عَنْ أبي هريرةَ - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ» حديثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ التِّرمذيُّ وغَيرُهُ.
هذا الحديث خرَّجه الترمذي (^١)، وابن ماجه (^٢) من رواية الأوزاعي، عن قُرَّةَ ابنِ عبد الرحمان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵃ -، وقال الترمذي: غريب (^٣)، وقد حسّنه الشيخ المصنف ﵀؛ لأنَّ رجال إسناده ثقات، وقرة ابن عبد الرحمان بن حيويل (^٤) وثقة قوم وضعفه آخرون (^٥)،
وقال ابنُ عبد البرِّ (^٦): هذا الحديثُ محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية الثقات، وهذا موافق لتحسين الشيخ له، وأما أكثر الأئمة، فقالوا: ليس هو محفوظًا بهذا الإسناد وإنَّما هو محفوظٌ عن الزهري، عن عليّ بن حسين، عن النَّبيِّ - ﷺ - مرسلًا (^٧)،
_________________
(١) في " الجامع الكبير " (٢٣١٧).
(٢) في " سننه " (٣٩٧٦). وأخرجه: ابن حبان (٢٢٩)، والطبراني في " الأوسط " (٣٦١)، وابن عدي في "الكامل" ٥/ ٤٥٤ - ٤٥٥، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١٩٢)، والبغوي (٤١٣٢) من حديث أبي هريرة، به.
(٣) ذكره في " الجامع الكبير " عقب حديث (٢٣١٧)، وانظر: تحفة الأشراف ١٠/ ٤٣٢
(٤) قال ابن حجر في " التقريب " (٥٥٤١): «بمهملة مفتوحة ثم تحتانية، وزن جبريل».
(٥) من الذين وثقوه: الأوزاعي، قال عنه: «ما أحد أعلم بالزهري من قرة بن عبد الرحمان بن حيويل». انظر: الجرح والتعديل ٧/ ١٧٧ (٢٢٩٥). ومن الذين ضعفوه: الإمام أحمد بن حنبل، قال عنه: «منكر الحديث جدًا»، وقال يحيى بن معين: «ضعيف الحديث»، وقال أبو زرعة: «الأحاديث التي يرويها مناكير»، وقال أبو حاتم: «ليس بقوي». انظر: الجرح والتعديل ٧/ ١٧٧ (٢٢٩٥).
(٦) كلام ابن عبد البر هذا لم أجده في " التمهيد ".
(٧) أخرجه: مالك في " الموطأ " (٢٦٢٨) برواية الليثي، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ١٨٨، والترمذي (٢٣١٨)، والرامهرمزي في " المحدّث الفاصل " (٩٠)، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٢٤٩، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١٩٣)، والبغوي (٤١٣٣) من طرق عن الزهري، عن علي بن الحسين، مرسلًا.
[ ٢٦٨ ]
كذلك رواه الثقات عن الزهري، منهم: مالك في " الموطأ " (^١)، ويونس، ومعمر،
وإبراهيم ابن سعد إلا أنَّه قال: «من إيمان المرء تركه ما لا يعنيه» (^٢) وممن قال: إنَّه لا يصح إلا عن عليّ بن حسين مرسلًا الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، والدارقطني (^٣)، وقد خلط الضعفاءُ في إسناده عن الزهري تخليطًا فاحشًا، والصحيح فيه المرسل، ورواه عبد الله (^٤) بن عمر (^٥)
العمري، عن الزهري، عن عليِّ بن حسين، عن أبيه، عن النَّبيِّ - ﷺ -، فوصله وجعله من مسند الحسين بن عليٍّ، وخرَّجه الإمامُ أحمد في " مسنده " من هذا الوجه (^٦)، والعمري ليس بالحافظ (^٧)، وخرَّجه أيضًا من وجه آخر عن الحسين، عن النَّبيّ - ﷺ - (^٨)، وضعفه البخاري في
" تاريخه " من هذا الوجه أيضًا، وقال: لا يصحُّ إلا عن عليِّ بن حسين مرسلًا (^٩)، وقد روي عن النَّبيِّ - ﷺ - من وجوه أخر وكُلُّها ضعيفة.
وهذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإمامُ أبو عمرو بن
_________________
(١) الموطأ (٢٦٢٨) برواية الليثي.
(٢) عن يونس، أخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠٦١٧)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١٩٣)، وأما إبراهيم بن سعد فلم أقف له على رواية، والله أعلم.
(٣) لم أجد كلام الإمام أحمد، ويحيى بن معين. وكلام البخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ١٨٨، وكلام الدارقطني في " العلل " ٣/ ١٠٨ (٣١٠).
(٤) في (ص): «ورواه عبد الرحمان وعبد الله».
(٥) تحرف في (ج) إلى: «عمرو» والصواب ما أثبته. انظر: الجرح والتعديل ٥/ ١٣١
(٦) في " مسنده " ١/ ٢٠١، وسبق تخريجه موسعًا.
