عَنِ ابن عُمَرَ - رضيَ الله تعالَى عَنْهُما -: أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلاَّ الله، وأَنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ، ويُقيموا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، فإذا فَعَلوا ذلكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءهُم وأَموالَهُم، إلاَّ بِحَقِّ الإسلامِ، وحِسَابُهُم على اللهِ تَعالَى» رَوَاهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ.
هذا الحديث خرّجاه في " الصحيحين " (^١) من رواية واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمر.
وقوله: «إلا بحقِّ الإسلام» هذه اللفظة تفرَّد بها البخاري (^٢) دون مسلم.
وقد روي معنى هذا الحديث عنِ النَّبيِّ - ﷺ - من وجوهٍ متعددةٍ ففي " صحيح
البخاري " (^٣)
عن أنسٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - قال: «أُمِرتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتّى يَشهَدُوا أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُهُ، فإذا شَهِدُوا أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وصَلَّوا صَلاتَنا، واستَقْبَلُوا قِبلَتَنا، وأكلُوا ذَبِيحَتنا، فقَدْ حَرُمَتْ علينا دِماؤُهم وأموالُهم إلاَّ بحقِّها».
_________________
(١) صحيح البخاري ١/ ١٢ (٢٥)، وصحيح مسلم ١/ ٣٩ (٢٢) (٣٦). وأخرجه: ابن حبان (١٧٥) و(٢١٩)، والدارقطني ١/ ٢٣٢، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٤)، وابن منده في " الإيمان " (٢٥)، والبيهقي ٣/ ٩٢ و٣٦٧ و٨/ ١٧٧، والبغوي في " شرح السنة " (٣٣) من حديث عبد الله بن عمر، به.
(٢) في " صحيحه " ١/ ١٢ (٢٥).
(٣) صحيح البخاري ١/ ١٠٨ (٣٩٢). وأخرجه: أحمد ٣/ ١٩٩ و٢٢٤ و٢٢٥، وأبو داود (٢٦٤١) و(٢٦٤٢)، والترمذي
(٤) ، والنسائي ٧/ ٧٥ و٧٦ و٨/ ١٠٩ وفي " الكبرى "، له (٣٤١٤) و(٣٤١٥)، وابن حبان (٥٨٩٥) من حديث أنس بن مالك، به.
[ ٢٠٥ ]
وخرَّجَ الإمامُ أحمد (^١) من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال
: «إنَّما أُمِرْتُ أنْ أقاتلَ الناسَ حتى يُقيموا الصلاة، ويُؤْتُوا الزكاة، ويَشهَدوا أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريكَ (^٢) له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، فإذا فَعَلوا ذلك، فقد اعتصَمُوا (^٣) وعَصَمُوا دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّها، وحِسابُهُم على اللهِ - ﷿ -».
وخرَّجه ابن ماجه مختصرًا (^٤).
وخرَّج نحوه من حديث أبي هريرة - ﵁ - أيضًا (^٥)، ولكن المشهور من رواية أبي هريرة ليس فيه ذكرُ: إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة، ففي " الصحيحين " (^٦)
عن أبي هُريرة: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «أُمِرتُ أنْ أقاتِلَ الناس حتَّى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عَصَمَ منِّي مالَه ونَفسَهُ إلا بحقِّه، وحِسَابُه على الله - ﷿ -» وفي رواية لمسلم (^٧): «حتّى يَشهَدوا أنْ لا إله إلا الله، ويُؤمِنوا بي وبما جئتُ به».
وخرَّجه مسلم (^٨)
_________________
(١) في " مسنده " ٥/ ٢٤٦. وأخرجه: عبد بن حميد (١١٣)، وابن ماجه (٧٢)، والبزار (٢٦٦٩) و(٢٦٧٠)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٧)، وإسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب.
(٢) عبارة: «وحده لا شريك له» لم ترد في (ص).
(٣) «فقد اعتصموا» لم ترد في (ص).
(٤) في " سننه " (٧٢).
(٥) في " سننه " (٧١)، وسنده منقطع.
