عَنْ عبد الله بن عمرٍو ﵄، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قالَ: «أَربعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنافِقًا، وإنْ كَانَتْ خَصلةٌ مِنهُنَّ فِيهِ كَانَتْ فِيهِ خَصلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حتَّى يَدَعَها: مَنْ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا خَاصم فَجَر، وإذا عَاهَد غَدَرَ» خرَّجه البُخاريُّ (^١) ومُسلمٌ (^٢).
هذا الحديث خرَّجاه في " الصحيحين " من رواية الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّةَ، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وخرَّجا في " الصحيحين " (^٣) أيضًا من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «آيةُ المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كَذَبَ، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِن خَانَ». وفي رواية لمسلم (^٤): «وإن صام وصلَّى وزَعَمَ أنَّه مُسلمٌ» وفي رواية له أيضًا (^٥): «من علامات المنافق ثلاثة». وقد رُوي هذا عن النَّبيِّ - ﷺ - من وجوه أخر.
وهذا الحديث قد حمله طائفةٌ ممَّن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين كانوا على عهدِ النبيِّ - ﷺ -، فإنَّهم حدَّثوا النَّبيَّ - ﷺ - فكذَّبوه، وائتمنهم على سرِّه فخانوه،
ووعدُوه أن يخرُجوا معه في الغزو فأخلفوه، وقد روى محمَّدٌ المُحْرِمُ هذا التأويلَ عن عطاءٍ، وأنَّه قال: حدثني به جابرٌ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، وذكر أنَّ الحسنَ رجع إلى
قول عطاء هذا لما بلغه عنه (^٦). وهذا كذب، والمحرم شيخ كذابٌ معروف بالكذب (^٧).
_________________
(١) في " صحيحه " ١/ ١٥ (٣٤) و٣/ ١٧٢ (٢٤٥٩) و٤/ ١٢٤ (٣١٧٨).
(٢) في " صحيحه " ١/ ٥٦ (٨) (١٠٦).
(٣) صحيح البخاري ١/ ١٥ (٣٣)، وصحيح مسلم ١/ ٥٦ (٥٩) (١٠٧) عن أبي هريرة، به.
(٤) في " صحيحه " ١/ ٥٦ (٥٩) (١٠٩) عن أبي هريرة، به.
(٥) مسلم في " صحيحه " ١/ ٥٦ (٥٩) (١٠٨) عن أبي هريرة، به.
(٦) أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٣٢٣ - ٣٢٤.
(٧) قال عنه البخاري: منكر الحديث، وقال عنه يحيى بن معين: ليس بشيء. انظر: التاريخ الكبير للبخاري ١/ ٢٤٨ ترجمة (٧٩٠)، والكامل لابن عدي ٧/ ٣٢٢.
[ ٩٠١ ]
وقد رُوي عن عطاء من وجهين آخرين ضعيفين أنَّه أنكر على الحسن قوله: ثلاثٌ من كنَّ فيه، فهو منافق، وقال: قد حدَّث إخوةُ يوسف فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا ولم يكونوا منافقين (^١)، وهذا لا يصح عن عطاء، والحسن لم يقل هذا من عنده وإنَّما بلغه عن النَّبيِّ - ﷺ -. فالحديث ثابت عنه - ﷺ - لا شكَّ في ثبوته وصحته والذي فسره به أهلُ العلم المعتبرون أنَّ النفاقَ في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير، وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: النفاقُ الأكبرُ، وهو أنْ يظهر الإنسانُ الإيمانَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويُبطن ما يُناقض ذلك كلَّه أو بعضه، وهذا هو النِّفاق الذي كان على عهد النَّبيِّ - ﷺ -، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أنَّ أهله في الدَّرْكِ الأسفل من النار (^٢).
والثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل (^٣)، وهو أنْ يُظهر الإنسانُ علانيةً صالحةً، ويُبطن ما يُخالف ذلك.
وأصولُ هذا النفاق ترجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث، وهي خمسة: أحدها: أن يُحدِّث بحديث لمن يصدِّقه به وهو كاذب له، وفي " المسند " (^٤) عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «كَبُرَت خيانةً أنْ تحدِّث أخاك حديثًا هو لك
مصدِّقٌّ، وأنت به كاذب».
_________________
(١) أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٣٢٣ - ٣٢٤. وأخرجه: أبو نعيم في " صفة النفاق ونعت المنافقين " (٥٦).
(٢) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧ عقيب (٥٩)، وفتح الباري ١/ ١٢٣ عقيب (٣٤).
(٣) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ٢٥٦ عقيب (٥٩).