(٧) قال أحمد بن حنبل: «صالح لا بأس به، قد روي عنه، ولكن ليس مثل عبيد الله»، وقال يحيى بن معين: «صويلح». انظر: الجرح والتعديل ٥/ ١٣١ (٤٩٩)، وقال الذهبي : «صدوق في حفظه شيء»، وقال ابن المديني: «عبد الله ضعيف»، وقال ابن حبان = = …: «كان ممن غلب عليه الصلاح والعبادة، حتى غفل عن حفظ الأخبار، وجودة الحفظ للآثار، فلما فحش خطؤه: استحق الترك». انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٤٦٥ (٤٤٧٢).
(٨) من قوله: «وجعله من مسند الحسين …» إلى هنا سقط من (ص).
(٩) انظر: التاريخ الكبير ٤/ ١٨٨.
[ ٢٦٩ ]
الصلاح، عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنَّه قال: جماعُ آداب (^١) الخير وأزمته تتفرَّعُ من أربعة أحاديث:
قول النَّبيِّ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر فليَقُلْ خيرًا أو ليَصْمُتْ» (^٢)، وقوله - ﷺ -: «مِنْ حُسْنِ إسلامِ المَرءِ تَركُهُ ما لا يَعْنِيهِ» (^٣)، وقوله للذي اختصر له في الوصية: «لا تَغْضَبْ (^٤)»، وقوله - ﷺ -
: «المُؤْمِنُ يُحبُّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه» (^٥).
ومعنى هذا الحديث: أنَّ مِنْ حسن إسلامه تَركَ ما لا يعنيه من قولٍ وفعلٍ، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال، ومعنى يعنيه: أنْ تتعلق عنايتُه به، ويكونُ من مقصده ومطلوبه، والعنايةُ: شدَّةُ الاهتمام بالشيء، يقال: عناه يعنيه: إذا اهتمَّ به وطلبه، وليس المُراد أنَّه يترك ما لا عناية له به ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس، بل بحكم الشرع والإسلام، ولهذا جعله من حسن الإسلام، فإذا حَسُنَ إسلامُ المرء، ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال، فإنَّ الإسلامَ يقتضي فعل الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل - ﵇ -.
وإنَّ الإسلام الكاملَ الممدوحَ يدخل فيه تركُ المحرمات، كما قال - ﷺ -
: «المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده» (^٦)،
وإذا حسن الإسلامُ، اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات والمشتبهات والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) سيأتي تخريجه عند الحديث الخامس عشر.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سيأتي تخريجه عند الحديث السادس عشر.
(٥) سيأتي تخريجه عند الحديث الثالث عشر.
(٦) أخرجه: أحمد ٢/ ٣٧٩، والترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي ٨/ ١٠٤ - ١٠٥، وابن حبان
(٧) ، والحاكم ١/ ١٠ من طرق عن أبي هريرة، به. وأخرجه: البخاري ١/ ٩ (١٠)، ومسلم ١/ ٤٧ (٤٠) (٦٤)، وأبو داود (٢٤٨١)، وابن حبان (١٩٦) من طرق عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به. وأخرجه: الطيالسي (١٧٧٧)، وأحمد ٣/ ٣٧٢، ومسلم ١/ ٤٨ (٤١) (٦٥)، وابن حبان (١٩٧) من طرق عن جابر بن عبد الله، به.
[ ٢٧٠ ]
إليها، فإنَّ هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامهُ، وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أنْ يَعْبُدَ الله تعالى كأنَّه يراه، فإنْ لم يكن يراه، فإنَّ الله يراه، فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أنْ يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنَّه يتولَّدُ من هذين المقامين الاستحياءُ من الله وترك كلِّ ما يُستحيى منه، كما وصَّى - ﷺ - رجلًا أنْ يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يُفارقه.
وفي " المسند " والترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا: «الاستحياء من الله تعالى أنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وما حَوَى، وتَحفَظَ البَطنَ وما وَعَى، ولْتَذْكُرِ الموتَ والبِلى (^١)، فمن فَعَل ذلك، فقد استحيَى من الله حقَّ الحياء» (^٢).
قال بعضهم: استحي من الله على قدر قربه منك، وخَفِ الله على قدر قدرته عليك.
وقال بعضُ العارفين: إذا تكلمتَ فاذْكُر سَمعَ اللهِ لك، وإذا سكتَّ فاذكر نظره إليك (^٣).
وقد وقعتِ الإشارةُ في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كثيرة (^٤): كقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ
_________________
(١) (ج): «ولتذكر الموت والبلى».
