عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قالَ: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأَخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسه». رواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ (^١).
هذا الحديث خرَّجاه في " الصحيحين " (^٢) من حديث قتادة، عن أنسٍ، ولفظُ مسلم: «حَتَّى يُحِبَّ لجاره أو لأخيه» بالشَّكِّ (^٣).
وخرَّجه الإمام أحمد، ولفظه: «لا يبلغُ عبدٌ حقيقةَ الإيمان حتَّى يحبَّ للناس ما يُحِبُّ لنفسه من الخِير» (^٤).
وهذه الرواية تبيِّنُ معنى الرِّواية المخرجة في " الصحيحين "، وأنَّ المرادَ بنفي الإيمان نفيُّ بلوغِ حقيقته ونهايته، فإنَّ الإيمانَ كثيرًا ما يُنفى لانتفاءِ بعض أركانِهِ وواجباته (^٥)، كقوله - ﷺ -: «لا يزني الزَّاني حِينَ يَزني وهو مؤمن، ولا يسرقُ السارقُ
_________________
(١) أخرجه: البخاري ١/ ١٠ (١٣)، ومسلم ١/ ٤٩ (٤٥) (٧١). وأخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (٦٧٧)، والطيالسي (٢٠٠٤)، وأحمد ٣/ ١٧٦ و٢٠٦ و٢٥١ و٢٧٢ و٢٧٨ و٢٨٩، وعبد بن حميد (١١٧٥)، والدارمي (٢٧٤٣)، وابن ماجه (٦٦)، والترمذي (٢٥١٥)، والنسائي ٨/ ١١٥، وأبو عوانة ١/ ٣٣، وابن حبان (٢٣٤) و(٢٣٥)، وابن منده في " الإيمان " (٢٩٤) و(٢٩٥) و(٢٩٦) و(٢٩٧)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٨٨٩) من حديث أنس بن مالك، به.
(٢) صحيح البخاري ١/ ١٠ (١٣)، وصحيح مسلم ١/ ٤٩ (٤٥) (٧١) من طريق قتادة، عن أنس بن مالك، به.
(٣) الصحيح ١/ ٤٩ (٤٥) (٧٢) من حديث أنس بن مالك، به.
(٤) لم أره بهذا اللفظ عند أحمد، والذي عنده هو لفظ الشيخين، ولفظ: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير». انظر: مسند الإمام أحمد ٣/ ٢٠٦. وأما لفظ: «لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان … .» فهو عند ابن حبان (٢٣٥) من رواية ابن عدي، عن حسين المعلم، عن قتادة، عن أنس، به.
(٥) انظر: الإيمان لابن تيمية: ٣٠.
[ ٢٨٢ ]
حين يسرقُ وهو مؤمنٌ، ولا يشربُ الخمرَ حين يشربها وهو مؤمنٌ» (^١)، وقوله: «لا يُؤْمِنُ مَنْ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بوائِقَه» (^٢).
وقد اختلف العلماءُ (^٣) في مرتكب الكبائر: هل يُسمَّى مؤمنًا ناقصَ الإيمان، أم لا يُسمى مؤمنًا؟ وإنَّما يُقالُ: هو مسلم، وليس بمؤمنٍ على قولين، وهما روايتان عن الإمام أحمد (^٤).
فأمَّا من ارتكبَ الصَّغائرَ، فلا يزول عنه اسم الإيمان بالكلية، بل هو مؤمنٌ ناقصُ
الإيمان، ينقص من إيمانه بحسب ما ارتكبَ من ذلك (^٥).
والقولُ بأنَّ مرتكب الكبائر يقال له: مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ مرويٌّ عن جابرِ بنِ
عبد الله، وهو قولُ ابنِ المبارك وإسحاق وأبي عُبيد وغيرهم، والقول بأنَّه مسلمٌ، ليس بمؤمنٍ مرويٌّ عن أبي جعفر محمد بن علي، وذكر بعضُهم أنَّه المختارُ عندَ أهلِ السُّنَّةِ.