(٤) مسند الإمام أحمد ٤/ ١٨٣. وأخرجه: هناد في " الزهد " (١٣٨٤)، والطبراني في " مسند الشاميين " (٤٩٥)، وأبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٩٩، والبيهقي في " شُعب الإيمان " (٤٨٢٠) عن النواس بن سمعان، به، وإسناده ضعيف جدًا من أجل عمر بن هارون بن يزيد بن جابر البلخي - وقد تابعه عليه الوليد بن مسلم، وهو وإن كان ثقة إلاّ أنه يدلس تدليس التسوية، وقد عنعنه فلا يفرح بهذه المتابعة، فقد يكون سمعه من عمر بن هارون ثم دلسه عنه، لاسيما وقد قال أبو نعيم: «تفرد به عمر بن هارون».
[ ٩٠٢ ]
قال الحسنُ: كان يقال: النفاقُ اختلاف السِّرِّ والعلانية، والقول
والعمل، والمدخل والمخرج، وكان يقالُ: أُسُّ النفاق الذي بني عليه النفاق
الكذبُ (^١).
الثاني: إذا وَعَدَ أخلف، وهو على نوعين:
أحدُهُما: أنْ يَعِدَ ومِنْ نيته أنْ لا يفي بوعده، وهذا أشرُّ الخلف، ولو قال: أفعل كذا إنْ شاء الله تعالى ومن نيته أنْ لا يفعل، كان كذبًا وخُلفًا، قاله الأوزاعيُّ.
الثاني: أنْ يَعِدَ ومن نيته أنْ يفي، ثم يبدو له، فيُخلِفُ من غير عذرٍ له في
الخلف.
وخرَّج أبو داود (^٢)، والترمذي (^٣)
من حديث زيد بنِ أرقم، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إذا وعَد الرَّجُلُ ونَوى أنْ يفي به، فلم يَفِ، فلا جُناحَ عليه». وقال الترمذي (^٤): ليس إسنادُه بالقوي.
وخرّجه الإسماعيلي وغيره من حديث سلمان أنَّ عليًا لقي أبا بكر وعمر،
فقال: ما لي أراكما ثقيلين؟ قالا: حديثٌ سمعناه من النَّبيِّ - ﷺ - ذكر خلالَ المنافق:
«إذا وَعَدَ أخلَفَ، وإذا حَدَّثَ كَذَب، وإذا اؤتُمِنَ خَانَ» فأيُّنا ينجو من هذه
الخصالِ؟ فدخل عليٌّ على النَّبيِّ - ﷺ -، فذكر ذلك له، فقال: «قد حدَّثتهما، ولم
أضعه على الموضع الذي تضعونَه، ولكن المنافق إذا حدَّث وهو يحدِّث نفسه أنْ
يكذبَ، وإذا وَعَدَ وهو يحدِّث نفسه أنْ يُخلِفَ، وإذا اؤتمِنَ وهو يُحدث نفسه أنْ
يخونَ» (^٥).
وقال أبو حاتم الرازي (^٦) في هذا الحديث من رواية سلمان وزيد بن أرقم:
_________________
(١) أخرجه: الفريابي في " صفة المنافق " (٥٠)، وأبو نعيم في " صفة النفاق ونعت المنافقين "
(٢) و(١٢٩).
(٣) برقم (٤٩٩٥).
(٤) في " جامعه " (٢٦٣٣). وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٥٠٨٠)، والبيهقي ١٠/ ١٩٨.
(٥) في " جامعه " عقيب (٢٦٣٣).
(٦) أخرجه: الطبراني في " الكبير " (٦١٨٦)، وفي إسناده مجهولان، وانظر: مجمع الزوائد ١/ ١٠٨.
(٧) في " العلل " ٣/ ٧٢ - ٧٣ عقيب (٢٣٢١).
[ ٩٠٣ ]
الحديثان مضطربان وفي الإسنادين مجهولان. وقال الدارقطني (^١): الحديث غير ثابت، والله أعلم.
وخرَّج الطبراني (^٢) والإسماعيلي من حديث عليٍّ مرفوعًا: «العِدَةُ دَينٌ، ويلٌ
لمن وعد ثم أخلف» قالها ثلاثًا، وفي إسناده جهالة، ويُروى من حديث ابن مسعود، قال: لا يَعِدْ أحدكُم صَبِيَّه، ثم لا يُنجِزُ له، فإنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «العِدَةُ
عطية» (^٣) وفي إسناده نظر، وأوَّله صحيح عن ابن مسعود من قوله.