(٦) صحيح البخاري ٢/ ١٣١ (١٣٩٩) و٤/ ٥٨ (٢٩٤٦) و٩/ ١٩ (٦٩٢٤) و٩/ ١١٥
(٧) و(٧٢٨٥)، وصحيح مسلم ١/ ٣٨ (٢٠) (٣٢) و١/ ٣٨ - ٣٩ (٢١) (٣٣) و(٣٤) و(٣٥). = = … وأخرجه: الطيالسي (٢٤٤١)، وأحمد ١/ ١١ و٢/ ٣١٤ و٣٤٥ و٣٧٧ و٤٢٣ و٤٣٩ و٤٧٥ و٤٨٢ و٥٠٢ و٥٢٨، وأبو داود (٢٦٤٠)، وابن ماجه (٣٩٢٧)، والترمذي (٢٦٠٦)، والنسائي ٥/ ١٤ و٦/ ٤ و٦ و٧ و٧/ ٧٧ و٧٨ و٧٩ وفي "الكبرى"، له (٣٤١٨) و(٣٤١٩) و(٣٤٢٠) و(٣٤٢١) و(٣٤٢٢) و(٣٤٢٣) و(٣٤٢٤) و(٣٤٢٥) و(٣٤٢٦)، وابن الجارود (١٠٣٢)، وابن خزيمة (٢٢٤٨)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ١١٥، وابن حبان (١٧٤) و(٢١٦) و(٢١٧) و(٢١٨) و(٢٢٠) من حديث أبي هريرة، به.
(٨) في " صحيحه " ١/ ٣٩ (٢١) (٣٤) من حديث أبي هريرة، به.
(٩) في " صحيحه " ١/ ٣٩ (٢١) (٣٥). وأخرجه: عبد الرزاق (١٠٠٢١) و(١٩٢٥١)، وأحمد ٣/ ٣٠٠، وابن ماجه (٣٩٢٨)، والترمذي (٣٣٤١)، والنسائي ٧/ ٧٩ وفي " الكبرى "، له (٣٤٢٥) و(١١٦٠٦)، وأبو يعلى (٢٢٨٢) من حديث جابر بن عبد الله، به.
[ ٢٠٦ ]
أيضًا من حديث جابر - ﵁ -، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - بلفظ حديث أبي هريرة الأوَّل وزاد في آخره: ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ
بِمُصَيْطِرٍ﴾ (^١).
وخرّج أيضًا (^٢) من حديث أبي مالك الأشجعي، عن أبيه قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: «مَنْ قالَ: لا إله إلاَّ الله وكَفَرَ بما يُعْبَدُ مِنْ دُوْنِ اللهِ حُرِّمَ مالُه ودَمُه
وحسابه على الله - ﷿ -».
وقد رُوي عن سفيان بن عُيينة أنَّه قال: كان هذا في أوَّل (^٣) الإسلام قَبْلَ فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة، وهذا ضعيف جدًا، وفي صحته عن سفيان نَظَر، فإنَّ رواة هذه الأحاديث إنما صحبوا النَّبيَّ - ﷺ - بالمدينة، وبعضُهُم تأخَّر إسلامُه.
ثم قوله: «عَصَمُوا منِّي دماءهُم وأموالَهُم» يدلُّ على أنَّه كان عند هذا القول مأمورًا بالقتال، وبقتل من أبى الإسلام، وهذا كُلُّه بعد هجرته إلى المدينة، ومن المعلوم بالضرورة أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يقبل مِنْ كل منْ جاءه يريدُ الدخولَ في الإسلامِ الشهادتين فقط، ويَعْصِمُ دَمَه بذلك، ويجعله مسلمًا، فقد أنكر على أسامة بن زيد قتلَه لمن قال: لا إله إلا الله، لما رفع عليه السيفَ، واشتدَّ نكيرُه عليه (^٤).
ولم يكن النَّبيُّ - ﷺ - يشترطُ على مَنْ جاءه يريدُ الإسلامَ أنَّ يلتزمَ الصلاة والزكاة، بل قد روي أنَّه قبل من قومٍ الإسلام، واشترطوا أنْ لا يزكوا، ففي " مسند الإمام
أحمد " (^٥) عن جابر قال: اشترطت ثقيفٌ على رسولِ الله - ﷺ - أنْ لا صدقةَ عليها ولا جهادَ، وأنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: «سَيَصَّدَّقُون ويُجاهدون».
_________________
(١) الغاشية: ٢١ - ٢٢.
(٢) صحيح مسلم ١/ ٣٩ (٢٣) (٣٧) و١/ ٤٠ (٢٣) (٣٨).
(٣) في (ص): «بدو».
(٤) أخرجه: أحمد ٥/ ٢٠٠ و٢٠٧، والبخاري ٥/ ١٨٣ (٤٢٦٩)، ٩/ ٤ (٦٨٧٢)، ومسلم ١/ ٦٧ (٩٦) (١٥٨) و١/ ٦٨ (٩٦) (١٥٩)، وأبو داود (٢٦٤٣)، والنسائي في " الكبرى " (٨٥٤٠) و(٨٥٤١) من حديث أسامة بن زيد، به.
(٥) المسند ٣/ ٣٤١. وأخرجه: أبو داود (٣٠٢٥)، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٥/ ٣٠٦، وهو حديث صحيح.
[ ٢٠٧ ]
وفيه أيضًا عن نصر بن عاصم الليثي، عن رجل منهم: أنَّه أتى النَّبيَّ - ﷺ -، فأسلم على
أنْ لا يُصلي إلا صلاتين، فقبل منه (^١).
وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث، وقال: يصحُّ الإسلامُ على الشرط الفاسد، ثم يُلزم بشرائع الإسلام كُلها، واستدلَّ أيضًا بأنَّ حكيم بنَ حِزام قال: بايعتُ النَّبيَّ - ﷺ - على أن لا أَخِرَّ إلاّ قائمًا (^٢). قال أحمد: معناه أنْ يسجد من غير ركوع (^٣).
وخرَّج محمد بنُ نصر المروزيُّ (^٤) بإسنادٍ ضعيف جدًا عن أنس قال: لم يكن النَّبيُّ - ﷺ - يقبل مَنْ أجابه إلى الإسلام إلاّ بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على مَنْ أقرَّ بمحمَّدٍ - ﷺ - وبالإسلام، وذلك قولُ الله - ﷿ -: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^٥) وهذا لا يثبت، وعلى تقدير ثبوته، فالمرادُ منه أنَّه لم يكن يُقِرُّ أحدًا دخل في الإسلام على ترك الصَّلاةِ والزكاة وهذا حقٌّ، فإنَّه - ﷺ - أمر معاذًا لما بعثه إلى اليمن أنْ يدعُوَهُم أوَّلًا
إلى الشهادتين، وقال: «إنْ هُم أطاعوا لذلك، فأعلمهم بالصلاة، ثم بالزكاة» (^٦)
ومرادُه أنَّ من صار مسلمًا بدخوله في الإسلام أمر (^٧) بعد ذلك بإقام الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة، وكان من سأله عن الإسلام يذكر له مع
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٥/ ٢٥، وإسناده كلهم ثقات غير هذا المبهم الذي حدّث نصر بن عاصم. وانظر: المغني ١٠/ ٦٢٥.
(٢) أخرجه: أحمد ٣/ ٤٠٢، والنسائي ٢/ ٢٠٥ وفي " الكبرى "، له (٦٧٥)، والطبراني في " الكبير " (٣١٠٦)، وإسناده ضعيف لإنقطاعه. قوله: بايعت رسول الله - ﷺ - على أن لا أخر إلا قائمًا: من الخرور: وهو السقوط، يقال: خَرَّ يَخِرُّ بالكسر، وَخَرَّ يخُر بالضم: إذا سقط من عُلو. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٧٠.
(٣) انظر: المغنى ١٠/ ٦٢٥.
(٤) في " تعظيم قدر الصلاة " (١٢).
(٥) المجادلة: ١٣.
(٦) أخرجه: الشافعي في " مسنده " (٦٧٣) بتحقيقي، والدارمي (١٦١٤) و(١٦٢٢) و(١٦٣١)، والبخاري ٢/ ١٣٠ (١٣٩٥) و٢/ ١٤٧ (١٤٥٨) و٢/ ١٥٨ (١٤٩٦) و٥/ ٢٠٥ (٤٣٤٧) و٩/ ١٤٠ (٧٣٧١) (٧٣٧٢)، ومسلم ١/ ٣٨ (١٩) (٣٠) من حديث ابن عباس، به.
(٧) سقطت من (ص).
[ ٢٠٨ ]
الشهادتين بقية أركان (^١) الإسلام، كما قال لجبريل - ﵇ - لما سأله عن الإسلام (^٢)، وكما قال للأعرابيِّ الذي جاءه ثائر الرأس يسأل عن الإسلام (^٣).
وبهذا الذي قرَّرناه يظهر الجمع بين ألفاظ (^٤) أحاديث هذا الباب، ويتبين أنَّ كُلَّها
حقٌّ، فإنَّ كلمتي الشهادتين بمجردهما تَعْصِمُ من أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا، فإذا دخل في الإسلام، فإنْ أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وقام بشرائع الإسلام، فله ما
للمسلمين، وعليه ما عليهم، وإنْ أخلَّ بشيء من هذه الأركان، فإنْ كانوا جماعةً لهم مَنَعَةٌ قُوتِلوا.
وقد ظنَّ بعضُهم أنَّ معنى الحديثِ: أنَّ الكافرَ يُقاتل حتى يأتي بالشهادتين، ويقيمَ
الصلاة، ويؤتيَ الزكاة، وجعلوا ذلك حجةً على خطاب الكفار بالفروع، وفي هذا
نظر، وسيرة النَّبيِّ - ﷺ - في قتال الكفار تَدُلُّ على خلاف هذا،
وفي " صحيح مسلم " (^٥) عن أبي هريرة - ﵁ -: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - دعا عليًا يومَ خيبر، فأعطاه الراية وقال: «امشِ ولا تَلتَفِتْ حتّى يفتَحَ الله عليكَ» فسار عليٌّ شيئًا، ثم وقف، فصرخ: يا رسولَ الله على ماذا أُقاتِلُ الناس؟ فقال: «قاتلهم على أنْ يشهدوا أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا
رسول اللهِ، فإذا فَعلُوا ذلك، فقدْ عَصَموا منكَ دِماءهُم وأموالَهم إلاّ بحقِّها، وحِسابُهُم على الله - ﷿ -» فجعل مجرَّد الإجابة إلى الشهادتين عاصمة للنفوس والأموال إلا بحقها، ومِنْ حقها الامتناعُ من الصلاة والزكاة بعدَ الدخول في الإسلام كما فهمه الصحابة - ﵃ - (^٦).
