عَنِ الحَسَنِ بن علي سِبْطِ رَسُولِ الله - ﷺ - ورَيحَانَتِهِ - ﵁ - قال: حَفِظْتُ مِنْ
رسولِ الله - ﷺ -: «دَعْ ما يريبُكَ إلى ما لَا يرِيبُكَ». رواه النسائي (^١) والترمِذيُّ (^٢)، وقال: حَسَنٌ صحيحٌ.
هذا الحديث خرّجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابنُ حبان في
" صحيحه " والحاكم (^٣) من حديث بُريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء، عن الحسن ابن عليٍّ، وصححه الترمذي،
وأبو الحوراء (^٤) السَّعدي، قال الأكثرون: اسمه ربيعةُ بنُ شيبان، ووثقه النسائي وابن حبان، وتوقف أحمد في أنَّ أبا الحوراء (^٥) اسمه ربيعةُ بن شيبان، ومال إلى التفرقة بينهما، وقال الجوزجاني: أبو الحوراء مجهول لا يعرف (^٦).
وهذا الحديثُ قطعة من حديثٍ طويلٍ فيه ذكر قنوت الوتر (^٧)، وعند الترمذي وغيره زيادة في هذا الحديث وهي: «فإنَّ الصِّدق طُمأنينة، وإنَّ الكذبَ ريبةٌ»، ولفظ ابنِ حبان: «فإنَّ الخيرَ طمأنينةٌ، وإنَّ الشرَّ ريبةٌ».
وقد خرّجه الإمامُ أحمد (^٨) بإسنادٍ فيه جهالة عن أنس، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال
:
«دَعْ ما يريبُك إلى ما لا يريبُك» وخرَّجه من وجهٍ آخر أجود منه موقوفًا على أنس (^٩).
_________________
(١) المجتبى ٨/ ٣٢٧.
(٢) الجامع الكبير (٢٥١٨).
(٣) أخرجه: أحمد ١/ ٢٠٠، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي ٨/ ٣٢٧، وابن حبان (٧٢٢)، والحاكم ٢/ ١٣.
(٤) من قوله: «عن الحسن بن علي …» إلى هنا سقط من (ص).
(٥) عبارة: «أبا الحوراء» سقطت من (ص).
(٦) انظر: تهذيب الكمال ٢/ ٤٦٨.
(٧) سقطت من (ص).
(٨) في "مسنده" ٣/ ١٥٣. وفي إسناده: أبو عبد الله الأسدي مجهول. وأخرجه: أحمد ٣/ ١١١، والبزار كما في " كشف الأستار " (٢٢٩٢٠) من طرق عن أنس ابن مالك، موقوفًا.
(٩) من قوله: «عن النبي - ﷺ - …» إلى هنا لم يرد في (ص).
[ ٢٦٠ ]
وخرّجه الطبراني (^١) من رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، قال الدارقطني:
وإنَّما يُروى هذا من قول ابنِ عمر، وعن عمر (^٢)، ويُروى عن مالك من قوله (^٣). انتهى.
ويروى بإسنادٍ ضعيف، عن عثمان بنِ عطاء الخراساني - وهو ضعيف - عن
أبيه، عن الحسن، عن أبي هريرة، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّه قال لرجل: «دَعْ ما يريبُكَ إلى ما لا يريبُكَ»، قال: وكيف لي بالعلم بذلك؟ قال: «إذا أردتَ أمرًا، فضع يَدَكَ على صدرِكَ، فإنَّ القلبَ يضطرب للحرام، ويسكن للحلال، وإنَّ المسلم الورعَ يدع الصغيرةَ مخافةَ الكبيرة». وقد رُوي عن عطاء الخراساني مرسلًا (^٤).
وخرّج الطبراني (^٥) نحوه بإسناد ضعيف عن واثلة بن الأسقع، عن النَّبيِّ - ﷺ -، وزاد فيه: قيل له: فمن الورعُ؟ قال: «الذي يقف عند الشبهة».
وقد روي هذا الكلام موقوفًا على جماعة من الصحابة: منهم عُمَرُ، وابنُ عمرَ، وأبو الدرداء، وعن ابن مسعود، قال: ما تريدُ إلى ما يريبُكَ وحولَك أربعةُ آلاف لا تريبُكَ؟! (^٦)
وقال عمر (^٧): دَعُوا الرِّبا والرِّيبة، يعني: ما ارتبتم فيه، وإنْ لم تتحققوا أنَّه رِبًا.
ومعنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها، فإنَّ الحلالَ
_________________
(١) في " الصغير " (٢٧٦). وأخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٣٥٢، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٦٤٥)، والخطيب في "تاريخه" ٢/ ٢٢٠ و٦/ ٣٨٦ من طرق عن ابن عمر، به، وإسناده ضعيف جدًا؛ لشدة ضعف عبد الله بن أبي رومان.
(٢) «عن عمر» لم ترد في (ص).
(٣) وكذا قال الخطيب في " تاريخه " ٣/ ٦٧٣ طبعة دار الغرب.
(٤) وهذه الرواية لم أقف عليها، وفيها ثلاث علل: ضعف عثمان، وعدم سماع الحسن من أبي هريرة، وإعلاله بالإرسال.
(٥) في " الكبير " ٢٢/ (١٩٣). وأخرجه: أبو يعلى (٧٤٩١)، وإسناده ضعيف جدًا.
(٦) أخرجه: عبد الرزاق (٨٧٩١)، وأحمد في " الزهد " (١٠٦٧)، والبزار (٨٧٩١) من طرق عن ابن عمر، موقوفًا. وأخرجه: ابن أبي شيبة (١٦١٥٤) من حديث أبي الدرداء، موقوفًا.
(٧) لم ترد في (ص).
[ ٢٦١ ]
المحض
لا يَحْصُلُ لمؤمن في قلبه منه ريب - والريب: بمعنى القلق والاضطراب - بل تسكن إليه النفسُ، ويطمئن به القلبُ، وأما المشتبهات فيَحْصُل بها للقلوب القلقُ (^١) والاضطرابُ الموجب للشك.
وقال أبو عبد الرحمان العمري الزاهد: إذا كان العبدُ ورعًا، ترك ما يريبه إلى ما لا يريبُه.
وقال الفضيلُ: يزعم الناسُ أنَّ الورعَ شديدٌ، وما ورد عليَّ أمران إلا أخذتُ بأشدِّهما، فدع ما يريبُك إلى ما لا يريبُك (^٢).
وقال حسّانُ بن أبي سنان: ما شيء أهون من الورع، إذا رابك شيء فدعه. وهذا إنَّما يسهل على مثل حسّان - ﵀ -.
قال ابن المبارك: كتب غلامٌ لحسّانَ بن أبي سنان إليه من الأهواز: إنَّ قَصَبَ السكر أصابته آفةٌ، فاشتر السكر فيما قِبَلَكَ، فاشتراه من رجل، فلم يأتِ عليه إلا قليلٌ فإذا فيما اشتراه ربحَ ثلاثين ألفًا، قال: فأتى صاحبَ السُّكرِ، فقال: يا هذا إنَّ غلامي كان قد كتب إليَّ، فلم أُعْلِمكَ، فأَقِلْني فيما اشتريتُ منك، فقال له الآخر: قد أعلمتني الآن، وقد طَيَّبْتُه لك، قال: فرجع فلم يحتمل قَلْبُهُ، فأتاه، فقال: يا هذا إني لم آتِ هذا الأمر من قبل وجهه، فأُحبُّ أنْ تستردَّ هذا البَيع، قال: فما زال به حتى ردَّ عليه.
وكان يونُس بنُ عبيد إذا طُلِبَ المتاعُ ونَفَقَ، وأرسل يشتريه يقول لمن يشتري له: أَعْلِمْ من تشتري منه أنَّ المتاعَ قد طُلِبَ.
وقال هشامُ بنُ حسّان: ترك محمدُ بن سيرين أربعين ألفًا فيما لا ترون به اليومَ بأسًا (^٣).
وكان الحجاج بنُ دينار قد بعث طعامًا إلى البصرة مع رجلٍ وأمره أنْ يبيعه يَوْمَ يدخل بسعر يومه، فأتاه كتابه: أني قدمت البصرة، فوجدتُ الطعام مبغَّضًا فحبستُه،
_________________
(١) من قوله: «بل تسكن إليه النفس …» إلى هنا سقط من (ص).
(٢) أخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٥١/ ٢٩٧.
(٣) أخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٥٦/ ١٦٥.
[ ٢٦٢ ]
فزاد الطعامُ، فازددتُ (^١) فيه كذا وكذا، فكتب إليه الحجاج: إنَّك قد خُنتنا، وعملتَ بخلافِ ما أمرناك به، فإذا أتاك كتابي، فتصدَّق بجميع ثمن ذَلِكَ الطعام على فقراء البصرة، فليتني أسلم إذا فعلتَ ذلك.