وفي مراسيل الحسن عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «العِدَةُ هِبَةٌ» (^٤). وفي " سنن أبي داود" (^٥) عن مولى لِعبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عبدِ الله بن عامر بن ربيعة، قال: جاء النَّبيُّ - ﷺ - إلى بيتنا وأنا صبيٌّ، فخرجتُ لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله تعالَ أُعطِك، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما أردتِ أن تعطيه؟» قلت: أردت أن أعطيه تمرًا، فقال: «أما إنْ لم تفعلي كُتبت عليك كذبة». وفي إسناده من لا يُعرف.
وذكر الزهريُّ عن أبي هُريرة، قال: من قال لِصبيٍّ: تَعَالَ هاك تمرًا، ثم لا يُعطيه شيئًا فهي كذبة (^٦).
وقد اختلف العلماء في وجوب الوفاء بالوعدِ، فمنهم من أوجبه مطلقًا، وذكر البخاري في "صحيحه" (^٧) أنَّ ابن أشوع قضى بالوعد، وهو قولُ طائفة من أهل
الظاهر
_________________
(١) في " العلل " ١/ ١٨٦ عقيب (١١).
(٢) في " الأوسط " (٣٥١٣) و(٣٥١٤) عن علي وعبد الله بن مسعود، به.
(٣) أخرجه: أبو الشيخ في " الأمثال " (٢٤٩)، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٢٥٩، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٦) عن عبد الله بن مسعود، به، وإسناده ضعيف بقية بن الوليد يدلس تدليس التسوية، وعقد عنعن.
(٤) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الصمت " (٤٥٥) بنحوه، وهو ضعيف لإرساله.
(٥) برقم (٤٩٩١). وأخرجه: أحمد ٣/ ٤٤٧، والنسائي ٦/ ١٢٤، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٤٨٢٢) وإسناده ضعيف لإبهام مولى عبد الله بن عامر.
(٦) أخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (٣٧٥) عن أبي هريرة موقوفًا. وأخرجه: أحمد ٢/ ٤٥٢، وابن أبي الدنيا في " مكارم الأخلاق " (١٥٠) عن أبي هريرة مرفوعًا.
(٧) في باب من أمر بإيجاز الوعد. انظر: صحيح البخاري ٣/ ٢٣٦ عقيب (٢٦٨٠).
[ ٩٠٤ ]
وغيرهم، منهم من أوجب الوفاء به إذا اقتضى تغريمًا للموعود، وهو المحكيُّ عن مالك، وكثيرٌ من الفقهاء لا يوجبونه مطلقًا.
والثالث: إذا خاصم فجر ويعني بالفجور أنْ يخرج عن الحقِّ عمدًا حتى يصير الحقُّ باطلًا والباطلُ حقًا، وهذا مما يدعو إليه الكذبُ (^١)، كما قال - ﷺ -: «إيَّاكم والكَذِبَ، فإنَّ الكذِبَ يهدي إلى الفُجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النارِ» (^٢).
وفي " الصحيحين " (^٣) عن النَّبيِّ - ﷺ -: «إنَّ أبغضَ الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِمُ».
وقد قال - ﷺ -: «إنَّكم لتَختَصمون إليَّ ولعلَّ بعضَكُم أنْ يكونَ ألحنَ بحُجَّته من بعض، وإنَّما أقضي على نحو مما أَسْمَعُ، فمن قضيتُ له بشيءٍ من حقِّ أخيه، فلا يأْخُذْهُ، فإنَّما أقطع له قِطعةً مِنَ النَّار» (^٤).
وقال - ﷺ -: «إنَّ مِنَ البيانِ سِحرًا» (^٥).
فإذا كان الرجلُ ذا قدرةٍ عند الخصومة - سواء كانت خصومتُه في الدِّين أو في الدنيا - على أنْ ينتصر للباطل، ويُخيل للسَّامع أنَّه حقٌّ، ويوهن الحقَّ، ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك مِنْ أقبحِ المحرَّمات، ومن أخبث خصال النفاق، وفي " سنن أبي داود " (^٦) عن ابن عمر، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «مَنْ خَاصَمَ في باطلٍ وهو يعلَمُهُ لم يَزَلْ في سَخَطِ الله حتى يَنزِعَ».
وفي رواية له (^٧) أيضًا: «ومَنْ أعانَ على خصومةٍ بظلم، فقد باء بغضب من الله».
_________________
(١) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ٢٥٧ عقيب (٥٩).
(٢) أخرجه: البخاري ٨/ ٣٠ (٦٠٩٤)، ومسلم ٨/ ٢٩ (٢٦٠٧) (١٠٣) و(١٠٤) و(١٠٥) عن عبد الله بن مسعود، به.
(٣) صحيح البخاري ٣/ ١٧١ (٢٤٥٧)، وصحيح مسلم ٨/ ٥٧ (٢٦٦٨)
(٤) عن عائشة، به.
