمد ٢/ ٢٣٦ و٢٩٧ و٣٥٥، وابن ماجه (٣٩٧٠)، وابن أبي عاصم: ١٥ و٣٩٤، وأبو يعلى (٦٢٣٥)، والحاكم ٤/ ٥٩٧.
(٧) في " الموطأ " (٢٨٢٥) برواية الليثي.
(٨) لم ترد في (ص).
[ ٦١٥ ]
وقال ابنُ بريدة: رأيتُ ابنَ عبَّاسٍ آخذًا بلسانه وهو يقول: ويحك، قُلْ خيرًا تغنم، أو اسكت عن سُوءٍ تسلم، وإلا فاعلم أنَّك ستندم، قال: فقيل له: يا ابن عبَّاس، لم تقولُ هذا؟ قال: إنّه بلغني أنَّ الإنسان -أراه قال- ليس على شيءٍ من جسده أشدُّ حنقًا أو غيظًا يَوْمَ القيامةِ منه على لسانه إلا من قال به خيرًا، أو أملى به خيرًا (^١).
وكان ابن مسعود يحلِفُ بالله الذي لا إله إلا هو: ما على الأرض شيءٌ
أحوج إلى طولِ سجنٍ من لسان (^٢).
وقال الحسن: اللسان أميرُ البدن، فإذا جنى على الأعضاء شيئًا جنت، وإذا عفَّ عفت (^٣).
وقال يونس بنُ عبيد: ما رأيتُ أحدًا لسانه منه على بالٍ إلا رأيتُ ذلك صلاحًا في سائر عمله (^٤).
وقال يحيى بن أبي كثير: ما صلح منطقُ رجل إلاَّ عرفت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطقُ رجل قطُّ إلاَّ عرفت ذلك في سائر عمله (^٥).
وقال المبارك بن فضالة، عن يونس بن عبيد: لا تجدُ شيئًا مِنَ البرِّ واحدًا يتَّبعه البِرُّ كلّه غيرَ اللسان، فإنَّك تَجِدُ الرجل يصومُ النهار، ويُفطر على حرام، ويقومُ الليل ويشهد بالزور بالنهار - وذكرَ أشياءَ نحو هذا - ولكن لا تجده لا يتكلَّم إلا بحقٍّ فَيُخالف ذلك عمله أبدًا (^٦).
_________________
(١) أخرجه: أحمد في " الزهد " (١٠٤٧)، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ١/ ٣٢٧ - ٣٢٨.
(٢) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٦٤٩٩)، وهناد بن السري في " الزهد " (١٠٩٥)، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ١/ ١٣٤.
(٣) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الصمت " (٥٩).
(٤) أخرجه: أحمد في " الزهد " (١١٢) (ط دار الكتب العلمية).
(٥) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٣/ ٦٨.
(٦) أخرجه: أحمد في " الزهد " (١١٣) (ط دار الكتب العلمية).
[ ٦١٦ ]