_________________
(١) سبق تخريجه عند الحديث الثاني. قال الحسن: يجانبه الإيمان ما دام كذلك، فإن راجع راجعه الإيمان. وقال أحمد: حدثنا معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعي، قال: وقد قلت للزهري حين ذكر هذا الحديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن …» فإنَّهم يقولون: فإنْ لم يكن مؤمنًا فما هو؟ قال: فأنكر ذلك، وكره مسألتي، انظر: الإيمان لابن تيمية: ٣٠.
(٢) سبق تخريجه عند الحديث الثاني.
(٣) لم ترد في (ص).
(٤) انظر: الإيمان لابن تيمية: ١٩٠، والعقيدة الطحاوية:٦٥ - ٦٦، والتبصير بقواعد التكفير: ١٦ - ١٧، وشرح العقيدة الطحاوية: ٣٢١ - ٣٢٢. قال محمد بن نصر المروزي: وحكى غير هؤلاء أنَّه سأل أحمد بن حنبل عن قول النَّبيِّ - ﷺ - : «لا يزني الزاني … ..» فقال: من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن فهو مسلم، ولا أُسميه مؤمنًا؟ ومن أتى دون ذلك - يريد: دون الكبائر - أُسميه مؤمنًا ناقص الإيمان. انظر: الإيمان لابن تيمية: ١٩٩.
(٥) انظر: الإيمان لابن تيمية: ١٩٩، والتبصير بقواعد التكفير: ١٧، والوجيز في عقيدة السلف الصالح: ١٢١.
[ ٢٨٣ ]
وقال ابنُ عباس: الزاني يُنزَعُ منه نورُ الإيمان (^١). وقال أبو هريرة: يُنْزَعُ منه الإيمانُ، فيكون فوقَه كالظُّلَّةِ، فإذا تابَ عاد إليه (^٢).
وقال عبدُ الله بن رواحة وأبو الدرداء: الإيمانُ كالقميصِ، يَلبَسُه الإنسانُ تارةً، ويخلعه أخرى، وكذا قال الإمام أحمد - ﵀ - وغيره (^٣)، والمعنى: أنَّه إذا كمَّل خصالَ الإيمان لبسه، فإذا نقصَ منها شيئًا نزعه، وكلُّ هذا إشارةٌ إلى الإيمان الكامل التَّام الذي لا يَنْقُصُ من واجباته شيء.
والمقصودُ أنَّ مِن جملة خِصال الإيمانِ الواجبةِ أنْ يُحِبَّ المرءُ لأخيه المؤمن ما يحبُّ لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه، فإذا زالَ ذلك عنه، فقد نَقَصَ إيمانُهُ بذلك.
وقد رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال لأبي هريرة: «أَحِبَّ للنَّاسِ ما تُحبُّ لنفسِك تكن مسلمًا» خرَّجه الترمذي وابن ماجه (^٤).
وخرَّج الإمام أحمد (^٥) من حديث معاذٍ: أنَّه سألَ النَّبيَّ - ﷺ - عن أفضلِ الإيمان، قال: «أفضلُ الإيمانِ أنْ تُحِبَّ للهِ وتُبغِضَ للهِ، وتُعْمِلَ لسانَك في ذكر الله»، قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: «أنْ تُحِبَّ للنَّاس ما تُحبُّ لنفسك، وتكرَه لهم ما تكرهُ لنفسك، وأنْ تقول خيرًا أو تَصْمُت».
وقد رتَّب النَّبيُّ - ﷺ - دخولَ الجنَّة على هذه الخَصْلَةِ؛ ففي " مسند الإمام أحمد " (^٦) - ﵀ - عن يزيد بن أسدٍ القَسْري، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «أتحبُّ الجنَّةَ» قلت: نعم، قال: «فأحبَّ لأخيكَ ما تُحبُّ لنفسك».
_________________
(١) ذكره: الآجري في " الشريعة ": ١١٥، وابن تيمية في " الإيمان ": ٣٠.
(٢) ذكر: ابن تيمية في " الإيمان ": ٣٠ نحوه.
