عَنْ جَابِر بنِ عبدِ الله - ﵄ -: أنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: أرأيتَ إذا صَلَّيتُ المَكتُوبَاتِ، وصُمْتُ رَمَضانَ، وأَحْلَلْتُ الحَلالَ، وحَرَّمْتُ الحَرامَ، ولم أزِدْ على ذلك شيئًا، أأدخُلِ الجنَّةَ؟ قالَ: «نَعَمْ». رواهُ مسلم.
هذا الحديثُ خرَّجه مسلم (^١) من رواية أبي الزبير، عن جابر، وزاد في آخره: قالَ: والله لا أزيدُ على ذَلِكَ شيئًا. وخرَّجه أيضًا (^٢) من رواية الأعمش، عن أبي صالح، وأبي سفيان، عن جابر قالَ: قالَ النعمان بنُ قوقل: يا رسولَ الله، أرأيت إذا صليتُ المكتوبةَ، وحرمتُ الحرامَ، وأحللتُ الحلالَ ولم أزِدْ على ذَلِكَ شيئًا أَأَدخُلُ الجَنَّةَ؟ قال النَّبيُّ - ﷺ -: «نعم».
وقد فسَّر بعضُهم تحليلَ الحلالِ باعتقادِ حلِّه، وتحريمَ الحرامِ باعتقاد حُرمته مع اجتنابه (^٣)، ويُحتمل أنْ يراد بتحليل الحلال إتيانُه، ويكون الحلالُ هاهنا عبارةً عمَّا ليسَ بحرامٍ، فيدخل فيه الواجبُ والمستحبُّ والمباحُ، ويكونُ المعنى أنَّه يفعل ما ليس بمحرَّم عليه، ولا يتعدَّى ما أُبيحَ له إلى غيره، ويجتنب المحرَّمات. وقد روي عن طائفةٍ من السَّلفِ، منهم: ابنُ مسعود وابن عباس في قوله - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (^٤)، قالوا: يُحلُّون
حلاله ويحرِّمون حرامَه، ولا يُحرِّفونه عن مواضِعه (^٥).
_________________
(١) في " صحيحه " ١/ ٣٣ (١٥) (١٨).
(٢) في " صحيحه "١/ ٣٣ (١٥) (١٧).
(٣) منهم: الشيخ أبو عمرو بن الصلاح. انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ١/ ١٥٩.
(٤) البقرة: ١٢١.
(٥) أخرجه: عبد الرزاق في " تفسيره " (١١٣)، والطبري في " تفسيره " (١٥٦٥) عن ابن مسعود، به. = = … وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (١٥٦٣)، وابن أبي حاتم في " التفسير " ١/ ٢١٨
(٦) ، والحاكم ٢/ ٢٦٦ عن ابن عباس، به.
[ ٤٧٧ ]
والمرادُ بالتحليل والتحريم: فعلُ الحلال واجتنابُ الحرام كما ذُكر في هذا الحديث. وقد قال الله تعالى في حقِّ الكفار الذين كانوا يُغيرون تحريمَ الشُّهور الحُرُم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ (^١)، والمراد: أنَّهم كانوا يُقاتلون في الشهر الحرام عامًا، فيُحلونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عامًا، فيحرِّمونَهُ بذلك (^٢).
وقال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ (^٣) وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهدًا في الدنيا وتقشفًا، وبعضهم حرَّم ذلك عن نفسه، إمَّا بيمينٍ حَلَفَ بها، أو بتحريمه على نفسه، وذلك كُلُّه لا يوجبُ تحريمه في نفس الأمر، وبعضُهم امتنع منه من غير يمينٍ ولا تحريمٍ،
فسمَّى الجميع تحريمًا (^٤)، حيث قصد الامتناعَ منه إضرارًا بالنفس، وكفًا لها عن شهواتها. ويقال في الأمثال: فلانٌ لا يحلِّلُ ولا يحرِّمُ، إذا كان لا يمتنع من فعل حرام، ولا يقفُ عندَ ما أُبيح له، وإنْ كان يعتقدُ تحريمَ الحرام، فيجعلون من فَعَلَ الحرامَ ولا يتحاشى منه مُحلِّلًا له، وإنْ كان لا يعتقد حلّه.
