عَنْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ - ﵁ -، قال: بَينَمَا نَحْنُ جلوس (^١) عندَ رَسولِ الله - ﷺ - ذاتَ يومٍ، إذْ طَلَعَ علينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بياضِ الثِّيابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرى عليهِ أثَرُ السَّفَر، ولا يَعرِفُهُ مِنّا أحدٌ، حتَّى جَلَسَ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فأسنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْهِ، ووضع كَفَّيه على فَخِذيه، وقالَ: يا مُحَمَّدُ، أخبِرني عَنِ الإسلامِ.
فقال رَسولُ الله - ﷺ -: «الإسلامُ: أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتِي الزَّكاةَ، وتصومَ رمضَانَ، وتَحُجَّ البَيتَ إن استَطَعتَ إليه سبيلًا». قال: صَدَقتَ (^٢)، قال: فَعَجِبنا لَهُ يسأَلُهُ ويصدِّقُهُ.
قال: فأخْبِرني عَنِ الإيمان. قال: «أنْ تُؤْمِنَ باللهِ وملائِكَته وكُتُبِه، ورُسُله، واليَومِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بالقَدرِ خَيرِهِ وشَرِّهِ». قالَ: صَدَقتَ.
قالَ: فأخْبِرنِي عنِ الإحْسَانِ، قال: «أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّهُ يراكَ».
قال: فأخبِرني عَنِ السَّاعةِ؟
قال: «مَا المَسؤُولُ عَنْهَا بأعلَمَ مِنَ السَّائِل».
قال: فأخبِرني عنْ أَمارَتِها؟
قال: «أنْ تَلِد الأمَةُ رَبَّتَها (^٣)، وأنْ تَرى الحُفاة العُراة العَالةَ رعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلونَ في البُنيانِ».
_________________
(١) سقطت من (ج).
(٢) زاد بعدها في (ص): «يا رسول الله».
(٣) اختلف العلماء في معنى ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: قال الخطابي: معناه: اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها، لأنّه ولد سيدها، قال النووي وغيره: إنه قول الأكثرين، واعترض الحافظ ابن حجر على ذلك فقال: لكن في كونه المراد نظر؛ لأن استيلاء الإماء كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع مالم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة. القول الثاني: إن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها، ولا يشعر بذلك. القول الثالث: قال النووي: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن بأن تلد الأمة حرًا من غير سيدها بوطء شبهةٍ، أو رقيقًا بنكاح، أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها أو ابنتها. القول الرابع: أن يكثر العقوق في الأولاد فيُعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا لذلك، أو المراد بالرب المربي فيكون حقيقة. والراجح - والله أعلم - القول الرابع، وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " ١/ ١٦٢ - ١٦٣ عقب الحديث (٥٠)، وقال بعد أن ذكر الترجيح: «ولأن المقام يدل على المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، ومحصلة الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور. بحيث يصير المربى مربيًا، والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: «أن تصير الحفاة ملوك الأرض»».
[ ٧٠ ]
ثُمَّ انْطَلَقَ، فلبثْتُ مَليًّا، ثمَّ قال لي: «يا عُمَرُ، أتَدرِي مَنِ السَّائل؟» قلتُ: الله ورسولُهُ أعلَمُ.
قال: «فإنَّهُ جِبريلُ أتاكُم يُعَلِّمُكُم (^١) دِينَكُم». رواه مسلم (^٢)
هذا الحديثُ تفرَّد مسلم عن البُخاريِّ بإخراجِه، فخرَّجه مِنْ طريقِ كهمسٍ، عَنْ عبد الله بنِ بُريدةَ، عن يَحيى بن يَعْمَرَ، قال: كانَ (^٣) أوَّلَ مَنْ قالَ في القَدرِ بالبصرةِ
_________________
(١) زاد بعدها في (ص): «أمر».
(٢) في " صحيحه " ١/ ٢٨ (٨) (١) و١/ ٢٩ (٨) (٢) و(٣) و١/ ٣٠ (٨) (٤). وأخرجه أيضًا: الطيالسي (٢)، وأحمد ١/ ٢٧ و٢٨ و٥١ و٥٢، والبخاري في " خلق أفعال العباد " (٢٦)، وأبو داود (٤٦٩٥) و(٤٦٩٦) و(٤٦٩٧)، وابن ماجه (٦٣)، والترمذي (٢٦١٠)، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٩٠١) و(٩٠٨)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٦٣) و(٣٦٧)، والنسائي ٨/ ٩٧ وفي " الكبرى "، له (١١٧٢١)، وابن خزيمة (١) و(٢٥٠٤) و(٣٠٦٥)، وابن حبان (١٦٨) و(١٧٣)، وابن منده في " الإيمان " (١) و(٢) و(٣) و(٤) و(٥) و(٦) و(٨) و(٩) و(١٠) و(١١) و(١٢) و(١٣) و(١٨٥) و(١٨٦)، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٧/ ٦٩ - ٧٠ وفي "شعب الإيمان"، له (٣٩٧٣)، والبغوي (٢) من حديث عمر بن الخطاب، به. الروايات مطولة ومختصرة.
(٣) سقطت في (ص).
[ ٧١ ]
معبدٌ الجهنيُّ، فانطلقتُ أنا وحميدُ بنُ عبد الرَّحمانِ الحِميريُّ حاجين أو مُعتَمِرين، فقلنا: لو لَقِينا أحدًا مِنْ أصحابِ رسولِ الله - ﷺ -، فسألناه عمَّا يقولُ هؤلاءِ في القدرِ، فوُفِّقَ لنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ الخطَّابِ داخلًا المسجدَ، فاكتَنَفتُهُ أنا وصاحبي، أحدُنا عن يمينه، والآخرُ عن شِمالِه، فظننتُ أنَّ صاحبي سيَكِلُ الكلامَ إليَّ، فقلتُ: أبا عبدِ الرَّحمانِ، إنّه (^١) قد ظهر قِبلَنا ناسٌ يقرءون القُرآن، ويتقفَّرُون (^٢) العلمَ، وذكر مِنْ شأنهم، وأنَّهم يزعُمون أنْ لا قدرَ، وأنّ الأمرَ أُنُفٌ (^٣)، فقال: إذا لقيتَ أولئك، فأخبرهم أنّي بريءٌ منهم، وأنّهم بُرآءُ مِنّي، والّذي يحلفُ به عبدُ الله بنُ عمرَ، لو أنّ لأحدهم مثلَ أُحُدٍ ذهبًا، فأنفقه، ما قَبِلَ الله منه حتى يُؤمِنَ بالقدرِ، ثم قال: حدَّثني أبي عمرُ بنُ الخطّابِ، قال: بينما نحنُ عندَ رسولِ الله - ﷺ -، فذكر الحديث بطولِهِ.
ثم خرَّجه من طُرقٍ أُخرى، بعضُها يرجِعُ إلى عبد الله بن بريدةَ (^٤)، وبعضُها يرجع إلى يحيى بن يعمر (^٥)، وذكر أنّ في بعض ألفاظها زيادةً ونقصًا.
وقد خرّجه ابنُ حبَّان في " صحيحه " (^٦) من طريق سليمانَ التَّيميِّ، عن يحيى ابن يعمر، وقد خرَّجه مسلمٌ مِن هذه الطَّريق، إلاَّ أنَّه لم يذكر لفظَه، وفيه زياداتٌ منها: في الإسلام، قال: «وتحجَّ وتعتمر، وتغتسلَ مِنَ الجَنابةِ، وأنْ تُتمَّ الوُضوء، وتصوم رمضان» قال: فإذا أنا فعلتُ ذلك، فأنا مسلمٌ؟ قال: «نعم».
وقال في الإيمان: «وتُؤمِن بالجَنَّةِ والنَّارِ والمِيزانِ»، وقال فيه: فإذا فعلتُ ذلك، فأنا مؤمنٌ؟ قال: «نعم».
_________________
(١) سقطت في (ص).
(٢) يتقفرون العِلم: يطلبونه ويتتبعونه، هذا هو المشهور، وقيل معناه: يجمعونه. انظر: النهاية ٤/ ٩٠، ولسان العرب ١١/ ٢٥٤ (قفر).
(٣) زاد بعدها في (ص): «أي: مستأنف». وأُنُف: بضم الهمزة والنون: أي: مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه. انظر: النهاية ١/ ٧٥، وشرح النووي لصحيح مسلم ١/ ١٤٥.
(٤) تصحف في (ص) إلى: «يزيد».
(٥) في (ص): «وبعضها إلى رواية ابن يعمر».
(٦) ابن حبان (١٧٣)، وقال عقب الحديث: «تفرد سليمان التيمي بقوله: «خذوا عنه» وبقوله: «تعتمر وتغتسل وتتم الوضوء»».