(٣) ورد نحو هذا القول عن أبي هريرة. انظر: الإيمان لابن تيمية: ٣٠. وورد نحوه أيضًا من قول سفيان الثوري. انظر: حلية الأولياء ٧/ ٣٢. وورد من قول الإمام أحمد. انظر: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة ١/ ٩٢.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) في" مسنده " ٥/ ٢٤٧ من حديث معاذ بن أنس الجهني، به، وإسناده ضعيف لضعف رشدين ابن سعد ولضعف زبان بن فائد.
(٦) المسند ٤/ ٧٠. وأخرجه: الحاكم ٤/ ١٦٨، وإسناده ضعيف لضعف روح بن عطاء بن أبي ميمونة.
[ ٢٨٤ ]
وفي " صحيح مسلم " (^١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «مَنْ أحبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عن النَّارِ ويُدخَلَ الجنة فلتدركه منيَّتُه وهو يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، ويأتي إلى الناسِ الذي يحبُّ أنْ يُؤْتَى إليه».
وفيه أيضًا عن أبي ذرٍّ، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «يا أبا ذرٍّ، إني أراكَ ضعيفًا، وإني أحبُّ لك ما أُحبُّ لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا تولَّينَّ مالَ
يتيم» (^٢).
وإنَّما نهاه عن ذلك، لما رأى من ضعفه، وهو - ﷺ - يحبُّ هذا لكلِّ ضعيفٍ، وإنَّما كان يتولَّى أمورَ النَّاسِ؛ لأنَّ الله قوَّاه على ذلك، وأمره بدعاء الخَلْقِ كلِّهم إلى طاعته، وأنْ يتولَّى سياسةَ دينهم ودنياهم (^٣).
وقد رُوِيَ عن عليٍّ قال: قال لي النَّبيُّ - ﷺ -: «إنِّي أرضى لك ما أرضى لِنفسي، وأكره لك ما أكرهُ لنفسي، لا تقرأ القرآن وأنتَ جنبٌ، ولا وأنتَ
راكعٌ، ولا وأنت ساجد» (^٤).
_________________
(١) الصحيح ٦/ ١٨ - ١٩ (١٨٤٤) (٤٦) و(٤٧). وأخرجه: أحمد ٢/ ١٦١ و١٩١ و١٩٢، وابن ماجه (٣٩٥٦)، والنسائي ٧/ ١٥٢ - ١٥٣، وابن حبان (٥٩٦١) من حديث عبد الله بن عمرو، به.
(٢) صحيح مسلم ٦/ ٧ (١٨٢٦) (١٧). وأخرجه: أبو داود (٢٨٦٨)، والنسائي ٦/ ٢٥٥، وابن حبان (٥٥٦٤) من حديث أبي ذر، به.
(٣) انظر: شرح السيوطي لسنن النسائي ٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٤) أخرجه: عبد الرزاق (٢٨٣٦)، وأحمد ١/ ١٤٦، والدارقطني ١/ ١٢٥ (٤٢٠) (طبعة دار الكتب العلمية)، مرفوعًا. وهو ضعيف. وأخرجه: عبد الرزاق (٢٨٣٣)، ومسلم ٢/ ٤٨ (٤٨٠) (٢٠٩)، وابن حبان
(٥) عن علي بلفظ: «نهاني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا». وأخرجه: الطيالسي (١٠١)، والحميدي (٥٧)، وأحمد ١/ ٨٣ و٨٤ و١٠٧ و١٢٤ و١٣٤، وأبو داود (٢٢٩)، وابن ماجه (٥٩٤)، والترمذي (١٤٦)، والنسائي ١/ ١٤٤، وابن الجارود (٩٤)، وأبو يعلى (٢٨٧) و(٣٤٨) و(٤٠٦) و(٥٢٤) و(٥٧٩) و٦٢٣)، وابن خزيمة (٢٠٨)، وابن حبان (٧٩٩)، والدارقطني ١/ ١٢٥
(٦) (طبعة دار الكتب العلمية)، والحاكم ٤/ ١٠٧، والبيهقي ١/ ٨٨ - ٨٩، والبغوي في " شرح السنة " (٢٧٣)، عن علي. بلفظ: كان رسول الله يأتي الخلاء فيقضي الحاجة ثم يخرج فيأكل معنا الخبز واللحم ويقرأ القرآن، ولا يحجبه، وربما قال: ولا يحجزه عن القرآن شيء إلا الجنابة.