(٢) أخرجه: أحمد ١/ ٣٨٧، والترمذي (٢٤٥٨). = = … وأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٤٣٢٠)، وأبو يعلى (٥٠٤٧)، والطبراني في " الكبير "
(٣) ، والحاكم ٤/ ٣٢٣، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٤/ ٢٠٩، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٧٧٣٠) و(١٠٥٦١)، وإسناده ضعيف لضعف الصباح بن محمد، وقد تفرد به مرفوعًا، والحديث معلول بالوقف.
(٤) روي هذا القول عن أحمد بن منيع، وروي عن الربيع بن خثيم، وروي عن حاتم الأصم. انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٤٨٥، وصفة الصفوة ٣/ ٦٨ و٤/ ١٦٢.
(٥) «كثيرة» سقطت من (ج).
(٦) ق: ١٦ - ١٨.
[ ٢٧١ ]
تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (^٢).
وأكثر ما يُراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى ذلك في الآيات الأولى التي هي في سورة (ق).
وفي " المسند " من حديث الحسين، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إنَّ من حُسْنِ إسلام المَرءِ قِلَّةَ الكَلامِ فيما لا يَعنيه» (^٣).
وخرَّج الخرائطي (^٤) من حديث ابن مسعود قال: أتى النَّبيَّ - ﷺ - رجل، فقال:
يا رسول الله إني مطاعٌ في قومي فما آمرهم؟ قال له: «مُرْهُم بإفشاء السَّلام، وقِلَّةِ الكلام إلا فيما يعنيهم».
وفي " صحيح ابن حبان " (^٥) عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «كان في صحف إبراهيم ﵊: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أنْ تكونَ له ساعات: ساعةٌ يُناجي فيها ربَّه، وساعةٌ يُحاسِبُ فيها نَفسه، وساعةٌ يتفكَّرُ
فيها في صُنع الله، وساعةٌ يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل أنْ لا يكون ظاعنًا إلا لثلاث: تزوُّدٍ لمعاد، أو مَرَمَّةٍ لمعاشٍ، أو لذَّةٍ في غير محرَّم، وعلى العاقل أنْ يكونَ بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومَنْ حَسَب كلامَه من عمله قلَّ كلامُه إلا فيما يعنيه».
وقال عمر بنُ عبد العزيز - ﵀ -: من عدَّ كلامه من عمله، قلَّ كلامُه إلا فيما يعنيه (^٦). وهو كما قال؛ فإنَّ كثيرًا من الناس لا يعدُّ كلامَه من عمله، فيُجازف فيه، ولا يتحرَّى، وقد خَفِيَ هذا على معاذ بن جبل حتى سأل عنه النَّبيَّ - ﷺ - فقال: أنؤاخذ بما نتكلَّمُ به؟ قال: «ثَكِلَتكَ
_________________
(١) يونس: ٦١.
(٢) الزخرف: ٨٠.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في " مكارم الأخلاق " (١٩٦)، وإسناده ضعيف جدًا؛ فإنَّ السري بن إسماعيل الكوفي متروك.
(٥) في " الإحسان " (٣٦١)، وإسناده ضعيف جدًا؛ فإنَّ في سنده إبراهيم بن هشام متروك.
(٦) أخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٤٨/ ١١٧.
[ ٢٧٢ ]
أُمُّك يا معاذ، وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم» (^١).
وقد نفى الله الخير عن كثيرٍ مما يتناجى به الناسُ بينهم، فقال: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس﴾ (^٢).
وخرَّج الترمذي (^٣)، وابن ماجه (^٤)
من حديث أمِّ حبيبة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «كلُّ (^٥) كلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمرَ بالمعروفِ، والنهيَ عن المنكر، وذكر الله - ﷿ -».
وقد تعجب قومٌ من هذا الحديث عندَ سفيان الثوري، فقال سفيان: وما تعجُّبُكم من هذا، أليسَ قد قال الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس﴾؟ (^٦) أليس قد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا﴾؟ (^٧)
وخرَّج الترمذي من حديث أنسٍ قالَ: تُوفِّيَ رجُلٌ من أصحابه - يعني: النَّبيّ - ﷺ - فقالَ رجل: أبشرْ بالجَنَّةِ، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: «أو لا تدري، فلعلَّه تَكلَّم بِما لا يَعنيه أو بَخِلَ بما لا يُغنِيه» (^٨).
وقد روي معنى هذا الحديث من وجوهٍ متعددةٍ عن النبيِّ - ﷺ -، وفي بعضها: أنَّه قتل شهيدًا (^٩).
_________________
(١) سيأتي تخريجه عند الحديث التاسع والعشرين.
(٢) النساء: ١١٤.
(٣) في " الجامع الكبير " (٢٤١٢).
(٤) في " سننه " (٣٩٧٤). وأخرجه: عبد بن حميد (١٥٥٤)، والبخاري في" التاريخ الكبير " ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩
(٥) ، وأبو يعلى (٧١٣٢) و(٧١٣٤)، والطبراني في " الكبير " ٢٣/ (٤٨٤)، وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (٥)، والحاكم ٢/ ٥١٢ - ٥١٣، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٣٠٥)، وإسناده ضعيف لجهالة أم صالح.