[ ٧٢ ]
وقال في آخره: «هذا جبريلُ أتاكُم ليعلِّمكُم أمرَ دينكم، خذوا عنه، والذي نفسي بيده ما شُبِّه عليَّ منذُ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفتُه حتى ولّى».
وخرّجاه في " الصحيحين " (^١) من حديث أبي هُريرة، قال: كان النَّبيُّ - ﷺ - يومًا بارزًا للناسِ، فأتاهُ رجلٌ، فقال: ما الإيمان (^٢)؟ قال: «الإيمانُ: أنْ تُؤمِنَ بالله وملائكتِه وكتابه، وبلقائه، ورُسله، وتؤمن بالبعثِ الآخرِ».
قال: يا رسولَ اللهِ، ما الإسلام؟ قالَ: «الإسلامُ (^٣): أن تعبدَ الله لا تشرك به شيئًا، وتقيمَ الصلاةَ المكتوبةَ، وتُؤَدِّي الزّكاةَ المفروضةَ، وتصومَ رمضان (^٤)».
قال: يا رسولَ اللهِ، ما الإحسّانُ؟ قال: «أنْ تعبدَ الله كأنَّكَ تراهُ، فإنَّكَ إنْ لا تراه (^٥)، فإنّه يراك».
قال: يا رسول اللهِ، متى الساعةُ؟ قال: «ما المسؤولُ عنها بأعلمَ مِنَ السَّائِلِ، ولكن سأحدِّثكَ عَنْ أَشراطِها: إذا وَلَدتِ الأَمَةُ ربَّتها، فذاك من أشراطها، وإذا رأيتَ العُراة الحُفاة رُؤوسَ الناس، فذاك من أشراطِها، وإذا تطاوَل رعاءُ البَهْم في البُنيان، فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمُهُنَّ إلاّ الله»، ثم تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (^٦).
_________________
(١) صحيح البخاري ١/ ١٩ (٥٠) و٦/ ١٤٤ (٤٧٧٧)، وصحيح مسلم ١/ ٣٠ (٩) (٥) و(٦). وأخرجه: أحمد ٢/ ٤٢٦، وأبو داود (٤٦٩٨)، وابن ماجه (٦٤) و(٤٠٤٤)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٧٩)، وابن خزيمة (٢٢٤٤)، وابن حبان (١٥٩)، وابن منده في " الإيمان " (١٥) و(١٦) و(١٥٨) و(١٥٩)، والبيهقي في " شُعب الإيمان " (٣٨٥). وأخرجه: النسائي ٨/ ١٠١، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٧٨)، وابن منده في " الإيمان " (١٦٠) من حديث أبي هريرة وأبي ذر، به.
(٢) زاد بعدها في (ص): «بالله».
(٣) سقطت في (ص).
(٤) زاد بعدها في (ص): «وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا».
(٥) في (ص): «فإن لم تكن تراه».
(٦) لقمان: ٣٤.
[ ٧٣ ]
قال: ثمّ أدبَرَ الرجُلُ، فقال رسول الله - ﷺ -: «عليَّ بالرَّجُلِ (^١)»، فأخذوا ليردُّوه، فلم يَروا شيئًا، فقال رسولُ الله - ﷺ -: «هذا جبريلُ جاءكم ليعلِّمَكم أمر دينكم (^٢)».
وخرَّجه مسلم بسياقٍ أتمَّ مِنْ هذا، وفيه في خصال الإيمان: «وتؤمِن بالقدر كلّه»، وقال في الإحسان: «أنْ تخشى الله كأنَّكَ تراهُ» (^٣).
وخَرَّجهُ الإمامُ أحمد في " مسنده " (^٤) من حديث شهر بن حوشب، عن ابنِ عباس. ومن حديث شهر بن حوشب أيضًا، عن ابن عامرٍ، أو أبي عامرٍ، أو أبي مالكٍ (^٥)، عن النَّبيِّ - ﷺ -، وفي حديثه قال: ونسمع رَجْعَ النَّبيِّ - ﷺ -، ولا نرى الذي يكلِّمُهُ، ولا نسمعُ كلامه (^٦)، وهذا يردُّه حديثُ عمرَ الذي خرَّجه مسلمٌ، وهو أصحُّ (^٧).
وقد رُوي الحديث (^٨) عن النَّبيِّ - ﷺ - مِنْ حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ (^٩)، وجرير بن عبد الله البجليِّ، وغيرهما (^١٠).
_________________
(١) في (ص): «أتروون عليّ الرجل».
(٢) في (ج): «جاء ليعلم الناس دينهم».
(٣) في " صحيحه " ١/ ٣٠ (١٠) (٧) من حديث أبي هريرة، به.
(٤) ١/ ٣١٩، وليس فيه: «ونسمع رجع النبي - ﷺ -، ولا نرى الذي يكلمه ولا نسمع كلامه». وأخرجه أيضًا: البزار كما في " كشف الأستار " (٢٤) من حديث ابن عباس، به، من غير طريق شهر وليس فيه اللفظ الذي ذكره المصنف.
(٥) في (ص): «عن ابن عامر أيضًا، أو ابن عامر وأبي مالك».
(٦) أخرجه: أحمد ٤/ ١٢٩ و١٦٤، وهذه اللفظة منكرة، وشهر بن حوشب ضعيف، وكما أنَّه أخطأ في المتن فكذا أخطأ في السند، وتفصيل بيان أخطائه في كتابنا " الجامع في العلل " يسر الله اتمامه.
(٧) سبق تخريجه.
(٨) في (ص): «حديث عمر».
(٩) أخرجه: البخاري في " خلق أفعال العباد " (١٩١)، والبزار كما في " كشف الأستار "
(١٠) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٨١) و(٣٨٢).
(١١) أخرجه: الآجري في " الشريعة ": ١٨٩ - ١٩٠.
[ ٧٤ ]
وهو حديثٌ عظيمٌ جدًا، يشتملُ على شرحِ الدِّين كُلِّه (^١)، ولهذا قال النَّبيُّ - ﷺ - في آخره: «هذا جبريل أتاكُم يعلِّمكم (^٢) دينَكُم» بعد أنْ شرحَ درجةَ الإسلامِ، ودرجةَ الإيمانِ، ودرجة الإحسّانِ، فجعل ذلك كُلَّه دينًا.
واختلفتِ الرِّواية في تقديمِ الإسلامِ على الإيمان وعكسه، ففي حديث عمرَ الذي خرَّجه مسلمٌ أنّه (^٣) بدأ بالسُّؤال عن الإسلام، وفي الترمذي وغيره: أنَّه بدأ بالسؤال عن الإيمان، كما في حديث أبي هريرة، وجاء في بعض روايات حديثِ (^٤) عمرَ أنَّه سألَ عن الإحسّان بين الإسلام والإيمان.
فأمَّا الإسلامُ، فقد فسَّره النَّبيُّ - ﷺ - بأعمالِ الجوارح الظَّاهرة مِنَ القولِ والعملِ، وأوّلُ ذلك: شهادةُ أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وهو عملُ اللسانِ، ثمّ إقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصومُ رمضانَ، وحجُّ البيت من استطاع إليه سبيلًا.
وهي منقسمةٌ إلى عمل بدني: كالصَّلاة والصومِ، وإلى عمل ماليٍّ: وهو إيتاءُ الزَّكاةِ، وإلى ما هو مركَّبٌ منهما: كالحجِّ بالنسبة إلى البعيد عن مَكَّة.
وفي رواية ابنِ حبَّان أضاف إلى ذلك الاعتمارَ، والغُسْلَ مِنَ الجَنابةِ، وإتمامَ الوُضوءِ، وفي هذا تنبيهٌ على أنَّ جميعَ الواجباتِ الظاهرةِ داخلةٌ في مسمّى الإسلامِ.
وإنَّما ذكرنا هاهنا أصولَ أعمالِ الإسلامِ التي ينبني عليها كما سيأتي شرح ذلك في حديث ابنِ عمرَ: «بُنِيَ الإسلامُ على خَمسٍ» في مَوضِعه إنْ شاءَ الله تعالى.
وقوله في بعض الرِّوايات: فإذا فعلتُ ذلك، فأنا مسلمٌ؟ قالَ: «نعم» يدلُّ على
_________________
(١) قال القاضي عياض: اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداءً وحالًا ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إنَّ علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه. وقال القرطبي: هذا الحديث يصلح أن يقال له أُم السنة؛ لما تضمنه من جُمل علم السنة. انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ١٤٦ - ١٤٧، وفتح الباري ١/ ١٦٦.
(٢) زاد بعدها في (ص): «أمر».
(٣) سقطت في (ص).
(٤) لم ترد في (ص).