(٥) أخرجه: البخاري ٣/ ٢٣٥ (٢٦٨٠)، ومسلم ٥/ ١٢٨ - ١٢٩ (١٧١٣) (٤) عن أمِّ سَلَمة، به.
(٦) أخرجه: البخاري ٧/ ١٧٨ (٥٧٦٧) عن عبد الله بن عمر، به، وأخرجه: مسلم ٣/ ١٢ (٨٦٩) (٤٧) عن عمار بن ياسر، به.
(٧) برقم (٣٥٩٧)، وإسناده لا بأس به.
(٨) برقم (٣٥٩٨). وأخرجه: ابن ماجه (٢٣٢٠)، والحاكم ٤/ ٩٩، وإسناده لا بأس به في المتابعات.
[ ٩٠٥ ]
الرابع: إذا عاهد غدر، ولم يفِ بالعهد، وقد أمر الله بالوفاء بالعهد، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ (^١)،
وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (^٢)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٣).
وفي " الصحيحين " (^٤) عن ابن عمر، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «لِكُلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامَةِ يُعرف به»، وفي رواية: «إنَّ الغادرَ يُنصبُ له لواءٌ يومَ القيامة، فيقال: ألا هذه غَدرةُ فلان» (^٥)، وخرَّجاه (^٦) أيضًا من حديث أنس بمعناه.
وخرَّج مسلم (^٧) من حديث أبي سعيدٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «لِكلِّ غادرٍ لواء عندَ استه يومَ القِيامة».
والغدرُ حرامٌ في كلِّ عهدٍ بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهَدُ كافرًا، ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «مَنْ قَتلَ نفسًا مُعاهدًا بغير حقها لم يَرَحْ (^٨) رائحةَ الجنة، وإنَّ ريحها ليوجَدُ من مسيرة أربعين عامًا» خرّجه البخاري (^٩).
وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم
ينقُضوا منها شيئًا.
وأما عهودُ المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشدُّ، ونقضُها أعظم إثمًا.
_________________
(١) الإسراء: ٣٤.
(٢) النحل: ٩١.
(٣) آل عمران: ٧٧.
(٤) صحيح البخاري ٤/ ١٢٧ (٣١٨٨) و٩/ ٣٢ (٦٩٦٦) و٩/ ٧٢ (٧١١١)، وصحيح مسلم ٥/ ١٤٢ (١٧٣٥) (١١).
(٥) أخرجه: البخاري ٨/ ٥١ (٦١٧٧) و(٦١٧٨)، ومسلم ٥/ ١٤٢ (١٧٣٥) (١٠).
(٦) البخاري ٤/ ١٢٤ (٣١٨٦) و(٣١٨٧)، ومسلم ٥/ ١٤٢ (١٧٣٧) (١٤) من حديث أنس بن مالك، به.
(٧) في " صحيحه " ٥/ ١٤٢ (١٧٣٨) (١٥).
(٨) قال ابن حجر في " الفتح " عقيب (٣١٦٦): «يرح: بفتح الياء والراء، وأصله يراح أي وجد الريح، وحكى ابن التبن ضم أوله وكسر الراء، قال: والأول أجود، وعليه الأكثر، وحكى ابن الجوزي ثالثة وهو فتح أوله وكسر ثانيه من راح يريح».
(٩) في " صحيحه " ٤/ ١٢٠ (٣١٦٦) و٩/ ١٦ (٦٩١٤). ولفظ البخاري لم يذكر فيه «بغير حقها». …
[ ٩٠٦ ]
ومِنْ أعظمها: نقضُ عَهدِ الإمام على مَنْ بايعه، ورضِيَ به، وفي
" الصحيحين " (^١) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهُم الله يومَ القيامةِ ولا يُزكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ، فذكر منهم: ورجلٌ بايع إمامًا لا يُبايعه إلاَّ لدنيا، فإنْ أعطاه ما يريد، وفَّى له، وإلا لم يفِ له».
ويدخل في العُهود التي يجب الوفاءُ بها، ويحرم الغَدْرُ فيها: جميعُ عقود المسلمين فيما بينهم، إذا تَرَاضَوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاءُ بها (^٢)، وكذلك ما يجبُ الوفاء به لله - ﷿ - ممَّا يعاهدُ العبدُ ربَّه عليه من نذرِ التَّبرُّرِ ونحوه.
الخامس: الخيانةُ في الأمانة، فإذا اؤتمِنَ الرجلُ أمانةً، فالواجبُ عليه أنْ يُؤدِّيها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٣)، وقال النَّبيُّ - ﷺ -: «أدِّ الأمانة إلى من ائتَمَنَكَ» (^٤)،
وقال في خطبته في حجة الوداع: «مَنْ كانَت عندَه أمانةٌ، فليؤدِّها إلى من ائتمنه عليها» (^٥) وقال - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٦) فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق.
