عَنْ أبي هُرَيرةَ - ﵁ - عن رَسول اللهِ - ﷺ - قالَ: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليَومِ
الآخرِ، فَلْيَقُلْ خَيرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، فَليُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» رواه البخاريُّ ومُسلمٌ (^١).
هذا الحديث خرَّجاه من طُرُقٍ عن أبي هريرة، وفي بعض ألفاظها: «فلا يؤذ جاره»
وفي بعض ألفاظها: «فليُحسن قِرى ضيفِه»، وفي بعضها: «فليَصِلْ رحمه» بدل ذكر الجار.
وخرَّجاه أيضًا بمعناه من حديث أبي شريح الخزاعي، عن النَّبيِّ - ﷺ - (^٢).
وقد رُوي هذا الحديثُ عن النَّبيِّ - ﷺ - من حديث عائشة (^٣) وابن مسعود (^٤)
وعبد الله بن عمرو (^٥)،
_________________
(١) صحيح البخاري ٨/ ١٣ (٦٠١٨) و٨/ ٣٩ (٦١٣٦)، ٨/ ١٢٥ (٦٤٧٥)، وصحيح مسلم ١/ ٤٩ (٤٧) (٧٤) و(٧٥) و(٧٦). وأخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (٣٦٨) و(٣٧٢)، والطيالسي (٢٣٤٧)، وأحمد ٢/ ٢٦٧ و٢٦٩ و٤٣٣ و٤٦٣، وابن ماجه (٣٩٧١)، وأبو داود (٥١٥٤)، والترمذي (٢٥٠٠)، وابن أبي الدنيا في " مكارم الأخلاق " (٣٢٤)، وفي " الصمت "، له (٤٠)، والبزار (٢٠٣١)، وأبو يعلى (٦٢١٨)، وأبو عوانة (٩٤)، وابن حبان (٥٠٦) و(٥١٦)، وابن منده في " الإيمان " (٢٩٨) و(٢٩٩) و(٣٠٠) و(٣٠١)، والحاكم ٤/ ١٦٤، والقضاعي (٤٦٩)، والبيهقي في " الكبرى " ٨/ ١٦٤، وفي " شعب الإيمان "، له (٩٥٣٢) و(٩٥٣٣)، والبغوي (٤١٢١) من طرق عن أبي هريرة، به.
(٢) أخرجه: البخاري ٨/ ١٣ (٦٠١٩) و٨/ ٣٩ (٦١٣٥) و٨/ ١٢٥ (٦٤٧٦)، ومسلم ٥/ ١٣٧ (٤٨) (١٥) و(١٦).
(٣) أخرجه: أحمد ٦/ ٦٩، والبزار كما في " كشف الأستار " (٣٥٧٥) من طرق عن عمرة، عن عائشة ﵂.
(٤) أخرجه: الطبراني في "الكبير" (١٠٤٤٢) و٢٢/ (١٠٢٤) من طرق عن شقيق، عنه، به.
(٥) أخرجه: أحمد ٢/ ١٧٤ من طريق أبي عبد الرحمان الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، به.
[ ٣١٤ ]
وأبي أيوب الأنصاري (^١)
وابن عباس (^٢) وغيرهم مِنَ
الصَّحابة.
فقوله - ﷺ -: «مَنْ كان يؤمِنُ باللهِ واليوم الآخر» فليفعل كذا وكذا، يدلُّ على أنَّ هذه الخصال مِنْ خصال الإيمان، وقد سبق أنَّ الأعمال تدخلُ في الإيمان، وقد فسَّر النَّبيُّ - ﷺ - الإيمان بالصبر والسماحة (^٣)، قال الحسن: المراد (^٤): الصبر عن المعاصي، والسماحة بالطَّاعة (^٥).
وأعمال الإيمان تارة تتعلَّق بحقوق الله، كأداءِ الواجبات وترك المحرَّمات، ومِنْ ذلك قولُ الخير، والصمتُ عن غيره.
وتارةً تتعلق بحقوق عبادِه كإكرامِ الضيف، وإكرامِ الجارِ، والكفِّ عن أذاه، فهذه ثلاثة أشياء يؤمر بها المؤمن: أحدها: قولُ الخير والصمت عما سواه، وقد روى الطبراني من حديث أسودَ بنِ أصرم المحاربي، قال:
قلت: يا رسول الله أوصني، قال: «هل تملك لسانكَ؟» قلت: ما أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: «فهل تملك يدك؟» قلت: فما أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: «فلا تَقُلْ
بلسانك إلا معروفًا، ولا تبسُط يدَك إلاَّ إلى خير» (^٦).