[ ٧٥ ]
أنَّ مَنْ كَمَّلَ الإتيانَ بمباني الإسلام الخمسِ، صار مسلمًا حقًَّا، مع أنَّ مَنْ أقرَّ بالشهادتين، صار مسلمًا حُكمًا، فإذا دخل في الإسلام (^١) بذلك، أُلزم بالقِيام ببقيَّة خصالِ الإسلام، ومَنْ تركَ الشَّهادتين، خرج مِنَ الإسلام، وفي خُروجِه مِنَ الإسلام بتركِ الصَّلاةِ خلافٌ مشهورٌ بينَ العُلماء، وكذلك في ترك بقيَّة مباني الإسلام الخمس، كما سنذكُره في موضعه إن شاء الله تعالى (^٢).
وممَّا يدل على أنَّ جميعَ الأعمالِ الظَّاهرةِ تدخُلُ في مسمَّى الإسلام قولُ النَّبيِّ - ﷺ -: «المُسلم مَنْ سَلِمَ المُسلمُون من لِسانِه ويده» (^٣).
وفي " الصحيحين " (^٤) عن عبدِ الله بنِ عمرٍو: أنَّ رجلًا سألَ النَّبيَّ - ﷺ -: أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال: «أنْ تُطْعِمَ الطّعامَ، وتقرأ السَّلام على مَنْ عرفت ومَنْ لم تعرف».
_________________
(١) عبارة: «فإذا دخل في الإسلام» لم ترد في (ص).
(٢) سيأتي عند الحديث الثالث.
(٣) أخرجه: الحميدي (٥٩٥)، وأحمد ٢/ ١٩٢ و٢٠٥ و٢١٢، والبخاري ١/ ٩ (١٠) و٨/ ١٢٧ (٦٤٨٤) وفي " الأدب المفرد "، له (١١٤٤)، ومسلم ١/ ٤٧ (٤٠) (٦٤)، وأبو داود (٢٤٨١)، والنسائي ٨/ ١٠٥، وابن حبان (١٩٦) و(٢٣٠) و(٣٩٩) و(٤٠٠)، وابن منده في " الإيمان " (٣٠٩) و(٣١٠) و(٣١١) و(٣١٢) و(٣١٣)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١٨١)، والبيهقي ١٠/ ١٨٧، والبغوي (١٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، به. وأخرجه: أحمد ٢/ ٣٧٩، والترمذي (٢٦٢٧)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة "
(٤) ، والنسائي ٨/ ١٠٤ وفي " الكبرى "، له (١١٧٢٦)، وابن حبان (١٨٠)، والحاكم ١/ ١٠ من حديث أبي هريرة، به. وأخرجه: أحمد ٣/ ٣٧٢، ومسلم ١/ ٤٨ (٤١) (٦٥)، وابن حبان (١٩٧)، وابن منده في " الإيمان " (٣١٤)، والحاكم ١/ ١٠، والبيهقي ١٠/ ١٨٧ من حديث جابر بن عبد الله، به. وأخرجه: أحمد ٦/ ٢١ - ٢٢، وابن حبان (٤٨٦٢)، والطبراني في " الكبير " ١٨/ (٧٩٦)، وابن منده في " الإيمان " (٣١٥)، والحاكم ١/ ١٠ - ١١، والبغوي (١٤) من حديث فضالة بن عبيد، به. وأخرجه: البخاري ١/ ١٠ (١١)، ومسلم ١/ ٤٨ (٤٢) (٦٦)، والبغوي (١٣) من حديث أبي موسى، به. وأخرجه: الحاكم ١/ ١١ من حديث أنس بن مالك، به.
(٥) صحيح البخاري ١/ ١٠ (١٢) و١/ ١٤ (٢٨) و٨/ ٦٥ (٦٢٣٦)، وصحيح مسلم ١/ ٤٧ (٣٩) (٦٣). وأخرجه: أحمد ٢/ ١٦٩، والبخاري في " الأدب " (١٠١٣) و(١٠٥٠)، وأبو داود (٥١٩٤)، وابن ماجه (٣٢٥٣)، والنسائي ٨/ ١٠٧ وفي " الكبرى "، له (١١٧٣١)، وابن حبان (٥٠٥)، وابن منده في " الإيمان " (٣١٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٨٧٥١)، والبغوي (٣٣٠٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، به.
[ ٧٦ ]
وفي " صحيح الحاكم " (^١) عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - (^٢) قال: «إنَّ للإسلام صُوىً (^٣) ومنارًا كمنار الطَّريق، من ذلك: أنْ تعبدَ الله (^٤) ولا تشركَ به شيئًا، وتقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وتصومَ رمضانَ، والأمرُ بالمعروفِ، والنَّهيُ عن المُنكرِ، وتسليمُك على بَني آدم إذا لَقِيتَهم وتسليمُك على أهلِ بيتِكَ إذا دخلتَ عليهم، فمن انتقصَ منهنَّ شيئًا، فهو سَهمٌ من الإسلامِ تركه، ومن يتركهُنَّ فقد نبذَ الإسلامَ وراءَ ظهره».
وخَرَّج ابنُ مردويه مِنْ حديث (^٥) أبي الدَّرداءِ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «للإسلام ضياءٌ وعلاماتٌ كمنارِ الطَّريقِ، فرأسُها وجِماعُها شهادةُ أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وتَمَامُ الوُضوءِ، والحُكمُ بكتاب الله وسُنّةِ نبيِّه - ﷺ -، وطاعةُ وُلاة الأمر، وتسليمُكم على أنفُسِكُم، وتسليمُكم على أهليكم (^٦) إذا دخلتُم بيوتَكم، وتسليمكم على بني آدم إذا لقيتُموهُم (^٧)» وفي إسناده ضعفٌ، ولعله موقوف (^٨).
وصحَّ من حديث أبي إسحاق، عنْ صِلةَ بنِ زُفَرَ، عن حذيفةَ، قال: الإسلامُ
_________________
(١) أي: " المستدرك " ١/ ٢١. وفيه لفظ «صنوأ» بدل «صوى». أما إطلاق المصنف تسمية صحيح الحاكم على " المستدرك " فهذا تساهل كبير منه - ﵀ -. وأخرجه أيضًا: أبو عبيد في " الإيمان " (٣)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٤٠٥)، والطبراني في " مسند الشاميين " (٤٢٩)، وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (١٦١)، وأبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٢١٧ - ٢١٨ من طرق عن أبي هريرة، به، وهو حديث صحيح.
(٢) عبارة: «عن النبي - ﷺ -» لم ترد في (ص).
(٣) الصُّوى: الأعلام المنصوبة من الحجارة في المفازة المجهولة يستدل بها على الطريق، واحدتها صُوةٌ كقوة: أراد أنَّ للإسلام طرائق وأعلامًا يهتدى بها. النهاية ٣/ ٦٢.
(٤) زاد بعدها في (ص): «كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
(٥) في (ص): «طريق».
(٦) عبارة: «على أهليكم» لم ترد في (ص).
(٧) أخرجه: الطبراني في "مسند الشاميين" (١٩٥٤) من حديث بكر بن سهل، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن أبي الدرداء، به. وعبد الله بن صالح فيه مقال.
(٨) حديث أبي الدرداء قواه العلامة الألباني في " السلسة الصحيحة " (٣٣٣).
[ ٧٧ ]
ثمانيةُ أسهُمٍ: الإسلامُ سهمٌ، والصَّلاةُ سهمٌ، والزَّكاةُ سهمٌ، والجهادُ سهمٌ، وحجُّ البيتِ سهمٌ (^١)، وصومُ رمضانَ سهمٌ، والأمرُ بالمعروفِ سهمٌ، والنهيُ عنِ المنكرِ سهمٌ، وخابَ مَنْ لا سَهمَ له. وخرَّجه البزّارُ مرفوعًا (^٢)، والموقوفُ أصحُّ (^٣).
ورواهُ بعضهم عن أبي إسحاقَ، عنِ الحارثِ، عن عليٍّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، خرَّجه أبو يعلى الموصلي (^٤) وغيره (^٥)، والموقوف على حذيفة أصحُّ. قاله الدَّارقطنيُّ (^٦) وغيره.
وقوله: «الإسلام سهمٌ» يعني: الشَّهادتين؛ لأنّهما عَلمُ الإسلام، وبهما يصيرُ الإنسانُ مسلمًا.
وكذلك تركُ المحرَّمات داخلٌ في مُسمَّى الإسلام أيضًا، كما رُوي عنِ النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «مِنْ حُسْنِ إسلامِ المَرءِ تركُهُ ما لا يعنيه»، وسيأتي في موضعه إنْ شاء الله تعالى (^٧).
ويدلُّ على هذا أيضًا ما خرَّجه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ مِنْ حديثِ العِرباضِ بنِ ساريةَ (^٨)،
_________________
(١) عبارة: «وحج البيت سهم» لم ترد في (ص).
(٢) سقطت من (ص).
(٣) كما في " كشف الأستار " (٣٣٦) مرفوعًا. وأخرجه موقوفًا: الطيالسي (٤١٣)، والبزار كما في " كشف الأستار " (٣٣٧). قال البزار عقب الحديث (٣٣٧): «ولم يسنده ولا نعلم أسنده إلا يزيد بن عطاء».