(٦) سقطت من (ص).
(٧) النساء: ١١٤.
(٨) النبأ: ٣٨.
(٩) في " الجامع الكبير " (٢٣١٦). وأخرجه: ابن أبي الدنيا في " الصمت " (١٠٩)، وأبو يعلى (٤٠١٧)، وأبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٥٥ - ٥٦، والبيهقي في " شعب الإيمان " (١٠٨٣٥) و(١٠٨٣٦)، والذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٦/ ٢٤٠ من طرق عن الأعمش، عن أنس بن مالك، به، وقال الترمذي: «غريب» أي: ضعيف، وذلك لانقطاعه فإنَّ الأعمش لم يسمع من أنس.
(١٠) أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٨٦، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٥٠١٠) من طرق عن أبي هريرة، مرفوعًا، وإسناده ضعيف لضعف عصام بن طليق.
[ ٢٧٣ ]
وخرَّج أبو القاسم البغوي في " معجمه " من حديث شهاب بن مالك، وكان وَفَدَ على النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّه سَمعَ النَّبيَّ - ﷺ - وقالت له امرأة: يا رسولَ الله ألا تُسلمُ علينا؟ فقالَ: «إنَّكِ من قَبيلٍ يُقَلِّلن الكثيرَ، وتمنع ما لا يُغنيها، وسؤالها عما لا يعنيها» (^١).
وخرَّج العقيلي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أكثرُ الناسِ ذنوبًا أكثَرُهُم كلامًا فيما لا يعنيه» (^٢).
قال عمرو بنُ قيس الملائي: مرَّ رجلٌ بلقمان والناسُ عندَه، فقال له: ألستَ
عبدَ بني فلان (^٣)؟ قال: بلى، قال: الذي كنت ترعى عندَ جبلِ كذا وكذا؟ قال: بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قالَ: صِدْقُ الحديثِ وطولُ السُّكوت عما لا يعنيني (^٤).
وقال وهبُ بنُ مُنبِّهٍ: كانَ في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أنْ مشيا على الماء، فبينما هما يمشيان في البحر إذ هما برجل يمشي على الهواء، فقالا لهُ: يا عبدَ الله بأيِّ شيء أدركت هذه المنزلة؟ قال: بيسيرٍ من الدُّنيا: فَطَمْتُ نفسي عن الشهوات، وكففتُ لساني عما لا يعنيني، ورغبتُ فيما دعاني إليه، ولزمت الصمتَ، فإنْ أقسمتُ على الله، أبرَّ قسمي، وإنْ سألته أعطاني.
دخلوا على بعض الصحابة في مرضه ووجهه يتهلَّلُ، فسألوه عن سبب (^٥) تهلل
وجهه، فقال: ما مِنْ عمل أوثقَ عندي من خَصلتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وكان قلبي سليمًا للمسلمين.
وقال مُوَرِّق العجلي: أمرٌ أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدِرْ عليه ولستُ بتاركٍ
_________________
(١) أخرجه: ابن قانع في " معجم الصحابة " ١/ ٣٥٠، وإسناده ضعيف.
(٢) في " الضعفاء الكبير " ٣/ ٤٢٤. وأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٤٦٥٩)، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " ٢/ ٧٠٥ من طرق عن أبي هريرة، به. وإسناده ضعيف لضعف عصام بن طليق.
(٣) سقطت من (ص).
(٤) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٤٤٤، وشعب الإيمان ٤/ ٢٣٠، والتمهيد ٩/ ٢٠٠.
(٥) سقطت من (ص).
[ ٢٧٤ ]
طلبه أبدًا، قالوا: وما هو؟ قالَ: الكفُّ عما لا يعنيني. رواه ابن أبي الدنيا (^١).
وروى أسدُ بن موسى، حدثنا أبو معشر (^٢)، عن محمد بن كعب قالَ: قالَ
رسولُ الله - ﷺ -: «أوَّل من يَدخُلُ عليكم رَجُلٌ من أهل الجنة» فدخل عبدُ الله بنُ
سلام، فقامَ إليه ناسٌ، فأخبروه، وقالوا له: أخبرنا بأوثق عَمَلِكَ في نَفسِكَ، قال: إنَّ عملي لضعيف، أوثقُ ما أرجو به سلامةُ الصدر، وتركي ما لا يعنيني.
وروى أبو عبيدة، عن الحسن قال: مِنْ علامة إعراض الله تعالى عن العبد أنْ يجعل شغله فيما لا يعنيه. وقال سهل بنُ عبد الله التُّسترِي: من تكلم فيما لا يعنيه حُرِم الصدق (^٣)،
وقال معروف: كلام العبد فيما لا يعنيه (^٤) خذلان من اللهِ
- ﷿ - (^٥).
وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ تركَ ما لا يعني المرء من حسن إسلامه، فإذا ترك ما لا يعنيه، وفعل ما يعنيه كله، فقد كَمُلُ حُسْنُ إسلامه، وقد جاءت الأحاديثُ بفضل من حسن إسلامُه وأنَّه تضاعف حسناته، وتُكفر سيئاته، والظاهر أنَّ كثرة المضاعفة تكون بحسب حسن الإسلام، ففي " صحيح مسلم " (^٦)
عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إذا أحْسَنَ أَحَدُكُم إسلامَهُ، فكُلُّ حَسَنةٍ يَعْمَلُها تُكتَبُ بِعَشرِ أَمْثالِها إلى سبعِ مئة ضعفٍ، وكلُّ سَيِّئةٍ يعملها تُكتَبُ بمثلِها حتَّى يَلقى الله - ﷿ -» فالمضاعفةُ للحسنة بعشر أمثالها لابدَّ منه، والزيادةُ على ذلك تكونُ بحسب إحسّان الإسلام، وإخلاصِ النية والحاجة إلى ذلك
_________________
(١) أخرجه: أبو نعيم في "حلية الأولياء" ٢/ ٢٣٥، وابن الجوزي في " صفة الصفوة " ٣/ ١٤٠.
(٢) وهو ضعيف.
(٣) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ١٠/ ١٦٩.
(٤) من قوله: «وقال سهل بن عبد الله …» إلى هنا لم يرد في (ص).
(٥) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٨/ ٣٦١.
(٦) الصحيح ١/ ٨١ (١٢٩) (٢٠٥). وأخرجه: أحمد ٢/ ٣١٧، والبخاري ١/ ١٧ (٤٢)، وابن حبان (٢٢٨)، وابن منده في " الإيمان " (٣٧٣)، وابن حزم في " المحلى " ١/ ٩٩، والبيهقي في " شعب الإيمان "
(٧) ، والبغوي (٤١٤٨).
[ ٢٧٥ ]
العمل وفضله، كالنفقة في الجهاد، وفي الحج، وفي الأقارب، وفي اليتامى والمساكين، وأوقات الحاجة إلى النفقة، ويشهد لذلك ما رُوي عن عطية، عن ابن عمر قال: نزلت: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^١) في الأعراب، قيل له: فما للمهاجرين (^٢)؟ قال: ما هو أكثرُ، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا
عَظِيمًا﴾ (^٣) (^٤).
وخرَّج النسائي (^٥)
من حديث أبي سعيد، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إذا أسلمَ العبدُ فحَسنُ إسلامُهُ، كَتبَ الله له كُلَّ حَسنةٍ كان أزلَفَها، ومُحِيتْ عنه كُلُّ سيئة كان أزلَفَها (^٦)، ثم كان بَعْدَ ذلك القِصَاصُ، الحسَنَةُ بِعَشْر أمثالِها إلى سَبع مئةِ ضِعفٍ، والسَّيِّئَةُ بمِثلِها إلا أنْ يتجاوَزَ الله»،
وفي رواية أخرى: «وقيلَ له: استأنفِ
العمل».
والمراد بالحسنات والسيئات التي كان أزلفها: ما سبق منه قبل الإسلام، وهذا يدلُّ على أنَّه يُثاب بحسناته في الكفر إذا أسلم وتُمحى عنه سيئاته إذا أسلم، لكن بشرط أنْ يَحْسُنَ إسلامُه، ويتقي تلك السيئات في حال إسلامه، وقد نص على ذلك الإمام أحمد، ويدلُّ على ذلك ما في " الصحيحين " (^٧) عن ابن مسعود قال: قلنا: يا رسول الله،
_________________
(١) الأنعام: ١٦٠.
(٢) في (ص): «فما بال المهاجرين والأنصار»، وزيادة: «والأنصار» غير صحيحة لعدم ورودها في مصادر التخريج.
(٣) النساء: ٤٠.
(٤) أخرجه: سعيد بن منصور (٦٣٦) طبعة الحميد، والطبري في " تفسيره " (٧٥٤٢)، وطبعة التركي ٧/ ٣٦، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ٣/ ٩٥٥ (٥٣٣٨).
(٥) في " المجتبى " ٨/ ١٠٥ - ١٠٦. وأخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (٢٤)، وإسناده لا بأس به. وعلقه البخاري ١/ ١٧ (٤١) مختصرًا بصيغة الجزم.
(٦) من قوله: «ومحيت عنه كل …» إلى هنا لم ترد في (ص).