وقد ورد أنَّ استقامة اللسانِ من خصالِ الإيمان، كما في " المسند " (^٧)
_________________
(١) أخرجه: ابن حبان (٥٥٩٧)، والطبراني في " الكبير " (٣٨٧٣)، والحاكم ٤/ ٢٨٩، والبيهقي في " الكبرى " ٧/ ٣٠٩ من طرق عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن أبي أيوب الأنصاري، به.
(٢) أخرجه: البزار كما في " كشف الأستار " (١٩٢٦)، والطبراني في " الكبير " (١٠٨٤٣) من طرق عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄، به.
(٣) أخرجه: أحمد ٤/ ٣٨٥، وعبد بن حميد (٣٠٠) من طريق شهر بن حوشب، عن عمرو ابن عبسة، به، وشهر ضعيف ولم يسمع من عمرو بن عبسة.
(٤) سقطت من (ص).
(٥) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٢/ ١٥٦.
(٦) أخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ٤٤٤، الطبراني في " الكبير " (٨١٨) من حديث أسود بن أصرم المحاربي، به. وقال البخاري: «في إسناده نظر».
(٧) المسند ٣/ ١٩٨. وأخرجه: ابن أبي الدنيا في " الصمت " (٩)، والقضاعي (٨٨٧)، وإسناده ضعيف لضعف علي بن مسعدة.
[ ٣١٥ ]
عن أنس (^١)، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لا يَستَقيمُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يستقيمَ قلبُه، ولا يستقيم قلبُه حتَّى يستقيمَ لسانُه».
وخرَّج الطبراني (^٢) من حديث أنسٍ (^٣)، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لا يَبْلُغُ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتَّى يَخْزِنَ من لسانه»، وخرَّج الطبراني (^٤)
من حديث معاذ بن جبل، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال:
«إنَّكَ لن تزالَ سالمًا ما سكتَّ، فإذا تكلَّمتَ، كُتِبَ لك أو عليك». وفي " مسند الإمام أحمد " (^٥)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن
النَّبيِّ - ﷺ - قال: «من صمت نجا».
وفي " الصحيحين " (^٦) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتكلَّمُ بالكلمة ما يتبيَّنُ ما فيها، يزِلُّ بها في النَّارِ أبعدَ ما بين المشرقِ والمغرب».
وخرَّج الإمامُ أحمد، والترمذي (^٧) من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال:
_________________
(١) عبارة: «عن أنس» لم ترد في (ص).
(٢) في " الأوسط " (٦٥٦٣)، وفي " الصغير "، له (٩٤٤). وأخرجه: القضاعي (٨٩٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥٠٠٥) و(٥٠٠٦)، وإسناده ضعيف.
(٣) تحرف في (ص) إلى: «علي».
(٤) في " الكبير " ٢٠/ (١٣٧) من طرق عبد الرحمان بن غنم، عن معاذ، به. قال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٠٠: «رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات».
(٥) المسند ٢/ ١٥٩ و١٧٧. وأخرجه: عبد الله بن المبارك في " الزهد " (٣٨٥)، وعبد بن حميد (٣٤٥)، والدارمي
(٦) ، والترمذي (٢٥٠١)، وابن أبي الدنيا في " الصمت " (١٠)، وابن أبي عاصم في " الزهد " (١)، وأبو الشيخ في " الأمثال " (٢٠٧)، والقضاعي (٣٣٤)، = = … والبغوي (٤١٢٩)، ومداره على ابن لهيعة، وهو ضعيف لكن سمعه منه من هو قديم السماع عنه؛ لذا قواه بعضهم لذلك.
(٧) صحيح البخاري ٨/ ١٢٥ (٦٤٧٧)، وصحيح مسلم ٨/ ٢٢٣ (٢٩٨٨) (٤٩) و(٥٠). وأخرجه: أحمد ٢/ ٣٧٩، وابن حبان (٥٧٠٧) و(٥٧٠٨)، والبيهقي ٨/ ١٦٤، وفي " شعب الإيمان "، له (٤٩٥٦) من طرق عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة، به.
(٨) لم يرد في (ص).
[ ٣١٦ ]
«إنَّ الرجلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ لا يرى بها بأسًا يهوي بها سبعين خريفًا في النار» (^١).
وفي " صحيح البخاري " (^٢)
عن أبي هُريرة - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال (^٣): «إنَّ الرَّجُلَ ليتكلمُ بالكلمةِ مِنْ رضوان الله لا يُلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجاتٍ، وإنَّ العبدَ ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في جهنَّم».