[ ٢٨٥ ]
وكان محمَّدُ بنُ واسعٍ يبيع حمارًا له، فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لم أبعه (^١)، وهذه إشارةٌ منه إلى أنَّه لا يرضى لأخيه إلاَّ ما يرضى لنفسه، وهذا كلُّه من جملة النصيحة لعامة المسلمين التي هي مِنْ جملة الدين كما سبق تفسيرُ ذلك في موضعه (^٢).
وقد ذكرنا فيما تقدَّم حديثَ النعمان بنِ بشير، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «مَثَلُ المؤمنينَ في توادِّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثلُ الجسدِ، إذا اشتكى منه عُضوٌ، تداعى له سائرُ الجسدِ بالحُمى والسَّهر» خرَّجاه في " الصحيحين " (^٣)، وهذا يدلُّ على أنَّ المؤمنَ يسوؤه ما يسوءُ أخاه المؤمن، ويُحزِنُه ما يُحزنه.
وحديثُ أنس الذي نتكلَّمُ الآن فيه يدلُّ على أنَّ المؤمن يَسُرُّهُ ما يَسرُّ أخاه المؤمن، ويُريد لأخيه المؤمن ما يُريده لنفسه من الخير، وهذا كُلُّه إنَّما يأتي من كمالِ سلامةِ الصدر من الغلِّ والغشِّ والحسدِ، فإنَّ الحسدَ يقتضي أنْ يكره الحاسدُ أنْ يَفوقَه أحدٌ في خير، أو يُساوَيه فيه؛ لأنَّه يُحبُّ أنْ يمتازَ على الناسِ بفضائله، وينفرِدَ بها عنهم، والإيمانُ يقتضي خلافَ ذلك، وهو أنْ يَشْرَكَه المؤمنون كُلُّهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أنْ ينقص عليه منه شيء (^٤).
وقد مدح الله تعالى في كتابه من لا يُريد العلوَّ في الأرض ولا الفساد، فقال:
﴿تلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ (^٥). وروى ابنُ جريرٍ بإسنادٍ فيه نظرٌ (^٦) عن عليٍّ - ﵁ -، قال:
إنَّ الرَّجُلَ ليُعْجِبهُ مِن شِراكِ نعله أنْ يكونَ أجود من شراكِ صاحبه فَيدْخُلُ في قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٧) (^٨).
_________________
(١) ذكره: أبو نعيم في " الحلية " ٢/ ٣٤٩.
(٢) انظر: الحديث السابع.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٢/ ٩٨، وفتح الباري ١/ ٨٠.
(٥) القصص: ٨٣.
(٦) وذلك أنَّ في إسناده أشعث بن سعيد البصري السمان، قال عنه أبو حاتم: «ضعيف الحديث، منكر الحديث، سيء الحفظ، يروي المناكير عن الثقات». الجرح والتعديل ٢/ ١٩٩ (٩٨٠).
(٧) القصص: ٨٣.
(٨) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٢١٠٦٠) وطبعة التركي ١٨/ ٣٤٤، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ٩/ ٣٠٢٣ (١٧١٨١)، وأبو حيان في " تفسيره " ٧/ ١٣١، وأورده ابن كثير في " تفسيره ": ١٤٢٧ (طبعة دار ابن حزم)، والسيوطي في " الدر المنثور " ٥/ ٢٦٥.
[ ٢٨٦ ]
وكذا رُوي عن الفضيل بنِ عياض في هذه الآية، قال: لا يُحِبُّ أنْ يكونَ نعلُه أجودَ من نعل غيره، ولا شِراكُهُ أجودَ مِنْ شراك غيره (^١).
وقد قيل: إنَّ هذا محمولٌ على أنَّه إذا أراد (^٢) الفخر على غيره لا مجرَّد التجمل (^٣)، قال عكرمةُ وغيرُه من المفسرين في هذه الآية: العلوُّ في الأرض: التكبُّر، وطلبُ الشرف والمنْزلة عند ذي سلطانها، والفساد: العمل بالمعاصي (^٤).