_________________
(١) صحيح البخاري ٣/ ٢٣٣ (٢٦٧٢)، وصحيح مسلم ١/ ٧٢ (١٠٨) (١٧٣). وأخرجه: أبو داود (٣٤٧٤)، وابن ماجه (٢٢٠٧) و(٢٨٧٠)، والترمذي
(٢) ، والنسائي ٧/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٣) المقصود بالمبايعات والمناكحات والعقود التي توجب الوفاء هي التي على شرعة الله ومنهاجه لا التي على خلاف ذلك، وفي ذلك يقول رسول الله - ﷺ -: «من اشترط شرطًا ليس في كتاب فهو باطل شرط الله أحق وأوثق». أخرجه: البخاري ٣/ ١٩٨ (٢٥٦٠)، ومسلم ٤/ ٢١٣ (١٥٠٤) (٧).
(٤) النساء: ٥٨.
(٥) أخرجه: الدارمي (٢٥٩٧)، وأبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤)، والدارقطني ٣/ ٣٥ (٢٩١٣)، والحاكم ٢/ ٤٦، والبيهقي ١٠/ ٢٧١ وفي " شعب الإيمان "، له
(٦) من حديث أبي هريرة، به، وقال الترمذي: «حسن غريب»؛ لكن شيخه البخاري جعل هذا الحديث من منكرات طلق بن غنام كما في " التاريخ الكبير " ٤/ الترجمة
(٧) ، وكذا قال أبو حاتم الرازي كما في " العلل " لابنه (١١١٤)، وللحديث طرق أخرى ضعيفة.
(٨) أخرجه: أحمد ٥/ ٧٣ عن عمِّ أبي حُرَّة الرَّقاشي، به مطولًا، وإسناده ضعيف لضعف علي ابن زيد بن جدعان.
(٩) الأنفال: ٢٧.
[ ٩٠٧ ]
وفي حديث ابن مسعودٍ من قوله، وروي مرفوعًا: «القتلُ في سبيل الله يُكفِّر كلَّ ذنب إلا الأمانة، يُؤتى بصاحب الأمانةِ فيقال له: أدِّ أَمانتكَ، فيقول: أنّى يا ربِّ وقد ذهبتِ الدُّنيا؟ فيقالُ: اذهبوا به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتَّى ينتهيَ إلى قعرها، فيَجِدُها هناك كهيئتها، فيحمِلُها، فيضعها على عنقه فيَصْعَدُ بها في نار جهنم حتّى إذا رأى أنَّه قد خرج منها، زلَّت فهوت، وهو في إثرها أبد الآبدين» قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشدُّ ذلك الودائع (^١).
وقد روي عن محمد بن كعب القرظي أنَّه استنبط ما في هذا الحديث - أعني حديث: «آية المنافق ثلاث» (^٢) - من القرآن، فقال: مصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ إلى قوله:
﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ (^٤)، وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ (^٥) ورُوي عن ابن مسعود نحوُ هذا الكلام، ثم تلا قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (^٦) الآية.
وحاصلُ الأمرِ أنَّ النفاق الأصغر كُلَّه يرجِع إلى اختلاف السريرة والعلانية قاله الحسن (^٧)، وقال الحسن أيضًا: من النفاق اختلافُ القلب واللسان، واختلاف السِّرِّ والعلانية، واختلاف الدخول والخروج (^٨).
_________________
(١) الرواية الموقوفة: أخرجها: ابن أبي حاتم في " تفسيره " (٥٥١٢)، والبيهقي ٦/ ٢٨٨ وفي " شعب الإيمان "، له (٥٢٦٦)، وطبعة الرشد (٤٨٨٥). والرواية المرفوعة: أخرجها: ابن أبي حاتم في " تفسيره " (٥٥١٣)، والطبراني في " الكبير " (١٠٥٢٧).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) المنافقون: ١.
(٤) التوبة: ٧٥ - ٧٧.
(٥) الأحزاب: ٧٢ - ٧٣.
(٦) التوبة: ٧٧. وكلام عبد الله بن مسعود أخرجه: الطبراني في " الكبير " (٩٠٧٥)، وانظر: مجمع الزوائد ١/ ١٠٨، والدر المنثور ٣/ ٤٦٨.
(٧) أخرجه: أبو نعيم في " صفة النفاق ونعت المنافقين " (١٢٨) بنحوه.
(٨) أخرجه: الفريابي في " صفة المنافق " (٤٩)، وابن بطة في " الإبانة " (٩١٠)، وأبو نعيم في " صفة النفاق ونعت المنافقين " (١٢٨).