وخرَّج الإمام أحمد (^٤) من حديث سليمان بن سُحيم، عن أمِّه، قالت: سمعتُ النَّبيَّ - ﷺ - يقولُ: «إنَّ الرجلَ ليدنو من الجنة حتَّى ما يكونَ بينه وبينَها إلا ذراعٌ فيتكلم بالكلمة، فيتباعد منها أبعدَ مِن صنعاء».
وخرَّج الإمام أحمد، والترمذي، والنَّسائي من حديث بلالِ بنِ الحارث
قال: سمعتُ النَّبيَّ - ﷺ - يقول: «إنَّ أحدكم ليتكلَّمُ بالكلمة مِن رضوان الله ما يَظُنُّ أنْ تَبْلُغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانَه إلى يوم يلقاه، وإنَّ أحدَكُم ليتكلَّمُ بالكلمة من سخط الله ما يظنُّ أنْ تَبْلُغَ
ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سَخطه إلى يوم يلقاه» (^٥).
_________________
(١) حديث صحيح أخرجه: أحمد ٢/ ٢٣٦ و٣٥٥ و٥٣٣، والترمذي (٢٣١٤). وأخرجه: ابن ماجه (٣٩٧١)، وأبو يعلى (٦٢٣٥)، وابن حبان (٥٧٠٦)، والحاكم ٤/ ٥٩٧ من طرق عن أبي هريرة، به.
(٢) الصحيح ٨/ ١٢٥ (١٤٧٨). وأخرجه: أحمد ٢/ ٣٣٤، والبيهقي ٨/ ١٦٥، وابن عبد البر في " التمهيد " ٧/ ١٤٣ - ١٤٤ من طرق عن أبي هريرة، به.
(٣) من قوله: «إن الرجل ليتكلم …» إلى هنا سقط من (ص).
(٤) المسند ٤/ ٦٤ و٥/ ٣٧٧. وأخرجه: ابن أبي الدنيا في " الصمت " (٤٢٩)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني "
(٥) ، وإسناده ضعيف محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن.
(٦) أخرجه: أحمد ٣/ ٤٦٩، والترمذي (٢٣١٩)، والنسائي كما في " تحفة الأشراف " ٢/ ١٢٦ (٢٠٢٨). وأخرجه: مالك (٢٨١٨) برواية الليثي، وعبد الله بن المبارك في " الزهد " (١٣٩٤)، والحميدي (٩١١)، وأحمد في " الزهد " (٨١)، وهناد في " الزهد " (١١٤١)، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ٩٢ (١٨٥٢) وفي " التاريخ الصغير "، له ١/ ٩٤ - ٩٥، وابن ماجه (٣٩٦٩)، وابن حبان (٢٨٠) و(٢٨١) و(٢٨٧)، والطبراني في "الكبير" (١١٢٩) و(١١٣٠) و(١١٣١) و(١١٣٢) و(١١٣٣) و(١١٣٤) و(١١٣٥) و(١١٣٦) و(١١٣٧)، والحاكم ١/ ٤٥ و٤٦، والبيهقي ٨/ ١٦٥، وفي "شعب الإيمان"، له (٤٩٥٧)، وابن عبد البر في " التمهيد " ١٣/ ٥٠، والبغوي (٤١٢٤) و(٤١٢٥)، وقال الترمذي: «حسن صحيح».
[ ٣١٧ ]
وقد ذكرنا فيما سبق حديثَ أمِّ حبيبة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «كلامُ ابنِ آدم عليه لا له، إلا الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر، وذكر الله - ﷿ -» (^١).
فقوله - ﷺ -: «فليقل خيرًا أو ليصمُت» أمر بقول الخير، وبالصمت عمَّا عداه، وهذا يدلُّ على أنَّه ليس هناك كلام يستوي قولُه والصمت عنه، بل إمَّا أنْ يكون خيرًا، فيكون مأمورًا بقوله، وإمَّا أنْ يكون غير خير، فيكون مأمورًا بالصمت عنه، وحديث معاذ وأم حبيبة يدلان على هذا.
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا حديث معاذ بن جبل ولفظه: إنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال له
: «يا مُعاذُ ثكلتك أُمُّكَ وهَلْ تقول شيئًا إلاَّ وهو لك أو عليك» (^٢).