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه: البخاري ١/ ١٨ (٤٦) و٣/ ٣٠ (١٨٩١) و٣/ ٢٣٥ (٢٦٧٨) و٩/ ٢٩ (٦٩٥٦)، ومسلم ١/ ٣١ (١١) (٨) و١/ ٣٢ (١١) (٩) من حديث طلحة بن عبيد الله.
(٤) سقطت من (ص).
(٥) الصحيح ٧/ ١٢١ (٢٤٠٥) (٣٣) و(٢٤٠٦) (٣٤). وأخرجه: الطيالسي (٢٤٤١)، وأحمد ٢/ ٣٨٤، والنسائي في " الكبرى " (٨٥٤٦) و(٨٥٤٧) و(٨٥٤٩).
(٦) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٢/ ٥٩، وفتح الباري ١/ ١٠٤.
[ ٢٠٩ ]
ومما يدلُّ على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من القرآن قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (^١) وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (^٢) وقولُه تعالى:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ﴾ (^٣) مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ
الْقَيِّمَةِ﴾ (^٤).
وثبت أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان إذا غزا قومًا لم يُغِرْ عليهم حتى (^٥) يُصبحَ فإنْ سمع أذانًا وإلا أغارَ عليهم، مع احتمال أنْ يكونوا قد دخلُوا في الإسلام (^٦).
وكان يُوصي سراياه: «إنْ سمعتُم مؤذنًا أو رأيتم مسجدًا، فلا تقتلوا أحدًا» (^٧).
وقد بعث عُيينة بنَ حِصنٍ إلى قوم من بني العنبر، فأغار عليهم ولم يسمع أذانًا، ثم ادَّعوا أنَّهم قد أسلموا قبل ذلك.
وبعث - ﷺ - إلى أهل عُمان كتابًا فيه: «مِنْ محمد النَّبيِّ إلى أهل عُمان، سلامٌ
أما بعدُ: فأقِرُّوا بشهادةِ أنْ لا إله إلا الله، وأنِّي رسولُ الله، وأدُّوا الزكاة، وخُطوا المساجد، وإلا غَزَوْتُكم» خرَّجه البزار والطبراني وغيرهما (^٨).
_________________
(١) التوبة: ٥.
(٢) التوبة: ١١.
(٣) البقرة: ١٩٣.
(٤) البينة: ٥.
(٥) في (ص): «إذا غزا لم يغر حتى».
(٦) أخرجه: مالك في " الموطأ " (١٣٤٥) برواية يحيى الليثي، والطيالسي (٢١٢٧)، وأحمد ٣/ ١٥٩ و٢٠٦ و٢٣٦ و٢٣٧ و٢٦٣، والبخاري ١/ ١٥٨ (٦١٠) و٤/ ٥٨ (٢٩٤٣) و(٢٩٤٤) و(٢٩٤٥)، وأبو داود (٢٥٩٦) و(٢٦٣٨)، والترمذي (١٥٥٠)، والنسائي في "الكبرى" (٨٥٤٤)، وأبو يعلى (٢٩٠٨) و(٣٨٠٤)، وابن حبان (٤٧٤٥) و(٤٧٤٦)، والبيهقي ٩/ ٧٩ و٨٠ و١٠٨، والبغوي (٢٧٠٢) من حديث أنس بن مالك، به.
(٧) أخرجه: الحميدي (٨٢٠)، وسعيد بن منصور (٢٣٨٥)، وأحمد ٣/ ٤٤٨، وأبو داود
(٨) ، والترمذي (١٥٤٩)، والبزار (١٧٣١)، والطبراني في "الكبير" ١٧/ (٤٦٧)، والبيهقي ٩/ ١٠٨، والبغوي (٢٧٠٣) من حديث عصام المزني، وإسناده ضعيف لجهالة ابن عصام.
(٩) أخرجه: البزار (٨٨٠)، والطبراني في " الأوسط " (٦٨٤٩) من حديث أبي شداد، به، وإسناده ضعيف، انظر: مجمع الزوائد ٣/ ٦٤.