(٧) صحيح البخاري ٩/ ١٧ (٦٩٢١)، وصحيح مسلم ١/ ٧٧ (١٢٠) (١٨٩) و(١٩٠) و(١٩١). = = … وأخرجه: معمر في " جامعه " (١٩٦٨٦)، والحميدي (١٠٨) وأحمد ١/ ٣٧٩ و٤٠٩ و٤٢٩ و٤٣١ و٤٦٢، وابن ماجه (٤٢٤٢)، وأبو يعلى (٥٠٧١) و(٥١١٣)، وابن حبان (٣٩٦)، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٧/ ١٢٥، والبيهقي ٩/ ١٢٣ وفي " شعب الإيمان "، له (٢٣).
[ ٢٧٦ ]
أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «أمَّا مَنْ أحسَنَ منكم في الإسلام فلا يُؤَاخَذُ بها، ومن أساءَ أُخِذَ بعمله في الجاهلية والإسلام».
وفي " صحيح مسلم " عن عمرو بن العاص قال للنَّبيِّ - ﷺ - لما أسلم: أريدُ أنْ أَشْتَرطَ، قال: «تشترط ماذا؟» قلتُ: أنْ يُغْفَرَ لي، قال: «أما عَلمتَ أنَّ الإسلامَ يَهدِمُ ما كان قبله؟» (^١).
وخرَّجه الإمام أحمد ولفظه: «إنَّ الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله من الذنوب» (^٢)
وهذا محمولٌ على الإسلام الكامل الحسن جمعًا بينه وبين حديث ابن مسعودٍ الذي قبله.
وفي " صحيح مسلم " (^٣) أيضا عن حكيم بن حزامِ قال: قلتُ: يا رسول الله
أرأيتَ (^٤) أمورًا كنت أصنعها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجرٌ؟ فقال رسولُ الله - ﷺ -: «أَسْلَمْتَ على ما أَسْلَفْتَ من خيرٍ» وفي رواية له: قال: فقلتُ: والله لا أدعُ شيئا صنعتُه في الجاهلية إلا صنعتُ في الإسلام مثله، وهذا يدلّ على أنَّ حسنات الكافر إذا أسلم يُثابُ عليها كما دلَّ عليه حديث أبي سعيد المتقدِّم.
وقد قيل: إنَّ سيئاته في الشرك تبدَّل حسنات، ويُثابُ عليها أخذًا من قوله
_________________
(١) في " صحيحه " ١/ ٧٨ (١٢١) (١٢٩). وأخرجه أيضًا: ابن خزيمة (٢٥١٥)، وابن منده في "الإيمان" (٢٧٠)، والبيهقي ٩/ ٩٨.
(٢) في " مسنده " ٤/ ١٩٨ و٢٠٤ و٢٠٥. وأخرجه أيضًا: البخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٢٩٩ (٢٥٨٧)، والبيهقي ٩/ ١٢٣، وفي " دلائل النبوة "، له ٤/ ٣٤٣ و٣٤٦ - ٣٤٨.
(٣) في " صحيحه " ١/ ٧٨ - ٧٩ (١٢٣) (١٩٤) و(١٩٥) و(١٩٦). وأخرجه أيضًا: معمر في " جامعه " (١٩٦٨٥)، والحميدي (٥٥٤)، وأحمد ٣/ ٤٠٢، والبخاري ٢/ ١٤١ (١٤٣٦) و٣/ ١٠٧ (٢٢٢٠) و٣/ ١٩٣ (٢٥٣٨) و٨/ ٧ (٥٩٩٢) وفي " الأدب المفرد "، له (٧٠)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٥٩٤)، وابن حبان (٣٢٩)، والطبراني في " الكبير " (٣٠٨٤) و(٣٠٨٥) و(٣٠٨٦) و(٣٠٨٧) و(٣٠٨٨) و(٣٠٨٩)، والحاكم ٣/ ٤٨٣ - ٤٨٤، والبيهقي ٩/ ١٢٣ و١٠/ ٣١٦، والبغوي (٢٧).
(٤) سقطت من (ص).
[ ٢٧٧ ]
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (^١)، وقد اختلف المفسرون في هذا التبديل على قولين:
فمنهم مَنْ قال: هو في الدنيا بمعنى أنَّ الله يُبَدِّلُ من أسلم وتاب إليه بَدَلَ ما كان عليه من الكفر والمعاصي: الإيمان والأعمال الصالحة، وحكى هذا القول إبراهيم الحربي في " غريب الحديث " عن أكثر المفسرين، وسمى منهم: ابنَ عباس، وعطاء، وقتادة، والسُّدي، وعِكرمة، قلت: وهو المشهورُ عن الحسن.
قال: وقال الحسن وأبو مالك وغيرهما: هي في أهل الشرك خاصة ليس هي في أهل الإسلام. قلت: إنَّما يصحُّ هذا القول على أنْ يكونَ التبديلُ في الآخرة كما سيأتي، وأما إنْ قيل: إنَّه في الدنيا، فالكافرُ إذا أسلم والمسلمُ إذا تاب في ذلك سواء، بل المسلم إذا تاب، فهو أحسنُ حالًا من الكافر إذا أسلم.