وقد قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ
إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (^٣) وقد أجمع السَّلفُ الصَّالحُ على أنَّ الذي عن يمينه يكتُبُ الحسناتِ، والذي عن شِماله يكتبُ السيئات، وقد رُوي ذلك مرفوعًا من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف (^٤). وفي " الصحيح " (^٥)
عن النَّبيِّ - ﷺ -: «إذا كان أحدُكُم يُصَلِّي، فإنَّه يُناجي
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الصمت " (٦)، وسنده منقطع.
(٣) ق: ١٧ - ١٨.
(٤) أخرجه: الطبراني في " الكبير " ٨/ (٧٧٦٥) و(٧٧٨٧) و(٧٩٧١)، وفي " مسند الشاميين "، له (٤٦٨) و(٥٢٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧٠٤٩) و(٧٠٥٠) و(٧٠٥١).
(٥) صحيح البخاري ١/ ١١٣ (٤١٦). وأخرجه: همام بن منبه في " صحيفته " (١١٩)، وعبد الرزاق (١٦٨٦)، وابن حبان
(٦) ، والبغوي في " شرح السنة " (٤٩٠)، والبيهقي في " الكبرى " ٢/ ٢٩٣ من طرق عن أبي هريرة، به. وأخرجه: الحميدي (٧٢٩)، وابن أبي شيبة (٧٤٤٩)، وأحمد ٣/ ٢٤، وأبو داود
(٧) ، وأبو يعلى (٩٩٣)، وابن خزيمة (٨٨٠) و(٩٢٦)، وابن حبان (٢٢٧٠)، والحاكم ١/ ٢٥٧ من طرق عن أبي سعيد الخدري، به.
[ ٣١٨ ]
ربَّه والملك عن يمينه (^١)». ورُوي من حديث حُذيفة مرفوعًا: «إنَّ عن يمينه كاتب الحسنات» (^٢).
واختلفوا: هل يكتب كلَّ ما تكلَّم به، أو لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عِقاب؟ على قولين مشهورين. وقال عليُّ بنُ أبي طلحة، عن ابن عباس: يكتب كل ما تكلم به من خيرٍ أو شرٍّ حتى إنَّه ليكتب قوله: أكلتُ وشربتُ وذهبتُ وجئتُ، حتّى إذا كان يوم الخميسِ عُرِضَ قوله وعمله فأقرَّ ما كان فيه من خير أو شرٍّ (^٣)، وألقي سائره، فذلك قولُه تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (^٤).
وعن يحيى بن أبي كثير، قال: ركب رجل الحمارَ، فعثر به، فقال: تَعِسَ
الحمارُ، فقال صاحب اليمين: ما هي حسنة أكتبها، وقال صاحبُ الشمال: ما هي من السيئات فأكتبها، فأوحى الله إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحبُ اليمين من شيء، فاكتبهُ، فأثبت في السيئات: «تَعِسَ الحمارُ» (^٥).
وظاهر هذا أنَّ ما ليس بحسنةٍ فهو سيئة، وإنْ كان لا يُعاقب عليها، فإنَّ بعضَ السيئات قد لا يُعاقب عليها (^٦)، وقد تقع مكفرةً باجتناب الكبائر، ولكن زمانها قد خسره صاحبُها حيث ذهب باطلًا، فيحصل له بذلك حسرةٌ في القيامة
وأسف عليه، وهو نوعُ عقوبة.
وخرَّج الإمامُ أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي هُريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «مَا مِنْ قوم يقومون مِنْ مجلس لا يذكُرون الله فيه، إلاَّ قاموا عن مثلِ جِيفة حمار، وكان لهم حسرة» (^٧).
_________________
(١) زاد في (ص): «يكتب الحسنات والذي عن شماله يكتب السيئات».
(٢) أخرجه: ابن أبي شيبة (٧٤٥٥).
(٣) من قوله: «حتى إنه ليكتب …» إلى هنا سقط من (ص).
(٤) الرعد: ٣٩.
(٥) أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٥٤٨٠)، وأبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٧٦، والحسين المروزي في " زياداته على الزهد لابن المبارك " (١٠١٣).
(٦) من قوله: «فإن بعض السيئات …» إلى هنا سقط من (ص).