[ ٢١٠ ]
فهذا كله يدلُّ على أنَّه كان يعتبر حالَ الداخلين في الإسلام، فإنْ أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة وإلا لم يمتنع عن قِتالهم، وفي هذا وقع تناظرُ أبي بكر وعمر ﵄ (^١) كما في " الصحيحين " (^٢)
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: لمَّا توفي رسول الله - ﷺ - واستخلف أبو بكر الصديق بعده (^٣)، وكَفَرَ مَنْ كَفَر مِنَ العربِ، قال عمر لأبي بكر: كيف تُقاتلُ الناسَ وقد قال رسولُ الله - ﷺ -: «أُمِرتُ أنْ أقاتِلَ الناسَ حتّى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عَصَم منِّي ماله ونفسَه إلا بحقه وحسابُه على الله - ﷿ -» فقال أبو بكر: والله لأقاتلَنَّ من فرَّق بين الصَّلاة والزكاة فإنَّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتُهم على منعه، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أنْ رأيتُ أنَّ الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفتُ أنَّه الحق.
فأبو بكر - ﵁ - أخذ قتالهم من قوله: «إلا بحقه» فدلَّ على أنَّ قتال من أتى بالشهادتين بحقه جائز، ومن حقه أداء حقِّ المالِ الواجب، وعمر - ﵁ - ظنَّ أنَّ مجرَّد الإتيان بالشهادتين يَعصِمُ الدمَ في الدنيا تمسكًا بعموم أوَّل الحديث كما ظنَّ طائفة من الناس أنَّ من أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة تمسكًا (^٤) بعموم ألفاظ وردت، وليس الأمر على ذلك، ثم إنَّ عمر رجع إلى موافقة أبي بكر - ﵁ - (^٥).
وقد خرَّج النسائي قصةَ تناظر أبي بكر وعمر بزيادة: وهي
أنَّ أبا بكر قال لعمر: إنَّما قال رسولُ الله - ﷺ -: «أُمرت أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتّى يَشهدُوا أنْ لا إله إلا الله، وأنِّي رسولُ الله، ويُقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» (^٦)
_________________
(١) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٢/ ٥٣.
(٢) أخرجه: البخاري ٢/ ١٣١ (١٣٩٩) و٤/ ٥٨ (٢٩٤٦) و٩/ ١٩ (٦٩٢٤) و٩/ ١١٥
(٣) و(٧٢٨٥)، ومسلم ١/ ٣٨ (٢٠) (٣٢) و١/ ٣٨ - ٣٩ (٢١) (٣٣) و(٣٤) و(٣٥).
(٤) سقطت من (ص).
(٥) قوله: «أول الحديث كما ظن …» إلى هنا لم يرد في (ص).
(٦) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٢/ ٥٣.
(٧) أخرجه: النسائي في " المجتبى " ٥/ ١٤ - ١٥ عن أبي هريرة، به.
[ ٢١١ ]
وخرجه ابنُ خزيمة في
" صحيحه " (^١)، ولكن هذه الرواية أخطأ فيها عمران القطان إسنادًا ومتنًا، قاله أئمة الحفاظ، منهم: علي بن المديني وأبو زرعة وأبو حاتم والترمذي والنسائي، ولم يكن هذا الحديث عن النبيِّ - ﷺ - بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر، وإنَّما قال أبو بكر: والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حقُّ المال، وهذا أخذه - والله أعلمُ - من قوله في الحديث (^٢) «إلاّ بحقها». وفي رواية: «إلاّ بحقِّ الإسلام» فجعل من حقِّ الإسلام إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما أنَّ من حقه أنْ لا يرتكب الحدود، وجعل كل ذلك مما استثنى بقوله: «إلا بحقها» (^٣).
وقوله: لأقاتلنَّ مَنْ فرّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حقُّ المال، يدلّ على أنَّ من ترك الصلاة، فإنَّه يقاتل؛ لأنَّها حقُّ البدن، فكذلك من ترك الزكاة التي هي حقُّ المال.
وفي هذا إشارة إلى أنَّ قتال تارك الصلاة أمر مجمع عليه؛ لأنَّه جعله أصلًا مقيسًا عليه، وليس هو مذكورًا في الحديث الذي احتج به عمر (^٤) وإنَّما أخذ من قوله: «إلا بحقها» فكذلك الزكاة؛ لأنَّها من حقها، وكلّ ذلك من حقوق الإسلام (^٥).
ويُستدلُّ أيضًا على القتال على ترك الصلاة بما في " صحيح مسلم " (^٦)
عن أمِّ سلمةَ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - قال: «يُستَعْمَل عليكُم أُمراءُ، فتَعرِفون وتُنكِرون، فمن أنكرَ فقد بَرِئ، ومن كَرِهَ فقد سَلِم، ولكن من رَضِي وتَابَع» فقالوا: يا رسول الله ألا نُقاتِلُهم؟ قال: «لا ما صلَّوا».