قال: وقال آخرون: التبديلُ في الآخرة: جعلت لهم مكان كلِّ سيئةٍ حسنة، منهم: عمرو بن ميمون، ومكحول، وابن المسيب، وعلى بن الحسين قال: وأنكره أبو العالية، ومجاهد، وخالد سبلان (^٢)، وفيه مواضع إنكار، ثم ذكر ما حاصلهُ أنَّه يلزمُ من ذلك أنْ يكونَ مَنْ كثرت سيئاته أحسنَ حالًا ممن قلَّت سيئاته (^٣) حيث يُعطى مكان كلّ سيئة حسنة، ثم قال: ولو قال قائل: إنَّما ذكر الله أنْ يُبدل السيئات حسنات ولم يذكر العدد كيف تبدل، فيجوز أنَّ معنى تبدل: أنَّ من عمل سيئةً واحدةً وتاب منها تبدل مئةَ ألفِ حسنةٍ، ومنْ عمل ألف سيئة أنْ تبدَّل ألف حسنةٍ، فيكون حينئذ من قلت سيئاتُهُ أحسن حالًا.
قلت: هذا القول - وهو التبديل في الآخرة - قد أنكره أبو العالية، وتلا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ
_________________
(١) الفرقان: ٦٨ - ٧٠.
(٢) في (ص): «خالد بن معدان».
(٣) عبارة: «أحسن حالًا ممن قلت» سقطت من (ص).
[ ٢٧٨ ]
أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (^١) وردَّه بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (^٣) ولكن قد أجيب عن هذا بأنَّ التائبَ يُوقف على سيئاته، ثم تبدَّل حسنات، قال أبو عثمان النَّهدي (^٤): إنَّ المؤمن يُؤتى كتابَه في ستر من الله - ﷿ -، فيقرأ سيئاته، فإذا قرأ تغيَّر لها لونُه حتّى يمرَّ بحسّناته، فيقرؤها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاتُه قد بُدِّلت حسّناتٍ، فعند ذلك يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ (^٥)
ورواه بعضهم عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، وقال بعضهم: عن أبي عثمان، عن سلمان (^٦).
وفي " صحيح مسلم " (^٧)
من حديث أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إنِّي لأعْلَمُ آخِرَ أهلِ الجنَّةِ دُخولًا الجنَّة، وآخِرَ أهلِ النار خروجًا منها، رجلٌ يُؤتَى به يوم القيامةِ فيقال: اعرضُوا عليه صِغارَ ذنوبه، وارفَعُوا عنه كِبارَهَا، فيعْرِضُ الله عليه صِغَارَ ذنوبهِ (^٨)، فيقال له: عَمِلْتَ يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعَمِلْتَ يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيعُ أنْ يُنكر وهو مشفقٌ من كبار ذنوبه أنْ تعرض عليهِ، فيقال له: فإنَّ لك مكانَ كُلِّ سيئةٍ حسنةً، فيقول: يا ربِّ قد عمِلْتُ أشياء لا أراها هاهنا» قال: فلقد رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - ضَحِكَ حتَّى بدتْ نواجذه.
فإذا بُدِّلَت السيئاتُ بالحسّنات في حقِّ من عوقِبَ على ذنوبه بالنار، ففي حقِّ من
_________________
(١) آل عمران: ٣٠.
(٢) الزلزلة: ٨.
(٣) الكهف: ٤٩.
(٤) أخرجه: ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير": ١٩١٤، والخطيب في " تاريخه " ١١/ ٦، وطبعة دار الغرب ١٢/ ٢٥١.
(٥) الحاقة: ١٩.
(٦) أخرجه: ابن أبي حاتم كما في " تفسير ابن كثير ": ١٣٦٦.
(٧) الصحيح ١/ ١٢١ (١٩٠) (٣١٤) و(٣١٥). وأخرجه: وكيع في " الزهد " (٣٦٧)، وأحمد ٥/ ١٥٧ و١٧٠، والترمذي (٢٥٩٦) وفي " الشمائل "، له (٢٢٩) بتحقيقي، وابن حبان (٧٣٧٥)، وابن منده في " الإيمان " (٨٤٧) و(٨٤٨) و(٨٤٩)، والبيهقي ١٠/ ١٩٠، والبغوي (٤٣٦٠).
(٨) من قوله: «وأرفعوا عنه كبارها …» إلى هنا لم يرد في (ص).
[ ٢٧٩ ]
مَحى سيئاته بالإسلام والتوبة النصوح أولى؛ لأنَّ مَحْوَها بذلك أحبُّ إلى الله من محوها بالعقاب.