وقد ورد ما يَدُلُّ على أنَّه لا يأثم مَنْ كره أنْ يفوقَه من الناسِ أحدٌ في الجمال، فخرَّج الإمامُ أحمدُ - ﵀ - (^٥) والحاكم في " صحيحه " (^٦) من حديث ابن مسعود - ﵁ -، قال: أتيتُ النَّبيَّ - ﷺ - وعنده مالكُ بن مرارةَ الرَّهَاوِيُّ، فأدركتُه وهو يقول: يَا رسولَ الله، قد قُسِمَ لي من الجمال ما ترى، فما أحبُّ أحدًا من النَّاس فضلني بشِراكَيْن فما فوقهما، أليس ذلك هو من البَغي؟ فقال: «لا، ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي من بَطِرَ - أو قال: سفه - الحقَّ وغَمط الناس».
وخرَّج أبو داود (^٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ - معناه، وفي حديثه: «الكبر» (^٨) بدل: «البغي».
_________________
(١) عبارة: «ولا شراكه أجود من شراك غيره» سقطت من (ص).
(٢) «إذا أراد» سقطت من (ص).
(٣) ذكره: ابن كثير في " تفسيره ": ١٤٢٧ (طبعة دار ابن حزم).
(٤) ذكره: الطبري في " تفسيره " (٢١٠٥٦) و(٢١٠٥٩)، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ٩/ ٣٠٢٢ (١٧١٧٦) و٩/ ٣٠٢٣ (١٧١٨٥)، وابن الجوزي في " تفسيره " ٦/ ٢٤٨، والقرطبي في " تفسيره " ١٣/ ٣٢٠، وابن كثير في " تفسيره ": ١٤٢٧ طبعة دار ابن حزم، والسيوطي في " الدر المنثور " ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٥) في " المسند " ١/ ٣٨٥، وهو حديث صحيح.
(٦) " المستدرك " ٤/ ١٨٢.
(٧) في " سننه " (٤٠٩٢) وهو صحيح.
(٨) سقطت من (ص).
[ ٢٨٧ ]
فنفى أنْ تكونَ كراهتُه؛ لأنْ يَفوقَهُ أحدٌ في الجمال بغيًا أو كبرًا، وفسَّر الكبر والبغي ببطر الحقِّ وغمط الناس (^١)، وهو التكبُّر عليه، والامتناع مِن قبوله كِبرًا إذا خالف هواه. ومن هنا قال بعض السَّلف: التَّواضُعُ أنْ تَقْبَلَ الحقَّ مِن كلِّ من جاء به، وإنْ كان صغيرًا، فمن قَبِلَ الحقَّ ممَّن جاء به، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، وسواء كان يحبُّه أو لا يحبه، فهو متواضع، ومن أبى قَبُولَ الحقِّ تعاظُمًا عليه، فهو متكبِّرٌ.
وغمط الناس: هو احتقارُهم وازدراؤهم، وذلك يحصُل مِنَ النَّظرِ إلى النَّفس بعينِ الكمالِ، وإلى غيره بعينِ النَّقص (^٢).
وفي الجملة: فينبغي للمؤمن أنْ يُحِبَّ للمؤمنينَ ما يُحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لِنفسه، فإنْ رأى في أخيه المسلم نقصًا في دينه اجتهدَ في إصلاحه. قال بعضُ الصالحين مِن السَّلف: أهلُ المحبة لله نظروا بنور الله، وعطَفُوا على أهلِ معاصي الله، مَقَتُوا أعمالهم، وعطفوا عليهم ليزيلوهُم بالمواعظ عن فِعالهم، وأشفقوا على أبدانِهم من النار،
لا يكون المؤمنُ مؤمنًا حقًا حتى يرضى للناسِ ما يرضاه لنفسه، وإنْ رأى في غيره فضيلةً فاق بها عليه فيتمنى لنفسه مثلها، فإنْ كانت تلك الفضيلةُ دينية، كان حسنًا، وقد تمنى النَّبيُّ - ﷺ - لنفسه منْزلةَ الشَّهادة (^٣).