_________________
(١) مختصر المختصر (٢٢٤٧) من حديث أنس بن مالك، به، وانظر تعليقي هناك.
(٢) عبارة: «في الحديث» لم ترد في (ص).
(٣) انظر: السنن للبيهقي ٨/ ١٧٧، وشرح النووي لصحيح مسلم ٢/ ٥٣، وفتح الباري ١/ ١٠٤.
(٤) لم ترد في (ص).
(٥) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٢/ ٥٣.
(٦) الصحيح ٦/ ٢٣ (١٨٥٤) (٦٤) وعقب ٦/ ٢٤ (١٨٥٨) (٦٤). وأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٧٢٩٦)، وأحمد ٦/ ٢٩٥ و٣٠٢ و٣٠٥ و٣٢١، وأبو داود
(٧) و(٤٧٦١)، والترمذي (٢٢٦٥)، وأبو يعلى (٦٩٨٠)، وأبو عوانة ٤/ ٤٧١ و٤٧٣، والطبراني في " الكبير " ٢٣/ (٧٦٠) و(٧٦١) و(٧٦٢)، والبيهقي ٣/ ٣٦٧ و٨/ ١٥٨، وابن عبد البر في " التمهيد " ٤/ ٢٣٤، والبغوي (٢٤٥٩).
[ ٢١٢ ]
وحكمُ من ترك شيئًا من (^١) أركانِ الإسلام أنْ يُقاتلوا عليها كما يقاتلون على تركِ الصلاة والزكاة.
وروى ابنُ شهاب، عن حنظلة بن علي بن الأسقع: أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق بعث خالدَ بن الوليد، وأمره أنْ يقاتل الناسَ على خمسٍ، فمن ترك واحدةً من الخمس، فقاتله عليها كما تُقاتل على الخمس: شهادةِ أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقام الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصوم رمضان (^٢).
وقال سعيد بن جبير: قال عمرُ بن الخطاب: لو أنَّ الناس تركوا الحجَّ لقاتلناهم عليه، كما نُقاتِلُهم على الصلاة والزكاة. فهذا الكلامُ في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات.
وأما قتلُ الواحد الممتنع عنها، فأكثرُ العلماء على أنَّه يُقتَلُ الممتنع من الصلاة، وهو قولُ مالك والشافعي وأحمد وأبي عُبيد، وغيرهم (^٣)،
ويَدلُّ على ذلك ما في
" الصحيحين " (^٤) عن أبي سعيد الخدريّ: أنَّ خالدَ بنَ الوليد استأذن النَّبيَّ - ﷺ - في قتل رجل، فقال:
_________________
(١) في (ج): «سائر».
(٢) انظر: تعظيم قدر الصلاة (٩٧٥).
(٣) قال الإمام ابن رشد القرطبي: «وأما الواجب على من تركها عمدًا وأُمر بها فأبى أنْ يصليها لا جحودًا لفرضها، فإنَّ قومًا ما قالوا: يقتل، وقومًا قالوا: يُعزر ويحبس، والذين قالوا يقتل منهم من أوجب قتله كفرًا، وهو مذهب أحمد وإسحاق وابن المبارك وأبو إسحاق بن شاقلا والحسن البصري والنخعي وأيوب السختياني والشعبي والأوزاعي ومحمد بن الحسن وابن حزم وحماد بن زيد وابن حامد، ومنهم من أوجبه حَدًَّا وهو مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه. وأهل الظاهر ممن رأى حبسه وتعزيره حتى يُصلي. والسبب في هذا الاختلاف اختلاف الآثار». انظر: بداية المجتهد ١/ ١١٧، والأم ٢/ ٥٦٣، والحاوي الكبير ٢/ ٥٢٥، والإشراف على نكت مسائل الخلاف ١/ ٣٥٢، والمحلى ٢/ ١٥٥ - ١٥٦، والانتصار في المسائل الكبار ٢/ ٦٠٣ - ٦٠٤، والمغني ٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨، والذخيرة في فروع المالكية ٢/ ٣٠٥، والواضح في شرح مختصر الخرقي ١/ ٤٤٧، ومنتهى الإرادات ١/ ٥٢، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ١/ ١١١ - ١١٢، والفقه الإسلامي وأدلته ١/ ٦٥٨، وفقه العبادات للعلامة محمد بن صالح العثيمين: ٥٨ و١٠٩ - ١١٠.
(٤) أخرجه: البخاري ٥/ ٢٠٧ (٤٣٥١)، ومسلم ٣/ ١١٠ (١٠٦٤) (١٤٤).
[ ٢١٣ ]
«لا، لعله أنْ يكونَ يُصلي»، فقال خالد: وكم مِنْ مُصَلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسولُ الله - ﷺ -: «إنِّي لم أُومَر أنْ أُنَقِّبَ عن قلوبِ الناسِ ولا أشُقَّ بُطونَهُم (^١)».