وبكلِّ حالٍ، فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ من قام بالواجبات، وانتهى عن
المحرَّمات، دخلَ الجنة، وقد تواترتِ الأحاديثُ عَنِ النبيِّ - ﷺ - بهذا المعنى، أو ما هو قريبٌ منه، كما خرَّجهُ النَّسائي، وابنُ حبان، والحاكم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبيِّ - ﷺ - قال: «ما مِنْ عبدٍ يُصلِّي الصلواتِ الخمس، ويصومُ رمضان، ويُخرجُ الزَّكاة، ويجتنبُ الكبائر السَّبعَ، إلاَّ فُتِحَتْ له أبوابُ الجنة، يدخُلُ من أيِّها شاء»، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (^٥) (^٦).
_________________
(١) التوبة: ٣٧.
(٢) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (١٢٩٨١) عن ابن عباس، به.
(٣) المائدة: ٨٧ - ٨٨.
(٤) انظر في ذلك: تفسير الطبري (٩٦٣٥) و(٩٦٣٦)، وتفسير ابن أبي حاتم (٦٦٨٧) و(٦٦٨٩).
(٥) النساء: ٣١.
(٦) أخرجه: النسائي في " المجتبى " ٥/ ٨، وابن حبان (١٧٤٨)، والحاكم ١/ ٣١٦ و٢٦٢. وأخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ٤/ ٢٦٦، والطبري في " تفسيره " (٧٢٨٧)، وابن خزيمة (٣١٥)، وابن منده في " الإيمان " (٤٧٧)، والبيهقي ١٠/ ١٨٧، وإسناده ضعيف لجهالة صهيب مولى العتواري فقد تفرد بالرواية عنه نعيم المجمر.
[ ٤٧٨ ]
وخرَّج الإمام أحمد (^١) والنسائي (^٢) من حديث أبي أيوب الأنصاري، عن النَّبيِّ - ﷺ -،
قال: «مَنْ عَبدَ الله، لا يُشركُ به، وأقامَ الصَّلاةَ، وآتى الزَّكاة، وصامَ رمضان، واجتنبَ الكبائرَ، فله الجنةُ، أو دخل الجنة».
وفي " المسند " (^٣) عن ابنِ عباس: أنَّ ضِمَامَ بنَ ثعلبةَ وفَدَ على النَّبيِّ - ﷺ -، فذكر له الصَّلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وشرائع الإسلام كلها، فلمَّا فرغ، قال: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، وسأؤدِّي هذه الفرائض، وأجتنبُ ما نهيتني عنه، لا أزيدُ ولا أنقُصُ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: «إنْ صدقَ دخلَ الجنَّة». وخرَّجه الطبراني (^٤) مِنْ وجهٍ آخرَ، وفي حديثه قال: والخامسة لا أَرَبَ لي فيها، يعني: الفواحش، ثم قال: لأعملنَّ بها، ومن أطاعني، فقال رسولُ الله - ﷺ -: «لئن صدقَ، ليدخلنَّ الجنَّة».
وفي " صحيح البخاري " (^٥) عن أبي أيوب: أنَّ رجلًا قال للنَّبيِّ - ﷺ -: أخبرني بعمل يُدخلني الجنَّة، قال: «تعبدُ الله لا تُشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصَّلاة، وتُؤْتِي الزكاةَ، وتَصِلُ الرَّحم». وخرّجه مسلم (^٦) إلاَّ أنَّ عنده أنَّه قال: أخبرني بعملٍ يُدنيني من الجنَّةِ
ويُباعدُني من النَّارِ. وعنده في رواية: فلما أدبرَ قال رسول الله - ﷺ -: «إنْ تمسَّك بما أُمِرَ به، دخلَ الجنَّة».
وفي " الصحيحين " (^٧) عن أبي هريرة: أنَّ أعرابيًا قال: يا رسول الله، دُلَّني على عملٍ إذا عملتُه دخلتُ الجنَّة، قال: «تعبدُ الله لا تُشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصَّلاةَ
المكتوبة،
_________________
(١) المسند ٥/ ٤١٣.
(٢) في " المجتبى " ٧/ ٨٨، وهو حديث قويٌّ.
(٣) المسند ١/ ٢٥٠ و٢٦٤ و٢٦٥، وهو حديث قويٌّ.
(٤) في " الكبير " (٨١٥١) و(٨١٥٢)، وفي إسناده مقال.
(٥) الصحيح ٢/ ١٣٠ (١٣٩٦) و٨/ ٥ - ٦ (٥٩٨٢) و٨/ ٦ (٥٩٨٣).