(٤) في " مسنده " (٥٢٣). وأخرجه ابن عدي في " الكامل " ٣/ ٣٣٠ من حديث علي بن أبي طالب، به.
(٥) سقطت من (ص).
(٦) في " علله " ٣/ ١٧١.
(٧) عند الحديث الثاني عشر.
(٨) هذا من حديث النواس بن سمعان، وليس العرباض بن سارية، وهو وهم من المصنف - ﵀ -. أخرجه: أحمد ٤/ ١٨٢ و١٨٣، والترمذي (٢٨٥٩)، والنسائي في " الكبرى " (١١٢٣٣) وفي " تفسيره " (٢٥٣)، والطبري في " تفسيره " ١/ ٧٥، والطحاوي في " شرح المشكل " (٢٠٤١) و(٢١٤٣)، والطبراني في " مسند الشاميين " (١١٤٧) و(٢٠٢٤)، والآجري في " الشريعة ": ١٢ - ١٣، والحاكم ١/ ٧٣ من طرق عن النواس بن سمعان، به، وقال الترمذي: «حسن غريب».
[ ٧٨ ]
عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «ضربَ الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جَنَبتَي الصِّراط سُورانِ، فيهما أبوابٌ مفتَّحَةٌ، وعلى الأبوابِ ستورٌ مُرخاةٌ، وعلى بابِ الصِّراط داعٍ يقول: يا أيُّها النّاس، ادخُلوا الصِّراط جميعًا، ولا تعوجُّوا، وداعٍ يدعو من جَوفِ الصِّراطِ، فإذا أرادَ أنْ يفتحَ شيئًا من تلكَ الأبوابِ، قال: ويحكَ لا تَفتَحْهُ، فإنَّك إنْ تفتحه تَلِجْهُ. والصِّراطُ: الإسلامُ. والسُّورانِ: حدودُ اللهِ. والأبوابُ المُفتَّحةُ: محارمُ اللهِ، وذلك الدّاعي على رأس الصِّراط: كتابُ الله. والدّاعي من فوق: واعظُ اللهِ في قلب كلِّ مسلمٍ».
زاد التِّرمذيُّ: ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^١).
ففي هذا المثلِ الذي ضربه النَّبيُّ - ﷺ - أنّ الإسلامَ هو الصِّراطُ المستقيم الذي أمرَ الله تعالى (^٢) بالاستقامةِ عليه، ونهى عن تجاوُزِ حدوده، وأنَّ مَنِ ارتكبَ شيئًا مِنَ المحرّماتِ، فقد تعدّى حدودَه.
وأما الإيمانُ، فقد فسَّره النَّبيُّ - ﷺ - في هذا الحديث بالاعتقادات الباطِنَة، فقال: «أنْ تُؤْمِن باللهِ، وملائكتِه، وكُتبِه، ورُسلِهِ، والبعثِ بعدَ الموتِ، وتُؤْمِنَ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّه».
وقد ذكرَ الله في كتابه الإيمانَ بهذه الأصولِ الخمسةِ في مواضع، كقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (^٣). وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (^٥).
والإيمان بالرُّسُل يلزمُ منهُ الإيمانُ بجميع ما أخبرُوا به من المَلائكةِ، والأنبياء، والكتابِ (^٦)، والبعثِ، والقدرِ، وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به مِنْ صفات
_________________
(١) يونس: ٢٥.
(٢) زاد بعدها في (ص): «رسوله».
(٣) البقرة: ٢٨٥.
(٤) البقرة: ٢٧٧.
(٥) البقرة: ٣ - ٤.
(٦) في (ص): «ما أخبروا به غير ذلك من الملائكة والكتب والأنبياء».
[ ٧٩ ]
الله تعالى وصفات اليوم الآخر، كالميزانِ والصراطِ، والجنَّةِ، والنَّار.
وقد أُدخِلَ في هذه الآيات الإيمانُ بالقدرِ خيرِه وشرِّه، ولأجلِ هذه الكلمةِ روى ابنُ عمر هذا الحديث محتجًّا به على مَنْ أنكَرَ القدرَ، وزعمَ أنَّ الأمرَ أنفٌ: يعني أنّه (^١) مستأَنَفٌ لم يسبق به سابقُ قدرٍ مِنَ اللهِ ﷿، وقد غلَّظ ابنُ عمرَ عليهم، وتبرّأ منهم، وأخبرَ أنّه لا تُقبلُ منهم أعمالُهم بدونِ الإيمانِ بالقدر (^٢).
والإيمانُ بالقدرِ على درجتين (^٣):
إحداهما: الإيمان بأنَّ الله تعالى سبقَ (^٤) في علمه ما يَعمَلُهُ العبادُ من خَيرٍ وشرٍّ وطاعةٍ ومعصيةٍ قبلَ خلقهِم وإيجادهم، ومَنْ هُو منهم مِنْ أهلِ الجنَّةِ، ومِنْ أهلِ النَّارِ، وأعدَّ لهُم الثَّوابَ والعقابَ جزاءً لأعمالهم قبل خلقِهم وتكوينهم، وأنَّه كتبَ ذلك عندَه وأحصاهُ (^٥)، وأنَّ أعمالَ العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه (^٦).
والدرجةُ الثانية: أنَّ الله تعالى خلقَ أفعالَ عبادِهِ كلَّها (^٧) مِنَ الكُفر والإيمانِ والطاعةِ والعصيانِ وشاءها منهم، فهذه الدَّرجةُ (^٨) يُثبِتُها أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، ويُنكرها القدريةُ، والدرجةُ الأولى أثبتها كثيرٌ مِنَ القدريَّةِ، ونفاها غُلاتُهم، كمعبدٍ الجُهنيِّ، الذي سُئِل ابنُ عمرَ عنْ مقالتِهِ، وكعمرو بن عُبيدٍ وغيره (^٩).
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) انظر: مجموعة الفتاوى لابن تيمية ١٣/ ٢٣.
(٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية: ٤٤٢.
(٤) في (ص): «الإيمان بالله أنه سبق».
(٥) زاد بعدها في (ص): «وأعد لهم».
(٦) انظر: شرح العقيدة الواسطية: ٤٤٢ - ٤٤٣.
(٧) سقطت من (ص).
(٨) زاد بعدها في (ص): «الثانية».
(٩) انقسم الناس في باب القدر إلى ثلاثة أقسام: قسم آمنوا بقدر الله - ﷿ - وغلوا في إثباته، حتى سلبوا الإنسان قدرته واختياره، وقالوا: إنَّ الله فاعل كل شيء، وليس للعبد اختيار وَلا قدرة، وإنما يفعل الفعل مجبرًا عليه، بل إنَّ بعضهم ادعى أنَّ فعل العبد هو فِعل الله، ولهذا دخل من بابهم أهل الاتحاد والحلول، وهؤلاء هم الجبرية. والقسم الثاني قالوا: إنّ العبد مستقل بفعله، وليس لله فيه مشيئة ولا تقدير، حتى غلا بعضهم، فقال: إنَّ الله لا يعلم فعل العبد إلاّ إذا فعله، أما قبل فلا يعلم عنه شيئًا، وهؤلاء هم القدرية، مجوس هذه الأمُة. فالأولون غلوا في إثبات أفعال الله وقدره وقالوا: إنَّ الله - ﷿ - يجبر الإنسان على فِعله، وليس للإنسان اختيار. والآخرون غلوا في إثبات قدرة العبد، وقالوا: إنَّ القدرة الإلهية والمشيئة الإلهية لا عِلاقة لها في فِعل العَبد، فهو الفاعِل المطلق الاختيار. القسم الثالث: أهل السنة والجماعة، قالوا: نحن نأخذ بالحق الذي مع الجانبين، فنقول: إنّ فعل العبد واقع بمشيئة الله وخلق الله، ولا يمكن أنْ يكون في ملك الله مالا يشاؤه أبدًا، والإنسان له اختيار وإرادة، ويفرق بين الفِعل الذي يضطر إليه، والفعل الذي يختاره، فأفعال العباد باختيارهم وإرادتهم، ومع ذلك فهي واقعة بمشيئة الله وخلقه. شرح العقيدة الواسطية: ٣٦٤.
[ ٨٠ ]
وقد قال كثيرٌ من أئمة السّلفِ: ناظرُوا القدريَّةَ بالعلمِ، فإنْ أقرُّوا به خُصِمُوا، وإنْ جحدوه، فقد كفروا، يريدونَ أنَّ مَنْ (^١) أنكَرَ العلمَ القديمَ السَّابِقَ بأفعالِ العبادِ، وأنَّ الله قَسمهم قبلَ خلقِهم إلى شقيٍّ وسعيدٍ، وكتبَ ذلك عندَه في كتابٍ حفيظٍ، فقد كذَّب بالقُرآن، فيكفُرُ بذلك، وإنْ أقرُّوا بذلك، وأنكروا أنَّ الله خلق أفعالَ عباده، وشاءها، وأرادها منهم إرادةً كونيةً قدريةً، فقد خصمُوا؛ لأنَّ ما أقرُّوا به حُجَّةٌ عليهم فيما أنكروه. وفي تكفير هؤلاءِ نزاعٌ مشهورٌ بينَ العُلماءِ (^٢).