وخَرَّج الحاكم (^١) من طريق الفَضْل بن موسى، عن أبي العَنْبس، عن أبيه، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليتَمنَّينَّ أقوامٌ أنَّهم أكثَرُوا من
السيِّئاتِ»، قالوا: بِمَ يا رسولَ الله؟ قالَ: «الذين بَدَّل الله سيئاتهم حسّنات»، وخرَّجه ابنُ أبي حاتم (^٢) من طريق سليمان أبي داود (^٣) الزهري، عن أبي العَنْبس، عن أبيه (^٤)، عن أبي هريرة موقوفًا، وهو أشبهُ مِن المرفوع (^٥)،
ويروى مثلُ هذا عن الحسن البصري أيضًا يُخالف قولَه المشهور: إنَّ التبديل في الدنيا (^٦).
وأمَّا ما ذكره الحربي في التبديل، وأنَّ من قلَّت سيئاتُه يُزاد في حسناته، ومن كثرت سيئاتُه يُقَلَّلُ من حسناته، فحديثُ أبي ذرٍّ صريحٌ في ردِّ هذا، وأنَّه يُعطى مكان كلّ سيئة حسنة.
وأما قوله: يَلْزَمُ من ذلك أنْ يكون مَنْ كَثُرَت سيئاتُه أحسنَ حالًا ممن
قلَّتْ سيئاتُهُ، فيقال: إنَّما التبديلُ في حقِّ مَنْ نَدِمَ على سيئاته، وجعلها نصبَ
عينيه، فكلما ذكرها ازداد خوفًا ووجلًا، وحياء من الله، ومسارعة إلى الأعمال الصالحة المكفرة كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (^٧) وما ذكرناه كله داخل في العمل الصالح ومن كانت هذه حاله، فإنَّه يتجرَّعُ من مرارة الندم والأسف على ذنوبه أضعافَ ما ذاق من حلاوتها عندَ فعلها، ويصيرُ كلُّ ذنبٍ من ذنوبه سببًا لأعمال صالحةٍ ماحية له، فلا يُستنكر بعد هذا تبديل هذه الذنوب حسنات.
_________________
(١) في " المستدرك " ٤/ ٢٥٢.
(٢) كما في " تفسير ابن كثير ": ١٣٦٦.
(٣) تحرف في (ص): «إلى سليمان بن داود».
(٤) «عن أبيه» سقطت من (ص).
(٥) على أنَّ الشيخ الألباني أورده في السلسلة الصحيحة (٢١٧٧).
(٦) انظر: تفسير القرطبي ١٣/ ٧٨.
(٧) الفرقان: ٧٠.
[ ٢٨٠ ]
وقد ورَدَت أحاديثُ صريحةٌ في أنَّ الكافرَ إذا أسلم، وحَسُنَ إسلامُه، تبدَّلت سيئاتُه في الشِّرْك حسنات، فخرَّج الطبراني (^١)
من حديث عبد الرحمان بن جبير بن نفير، عن أبي فروة شطب: أنَّه أتى النَّبيَّ - ﷺ - فقال: أرأيتَ رجلًا عَمِلَ الذنوب كُلَّها، ولم يترك حاجةً ولا داجةً، فهل له مِنْ توبة؟ فقالَ: «أسلمتَ؟» قال: نَعَمْ، قال: «فافعلِ الخيراتِ، واترك السيئاتِ، فيجعلها الله لك خيراتٍ كلّها (^٢)»، قال: وغَدَرَاتي وفَجَرَاتي؟ قال: «نعم»، قال: فما زال يُكبِّرُ حتّى توارَى.
وخرَّجه من وجه آخر بإسناد ضعيف عن سلمة بن نفيل، عن النَّبيِّ - ﷺ -.
وخرَّج ابنُ أبي حاتم نحوه من حديث مكحول مرسلًا، وخرَّج البزارُ (^٣) الحديثَ الأوَّل وعنده: عن أبي طويل شطب الممدود (^٤): أنَّه أتى النَّبيَّ - ﷺ - فذكره
بمعناه، وكذا خرَّجه أبو القاسم البغوي في " معجمه "، وذكر أنَّ الصوابَ عن
عبد الرحمان بن جُبير بن نفير مرسلًا: أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ - ﷺ - طوي (^٥) شَطْب، والشطب في اللغة: الممدود، فصحفه بعض الرواة، وظنه اسم رجل.
_________________
(١) في " الكبير " (٧٢٣٥). وأخرجه: ابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٢٧١٨)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (٣٨٠٩)، والخطيب في " تاريخه " ٣/ ٣٥٢ وطبعة دار الغرب ٤/ ٥٥٩، والحديث صححه ابن منده كما في " الإصابة " ٢/ ١٥٢.
(٢) في (ص): «حسنات».
(٣) في زوائده كما في " كشف الأستار " (٣٢٤٤).
(٤) انظر كتاب: تسمية من لقب بالطويل: ٦٢ - ٦٤ ليحيى بن عبد الله الشهري.
(٥) في (ص): «طويل».
[ ٢٨١ ]