(٦) في " صحيحه " ١/ ٣١ - ٣٢ (١٣) (١٤).
(٧) صحيح البخاري ٢/ ١٣٠ - ١٣١ (١٣٩٧)، وصحيح مسلم ١/ ٣٣ (١٤) (١٥).
[ ٤٧٩ ]
وتؤدِّي الزكاةَ المفروضة، وتصومُ رمضانَ»، قال: والذي بعثك بالحقِّ، لا أزيدُ على هذا شيئًا أبدًا ولا أَنْقُصُ منه، فلمَّا ولَّى، قال النَّبيُّ - ﷺ -: «مَن سرَّه أنْ ينظرَ إلى رجلٍ من أهلِ الجنَّة، فلينظر إلى هذا».
وفي " الصحيحين " (^١) عن طلحة بنِ عُبَيد الله: أنَّ أعرابيًا جاء إلى رسولِ الله - ﷺ - ثائرَ الرأس، فقال: يا رسولَ الله، أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاةِ؟ فقالَ: «الصلوات الخمس، إلا أنْ تَطوَّع شيئًا»، فقالَ: أخبرني بما فرض الله عليَّ منَ الصِّيامِ؟ فقال: «شهر رمضان، إلا أنْ تطوَّع شيئًا» فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ منَ الزَّكاة؟ فأخبره رسول الله - ﷺ - بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرمك (^٢) بالحقِّ، لا أتطوَّعُ شيئًا ولا أنقصُ ممَّا فرضَ الله عليَّ شيئًا، فقال
رسول الله - ﷺ -: «أفلحَ إنْ صدق، أو دخل الجنَّة إنْ صدق» ولفظه للبخاري.
وفي " صحيح مسلم " (^٣) عن أنس: أنَّ أعرابيًا سألَ النَّبيَّ - ﷺ - فذكره بمعناه، وزاد فيه: «حجّ البيت من استطاع إليه سبيلًا» فقال: والذي بعثك بالحقِّ لا أزيد
عليهن ولا أنقُصُ منهن، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «لئنْ صدَقَ ليَدْخُلَنَّ الجنَّة».
ومراد الأعرابي أنَّه لا يزيدُ على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، وحجِّ البيت شيئًا من التطوُّع، ليس مرادُه أنَّه لا يعمل بشيءٍ من شرائعٍ الإسلام وواجباته غير ذلك، وهذه الأحاديثُ لم يذكر فيها اجتناب المحرَّمات؛ لأنَّ السائل إنَّما سأله عَنِ الأعمال التي يدخل بها عامِلُها الجنَّة.
وخرَّج الترمذي (^٤) من حديث أبي أُمامة قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يَخطُبُ في حجَّةِ الوداع يقول: «أيُّها النَّاس، اتَّقوا الله، وصلُّوا خمسَكم، وصُوموا شهركم، وأدُّوا زكاةَ أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنَّة ربكم» وقال: حسن
_________________
(١) صحيح البخاري ١/ ١٨ (٤٦)، وصحيح مسلم ١/ ٣١ (١١) (٩).
(٢) في (ص): «بعثك».
(٣) الصحيح ١/ ٣١ (١٢) (١٠) و١/ ٣١ (١٢) (١٢).
(٤) الجامع الكبير (٦١٦).
[ ٤٨٠ ]
صحيح، وخرَّجه الإمام أحمد (^١)، وعنده: «اعبدوا ربكم» بدل قوله
: «اتقوا الله». وخرَّجه بقي بن مخلد في " مسنده " من وجه آخر، ولفظ حديثه: «صلُّوا خمسَكم، وصوموا شهرَكم، وحُجُّوا بيتكم، وأدُّوا زكاة أموالكم، طيِّبةً بها أنفسكم، تدخلوا جنَّة ربِّكم» (^٢).
وخرَّج الإمام أحمد (^٣) بإسناده عن ابنِ المنتفق، قال: أتيتُ النَّبيَّ - ﷺ - وهو بعرفات، فقلت: ثنتان أسألُك عنهما: ما يُنجيني من النار، وما يُدخلني الجنَّة؟ قالَ: «لئن كنتَ أوجزتَ في المسألة لقد أعظمتَ وأطولت، فاعقل عني إذن: اعبد الله لا تشرك به شيئًا وأقم الصَّلاة المكتوبةَ، وأدِّ الزَّكاةَ المفروضةَ، وصُمْ رمضان، وما تُحِبُّ أنْ يفعله بكَ النَّاسُ، فافعله بهم، وما تكره أنْ يأتي إليك الناس، فذرِ الناس منه».