وتنَزَّه يزيدُ بنُ زُريع عن خمس مئة ألف من ميراث أبيه، فلم يأخذه، وكان أبوه يلي الأعمال للسلاطين، وكان يزيدُ يعملُ الخُوص، ويتقوَّتُ منه إلى أنْ مات - ﵀ -.
وكان المِسْوَرُ بنُ مَخرَمَةَ قد احتكر طعامًا كثيرًا، فرأى سحابًا في الخريف
فكرهه، فقال: ألا أُراني قد كرهت ما يَنفعُ المسلمين؟ فآلى أنْ لا يربحَ فيه شيئًا، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب، فقال له عمر: جزاك الله خيرًا (^٢).
وفي هذا أنَّ المحتكر ينبغي له التنَزُّه عن ربح ما احتكره احتكارًا منهيًا عنه. وقد نصَّ الإمامُ أحمد ﵀ على التنزُّه عن ربح ما لم يدخل في ضمانه
لِدخوله في ربح ما لم يضمن، وقد نهى عنه النَّبيُّ - ﷺ - (^٣)، فقال أحمد في رواية عنه فيمن أجَّر ما استأجره بربحٍ: إنَّه يتصدَّق بالربح، وقال في رواية عنه في ربح مال المضاربة إذا خالف فيه المضارب: إنَّه يتصدق به، وقال في رواية عنه فيما إذا اشترى ثمرة
قبل بدو (^٤) صلاحها بشرط القطع، ثم تركها حتّى بدا صلاحها: إنَّه يتصدَّق بالزيادة، وحمله طائفة من أصحابنا على الاستحباب؛ لأنَّ الصدقة بالشبهات مستحب.
وروي عن عائشة - ﵂ -: أنَّها سُئِلَتْ عن أكل الصيدِ للمحرم،
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) أخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦١/ ١٢٣.
(٣) قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحلّ سلفٌ وبيعٌ، ولا شرطان في بيعٍ، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك». أخرجه: أحمد ٢/ ١٧٤ و١٧٨ و٢٠٥، والدارمي (٢٥٦٣)، وأبو داود (٣٥٠٤)، وابن ماجه (٢١٨٨)، والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي ٧/ ٢٨٨ و٢٩٥ وفي " الكبرى "، له (٦٢٠٤) و(٦٢٢٦) و(٦٢٢٧)، والبيهقي ٥/ ٣٤٠ من طرق عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، به، وقال الترمذي: «حسن صحيح».
(٤) سقطت من (ج).
[ ٢٦٣ ]
فقالت: إنَّما هي أيامٌ قلائل فما رابك فدعه (^١)، يعني: ما اشتبه عليك، هل هو حلال أو حرام، فاتركه، فإنَّ الناسَ اختلفوا في إباحة أكل الصيد للمحرم إذا لم يَصِدْه هُوَ.
وقد يستدلُّ بهذا على أنَّ الخروج من اختلاف العلماء أفضلُ (^٢)؛ لأنَّه أبعدُ عن الشبهة،
ولكن المحققون من العلماء من أصحابنا وغيرهم على أنَّ هذا ليس هو على إطلاقه، فإنَّ من مسائل الاختلاف ما ثبت فيه عن النَّبيِّ - ﷺ - رخصة ليس لها معارض، فاتباعُ تلك الرخصة أولى من اجتنابها، وإنْ لم تكن تلك الرخصة بلغت بعضَ العلماء، فامتنع منها لذلك، وهذا كمن تَيَقَّن الطهارة، وشكَّ في الحدث، فإنَّه صحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «لا يَنْصَرِف حتّى يَسمع صوتًا أو يَجِدَ (^٣) ريحًا» (^٤) ولا سيما إنْ كان شكُّه في الصلاة، فإنَّه لا يجوز له قطعُها لِصحة النهي عنه، وإنْ كان بعض العلماء يوجب ذلك.
وإنْ كان للرخصة معارض، إما من سنة أخرى، أو من عمل الأُمَّةِ بخلافها، فالأولى تركُ العمل بها، وكذا لو كان قد عمل بها شذوذٌ من الناس، واشتهر في الأمة العملُ بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة، فإنَّ الأخذ (^٥) بما عليه عملُ المسلمين هو المتعيَّنُ، فإنَّ هذه الأمة قد أجارها الله أنْ يظهر أهلُ باطلها على أهل حَقِّها، فما ظهر العملُ به في القرون الثلاثة المفضلة، فهو الحقُّ، وما عداه فهو باطل.
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزاق (٨٣٢٦).