(٧) أخرجه: أحمد ٢/ ٣٨٩ و٤٩٤ و٥١٥ و٥٢٧، وأبو داود (٤٨٥٥)، والنسائي في " الكبرى " (١٠٢٤١)، وفي " عمل اليوم والليلة "، له (٤٠٣) و(٤٠٨)، وهو حديث قويٌّ. وأخرجه: ابن حبان (٥٩٠) و(٥٩٢) و(٨٥٣)، وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (٤٤٦) وأبو الشيخ في " طبقات المحدّثين بأصبهان " ٣/ ٤٤٨، والحاكم ١/ ٤٩١ - ٤٩٢ و٤٩٢، وأبو نعيم في " الحلية " ٧/ ٢٠٧، وفي " تاريخ أصبهان "، له ٢/ ٢٢٤، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٥٤١) من طرق عن أبي هريرة، به.
[ ٣١٩ ]
وخرَّجه الترمذي (^١) ولفظه: «ما جلسَ قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يُصَلُّوا على نبيهم، إلاَّ كان عليهم تِرَة (^٢)، فإنْ شاء عذبهم، وإنْ شاء غفر لهم».
وفي رواية لأبي داود والنَّسائي: «من قَعَدَ مقعدًا لم يذكر الله فيه كانت عليه
من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعًا لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله ترة» زاد النَّسائي: «ومَنْ قام مقامًا لم يذكر الله فيه، كانت عليه من اللهِ تِرة» (^٣). وخرَّج أيضًا من حديث أبي سعيدٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «ما مِنْ قوم يجلسون مجلسًا لا يذكُرونَ الله فيه إلا كانت عليهم حسرةً يوم القيامة، وإنْ دخلوا الجنَّة» (^٤).
وقال مجاهد: ما جلس قومٌ مجلسًا، فتفرَّقوا قبل أنْ يذكُرُوا الله، إلا تفرَّقوا عن أنتنِ من ريح الجيفة، وكان مجلسُهم يَشهدُ عليهم بغفلتهم، وما جلس قومٌ مجلسًا، فذكروا الله قبل أنْ يتفرَّقوا، إلاَّ تفرَّقوا عن أطيب من ريحِ المسك، وكان مجلسهم يشهدُ لهم بذكرهم.
_________________
(١) في " الجامع الكبير " (٣٣٨٠) وقال: «هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -». وأخرجه: الطيالسي (٢٣١١)، وأحمد ٢/ ٤٤٦ و٤٥٣ و٤٨١ و٤٨٤ و٤٩٥، وأبو داود
(٢) و(٥٠٥٩)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٤٠٤) و(٤٠٥) و(٤٠٦)، وابن حبان (٨٥٣)، والطبراني في " الدعاء " (١٩٢٣) و(١٩٢٤) و(١٩٢٥)، وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (٤٥٠)، والحاكم ١/ ٤٩٦ و٥٥٠، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ١٣٠، والبيهقي ٣/ ٢١٠، وفي " شعب الإيمان "، له (١٥٦٩)، والبغوي (١٢٥٤) و(١٢٥٥) من طرق عن أبي هريرة، به.
(٣) أي: حسرة وندامة يوم القيامة.
(٤) أخرجه: أبو داود (٤٨٥٦)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤٠٤) وفي " الكبرى "، له (١٠٢٣٦) عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، به، وهو حديث صحيح.
(٥) أخرجه: النسائي في " عمل اليوم والليلة " (٤٠٩) و(٤١٠) وفي " الكبرى "، له
(٦) و(١٠٢٤٣) مرفوعًا وموقوفًا، والرواية المرفوعة أقوى.
[ ٣٢٠ ]
وقال بعضُ السَّلف: يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعاتُ عمره، فكلُّ ساعة تمرُّ بابنِ آدمَ (^١) لم يذكر الله فيها تتقطَّعُ نفسه عليها (^٢) حسراتٍ.
وخرَّجه الطبراني (^٣) من حديث عائشة مرفوعًا: «ما مِنْ ساعة تمرُّ بابن آدم لم
يذكرِ الله فيها بخيرٍ، إلا حسرَ عندَها يومَ القيامةِ».
فمن هنا يعلم أنَّ ما ليس بخيرٍ مِنَ الكلامِ، فالسُّكوتُ عنه أفضلُ من التكلم به، اللَّهمَّ إلا ما تدعو إليه الحاجةُ مما لابدَّ منه. وقد روي عن ابن مسعود قال: إيَّاكم وفضولَ الكلام، حسبُ امرئ ما بلغ حاجته (^٤)، وعن النَّخعي قال: يَهلِكُ الناسُ في فضول المال والكلام.
وأيضًا فإنَّ الإكثارَ من الكلام الذي لا حاجة إليه يوجبُ قساوةَ القلب كما في " الترمذي " (^٥) من حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا تُكثِرُوا الكلامَ بغيرِ ذكر الله، فإنَّ كثرةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ الله يُقسِّي القلب، وإنَّ أبعدَ الناس عن الله القلبُ
القاسي».