وفي روايةٍ له أيضًا قال: «اتَّقِ الله، لا تشركْ به شيئًا، وتُقيم الصَّلاة، وتُؤتِي الزَّكاة، وتحجّ البيت، وتصوم رمضان، ولم تَزِدْ على ذلك» وقيل: إنَّ هذا الصحابي هو وافد بني المنتفق، واسمه لقيط (^٤).
فهذه الأعمال أسبابٌ مقتضية لدخول الجنَّة، وقد يكونُ ارتكابُ المحرَّمات موانع، ويدلُّ على هذا ما خرَّجه الإمام أحمد (^٥) من حديث عمرو بن مرَّة الجهني، قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فقال: يا رسولَ الله، شهدتُ أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّك رسولُ الله، وصلَّيتُ الخمس، وأدَّيتُ زكاةَ مالي، وصُمْتُ شهرَ رمضانَ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: «من مات على هذا، كان مع النبيِّين
والصدِّيقينَ والشهداءِ (^٦) يومَ القيامة هكذا - ونَصَبَ أصبعيه - ما لم يَعُقَّ والديه».
_________________
(١) في " مسنده " ٥/ ٢٥١.
(٢) أخرجه: أحمد ٥/ ٢٦٢.
(٣) في " مسنده " ٣/ ٤٧٢ و٦/ ٣٨٣، وإسناده ضعيف.
(٤) ذكر الحافظ ابن حجر هذا الحديث ونسبه إلى عبد الله بن المنتفق اليشكري وكذا قال أبو نعيم الأصبهاني. انظر: معرفة الصحابة ٣/ ٢٤٦ (١٧٦٩)، والاستيعاب ٣/ ٩٩٨، والإصابة ٣/ ٢٩٦ (٤٩٨٠).
(٥) كما في " إتحاف المهرة " ١٢/ ٥٢٦ (١٦٠٣٣)، وأطراف المسند ٥/ ١٥٤ (٦٨٤٣) حيث إن هذا الحديث سقط من مطبوع المسند للإمام أحمد. قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٨/ ١٤٧: «رواه أحمد والطبراني بإسنادين ورجال أحد إسنادي الطبراني رجال الصحيح».
(٦) زاد بعدها في (ص): «والصالحين».
[ ٤٨١ ]
وقد ورد ترتُّب (^١) دخولِ الجنة على فعلِ بعض هذه الأعمال كالصَّلاةِ، ففي الحديث المشهور: «من صلَّى الصلواتِ لوقتِها، كان له عندَ الله عهدٌ أنْ يُدخِلَهُ الجنّة». وفي الحديث الصحيح: «من صَلَّى البَرْدَينِ دخل الجنة»، وهذا كلُّه من ذكر السبب المقتضي الذي لا يعمل عمله (^٢) إلاَّ باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه؛ ويدلُّ على هذا ما خرَّجه الإمام أحمد (^٣) عن بشير بنِ الخَصاصِيةِ،
قالَ: أتيتُ النَّبيَّ - ﷺ - لأبايِعَه، فشرط عليَّ شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنْ أُقيمَ الصَّلاةَ، وأنْ أُوتي الزكاة، وأنْ أحجَّ حجة الإسلام، وأنْ أصومَ رمضان، وأنْ أُجاهِد في سبيل الله، فقلتُ: يا رسول الله أما اثنتان فوالله ما أُطيقُهُما: الجهاد والصَّدقةُ، فقبضَ رسولُ الله - ﷺ - يدَهُ، ثمَّ حَرَّكَها، وقال: «فلا جهادَ ولا صدقةَ؟ فبِمَ تدخلُ الجنَّة إذًا؟» قلتُ: يا رسول الله أنا أُبايعُك، فبايعتُه عليهنَّ كُلَّهنَّ. ففي هذا الحديث أنَّه لا يكفي في دخول الجنَّة هذه الخصالُ بدون الزكاة والجهاد.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنَّ ارتكاب بعضِ الكبائر يمنع دخولَ الجنَّة، كقوله: «لا يدخل الجَنَّةَ قاطع» (^٤)، وقوله: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كِبْر» (^٥)،
وقوله: «لا تدخلوا الجنة حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤْمِنوا حتَّى تحابُّوا» (^٦) والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنَّة بالدَّينِ حتى يُقضى، وفي الصَّحيح
: «أنَّ المؤمنين إذا جازوا الصِّراطَ، حُبِسُوا على قنطرة يقتصُّ منهم مظالمُ كانت بينهم في الدنيا» (^٧).