(٢) وهذا إذا لم يترجح أحد الدليلين، وأما إذا ترجح أحد الدليلين فيؤخذ بالراجح ويترك المرجوح.
(٣) سقطت من (ص).
(٤) أخرجه: الحميدي (٤١٣)، وأحمد ٤/ ٤٠، والبخاري ١/ ٤٦ (١٣٧) و١/ ٥٥ (١٧٧) و٣/ ٧١ (٢٠٥٦)، ومسلم ١/ ١٨٩ (٣٦١) (٩٨)، وأبو داود (١٧٦)، وابن ماجه (٥١٣)، والنسائي ١/ ٩٨ - ٩٩ وفي "الكبرى"، له (١٥٢)، وابن الجارود في " المنتقى " (٣)، وابن خزيمة (٢٥) و(١٠١٨)، والبيهقي ١/ ١١٤ و١٦١، و٢/ ٢٥٤، و٧/ ٣٦٤ من طرق عن عبد الله بن زيد، به. وأخرجه: أحمد ٢/ ٤١٠ و٤١٤ و٤٣٥ و٤٧١، والدارمي (٧٢٧)، ومسلم ١/ ١٩٠
(٥) (٩٩)، وأبو داود (١٧٧)، وابن ماجه (٥١٥) والترمذي (٧٤) و(٧٥)، وابن خزيمة (٢٤) و(٢٨)، والبيهقي ١/ ١١٧ و١٦١ و٢/ ٢٥٤ من طرق عن أبي هريرة، به.
(٦) في (ص): «كان العمل».
[ ٢٦٤ ]
وهاهنا أمر ينبغي التفطنُ له وهو أنَّ التدقيقَ في التوقف عن (^١) الشبهات إنَّما يَصْلُحُ لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعمالُه في التقوى والورع، فأما مَنْ يقع في انتهاك المحرَّمات الظاهرة، ثم يريد أنْ يتورَّعَ عن شيء من دقائق الشُّبَهِ، فإنَّه لا يحتمل له ذلك، بل يُنكر عليه، كما قال ابنُ عمر لمن سأله عن دم البعوض من
أهل العراق: يسألونني عن دم البعوض وقد قتلُوا الحسين، وسمعتُ النَّبيَّ - ﷺ - يقول: «هُمَا رَيحَانَتاي من الدُّنيا» (^٢).
وسأل رجلٌ بشرَ بنَ الحارث عن رجلٍ له زوجةٌ وأُمَّه تأمره بطلاقها، فقال: إنْ كان بَرَّ أمه في كُلِّ شيءٍ، ولم يبق من برِّها إلا طلاقُ زوجته فليفعلْ، وإنْ كان يَبَرُّها بطلاق زوجته، ثم يقوم بعد ذلك إلى أُمِّه، فيضربها، فلا يفعل.
وسئل الإمامُ أحمد ﵀ عن رجلٍ يشتري بقلًا، ويشترط الخُوصة، يعني: التي تربط بها جُرْزَةُ (^٣) البقل، فقال أحمد: أيش هذه المسائل؟! قيل لهُ: إنَّه إبراهيمَ بن أبي نعيم، فقال أحمد: إنْ كان إبراهيمُ بنُ أبي نعيم، فنعم هذا يُشبه ذاك.
وإنَّما أنكر هذه المسائل ممن لا يشبه حاله، وأما أهل التدقيق في الورع فيشبه حالهم هذا، وقد كان الإمام أحمد نفسه يستعمل في نفسه هذا الورع، فإنَّه أمر من يشتري له سمنًا، فجاء به على ورقة، فأمر بردِّ الورقة إلى البائع.
وكان الإمام أحمد لا يستمدُّ من محابر أصحابه، وإنَّما يُخرج معه محبرَةً يستمدُّ منها، واستأذنه رجل أنْ يكتب من محبرته، فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم، واستأذن رجل آخر في ذلك فتبسَّم، وقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا، وهذا قاله على وجه التواضع وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع،
وكان يُنكِرُه على من لم
_________________
(١) عبارة: «التوقف عن» سقطت من (ص).
(٢) أخرجه: الطيالسي (١٩٢٧)، وأحمد ٢/ ٨٥ و٩٣ و١١٤ و١٥٣، والبخاري ٥/ ٣٣
(٣) و٨/ ٨ (٥٩٩٤) وفي " الأدب المفرد "، له (٨٥)، والترمذي (٣٧٧٠)، والنسائي في " الخصائص " (١٤٥)، وأبو يعلى (٥٧٣٩)، وابن حبان (٦٩٦٩)، والطبراني في " الكبير " (٢٨٨٤)، وأبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٧٠ - ٧١ و٧/ ١٦٥، والبغوي
(٤) من طرق عن ابن عمر، به.