وقال - ﷺ -: «لا حسدَ إلاَّ في اثنتين: رجل آتاهُ الله مالًا، فهو يُنفقهُ آناءَ الليلِ وآناءَ النَّهارِ، ورجُلٌ آتاهُ الله القرآن، فهو يقرؤهُ آناءَ الليل وآناءَ النهار» (^٤).
وقال في الذي رأى مَنْ (^٥) ينفق مالَه في طاعة الله، فقال: «لو أنَّ لي مالًا،
_________________
(١) عبارة «وغمط الناس» سقطت من (ج).
(٢) انظر: النهاية ٣/ ١٠١٤ - ١٠١٥، ومجمل اللغة ٣/ ٦٨٦، وأساس البلاغة ١/ ٧١٣، ولسان العرب ١٠/ ١٢٥، ومختار الصحاح: ٤٨١ - ٤٨٢.
(٣) حديث تمني النبي - ﷺ - الشهادة أخرجه: البخاري ١/ ١٥ (٣٦)، ومسلم ٦/ ٣٣ (١٨٧٦)
(٤) و٦/ ٦٤ (١٨٧٦) (١٠٦) من حديث أبي هريرة.
(٥) أخرجه: البخاري ١/ ٢٨ (٧٣) و٢/ ١٣٤ (١٤٠٩)، ومسلم ٢/ ٢٠١ (٨١٦)
(٦) ، من حديث عبد الله بن مسعود.
(٧) عبارة: «رأى من» سقطت من (ص).
[ ٢٨٨ ]
لفعلتُ فيه كما فعل، فهما في الأجر سواءٌ» (^١) وإنْ كانت دنيويةً، فلا خيرَ في تمنيها، كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (^٢). وأما قول الله - ﷿ -
: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٣)، فقد فُسِّرَ ذلك بالحسد، وهو تمنِّي الرجل نفس ما أُعطي أخوه من أهلٍ ومال، وأنْ ينتقل ذلك إليه، وفُسِّرَ بتمني ما هو ممتنع شرعًا أو قدرًا، كتمني النِّساءِ (^٤) أنْ يكنَّ رجالًا، أو يكون لهن مثلُ ما للرجالِ من الفضائلِ الدينية كالجهاد، والدنيوية كالميراثِ والعقلِ والشهادةِ
ونحو ذلك، وقيل: إنَّ الآية تشمل ذلك كُلَّه (^٥).
ومع هذا كُلِّه، فينبغي للمؤمن أنْ يحزنَ لفواتِ الفضائل الدينية، ولهذا أُمِرَ أنْ ينظر في الدين إلى مَنْ فوقَه، وأنْ يُنافِسَ في طلب ذلك جهده وطاقته، كما قال تعالى:
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمتَنَافِسُونَ﴾ (^٦) ولا يكره أنَّ أحدًا يُشارِكُه في ذلك، بل يُحِبُّ للناس كُلِّهم المنافسةَ فيه، ويحثُّهم على ذلك، وهو من تمام أداءِ النَّصيحة للإخوان (^٧).
قال الفضيلُ: إنْ كُنتَ تحبُّ أنْ يكونَ الناسُ مثلَك، فما أديتَ النَّصيحة لأخيك (^٨)، كيف وأنت تحبُّ أنْ يكونوا دونك؟! (^٩) يشير إلى أنَّ أداء النَّصيحة لهم أنْ يُحبَّ (^١٠) أنْ يكونوا فوقَه، وهذه منزلةٌ عالية، ودرجةٌ رفيعةٌ في النُّصح، وليس ذَلِكَ
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٦/ ٢٣٦ (٥٠٢٦) من حديث أبي هريرة، به.
(٢) القصص: ٧٩ - ٨٠.
(٣) النساء: ٣٢.
(٤) سقطت من (ص).
(٥) انظر: تفسير مجاهد: ١٥٤، وتفسير الطبري (٧٣١٩) و(٧٣٢٠) و(٧٣٢١) و(٧٣٢٢)، وتفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٩٣٥ (٥٢٢٦)، وتفسير القرطبي ٥/ ١٦٢ - ١٦٣، والبحر المحيط ١/ ٦٠٩، وأسباب النزول عن الصحابة والمفسرين: ٦٦.