[ ٩٠٨ ]
وقال طائفة من السَّلف: خشوعُ النفاق أنْ ترى الجسدَ خاشعًا، والقلب ليس بخاشع، وقد رُوي معنى ذلك عن عمر، وروي عنه أنَّه قال على المنبر: إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم المنافقُ العليم، قالوا: كيف يكون المنافق عليمًا؟ قال: يتكلم بالحكمةِ، ويعمل بالجور (^١)، أو قال: المنكر. وسُئل حذيفة عن المنافق، فقال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل به (^٢).
وفي " صحيح البخاري " (^٣) عن ابن عمر أنَّه قيل له: إنا نَدخُلُ على سلطاننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلَّمُ إذا خرجنا من عندهم، قال: كُنَّا نعدُّ هذا نفاقًا.
وفي " المسند " (^٤) عن حُذيفة، قال: إنَّكم لتكلِّمون كلامًا إنْ كُنّا لنعدُّه
على عهد رسول الله - ﷺ - النفاقَ، وفي رواية (^٥) قال: إنْ كان الرجلُ ليتكلَّمُ بالكلمة على عهد رسول الله - ﷺ -، فيصير بها منافقًا، وإنِّي لأسمعها من أحدِكم في اليوم في المجلس عشر مرارٍ.
قال بلالُ بنُ سعد: المنافق يقولُ ما يَعرِفُ، ويعمل ما يُنكِرُ.
ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاقَ على أنفسهم، وكان عمرُ يسأل حُذيفة عن نفسه.
وسئل أبو رجاء العطاردي: هل أدركتَ من أدركتَ من أصحاب رسول الله - ﷺ - يخشون النفاقَ؟ فقال: نَعَمْ إني أدركتُ منهم بحمد الله صدرًا حسنًا، نعم شديدًا، نعم شديدًا (^٦).
_________________
(١) أخرجه: المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٦٨٥) عن عمر بن الخطاب موقوفًا.
(٢) أخرجه: المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٦٨٢)، وابن بطة في " الإبانة " (٩١٤) و(٩٢٨).
(٣) ٩/ ٨٩ (٧١٧٨).
(٤) مسند الإمام أحمد ٥/ ٣٨٤، وهو أثر قويٌّ بطرقه.
(٥) أخرجها: أحمد ٥/ ٣٨٦. وأخرجه: ابن بطة في " الإبانة " (٩١٥)، وأبو نعيم في " صفة النفاق ونعت المنافقين "
(٦) ، وهو أثر قويٌّ بطرقه.
(٧) أخرجه: المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٦٨٦)، والفريابي في " صفة المنافق " (٨١)، وأبو نعيم في " الحلية " ٢/ ٣٠٧.
[ ٩٠٩ ]
وقال البخاري في " صحيحه " (^١): وقال ابنُ أبي مُليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النَّبيِّ - ﷺ - كُلُّهم يخافُ النفاقَ على نفسه.
ويُذكر عن الحسن قال: ما خافه إلاَّ مؤمِنٌ، ولا أمنه إلا منافق (^٢). انتهى.
وروي عن الحسن أنَّه حَلَفَ: ما مضى مؤمِنٌ قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق مُشفِق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يخفِ النفاق، فهو منافق (^٣).
وسَمِعَ رجل أبا الدرداء يتعوَّذُ من النفاق في صلاته، فلما سلَّم، قال له: ما شأنك وشأنُ النفاق؟ فقال: اللهمَّ غفرًا - ثلاثًا - لا تأمن البلاءَ، واللهِ إنَّ الرجل ليُفتَنُ في ساعةٍ واحدة، فينقلِبُ عن دينه (^٤). والآثار عن السَّلف في هذا كثيرة جدًا. قال سفيان الثوري: خلافُ ما بيننا وبين المرجئة ثلاث، فذكر منها قال: نحن نقول: النفاق، وهم يقولون: لا نفاق (^٥).
وقال الأوزاعي: قد خاف عمر النفاقَ على نفسه، قيل له: إنَّهم يقولون:
إنَّ عمر لم يَخَفْ أنْ يكونَ يومئذ منافقًا حتى سأل حُذيفة، ولكن خاف أنْ يُبتلى بذلك قبل أنْ يموت، قال: هذا قولُ أهل البدع، يشير إلى أنَّ عمر كان يخاف النفاقَ على نفسه (^٦) في الحال،
والظَّاهر أنَّه أراد أنَّ عمر كان يخاف على نفسه في الحال من النفاق الأصغر، والنفاق
_________________
(١) ذكره البخاري ١/ ١٩ معلقًا، وأخرجه في " التأريخ الكبير " ٥/ ٤٣ (٦٤٨٢) موصولًا.