_________________
(١) في (ص): «ترتيب».
(٢) في (ص): «عليه».
(٣) في " مسنده " ٥/ ٢٢٤، وإسناده ضعيف لجهالة أبي المثنى العبدي مؤثر بن عَفاذة فقد تفرد بالرواية عنه جبلة بن سحيم.
(٤) أخرجه: البخاري ٨/ ٦ (٥٩٨٤)، ومسلم ٨/ ٧ (٢٥٥٦) (١٨) من حديث جبير بن مطعم.
(٥) أخرجه: أحمد ١/ ٤١٢ و٤١٦، ومسلم ١/ ٦٥ (٩١) (١٤٨)، وأبو داود (٤٠٩١) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٦) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٥٧٤٢)، وأحمد ٢/ ٣٩١، ومسلم ١/ ٥٣ (٥٤) (٩٤) من حديث أبي هريرة.
(٧) أخرجه: البخاري ٣/ ١٦٧ (٢٤٤٠) و٨/ ١٣٨ (٦٥٣٥) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.
[ ٤٨٢ ]
وقال بعض السَّلف: إنَّ الرجل ليُحبَسُ على باب الجنَّةِ مئة عام بالذنب كان يعملُه في الدنيا (^١). فهذه كُلُّها موانع.
ومن هنا يظهرُ معنى الأحاديث التي جاءت في ترتيب دخول الجنَّة على مجرَّد التوحيد، ففي " الصحيحين " (^٢) عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «ما مِنْ عبدٍ قال: لا إله إلاَّ الله، ثمَّ مات على ذلك إلاَّ دخل الجنَّة»، قلت: وإنْ زنى وإنْ سرق؟! قالَ: «وإنْ زنى وإنْ سرق»، قالها ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: «على رغم أنف أبي ذرٍّ»، فخرج أبو ذرٍّ، وهو يقول: وإنْ رغم أنفُ أبي ذرٍّ.
وفيهما (^٣) عن عُبادة بنِ الصامت، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «مَنْ شهد أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ له، وأنَّ محمدًا عبده ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسوله وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ، والنَّارَ حقٌّ، أدخله الله الجنَّة على ما كان من عملٍ».
وفي " صحيح مسلم " (^٤) عن أبي هريرة، أو أبي سعيد - بالشَّكِّ -، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «أشهد أنْ لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، لا يلقى الله بهما عَبْدٌ
غيرَ شاك، فيُحْجَبُ عن الجنَّة».
وفيه (^٥) عن أبي هُريرة: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال له يومًا: «مَنْ لَقِيتَ يشهد أنْ لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبُه، فبشِّره بالجنَّة»
وفي المعنى أحاديث كثيرة جدًا.
وفي " الصحيحين " (^٦) عن أنس: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال يومًا لمعاذ: «ما مِنْ عبدٍ يشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسوله إلاَّ حرَّمه الله على النار».
وفيهما (^٧) عن عِتبان بن مالك، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إنَّ الله قد حرَّم على النَّارِ مَنْ قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه اللهِ».
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٥٤١٦) من قول أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي.
(٢) صحيح البخاري ٧/ ١٩٢ - ١٩٣ (٥٨٢٧)، وصحيح مسلم ١/ ٦٦ (٩٤) (١٥٤).
(٣) صحيح البخاري ٤/ ٢٠١ (٣٤٣٥)، وصحيح مسلم ١/ ٤٢ (٢٨) (٤٦).
(٤) الصحيح ١/ ٤١ (٢٧) (٤٥).
(٥) الصحيح ١/ ٤٣ (٣١) (٥٢).
(٦) صحيح البخاري ١/ ٤٤ (١٢٨)، وصحيح مسلم ١/ ٤٤ (٣٢) (٥٣).
(٧) صحيح البخاري ١/ ١١٥ - ١١٦ (٤٢٥)، وصحيح مسلم ١/ ٤٤ (٣٣) (٥٤).