(٦) المطففين: ٢٦.
(٧) انظر ما ذكره الطبري في " تفسيره " ١٥/ ١٣٤، والقرطبي في " تفسيره " ١٩/ ٢٦٦؛ والبغوي في " تفسيره " ٥/ ٢٦٦، وابن عطية في " تفسيره " ١٥/ ٣٦٦، وابن الجوزي في " تفسيره " ٩/ ٥٩.
(٨) في (ج): «لربك».
(٩) انظر: حلية الأولياء ٨/ ٨٧ نحوه.
(١٠) «أن يحب» سقطت من (ص).
[ ٢٨٩ ]
بواجبٍ، وإنَّما المأمورُ به في الشرع أنْ يُحبَّ أنْ يكونوا مثلَه، ومع هذا فإذا فاقه أحدٌ في فضيلة دينية اجتهد على لَحاقه، وحزن على تقصير نفسه، وتخلُّفِهِ عن لحاق السابقين، لا حسدًا لهم على ما آتاهُم الله من فضله - ﷿ - (^١)، بل منافسةً لهم، وغبطةً وحزنًا على النَّفس بتقصيرها وتخلُّفها عن درجات السابقين.
وينبغي للمؤمن أنْ لا يزال يرى نفسَه مقصِّرًا عن الدَّرجات العالية، فيستفيد بذلك أمرين نفيسين: الاجتهاد في طلب الفضائل، والازدياد منها، والنظر إلى نفسه بعينِ النَّقص، وينشأ مِنْ هذا أنْ يُحِبَّ للمؤمنين أنْ يكونوا خيرًا منه؛ لأنَّه لا يرضى لَهم أنْ يكونوا على مثلِ حاله، كما أنَّه لا يرضى لنفسه بما هي عليه، بل يجتهد في إصلاحها، وقد قالَ محمدُ بنُ واسع لابنه: أمَّا أبوكَ، فلا كثَّرَ الله في المسلمين مثلَه (^٢).
فمن كان لا يرضى عن نفسه، فكيف يُحبُّ للمسلمين أنْ يكونوا مثلَه مع نصحه لهم؟ بل هو يحبُّ للمسلمين أنْ يكونوا (^٣) خيرًا منه، ويحبُّ لنفسه أنْ يكونَ خيرًا ممَّا هو
عليه.
وإنْ عَلِمَ المرءُ أنَّ الله قد خصَّه على غيره بفضل، فأخبر به لمصلحة دينية، وكان إخباره على وجه التحدُّث بالنِّعمِ، ويرى نفسه مقصرًا في الشُّكر، كان جائزًا، فقد قال ابنُ مسعود: ما أعلم أحدًا أعلمَ بكتاب الله مني، ولا يمنع هذا أنْ يُحِبَّ للنَّاسِ أنْ يُشاركوه فيما خصَّهُ الله به، فقد قال ابنُ عبَّاسٍ: إني لأمرُّ على الآية من كِتاب الله، فأودُّ أنَّ النَّاسَ كُلَّهم يعلمُون منها ما أعلم، وقال الشافعيُّ: وددتُ أنَّ النَّاسَ تعلَّموا هذا العلمَ، ولم يُنْسَبْ إليَّ منه شيء (^٤)، وكان عتبةُ الغلامُ إذا أراد أنْ يُفطر يقول لبعض إخوانه المطَّلِعين على أعماله: أَخرِج إليَّ ماءً أو تمراتٍ أُفطر عليها؛ ليكونَ لك مثلُ أجري (^٥).
_________________
(١) عبارة: «من فضله - ﷿ -» لم ترد في (ج).
(٢) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٢/ ٣٥٠.
(٣) من قوله: «مثله مع نصحه …» إلى هنا سقط من (ص).
(٤) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٩/ ١١٩. وانظر: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٥، وآداب الشافعي: ٩٢، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ٥٤٠، والمناقب للبيهقي ١/ ١٧٣، والانتقاء: ٨٤، ومعرفة السنن والآثار ١/ ١٢٩.
(٥) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٢٣٥.
[ ٢٩٠ ]