(٢) ذكره البخاري ١/ ١٩ معلقًا، وأخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (٨٥٩) موصولًا.
(٣) أخرجه: المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٦٨٧)، والفريابي في " صفة المنافق " (٨٧).
(٤) أخرجه: الفريابي في " صفة المنافق " (٧٣) و(٧٤)، والبيهقي في " شعب الإيمان "
(٥) أخرجه: الفريابي في " صفة المنافق " (٩٣)، ومن طريقه الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ١١/ ١٦٢.
(٦) سأل أبان الحسن فقال: هل تخاف النفاق قال: وما يؤمنني وقد خاف عمر بن الخطاب - ﵁ -. وأخرجه: الفريابي في " صفة المنافق " (٨٤). وقال معاوية بن قرة: أن لا أكون فيّ نفاق أحب إليّ من الدنيا وما فيها كان عمر - ﵁ - يخشاه وآمنه أنا. أخرجه: الفريابي في " صفة المنافق " (٨٦).
[ ٩١٠ ]
الأصغر وسيلةٌ وذريعةٌ إلى النفاق الأكبر، كما أنَّ المعاصي بريدُ الكفر، فكما يخشى على من أصرَّ على المعصية أنْ يُسلَبَ الإيمانَ عندَ
الموت، كذلك يخشى على مَنْ أصرَّ على خصالِ النفاق أنْ يُسلَبَ الإيمانَ، فيصير منافقًا خالصًا.
وسُئِلَ الإمامُ أحمد: ما تقولُ فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ فقال: ومن يأمنُ على نفسه النفاق؟ وكان الحسن يُسمي من ظهرت منه أوصافُ النفاق العملي منافقًا، وروي نحوه عن حذيفة.
وقال الشعبي: من كذب، فهو منافق (^١)، وحكى محمد بن نصر المروزي هذا القول عن فرقةٍ من أهل الحديث، وقد سبق في أوائل الكتاب ذكرُ الاختلاف عن الإمام أحمد وغيره في مرتكب الكبائر: هل يسمي كافرًا كفرًا لا يَنقلُ عن الملة أم لا؟ واسمُ الكفر أعظم من اسم النفاق، ولعلَّ هذا هوَ الذي أنكره عطاءٌ عن الحسن إن صحَّ ذلك عنه (^٢).
ومِنْ أعظم خِصال النفاق العملي: أنْ يعملَ الإنسان عملًا، ويُظهرَ أنَّه قصد به الخيرَ، وإنَّما عمله ليتوصَّل به إلى غرض له سيِّئٍ، فيتمّ له ذلك، ويتوصَّل بهذه الخديعةِ إلى غرضه، ويفرح بمكره وخِداعه وحَمْدِ النَّاس له على ما أظهره، وتوصل به إلى غرضه السيِّئِ الذي أبطنه،
وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود، فحكى عن المنافقين أنَّهم: ﴿اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًَا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (^٣)، وأنزل في اليهود: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٤) وهذه الآية نزلت في اليهود، سألهم النَّبيُّ - ﷺ - عن شيءٍ فكتموه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أنَّهم قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفرِحُوا بما أُوتوا من كتمانهم وما سُئِلوا عنه، قال ذلك ابن عباس، وحديثُه مخرج في
_________________
(١) أخرجه: الفريابي في " صفة المنافق " (٢٢)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٤٨٩٢).
(٢) سبق بيانه.
(٣) التوبة: ١٠٧.
(٤) آل عمران: ١٨٨.
[ ٩١١ ]
"الصحيحين" (^١).
وفيهما (^٢) أيضًا عن أبي سعيد أنَّها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النَّبيُّ - ﷺ - إلى الغزو تخلَّفوا عنه، وفَرِحُوا بمقعدهم خلافَه فإذا قَدِمَ رسولُ الله - ﷺ - من الغزو، اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبُّوا أنْ يُحمدوا بما لم يفعلوا.
وفي حديث ابن مسعود، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «مَنْ غَشَّنا، فَلَيسَ مِنّا، والمّكْرُ والخّديعةُ في النَّارِ» (^٣).