(٥) في (ص): «عوزة».
[ ٢٦٥ ]
يَصِلْ (^١) إلى هذا المقام، بل يتسامحُ في المكروهات الظاهرة، ويقدم على الشبهات من غير توقف.
وقوله - ﷺ -: «فإنَّ الخيرَ طُمأنينة وإنَّ الشرَّ ريبة» (^٢) يعني: أنَّ الخيرَ تطمئنُّ به
القلوبُ، والشرَّ ترتابُ به، ولا تطمئنُّ إليه، وفي هذا إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، وسيأتي مزيدٌ لهذا الكلام على حديث النَّواس بن سمعان إنْ شاء الله تعالى (^٣).
وخرَّج ابنُ جرير بإسناده عن قتادة، عن بشير بن كعب: أنَّه قرأ هذه الآية:
﴿فامشُوا في منَاكبِها﴾ (^٤) ثم قال لجاريته: إنْ دَرَيْتِ ما مناكِبُها، فأنت حُرَّةٌ لوجه الله، قالت: مناكبُها: جبالُها، فكأنَّما سُفِعَ في وجهه، ورغب في جاريته، فسألهم، فمنهم من أمره، ومنهم من نهاه، فسأل أبا الدرداء، فقال: الخيرُ طمأنينة والشر ريبة، فذَرْ ما يريبك إلى ما لا يريبك (^٥).
وقوله في الرواية الأخرى: «إنَّ الصدقَ طمأنينةٌ، وإنَّ الكذبَ ريبةٌ» يشير إلى أنَّه لا ينبغي الاعتمادُ على قول كلِّ قائلٍ كما قال في حديث وابصة: «وإنْ أفتاك الناسُ وأفتوكَ» (^٦) وإنَّما يُعْتَمَدُ على قولِ مَنْ يقول الصدقَ،
وعلامةُ الصدق أنَّه تطمئن به القلوبُ، وعلامة الكذب أنَّه تحصل به الريبةُ، فلا تسكن القلوبُ إليه، بل تَنفِرُ منه.
ومن هنا كان العقلاء في عهد النَّبيِّ - ﷺ - إذا سمعوا كلامَه وما يدعو إليه، عرفوا أنَّه صادق، وأنَّه جاء بالحق، وإذا سمعوا كلامَ مسيلمة، عرفوا أنَّه كاذب، وأنَّه جاء بالباطل، وقد رُوي أنَّ عمرو بن العاص سمعه قبلَ إسلامه يَدَّعي أنَّه أُنْزِلَ عليه: يا وَبْرُ يا وَبْرُ، لَكِ أذنان وصَدْر، وإنَّك لتعلم يا عمرو، فقال: والله إني لأعلم أنَّك تَكْذِبُ.
_________________
(١) في (ص): «على من يقبل».
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سيأتي تخريجه عند الحديث السابع والعشرين.
(٤) الملك: ١٥.
(٥) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٢٦٧٣٩) و(٢٦٧٤٢)، وطبعة التركي ٢٣/ ١٢٨ و١٢٩.
(٦) أخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٤٠٣).
[ ٢٦٦ ]
وقال بعضُ المتقدمين: صوِّرْ ما شئتَ في قلبك، وتفكر فيه، ثم قِسه إلى ضدِّه، فإنَّك إذا ميَّزْتَ بينهما، عرفتَ الحقَّ من الباطل، والصدقَ من الكذب، قال: كأنَّك تَصَوَّرُ محمدًا - ﷺ -، ثم تتفكر فيما أتى (^١) به من القرآن فتقرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ (^٢)، ثم تَتَصوَّرُ ضِدَّ محمد - ﷺ -، فتجده مسيلمة، فتتفكر فيما جاء به فتقرأ:
ألا يَا رَبَّة المَخْدَع … قَدْ هُيئ لَكِ المَضْجَعْ
يعني قوله لِسجاح حين تزوَّج بها، قال: فترى هذا - يعني: القرآن - رصينًا
عجيبًا، يلوطُ بالقلب، ويَحْسُنُ في السمع، وترى ذا - يعني: قول مسيلمة - باردًا غثًَّا فاحشًا، فتعلم أنَّ محمدًا حقا أُتِي بوحي، وأنَّ مسيلمة كذَّاب أُتِيَ
بباطل.
_________________
(١) في (ص): «جاء».
(٢) البقرة: ١٦٤.
[ ٢٦٧ ]