وأمّا من أنكرَ العلمَ القديمَ، فنصَّ الشّافعيُّ وأحمدُ على تكفيرِهِ، وكذلك غيرُهما مِنْ أئمةِ الإسلام (^٣).
فإنْ قيل: فقدْ فرَّق النَّبيُّ - ﷺ - في هذا الحديث بينَ الإسلام والإيمانِ، وجعلَ الأعمالَ كلَّها من الإسلامِ، لا مِنَ الإيمانِ، والمشهورُ عنِ السَّلفِ وأهلِ الحديثِ أنَّ الإيمانَ: قولٌ وعملٌ ونيةٌ، وأنَّ الأعمالَ كلَّها داخلةٌ في مُسمَّى الإيمانِ (^٤). وحكى الشافعيُّ على ذلك إجماعَ الصَّحابةِ والتَّابعين ومن بعدَهم ممَّن أدركهم (^٥).
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز: ٢٧١ - ٢٧٢.
(٣) انظر: مجموعة الفتاوي لابن تيمية ٧/ ٢٤١.
(٤) انظر: الإيمان لابن تيمية: ٢٣١، ومختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد: ١٧٧.
(٥) انظر: مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد: ١٧٧.
[ ٨١ ]
وأنكرَ السَّلفُ على مَنْ أخرجَ الأعمالَ عنِ الإيمانِ إنكارًا شديدًا، وممَّن أنكرَ ذلك على قائله، وجعلَه قولًا مُحدَثًا: سعيدُ بنُ جبيرٍ، وميمونُ بنُ مِهرانَ، وقتادةُ، وأيُّوبُ السَّختيانيُّ، وإبراهيمُ النَّخعي (^١)، والزُّهريُّ، ويحيى بنُ أبي كثيرٍ، وغيرُهم. وقال الثَّوريُّ: هو رأيٌ محدَثٌ، أدركنا الناس على غيره. وقال الأوزاعيُّ: كان مَنْ مضى ممَّن سلف لا يُفَرِّقون بين الإيمان (^٢) والعمل (^٣).
وكتب عمرُ بنُ عبد العزيز إلى أهل الأمصارِ: أمَّا بعدُ، فإنَّ للإيمانِ فرائضَ وشرائعَ وحدودًا وسننًا (^٤)، فمن استكملَها، استكملَ الإيمانَ، ومن لم يَستكْمِلها، لم يستكملِ الإيمانَ، ذكره البخاري في " صحيحه " (^٥).
قيل: الأمر على ما ذكره، وقد دلّ على دُخول الأعمالِ في الإيمان قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (^٦).
وفي " الصحيحين " (^٧) عنِ ابنِ عبّاسٍ: أنّ النَّبيَّ - ﷺ - قال لوفدِ عبدِ القيسِ: «آمركُم بأربعٍ: الإيمانِ بالله وحده (^٨)، وهل تدرونَ ما الإيمانُ بالله؟ شهادةُ أنْ لا إله إلاّ الله، وإقامِ الصّلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، وأنْ تُعطُوا من المَغنَمِ الخُمْسَ».
وفي " الصحيحين " (^٩)
_________________
(١) في (ص): «والنخعي» فقط.
(٢) في (ص): «لا يعرفون الإيمان».
(٣) انظر: مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد:
(٤) ١٧٨.
(٥) عبارة: «وحدودًا وسننًا» لم ترد في (ص).
(٦) ١/ ٨ قبيل (٨) تعليقًا، وقد وصله ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٩٦٢) طبعة الرشد.
(٧) الأنفال: ٢ - ٤.
(٨) صحيح البخاري ١/ ٢٠ (٥٣) و١/ ٣٢ (٨٧) و١/ ١٣٩ (٥٢٣) و٢/ ١٣١ (١٣٩٨) و٤/ ٩٨ (٣٠٩٥) و٤/ ٢٢٠ (٣٥١٠) و٥/ ٢١٣ (٤٣٦٨) و(٤٣٦٩) و٨/ ٥٠ (٦١٧٦) و٩/ ١١١ (٧٢٦٦) و٩/ ١٩٧ (٧٥٥٦)، وصحيح مسلم ١/ ٣٥ (١٧) (٢٣) و(٢٤) و١/ ٣٦ (١٧) (٢٥).
(٩) «وحده» لم ترد في (ص).
(١٠) صحيح البخاري ١/ ٩ (٩)، وصحيح مسلم ١/ ٤٦ (٣٥) (٥٧) و(٥٨). وأخرجه: معمر في"جامعه" (٢٠١٠٥)، والطيالسي (٢٤٠٢)، وأبو عبيد في " الإيمان " (٤)، وأحمد ٢/ ٣٧٩ و٤١٤ و٤٤٢ و٤٤٥، والبخاري في "الأدب المفرد" (٥٩٨)، وأبو داود (٤٦٧٦)، وابن ماجه (٥٧)، والترمذي (٢٦١٤)، والنسائي ٨/ ١١٠ وفي " الكبرى "، له (١١٧٣٥) و(١١٧٣٦) و(١١٧٣٧) من حديث أبي هريرة، به.
[ ٨٢ ]
عن أبي هريرة - ﵁ -، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - قال: «الإيمانُ بِضعٌ وسَبعونَ، أو بضعٌ وستُّون شُعبة، فأفضلُها: قولُ لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمان» ولفظه لمسلم.
وفي " الصحيحين " (^١) عن أبي هُريرة، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «لا يزني الزّاني حينَ يزني وهو مُؤمنٌ، ولا يَسرقُ السّارق حين يسرق وهو مؤمنٌ، ولا يشرب الخمر حينَ يشربها وهو مؤمنٌ» فلولا أنَّ تركَ هذه الكَبَائِرَ مِنْ مُسمَّى الإيمان لما انتفى اسمُ الإيمانِ عن مرتكبِ شيءٍ منها؛ لأنَّ الاسمَ لا ينتفى إلاَّ بانتفاءِ بعض أركانِ المسمّى، أو واجباتِه (^٢).
وأما وجهُ الجمعِ بينَ هذه النُّصوص وبينَ حديثِ سُؤال (^٣) جبريلَ - ﵇ - عَنِ الإسلامِ والإيمانِ، وتفريق النَّبيِّ - ﷺ - بينهما، وإدخاله الأعمالَ في مُسمَّى الإسلامِ دونَ مُسمَّى الإيمانِ، فإنَّه يتضح بتقريرِ أصلٍ، وهو أنّ مِنَ الأسماءِ ما يكونُ شاملًا لمسمّياتٍ مُتعدِّدةٍ عندَ إفرادِه وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالاًّ على بعضِ تلك المسمَّياتِ، والاسمُ المقرونُ به دالٌّ على باقيها، وهذا كاسم الفقيرِ والمسكينِ، فإذا أُفردَ أحدُهما دخل فيه كلُّ مَنْ هو محتاجٌ، فإذا قُرن أحدُهما بالآخر دلَّ أحدُ الاسمين على بعضِ أنواعِ ذوي الحاجاتِ (^٤)، والآخر على باقيها، فهكذا اسمُ الإسلامِ والإيمانِ: إذا أُفرد أحدُهما، دخل فيه الآخر، ودلّ بانفرادِه على ما يدلُّ عليه
_________________
(١) صحيح البخاري ٣/ ١٧٨ (٢٤٧٥) و٧/ ١٣٥ (٥٥٧٨) و٨/ ١٩٥ (٦٧٧٢) و٨/ ٢٠٤
(٢) ، وصحيح مسلم ١/ ٥٤ (٥٧) (١٠٠) و(١٠١) و١/ ٥٥ (٥٧) (١٠٢) و(١٠٣) و(١٠٤) و(١٠٥).
(٣) انظر: الإيمان لابن تيمية: ٢٤٠ و٢٤٩.
(٤) سقطت من (ص).
(٥) في (ص): «بعض ذي الحاجة».
[ ٨٣ ]
الآخرُ (^١) بانفراده، فإذا قُرِنَ بينَهُما دلّ أحدُهما على بعض ما يدلُّ عليه بانفرادهِ، ودلَّ الآخر على الباقي (^٢).
وقد صرَّح بهذا المعنى جماعةٌ مِنَ الأئمّةِ. قال أبو بكر الإسماعيليُّ في رسالته إلى أهل الجبل: قال كثيرٌ مِنْ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة: إنّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ (^٣)، والإسلام فعل ما فُرِضَ على الإنسانِ أنْ يفعَله إذا ذكر كلُّ اسمٍ على حِدَتِه مضمومًا إلى الآخر، فقيل: المؤمنونَ والمسلمونَ جميعًا مفردين، أُريدَ بأحدهما معنى لم يُرَدْ بالآخر، وإذا ذُكِرَ أحدُ الاسمين، شَمِلَ (^٤) الكُلَّ وعمَّهم (^٥).
وقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطابيُّ في كتابه " معالم السنن " (^٦)، وتَبِعَهُ عليه جماعةٌ من العُلَماء من بعده.
ويدلُّ على صحَّةِ ذلك أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - فَسَّرَ الإيمانَ عند ذكرِه مفردًا في حديث وفد عبدِ القيسِ بما فسّر به الإسلامَ المقرونَ بالإيمانِ في حديثِ جبريلَ (^٧)، وفسَّر في حديثٍ آخرَ الإسلامَ بما فسّر به الإيمانَ، كما في " مسند الإمام أحمد " (^٨) عن عمرو بن عَبسة، قال: جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ما الإسلامُ؟ قال (^٩): «أنْ تُسْلِمَ قلبَكَ للهِ، وأنْ يسلمَ المسلمونَ مِنْ لِسَانِكَ ويَدكَ»، قال: فأي الإسلام أفضلُ؟ قال: «الإيمان». قال: وما الإيمان؟ قال: «أنْ تُؤْمِنَ باللهِ، وملائكته، وكُتبهِ، ورُسلِه، والبعثِ بعدَ الموتِ». قال:
_________________
(١) في (ص): «الاسم».
(٢) انظر: الإيمان لابن تيمية: ٢٦١.
(٣) انظر: الإيمان لابن تيمية: ٢٥٩، ومختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد: ١٧٣.
(٤) زاد بعدها في (ص): «الآخر».
(٥) انظر: مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد: ١٧٦ - ١٧٧.
(٦) ٤/ ٢٩٢. وانظر: مجموعة الفتاوى ٧/ ٢٢٥.
(٧) انظر: مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد: ١٧٧.
(٨) ٤/ ١١٤. وأخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠١٠٧)، وعبد بن حميد (٣٠١) من حديث عمرو بن عبسة، به، وهو حديث صحيح.
(٩) زاد بعدها في (ص): «رسول الله - ﷺ -».
[ ٨٤ ]
فأيُّ الإيمانِ أفضلُ؟ قال: «الهِجْرَةُ». قال: فما الهجرةُ؟ قال: «أن تَهجُر السُّوءَ»، قال: فأيُّ الهِجْرةِ أفضلُ؟ قال: «الجهاد». فجعل النَّبيُّ - ﷺ - الإيمانَ أفضلَ الإسلامِ، وأدخلَ فيه الأعمالَ.
وبهذا التَّفصيل يظهرُ تحقيقُ القولِ في مسألةِ الإسلامِ والإيمانِ: هل هما واحدٌ، أو هما مختلفان؟
فإنَّ أهلَ السُّنَّةِ والحديثِ مختلفون في ذلك، وصنَّفُوا في ذلك تصانيف متعددةً، فمنهم من يدَّعِي أنَّ جُمهورَ أهلِ السُّنَّةِ على أنَّهما شيءٌ واحدٌ (^١): منهم محمدُ بن نصرٍ المروزيُّ (^٢)، وابنُ عبد البرِّ، وقد رُويَ هذا القولُ عنْ سفيانَ الثَّوريِّ مِنْ رواية أيُّوبَ بن سُويدٍ الرَّمليِّ عنه، وأيُّوب فيه ضعف.
ومنهم من يحكي عن أهل السُّنَّةِ التَّفريقَ بينهما (^٣)، كأبي بكر بن السَّمعانيِّ وغيره، وقد نُقِلَ التفريقُ بينهما عَنْ كثيرٍ من السَّلَفِ، منهم: قتادةُ، وداودُ بنُ أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزُّهريُّ، وحمادُ بن زيد، وابن مهديٍّ، وشريكٌ، وابنُ أبي ذئب، وأحمد بن حَنْبل، وأبو خيثمة، ويحيى بنُ معينٍ، وغيرهم،
على اختلافٍ بينَهم في صفة التَّفريق بينَهُما، وكان الحسنُ وابنُ سيرين يقولان
: «مسلمٌ» ويهابان «مُؤمنٌ» (^٤).
وبهذا التَّفصيل الذي ذكرناهُ يزولُ الاختلافُ، فيُقالُ: إذا أُفردَ كلٌّ مِنَ الإسلامِ والإيمانِ بالذِّكرِ فلا فرقَ بينهما حينئذٍ، وإنْ قُرِنَ بين الاسمينِ، كان بينَهما فَرقٌ (^٥).
والتَّحقيق في الفرق بينهما: أنَّ الإيمانَ هو تصديقُ القلبِ، وإقرارُهُ، ومعرفته،
_________________
(١) انظر: الإيمان لابن تيمية ٢٦١ - ٢٦٢.
(٢) انظر: كلام المروزي في هذه المسألة في كتابه " تعظيم قدر الصلاة " عقب الحديث (٥٦٨). وانظر: الإيمان لابن تيمية: ٢٨٢ و٢٨٦، ومجموعة الفتاوى ٧/ ٢٢٥.
(٣) انظر: الإيمان لابن تيمية: ٢٨٢، ومجموعة الفتاوى ٧/ ٢٢٥ و٢٣٣، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة ١/ ١٠٨.
(٤) أخرجه: عبد الله بن أحمد في " السنة " (٦٥٨)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة "
(٥) انظر: مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد: ١٧٦.
[ ٨٥ ]
والإسلامُ: هو استسلامُ العبدِ للهِ، وخُضُوعُه، وانقيادهُ له، وذلك يكونُ بالعملِ، وهو الدِّينُ، كما سمَّى الله تعالى في كتابِه الإسلامَ دينًا (^١)، وفي حديث جبريل سمَّى النَّبيُّ - ﷺ - الإسلامَ والإيمانَ والإحسان دينًا، وهذا أيضًا ممّا يدلُّ على أنَّ أحدَ الاسمين إذا أُفردَ دَخلَ فيه الآخرُ، وإنّما يفرَّقُ بينهما حيثُ قُرِنَ أحدُ الاسمين بالآخر، فيكونُ حينئذٍ المرادُ بالإيمانِ: جنسَ تصديقِ القلبِ، وبالإسلامِ جنسَ العمل (^٢).
وفي " مسند الإمام أحمد " (^٣) عَنْ أنسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «الإسلامُ علانِيَةٌ، والإيمانُ في القلبِ». وهذا لأنّ الأعمالَ تظهرُ علانيةً، والتَّصديقُ في القلب لا يظهرُ.
وكان النَّبيُّ - ﷺ - يقولُ في دعائه إذا صلّى على الميِّت: «اللهُمَّ مَنْ أحييتَهُ منّا فأحيهِ على الإسلامِ، ومَن تَوفَّيتَهُ منّا فتوفَّه على الإيمان (^٤)»؛
لأنَّ الأعمال بالجوارحِ إنَّما يُتَمكَّنُ منه (^٥) في الحياةِ، فأمّا عندَ الموتِ فلا يبقى غيرُ التَّصديق بالقلبِ (^٦).
ومن هُنا قال المحقِّقون مِنَ العُلماءِ: كلُّ مُؤمِنٍ مُسلمٌ، فإنَّ من حقَّق
الإيمان، ورسخ في قلبه، قام بأعمال الإسلام (^٧)، كما قال - ﷺ -: «ألا وإنَّ في
الجَسَدِ مُضغةً، إذا صَلحَتْ صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدتْ فسدَ الجَسَدُ كلُّه، ألا وهي القَلبُ (^٨)»،
_________________
(١) انظر: مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد: ١٧٧.
(٢) انظر: مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد: ١٧٦.
(٣) ٣/ ١٣٤. وأخرجه: أبو عبيد في " الإيمان ": ٦، والبزار كما في " كشف الأستار " (٢٠)، وأبو يعلى (٢٩٢٣)، والعقيلي في " الضعفاء " ٣/ ٢٥٠، وابن حبان في " المجروحين " ٢/ ١٠٨، وابن عدي في " الكامل " ٦/ ٣٥٣، والخطيب في " الموضح " ٢/ ٢٤٩ من حديث أنس بن مالك، به، وإسناده ضعيف تفرد به عليُّ بن مَسْعَدة، وهو ضعيف عند التفرد.
(٤) أخرجه: أحمد ٢/ ٣٦٨، وأبو داود (٣٢٠١)، وابن ماجه (١٤٩٨)، والترمذي
(٥) ، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (١٠٨٠) و(١٠٨١)، وأبو يعلى
(٦) و(٦٠١٠)، وابن حبان (٣٠٧٠)، والحاكم ١/ ٣٥٨، والبيهقي ٤/ ٤١ من حديث أبي هريرة، به، وهذا الحديث معلول بالإرسال، وقد رجح الرواية المرسلة أبو حاتم وأبو زرعة كما في " العلل " لابن أبي حاتم (١٠٤٧) و(١٠٥٨) على أن الترمذي قال عن الحديث: «حسن صحيح». وللحديث طرق أخرى.