وقد وصف الله المنافقين بالمخادعة، وأحسن أبو العتاهية في قوله (^٤):
لَيسَ دُنيا إلاّ بدينٍ وليسَ الدِّ … ينُ إلاَّ مكارمَ الأخلاقِ
إنَّما المكر والخديعةُ في النَّا … رِ هُما مِنْ خِصالِ أَهْلِ النِّفاق
ولما تقرَّر عند الصحابة - ﵃ - أنَّ النفاق هو اختلافُ السرِّ والعلانية خشي بعضهم على نفسه أنْ يكونَ إذا تغير عليه حضورُ قلبه ورقتُه وخشوعه عندَ سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أنْ يكونَ ذلك منه نفاقًا، كما في " صحيح مسلم " (^٥) عن حنظلة الأسيدي (^٦) أنَّه مرَّ بأبي بكر وهو يبكي، فقال: ما لك؟ قالَ: نافق حنظلةُ يا أبا بكر، نكون عندَ رسول الله - ﷺ - يُذكِّرُنا بالجنة والنار
_________________
(١) صحيح البخاري ٦/ ٥٠ (٤٥٦٨)، وصحيح مسلم ٨/ ١٢٢ (٢٧٧٨) (٨). وأخرجه: الترمذي (٣٠١٤)، والنسائي في " تفسيره " (١٠٦)، والطبري في " تفسيره "
(٢) ، والواحدي في " أسباب النزول " (١٥٧) بتحقيقي، من حديث عبد الله بن عباس، به.
(٣) صحيح البخاري ٦/ ٥٠ (٤٥٦٧)، وصحيح مسلم ٨/ ١٢١ (٧). وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٦٦٤٣)، والواحدي في " أسباب النزول " (١٥٦) بتحقيقي، من حديث أبي سعيد الخدري، به.
(٤) أخرجه: ابن حبان (٥٥٥٩)، والطبراني في " الكبير " (١٠٢٣٤) وفي " الصغير "، له
(٥) ، وأبو نعيم في " الحلية " ٤/ ١٨٨ - ١٨٩، والقضاعي في " مسند الشهاب "
(٦) و(٢٥٤)، وهو حديث قويٌّ بطرقه.
(٧) انظر: مكارم الأخلاق لأبي بكر القرشي: ٣٠، والتمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ٣٣٤.
(٨) ٨/ ٩٤ (٢٧٥٠) (١٢).
(٩) هو حنظلة بن الربيع بن صيفي بن رياح بن معاوية بن مجاشع، ويقال: مُخاشِن بن معاوية ابن شُرَيْف بن جَرْوة بن أسَيِّد بن عمرو بن تميم التميمي، أبو رِبْعي الأُسَيِّديّ المعروف بحنظلة الكاتب. انظر: تهذيب الكمال ٢/ ٣١٨ (١٥٤٤).
[ ٩١٢ ]
كأنّا رأيُ عين، فإذا رجعنا، عافَسنا (^١) الأزواج والضيعة (^٢) فنسينا كثيرًا، قالَ أبو بكر: فوالله إنّا لكذلك، فانطلقا إلى رسول الله - ﷺ -، فقالَ: «ما لك يا حَنْظَلة؟» قال: نافق حنظلة يا رسولَ الله، وذكر له مثلَ ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله - ﷺ -: «لو تَدُومونَ على الحال التي تقومون بها من عندي، لصَافَحَتكُم الملائكة في مجالسكم وفي طُرُقِكم، ولكن يا حنظلة ساعةً وساعةً».
وفي " مسند البزار " (^٣)
عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله، إنا نكونُ عندك على حالٍ، فإذا فارقناك كُنّا على غيره، قال: «كيف أنتم وربكم؟» قالوا: الله ربُّنا في السرِّ والعلانية، قال: «ليس ذاكم النفاق».
ورُوي من وجه آخر عن أنس (^٤) قال: غدا أصحابُ رسول الله - ﷺ -، فقالوا: هلكنا، قال: «وما ذاك؟» قالوا: النفاق، النفاق، قال: «ألستم تَشهدون أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله؟» قالوا: بلى، قال: «فلَيسَ ذلك بالنِّفاق» ثم ذكر معنى حديث حنظلة كما تقدَّم.
_________________
(١) عافس: هو بالفاء والسّين المهملة، قال الهروي وغيره: معناه حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به أي عالجنا معايشنا وحظوظنا. وروى الخطابي هذا الحرف (عانسنا) بالنون، قال: ومعناه: لاعبنا، ورواه ابن قتيبة بالشّين المعجمة قال: ومعناه عانقنا، والأول هو المعروف، وَهو أعم، انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٩/ ٥٩ عقيب (٢٧٥٠).
(٢) الضيعة: بالضاد المعجمة، وهي معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة، انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٩/ ٥٩ عقيب (٢٧٥٠).
(٣) كما في " كشف الأستار " (٥٢). وأخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٢/ ٣٣٢، وقال في " مجمع الزوائد " ١/ ٣٢: «رجاله رجال الصحيح».
(٤) هو حديث منكر كما قال الذهبي في " الميزان " ٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤.
[ ٩١٣ ]