[ ٤٨٣ ]
فقال طائفةٌ من العلماء: إنَّ كلمة التوحيد سببٌ مقتضٍ لدخول الجنَّة وللنجاة مِنَ النَّارِ، لكن له شروطٌ، وهي الإتيانُ بالفرائضِ، وموانعُ وهي إتيانُ الكبائر. قال الحسن للفرزدق: إنَّ لـ «لا إله إلا الله» شروطًا، فإيَّاكَ وقذفَ المحصنة (^١). ورُوي عنه أنَّه قال: هذا العمودُ، فأين الطُّنُبُ (^٢)، يعني: أنَّ كلمةَ التوحيد عمودُ الفسطاط، ولكن لا يثبتُ الفسطاطُ بدون أطنابه، وهي فعلُ الواجبات، وتركُ المحرَّمات.
وقيل للحسن: إنَّ ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنَّة، فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدَّى حقَّها وفرضها، دخلَ الجنَّةَ (^٣).
وقيل لوهب بنِ مُنبِّه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنَّة؟ قال: بلى؛ ولكن ما من مفتاحٍ إلا وله أسنان، فإنْ جئتَ بمفتاحٍ له أسنانٌ فتح لك، وإلاَّ لم يفتح لك (^٤).
ويشبه هذا ما رُوِيَ عن ابنِ عمر: أنَّه سُئِلَ عن لا إله إلا الله: هل يضرُّ معها عملٌ، كما لا ينفع مع تركها عملٌ؟ فقالَ ابن عمر: عش ولا تغتر (^٥).
وقالت طائفةٌ - منهم: الضحاكُ والزهري -: كانَ هذا قبلَ الفرائض والحدود (^٦)، فمِنْ هؤلاء مَنْ أَشار إلى أنَّها نُسِخَتْ، ومنهم من قالَ: بل ضُمَّ إليها شروطٌ زيدت عليها، وزيادة الشرط هل هي نسخ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين، وفي هذا كلِّه نظرٌ، فإنَّ كثيرًا مِنْ هذه الأحاديث متأخر بعدَ الفرائض والحدود.
وقال الثوري: نسختها الفرائضُ والحدودُ، فيحتمل أنْ يكونَ مرادُه ما أراده هؤلاء، ويحتمل أنْ يكون مرادُه أنَّ وجوبَ الفرائض والحدود تبين بها أنَّ عقوبات
_________________
(١) ذكره الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٤/ ٥٨٤.
(٢) الطنب: جمعها أطناب وطنبة، قال ابن سيده: الطنب حبل طويل يشد به البيت والسرادق بين الأرض والطرائق، وقيل: «هو الوتد». انظر: لسان العرب ٨/ ٢٠٥ (طنب).
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ١/ ٢٠٠.
(٤) أخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ٩٨ (٢٦١)، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٤/ ٦٦.
(٥) أخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠٥٥٣)، وعبد الله بن المبارك في " الزهد " (٩٢٣)، وابن الجعد في " مسنده " (٣٣٨١)، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ١/ ٣١١.
(٦) انظر في ذلك: الزهد لعبد الله بن المبارك (٩٢١)، وشرح صحيح مسلم للنووي ١/ ٢٠٠.
[ ٤٨٤ ]
الدنيا لا تسقُطُ بمجرَّدِ الشهادتين، فكذلك عقوباتُ الآخرة، ومثل هذا البيان
وإزالة الإيهام كان السَّلفُ يُسَمُّونه نسخًا، وليس هو بنسخ في الاصطلاح
المشهور.
وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأنْ يقولها بصدقٍ وإخلاصٍ، وإخلاصُها وصدقُها يمنع الإصرارَ معها على معصية (^١).
وجاء من مراسيل الحسن، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «من قال: لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنَّة» قيل: وما إخلاصها؟ قال: «أنْ تحجُزَكَ عمَّا حرَّم الله» (^٢). وروي ذلك مسندًا من وجوه أخرَ ضعيفة (^٣).
ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبلُ إلى هذا فإنَّ تحقق القلب بمعنى «لا إله إلا الله» وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أنْ يرسخَ فيه تألُّهُ الله وحده، إجلالًا، وهيبةً، ومخافةً، ومحبَّةً، ورجاءً، وتعظيمًا، وتوكُّلًا، ويمتلئَ بذلك، وينتفيَ عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبقَ فيه محبَّةٌ، ولا إرادةٌ، ولا طلبٌ لغير ما يُريدُهُ الله ويحبُّه ويطلبه، وينتفي بذلك مِنَ القلب جميعُ أهواءِ النُّفوس وإراداتها، ووسواس الشيطان، فمن أحب شيئًا وأطاعه، وأحبَّ عليه وأبغض عليه، فهو إلههُ، فمن كان لا يحبُّ ولا يبغضُ إلا لله، ولا يُوالي ولا يُعادي إلا له، فالله إلههُ حقًا، ومن أحبَّ لهواه، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (^٤) قالَ
_________________
(١) انظر: شرح صحيح مسلم ١/ ٢٠٠ و٢٠١.
(٢) لم نقف عليه في مظانه. وذكره الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول " ٣/ ١٦، والقرطبي في " تفسيره " ١٠/ ٦٠. وقد روي هذا الحديث عن زيد بن أرقم مرفوعًا مسندًا. أخرجه: الطبراني في " الكبير " (٥٠٧٤)، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٩/ ٢٥٤.
(٣) في إسناده الهيثم بن جماز. سئل عنه أحمد بن حنبل فقال: «كان منكر الحديث ترك حديثه»، وعن يحيى بن معين قال: «كان قاصًا بالبصرة ضعيف»، وعن أبي حاتم الرازي قال: «ضعيف الحديث منكر الحديث»، وعن أبي زرعة قال: «ضعيف». انظر: الجرح والتعديل ٩/ ١٠٢ (٣٣٠). وأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (١٢٥٧)، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمان بن غزوان. قال عنه الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١/ ١٨: «وضاع».
(٤) الجاثية: ٢٣.
[ ٤٨٥ ]
الحسن: هوَ الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبه (^١). وقال قتادة: هوَ الذي كلما هَوِيَ شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يَحجزُه عن ذلك ورعٌ ولا تقوى (^٢). ويُروى من حديث أبي أمامة مرفوعًا «ما تحتَ ظلِّ السماء إلهٌ يُعبد أعظم عندَ الله من هوى متَّبع» (^٣).
وكذلك مَنْ أطاعَ الشيطان في معصية الله، فقد عبده، كما قال الله - ﷿ -
: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (^٤).
فتبيَّن بهذا أنَّه لا يصحُّ تحقيقُ معنى قولِ: لا إله إلا الله، إلاَّ لمن لم يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يُريده الله، ومتى كان في القلب
شيءٌ مِنْ ذلك، كان ذلك نقصًا في التوحيد، وهو مِنْ نوع الشِّرك الخفيِّ. ولهذا قال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (^٥) قال: لا تحبُّوا غيري.
وفي " صحيح الحاكم " (^٦) عن عائشة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «الشِّركُ أخفى من دبيب الذَّرِّ على الصَّفا في الليلة الظَّلماء، وأدناه أنْ تُحِبَّ على شيءٍ مِنَ الجَوْرِ، وتُبغِضَ على شيءٍ مِنَ العدل، وهل الدِّينُ إلا الحبّ والبغض؟ قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ (^٧). وهذا نصٌّ في أنَّ محبةَ ما يكرهه الله، وبغضَ ما يُحبه متابعةٌ للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفيّ.
وخرَّج ابن أبي الدُّنيا من حديث أنس مرفوعًا: «لا تزالُ لا إله إلا الله
تمنعُ العبادَ
_________________
(١) ذكره القرطبي في " تفسيره " ١٣/ ٣١.
(٢) أخرجه: عبد الرزاق في " التفسير " (٢٨٣١)، والطبري في " تفسيره " (٢٤١٣٤).
(٣) أخرجه: ابن أبي عاصم في " السنة " (٣)، والطبراني في " الكبير " (٧٥٠٢)، وابن عدي في " الكامل " ٣/ ١٢٦، وأبو نعيم في " الحلية " ٦/ ١١٨، وابن الجوزي في " الموضوعات " (١٦١٦) وهو حديث موضوع، وإسناده مسلسل بالمتروكين.
(٤) يس: ٦٠.
(٥) الأنعام: ١٥١.