(٧) في (ص): «وقته».
(٨) انظر: الإيمان لابن تيمية: ٢٠٧.
(٩) انظر: مجموعة الفتاوى ٧/ ٢٢٩.
(١٠) سيأتي عند الحديث السادس.
[ ٨٦ ]
فلا يتحقَّقُ القلبُ بالإيمان إلاَّ وتنبعِثُ الجوارحُ في
أعمالِ الإسلامِ، وليس كلُّ مسلمٍ مؤمنًا، فإنَّه قد يكونُ الإيمانُ ضعيفًا، فلا يتحقَّقُ القلبُ به تحقُّقًا تامًّا مع عمل جوارِحِه بأعمال الإسلام، فيكون مسلمًا، وليس بمؤمنٍ الإيمانَ التَّامَّ، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (^١)، ولم يكونوا مُنافقينَ
بالكُلِّيةِ على أصحِّ التَّفسيرينِ، وهو قولُ ابنِ عبّاسٍ وغيره (^٢)، بل كان إيمانُهم ضعيفًا، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ
شَيْئًا﴾ (^٣)، يعني: لا ينقصُكم من أجورِها، فدلَّ على أنَّ معهم من الإيمانِ ما تُقبَلُ به أعمالُهم (^٤).
وكذلك قولُ النَّبيِّ - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص لما قال له: لم (^٥) تعطِ فلانًا وهو
مؤمن؟ فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «أو مسلمٌ (^٦)»
يُشيرُ إلى أنَّه لم يُحقِّق مقامَ الإيمانِ، وإنَّما هو في مقامِ الإسلامِ الظاهرِ، ولا ريبَ أنَّه متى ضَعُفَ الإيمانُ الباطنُ، لزمَ منه ضعفُ أعمالِ الجوارحِ
_________________
(١) الحجرات: ١٤.
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري في " تفسيره " (٢٤٦١١). وانظر: زاد المسير ٧/ ٤٧٦ - ٤٧٧، وتفسير ابن كثير: ١٧٥٣، ط دار ابن حزم.
(٣) الحجرات: ١٤.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٢٤٦١٥)، وتفسير البغوي ٤/ ٢٦٩، وزاد المسير ٧/ ٤٧٧.
(٥) زاد بعدها في (ص): «لا».
(٦) أخرجه: الطيالسي (١٩٨)، والحميدي (٦٨) و(٦٩)، وأحمد ١/ ١٧٦ و١٨٢، وعبد بن حميد (١٤٠)، والدورقي في " مسند سعد بن أبي وقاص " (١١)، والبخاري ١/ ١٣ (٢٧) و٢/ ١٥٣ (١٤٧٨)، ومسلم ١/ ٩١ (١٥٠) (٢٣٦) و(٢٣٧) = = و٣/ ١٠٤ (١٥٠) (٢٣٦) و(٢٣٧) و٣/ ١٠٤ (١٥٠) (١٣١)، وأبو داود (٤٦٨٣) و(٤٦٨٥)، والبزار (١٠٨٧) و(١٠٨٨)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة "
(٧) و(٥٦١) و(٥٦٢)، والنسائي ٨/ ١٠٣ و١٠٤ وفي " الكبرى "، له (١١٥١٧) و(١١٧٢٣) و(١١٧٢٤) وفي " تفسيره " (٥٣٧)، وأبو يعلى (٧٣٣) و(٧٧٨)، والطبري في " تفسيره " (٢٤٦٠٨)، والشاشي في " مسنده " (٨٩) و(٩١)، وابن حبان (١٦٣)، وابن منده في " الإيمان " (١٦١) و(١٦٢)، واللالكائي في " أصول الاعتقاد " (١٤٩٤) و(١٤٩٥)، وأبو نعيم في " الحلية " ٦/ ١٩١، والخطيب في " تاريخه " ٣/ ١١٩ من حديث سعد بن أبي وقاص، قال: أعطى النبي - ﷺ - رجالًا ولم يعط رجلًا منهم شيئًا، فقال سعد: يا نبي الله، أعطيت فلانًا وفلانًا، ولم تعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن، فقال النبي - ﷺ -: «أو مسلم» حتى أعادها سعدٌ ثلاثًا، والنبي - ﷺ - يقول: «أو مسلم»، ثم قال النبي - ﷺ -: «إني لأعطي رجالًا، وأدع من هو أحب إلي منهم، فلا أعطيه شيئًا، مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم». اللفظ لأحمد ١/ ١٧٦.
[ ٨٧ ]
الظاهرةِ أيضًا، لكن اسم الإيمان يُنفى عمّن تركَ شيئًا مِنْ واجباتِه، كما في قوله - ﷺ - (^١): «لا يزني الزاني حينَ يزني وهو مؤمنٌ (^٢)».
وقد اختلف أهلُ السُّنَّة: هل يُسمَّى مؤمنًا ناقصَ الإيمانِ، أو يقال: ليس بمؤمنٍ، لكنَّهُ مسلمٌ، على قولين، وهما روايتانِ عنْ أحمدَ (^٣).
وأمَّا اسمُ الإسلامِ، فلا ينتفي بانتفاءِ بعض واجباتِهِ، أو انتهاكِ بعضِ محرَّماته، وإنَّما يُنفى بالإتيانِ بما يُنافيه بالكُلِّيَّةِ، ولا يُعرَفُ في شيءٍ من السُّنَّةِ الصَّحيحةِ نفيُ الإسلامِ عمَّن تركَ شيئًا من واجباتِهِ، كما يُنفى الإيمانُ عمَّن تركَ شيئًا من واجباتِهِ، وإنْ كان قد وردَ إطلاقُ الكُفرِ على (^٤) فعلِ بعض المحرَّماتِ، وإطلاقُ النِّفاقِ أيضًا.
واختلفَ العلماءُ: هل يُسمى مرتكبُ الكبائر كافرًا كفرًا أصغر أو منافقًا النِّفاق الأصغرَ، ولا أعلمُ أنَّ أحدًا منهم أجاز إطلاق نفي اسمِ الإسلام عنه، إلاَّ أنَّه رُوي عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: ما تاركُ الزَّكاةِ بمسلمٍ (^٥)، ويُحتملُ أنَّه كان يراه كافرًا بذلك، خارجًا من الإسلام.
وكذلك رُوي عن عمر فيمن تمكَّن مِنَ الحجِّ ولم يحجَّ أنَّهم ليسوا بمسلمين، والظَّاهرُ أنّه كان يعتقد كفرَهم، ولهذا أراد أنْ يضربَ عليهمُ الجزيةَ يقول: لم
يدخُلوا في الإسلامِ بعدُ، فهم مستمرُّون على كتابيتهم (^٦).
_________________
(١) «- ﷺ -» لم ترد في (ج).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في رواية حنبل بن إسحاق قال: قلت لأبي عبد الله: إذا أصاب الرجل ذنبًا من زنا أو سرقة يزايله إيمانه؟ قال: هو ناقص الإيمان فخلع منه كما يخلع الرجل من قميصه، فإذا تاب وراجع عاد إليه إيمانه. وفي رواية له أيضًا قال: سمعت أبا عبد الله وسئل عن قول النَّبيِّ - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» قال: هكذا يروى الحديث ويروى عن أبي جعفر (أي: محمد بن علي بن = = … الحسين) قال: «لا يزني الزاني …» قال يخرج: من الإيمان إلى الإسلام، فالإيمان مقصور في الإسلام فإذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام. انظر: المسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل ١/ ١١٠.
(٤) زاد بعدها في (ص): «من».
(٥) أخرجه: ابن أبي شيبة (٩٨٢٨).
(٦) قال الحافظ ابن كثير في " تفسيره ": ٣٨٥ ط دار ابن حزم، روى سعيد بن منصور في " سننه " عن الحسن البصري، قال: قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: لقد هممت أنْ أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا إلى كل من له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين. وعزاه السيوطي في " الدر المنثور " ٢/ ١٠٠ لسعيد بن منصور. وروى أبو بكر الإسماعيلي كما في " تفسير ابن كثير ": ٣٨٥، ط دار ابن حزم، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة كما في " الدر المنثور " ٢/ ١٠١ عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، قال: من أطاق الحج ولم يحج، فسواءٌ عليه مات يهوديًا، أو نصرانيًا.
[ ٨٨ ]
وإذا تبيَّن أنَّ اسمَ الإسلامِ لا ينتفي إلاّ بوجودِ ما ينافيه، ويُخرجُ عن المِلَّةِ بالكلِّيَّةِ، فاسمُ الإسلامِ إذا أُطلِقَ أو اقترنَ به المدحُ، دخل فيه الإيمانُ كلُّه مِنَ التَّصديقِ وغيره، كما سبق في حديثِ عمرو بن عبسَة (^١).