وفي " مسند الإمام أحمد " (^٢) عن عُبيد الله بن عدي بن الخيار: أنَّ رجلًا منَ الأنصار حدَّثه أنَّه أتى النَّبيَّ - ﷺ - فاستأذنه في قتل رجلٍ من المنافقين، فقال النَّبيُّ - ﷺ -
: «أليس يَشهَدُ أنْ لا إله إلا الله؟» قال: بلى، ولا شهادة له، قال: «أليس
يُصلي؟» قال: بلى، ولا صلاةَ له، قال: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم».
وأما قتلُ الممتنع عن أداءِ الزكاة، ففيه قولان لمن قال: يقتل الممتنع من فعل الصلاة:
أحدهما: يقتل أيضًا، وهو المشهورُ عن أحمد، ويستدلُّ له بحديث ابن عمر هذا (^٣).
والثاني: لا يقتل، وهو قولُ مالك، والشافعي، وأحمد في رواية (^٤).
وأما الصوم فقال مالك وأحمد في رواية عنه: يُقتل بتركه (^٥)، وقال الشافعي وأحمد في رواية: لا يقتلُ بذلك، ويستدلُّ له بحديث ابن عمر وغيره مما في معناه، فإنَّه ليس في شيء منها ذكرُ الصوم، ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب: الصوم لم يجئ فيه شيء (^٦).
_________________
(١) في (ص): «قلوبهم».
(٢) المسند ٥/ ٤٣٢ و٤٣٣. وأخرجه: أبو داود (٤٩٢٨)، والبيهقي ٣/ ٣٦٧ و٨/ ١٩٦، وابن عبد البر في " التمهيد " ١٠/ ١٥٠ و١٦٢ و١٦٣ و١٦٤ و١٦٥ و١٦٦ و١٦٧، وهو حديث صحيح.
(٣) انظر: الحاوي الكبير ٢/ ٥٢٦، والانتصار في المسائل الكبار ٢/ ٦١٣، والمغني ٢/ ٢٩٨.
(٤) انظر: الانتصار في المسائل الكبار ٢/ ٦١٣ - ٦١٤.
(٥) انظر: الانتصار في المسائل الكبار ٢/ ٦١٣.
(٦) انظر: الانتصار في المسائل الكبار ٢/ ٦١٣.
[ ٢١٤ ]
قلتُ: قد روي عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا: أنَّ من ترك الشهادتين أو الصلاة أو الصيام، فهو كافر حلال الدم (^١) بخلاف الزكاة والحجِّ (^٢). وقد سبق ذكرُه في
شرح (^٣) حديث: «بني الإسلام على خمس» (^٤).
وأما الحج، فعن أحمد في القتل بتركه روايتان، وحمل بعضُ أصحابنا روايةَ قتله على من أخَّره عازمًا على تركه بالكلية، أو أخَّره وغلب على ظنه الموت في عامه، فأما إنْ أخَّره معتقدًا أنَّه على التراخي كما يقولُهُ كثيرٌ من العلماء، فلا قَتلَ بذلك (^٥).
وقوله - ﷺ -: «إلا بحقِّها» وفي رواية: «إلاّ بحقِّ الإسلام» قد سبق أنَّ أبا بكر أدخل في هذا الحقِّ فعلَ الصلاة والزكاة، وأنَّ من العلماء من أدخل فيه فعلَ الصيامِ والحج أيضًا.
ومن حقها ارتكابُ ما يُبيح دمَ المسلم من المحرمات، وقد ورد تفسيرُ حقها بذلك، خرَّجه الطبراني وابنُ جرير الطبري من حديث أنس، عن
النَّبيِّ - ﷺ - قال: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتّى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عَصَمُوا منِّي دماءهُم وأموالَهم إلا بحقِّها، وحِسَابُهم على الله - ﷿ -» قيل: وما حَقُّها؟ قال: «زِنىً بعد إحصانٍ، وكفرٌ بعد إيمانٍ، وقتلُ نفسٍ، فيُقتل بها (^٦)» ولعلَّ آخِرَه من قولِ أنس، وقد قيل: إنَّ الصوابَ وقفُ الحديث كله عليه.
ويشهدُ لهذا ما في " الصحيحين " (^٧)
_________________
(١) في (ص): «المال والدم».
(٢) أخرجه: اللالكائي في " أصول الاعتقاد " (١٥٧٦)، وأبو يعلى (٢٣٤٩).
(٣) سقطت من (ص).
(٤) انظر: الحديث الثالث.
(٥) انظر: الانتصار في المسائل الكبار ٢/ ٦١٣ - ٦١٤، والمغني ٢/ ٢٩٨.