(٦) المستدرك ٢/ ١٩١. وأخرجه: ابن أبي حاتم في " تفسيره " (٣٣٩٩)، أبو نعيم في "حلية الأولياء" ٩/ ٢٥٣، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " ٢/ ٣٣٩، وإسناده ضعيف فيه عبد الأعلى بن أعين قال أبو زرعة الرازي: «هذا حديث منكر وعبد الأعلى منكر الحديث ضعيف» كما في " تفسير ابن أبي حاتم ".
(٧) آل عمران: ٣١.
[ ٤٨٦ ]
مِنْ سخط الله، ما لم يُؤْثِروا دُنياهم على صَفقةِ دينهم، فإذا آثرُوا
صفقةَ دُنياهم على دينهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله رُدَّتْ عليهم، وقال الله:
كذبتم» (^١).
فتبيَّن بهذا معنى قوله - ﷺ -: «من شهد أنْ لا إله إلا الله صادقًا من قلبه حرَّمه الله على النار»، وأنَّ من دخل النارَ من أهل هذه الكلمة، فَلِقِلَّةِ صدقه في قولها، فإنَّ هذه الكلمة إذا صدقت، طهَّرت من القلب كلَّ ما سوى الله، فمن صدق في قوله: لا إله إلا الله، لم يُحبَّ سواه، ولم يَرْجُ إلاَّ إيَّاه، ولم يخشَ أحدًا إلاَّ الله، ولم يتوكَّل إلاَّ على الله، ولم تبقَ له بقيَّةٌ من آثار نفسه وهواه، ومتى بقي في القلب أثرٌ لسوى الله، فمن قلَّة الصدق في قولها.
نارُ جهنَّم تنطفئ بنور إيمان الموحدين، كما في الحديث المشهور: «تقول النار للمؤمن: جُزْ يا مؤمنُ، فقد أطفأ نورُك لهبي» (^٢).
وفي " مسند الإمام أحمد " (^٣) عن جابرٍ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لا يبقى برٌّ
ولا فاجر إلاّ دخلها، فتكونُ على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم،
حتى أنَّ للنار ضجيجًا من بردهم».
فهذا ميراثٌ وَرِثَه المؤمنون من حال إبراهيم - ﵇ -، فنارُ المحبة في قلوب المؤمنين تخافُ منها نارُ جهنم. قال الجنيد: قالت النار: يا ربِّ، لو لم أُطِعك، هل كنت تُعذِّبني بشيءٍ هو أشدُّ مني؟ قالَ: نعم، كنتُ أسلط عليك نارِي الكبرى، قالت: وهل نارٌ أعظم مني وأشدُّ؟ قال: نعم، نار محبتي أسكنتُها قلوبَ أوليائي المؤمنين. وفي هذا يقول بعضهم:
_________________
(١) أخرجه: أبو يعلى (٤٠٣٤)، وإسناده ضعيف جدًا لضعف حسين بن علي بن الأسود وعمر بن حمزة العمري. وأخرجه: العقيلي ٢/ ٢٩٧ من حديث أبي هريرة، وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن محمد ابن عجلان.
(٢) أخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٦٦٨)، وابن عدي في " الكامل " ٨/ ١٣١، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٩/ ٣٢٩، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٣٧٥)، وهو حديث ضعيف.
(٣) المسند ٣/ ٣٢٨. وأخرجه: الحارث في " مسنده " كما في " بغية الباحث " (١١٢٧)، وعبد بن حميد
(٤) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٣٧٠)، وهو حديث ضعيف.
[ ٤٨٧ ]
ففي فؤادِ المُحِبِّ نارُ هوى … أحرُّ نارِ الجحيم أبردُهَا
ويشهد لهذا المعنى حديثُ معاذ، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «مَنْ كان آخِرَ كلامِهِ لا إله إلا الله، دخل الجنَّة» (^١)، فإنَّ المحتضرَ لا يكادُ يقولُها إلاَّ بإخلاصٍ، وتوبةٍ، وندمٍ على ما مضى، وعزم على أنْ لا يعودَ إلى مثله، ورجح هذا القولَ الخطابيُّ في مصنَّفٍ له مفرد في التوحيد، وهو حسن.
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٥/ ٢٣٣، أبو داود (٣١١٦)، وابن منده (١١٣)، والحاكم ١/ ٣٥١ و٥٠٠، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٩٢٣٤) وفي " الاعتقاد "، له: ٣٧، وهو حديث صحيح.
[ ٤٨٨ ]