وخرَّج النَّسائيُّ (^٢)
مِنْ حديثِ عقبة بن مالك: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - بعثَ سريّةً، فغارت على قومٍ (^٣)، فقال رجلٌ منهم: إني مُسلمٌ، فقتلهُ رجلٌ منَ السَّريَّةِ، فنُمي (^٤) الحديثُ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقال فيه قولًا شديدًا، فقال الرجلُ: إنَّما قالها تعوُّذًا مِنَ القتل، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «إنَّ الله أبى عليَّ أنْ أقتل مؤمنًا» ثلاث مرات.
فلولا أنَّ الإسلام المطلق يدخُلُ فيه الإيمانُ والتَّصديقُ بالأصولِ الخمسةِ، لم يَصِرْ مَنْ قالَ: أنا مسلمٌ مؤمنًا بمجرَّدِ هذا القول، وقد أخبرَ الله عن مَلِكَةِ سبأ أنَّها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥)، وأخبر عن يوسف - ﵇ - أنَّه دعا بالموت على الإسلام. وهذا كلُّه يدل على أنَّ الإسلام المطلقَ يدخُلُ فيه ما يدخُلُ في الإيمان مِنَ التَّصديق.
وفي " سنن ابن ماجه " (^٦)
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في " الكبرى " (٨٥٩٣). وأخرجه أيضًا: أحمد ٤/ ١١٠ و٥/ ٢٨٨، وأبو يعلى (٦٨٢٩)، وابن حبان (٥٩٧٢)، والطبراني في " الكبير " ١٧/ (٩٨٠) و(٩٨١)، والحاكم ١/ ١٩، والبيهقي ٩/ ١١٦ من حديث عقبة بن مالك، به. وهو حديث صحيح.
(٣) عبارة: «على قوم» لم ترد في (ص).
(٤) في (ص): «فانتهى».
(٥) النمل: ٤٤.
(٦) (٨٧). وأخرجه أيضًا: الطبراني في " الكبير " ١٧/ (١٣٨) مطولًا، والحديث إسناده ضعيف جدًا من أجل عبد الأعلى بن أبي المساور فهو متروك.
[ ٨٩ ]
عن عديِّ بن حاتمٍ، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «يا عديُّ، أسلم تسلم»، قلت: وما الإسلام؟ قال: «تشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وتشهدُ أنِّي رسولُ الله، وتؤمن بالأقدارِ كلِّها، خيرها وشرِّها، حلوِها ومرِّها» فهذا نصٌّ في أنَّ الإيمان بالقدر مِنَ الإسلامِ.
ثم إنَّ الشهادتين مِنْ خصالِ الإسلامِ بغير نزاعٍ، وليسَ المرادُ الإتيان بلفظهما دونَ التَّصديق بهما، فعُلِمَ أنَّ التّصديقَ بهما داخلٌ في الإسلامِ، قد فسّرَ الإسلامَ المذكورَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ﴾ (^١) بالتَّوحيد والتَّصديق طائفةٌ مِنَ السَّلف، منهم محمدُ بنُ جعفر بنِ الزُّبير (^٢).
وأما إذا نُفي الإيمانُ عَنْ أحدٍ، وأُثبتَ له الإسلامُ، كالأعراب الذينَ أخبرَ الله عنهم، فإنّه ينتفي رسُوخُ الإيمانِ في القلبِ، وتثبُت لهم المشاركةُ في أعمالِ الإسلامِ الظَّاهرةِ مع نوعِ إيمانٍ يُصحِّحُ لهمُ العملَ، إذ لولا هذا القدر مِنَ الإيمانِ (^٣) لم يكونُوا مسلمين، وإنَّما نفي عنهُم الإيمانِ؛ لانتفاء ذوقِ حقائقِه، ونقصِ بعضِ واجباته، وهذا مبنيٌّ على أنَّ التّصديقَ القائم بالقلوبِ متفاضلٌ، وهذا هو الصَّحيحُ، وهو أصحُّ الرِّوايتين عَنْ أحمد (^٤)، فإنَّ إيمانَ الصِّدِّيقين الذين يتجلَّى الغيبُ لقلوبهم حتى يصيرَ كأنَّه شهادةٌ، بحيث لا يقبلُ التَّشكيكَ ولا الارتيابَ، ليس كإيمانِ غيرِهم ممَّن لم يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شُكِّكَ لدخلهُ الشكُّ، ولهذا جعلَ النَّبيُّ - ﷺ - مرتبةَ الإحسّانِ أنْ يعبُد العبدُ ربَّه كأنَّه يراهُ، وهذا لا يحصلُ لِعمومِ المؤمنينَ، ومن هنا قال بعضهم: ما سبقكم أبو بكرٍ بكثرة صومٍ ولا صلاةٍ، ولكن بشيءٍ وقرَ في
صدره (^٥).
_________________
(١) آل عمران: ١٩.
(٢) أخرج: الطبري في " تفسيره " (٥٣١٩) عن محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ﴾، أي: ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للرب والتصديق للرسل.
(٣) عبارة: «من الإيمان» لم ترد في (ص).
(٤) انظر: مجموعة الفتاوى ٧/ ٢٥٨، والإيمان لابن تيمية: ١٩٠، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل ١/ ١١١.
(٥) قال العراقي: «لا أصل لهذا مرفوعًا، وإنما يعرف من قول بكر بن عبد الله المزني، رواه الحكيم الترمذي في " نوادره "». وورد أيضًا بلفظ: «ما فضلكم أبو بكر بفضل صومٍ ولا صلاةٍ، ولكن بشيءٍ وقرَ في قلبه». انظر: تخريج أحاديث الإحياء (٨٥) و(١٤١)، والأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة
(٦) و(١٣٠٧).
[ ٩٠ ]
وسُئِل ابنُ عمرَ: هل كانتِ الصحابةُ يضحكون؟ فقال: نعم والإيمانُ في قلوبهم أمثالُ الجبالِ (^١). فأينَ هذا ممّن الإيمان في قلبه يَزنُ ذرَّةً أو شعيرةً؟! كالّذينَ يخرجونَ من أهلِ التّوحيد مِنَ النارِ، فهؤلاء يصِحُّ أنْ يُقالَ: لم يدخُلِ الإيمانُ في قُلوبهم لضعفِه عندهم.
وهذه المسائلُ - أعني: مسائل الإسلامِ والإيمانِ والكُفرِ والنِّفاقِ - مسائلُ عظيمةٌ
جدًا، فإنَّ الله علَّق بهذه الأسماءِ السَّعادةَ، والشقاوةَ، واستحقاقَ الجَنَّةِ والنَّار، والاختلافُ في مسمّياتِها أوّلُ (^٢) اختلافٍ وقعَ في هذه الأُمَّةِ، وهو خلافُ الخوارجِ
للصَّحابة، حيثُ أخرجُوا عُصاةَ المُوحِّدينَ مِنَ الإسلام بالكُلِّيَّةِ، وأدخلوهُم في دائرةِ الكُفر، وعاملوهم معاملةَ الكُفَّارِ، واستحلُّوا بذلكَ دماءَ المسلمين وأموالهم، ثمَّ حدَث بعدَهم خلافُ المعتزلة وقولُهم بالمنْزلة بينَ المنْزلتين، ثمَّ حدثَ خلافُ المرجئةِ، وقولُهم: إنَّ الفاسقَ مؤمنٌ كاملُ الإيمانِ (^٣).
وقد صنَّفَ العلماءُ قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيفَ متعدِّدةً، وممّن صنَّف في الإيمانِ مِنْ أئمَّةِ السَّلفِ: الإمامُ أحمدُ، وأبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ (^٤)، وأبو بكر بنُ أبي شيبةَ (^٥)، ومحمدُ بنُ أسلمَ الطُّوسيُّ. وكثُرت فيه التصانيفُ بعدهم مِنْ جميعِ الطوائفِ (^٦)، وقد ذكرنا هاهنا نكتًا جامعةً لأصولٍ كثيرةٍ مِنْ هذه المسائلِ والاختلاف فيها، وفيه - إن شاء الله - كفايةٌ.
_________________
(١) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ١/ ٣١١.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) انظر: الإيمان لابن تيمية: ١٩١ و٢٠٢، ومجموعة الفتاوى ٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٤) وهو مطبوع بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني نشر المكتب الإسلامي ١٩٨٣ م، وهو مطبوع أيضًا ضمن كنوز السنة بتحقيق الشيخ الألباني دار الأرقم الكويت.
(٥) وهو مطبوع بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني سنة ١٣٨٥ هـ الطبعة العمومية دمشق.
(٦) من هذه التصانيف: الإيمان للعدني، والإيمان لابن منده، والإيمان لابن تيمية، والإيمان لأبي يعلى بن الفراء، مخطوط له نسخة مصورة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عن الظاهرية مجموع (٩٨٧).
[ ٩١ ]