(٦) أخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٣٢٢١)، وقال: «لم يرو هذا اللفظ الذي في آخر الحديث عن حُميد إلاّ أبو خالد الأحمر، تفرد به عمرو بن هاشم». قلت: عمرو بن هاشم صدوق يخطئ كما في " التقريب " (٥١٢٧).
(٧) صحيح البخاري ٩/ ٦ (٦٨٧٨)، وصحيح مسلم ٥/ ١٠٦ (١٦٧٦) (٢٥) و(٢٦). وأخرجه: الطيالسي (٢٨٩)، وعبد الرزاق (١٨٧٠٤)، والحميدي (١١٩)، وأحمد ١/ ٣٨٢ و٤٢٨ و٤٤٤ و٤٦٥، والدارمي (٢٣٠٣) و(٢٤٥١)، وأبو داود (٤٣٥٢)، وابن ماجه (٢٥٣٤)، والترمذي (١٤٠٢)، والنسائي ٧/ ٩٠ و٨/ ١٣، وابن الجارود
(٨) ، وأبو يعلى (٥٢٠٢)، والطحاوي في " شرح المشكل " (١٨٠٤)، والشاشي
(٩) و(٣٧٦) و(٣٧٧) و(٣٧٩)، وابن حبان (٤٤٠٧) و(٤٤٠٨) و(٥٩٧٦) و(٥٩٧٧)، والدارقطني ٣/ ٦٨ (٣٠٧١) (طبعة دار الكتب العلمية)، والبيهقي ٨/ ١٩ و١٩٤ و٢٠٢ و٢١٣ وفي "شعب الإيمان"، له (٥٣٣١) من حديث عبد الله بن مسعود، به.
[ ٢١٥ ]
عن ابن مسعود، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مُسلم يَشْهَدُ أنْ لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله إلاّ بإحدى ثلاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّاني، والنفسِ بالنفسِ، والتَّاركِ لدينه المفارق للجماعة»، وسيأتي الكلامُ على هذا الحديث مستوفى عندَ ذكره في موضعه من هذا الكتاب إنْ شاء الله تعالى (^١).
وقوله - ﷺ -: «وحسابُهُم على الله - ﷿ -» يعني: أنَّ الشهادتين مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة تَعصِمُ دمَ صاحبها وماله في الدنيا إلا أنْ يأتيَ ما يُبِيحُ دَمَهُ، وأما في الآخرة، فحسابُه على اللهِ - ﷿ -، فإنْ كان صادقًا، أدخله الله بذلك الجنة، وإنْ كان كاذبًا فإنَّه من جملة المنافقين في الدَّرْك الأسفل من النار.
وقد تقدَّم أنَّ في بعض الروايات في " صحيح مسلم " (^٢) ثم تلا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (^٣) والمعنى: إنَّما عليك تذكيرُهم بالله، ودعوتهم إليه، ولستَ مسلطًا على إدخالِ الإيمانِ في قلوبهم قهرًا ولا مكلفًا بذلك، ثم أخبر أنَّ مرجعَ العبادِ كلهم إليه وحسابُهم عليه (^٤).
وفي " مسند البزار " (^٥) عن عياض الأنصاري، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إنَّ لا إله
إلا الله كلمةٌ
على اللهِ كريمةٌ، لها عندَ اللهِ مكانٌ، وهي كلمةٌ من قالها صادقًا، أدخله
_________________
(١) سيأتي عند الحديث الرابع عشر.
(٢) انظر:.
(٣) الغاشية: ٢١ - ٢٦.
(٤) انظر: تفسير الطبري ١٥/ ٢٠٧ - ٢٠٨، وتفسير البغوي ٥/ ٢٤٦، والمحرر الوجيز ١٥/ ٤٢٧، وتفسير ابن الجوزي ٩/ ١٠٠ - ١٠١، وتفسير القرطبي ٢٠/ ٣٧ - ٣٨، والبحر المحيط ٨/ ٤٥٩، والدر المنثور ٦/ ٥٧٦.
(٥) كشف الأستار (٤).
[ ٢١٦ ]
الله بها الجنةَ، ومن قالها كاذبًا حقنت مالَه ودمَه، ولَقِيَ الله غدًا فحاسبه (^١)».
وقد استدلَّ بهذا من يرى قبولَ توبةِ الزنديقِ، وهو المنافق إذا أظهر العودَ إلى الإسلام، ولم يرَ قتله بمجرَّدِ ظهورِ نفاقه، كما كان النَّبيُّ - ﷺ - يُعامِلُ المنافقين، ويُجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن، وهذا قولُ الشافعي وأحمد في رواية عنه، وحكاه الخطابيُّ عن أكثر العلماء، والله أعلم (^٢).
_________________
(١) في (ص): «وفي غدًا فحاسبه».
(٢) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٢/ ٥٦.
[ ٢١٧ ]