وقال عمر: مَنْ كَثُرَ كلامُه، كَثُرَ سَقَطُهُ، ومَنْ كَثُرَ سَقَطُه، كَثُرَتْ ذُنوبهُ، ومَن كَثُرَتْ ذنوبُه، كانت النارُ أولى به (^٦). وخرَّجه العقيلي من حديث ابن عمر مرفوعًا بإسنادٍ ضعيفٍ (^٧).
وقال محمد بن عجلان: إنَّما الكلام أربعة: أنْ تذْكُرَ الله، وتقرأ القرآن، وتسأل عن علم فتخبر به، أو تكلَّم فيما يعنيك من أمر دنياك.
_________________
(١) عبارة: «تمرّ بابن آدم» لم ترد في (ج).
(٢) سقطت من (ص).
(٣) في " الأوسط " (٨٣١٦). وأخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٣٦١ - ٦٣٢، وإسناده ضعيف جدًا؛ عمرو بن الحصين العقيلي متروك، وقد تفرد به كما نص عليه الطبراني.
(٤) أخرجه: الطبراني في " الكبير " (٨٥٠٧) موقوفًا.
(٥) الجامع الكبير (٢٤١١)، وقال: «حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب»، وقوله: «غريب» يعني ضعيف.
(٦) أخرجه: ابن حبان في " روضة العقلاء ": ٣٦، والطبراني في " الأوسط " (٦٥٤١)، والقضاعي (٣٧٤).
(٧) أخرجه: العقيلي في " الضعفاء " ٣/ ٣٨٤، وفي إسناده عيسى بن موسى: مجهول، وفيه عمر، قال عنه: «إن كان هذا عمر بن راشد فهو ضعيف، وإن كان غيره فمجهول». وأخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٣/ ٧٤، والقضاعي (٣٧٢) و(٣٧٣) و(٣٧٤).
[ ٣٢١ ]
وقال رجل لسلمان: أوصني، قال: لا تكلَّم، قال: ما يستطيعُ من عاش في الناس أنْ لا يتكلم، قال: فإنْ تكلَّمت، فتكلم بحقٍّ أو اسكُت (^١).
وكان أبو بكر الصديق - ﵁ - يأخذ بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد (^٢).
وقال ابن مسعود: والله الذي (^٣) لا إله إلا هو، ما على الأرض أحقُّ بطول سجنٍ مِنَ اللِّسانِ (^٤). وقال وهب بن منبه: أجمعت الحكماءُ على أنَّ رأسَ الحكمِ الصمتُ (^٥).
وقال شميط بن عجلان: يا ابن آدم، إنَّك ما سكتَّ، فأنت سالمٌ، فإذا تكلمت، فخذ حِذرَك، إمَّا لك وإمَّا عليك (^٦). وهذا بابٌ يطول استقصاؤه.
والمقصود أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أمر بالكلام بالخير، والسُّكوتِ عمَّا ليس بخيرٍ، وخرَّج الإمام أحمدُ وابنُ حبان (^٧) من حديث البراء بن عازب: أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله، علمني عملًا يُدخلُني الجنَّة، فذكر الحديثَ، وفيه قال:
«فأطعم الجائع، واسقِ الظمآن، وأْمُر بالمعروف، وانْهَ عَنِ المُنكر، واسكت عن الشَّرِ (^٨)، فإنْ لم تُطِقْ ذلك، فكفَّ لسانك إلاَّ مِن خيرٍ» (^٩).
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الصمت " (٤٤).
(٢) أخرجه: مالك (٢٨٢٥) برواية يحيى الليثي، وعبد الله بن المبارك في " الزهد " (٣٦٩)، ووكيع بن الجراح في " الزهد " (٢٨٧)، وابن أبي شيبة (٢٦٥٠٠) و(٣٧٠٤٧)، وفي " الأدب "، له (٢٢٢)، وأحمد في " الزهد " (٥٦٢)، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ٣٣، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٤٩٤٧).
(٣) في (ص): «والذي».
(٤) أخرجه: وكيع بن الجراح في " الزهد " (٢٨٥)، وابن أبي شيبة (٢٦٤٩٩)، وفي " الأدب "، له (٢٢١)، وأحمد في " الزهد " (١٦٢)، وابن حبان في " روضة العقلاء ": ٣٩، والطبراني في " الكبير " (٨٧٤٤) و(٨٧٤٥) و(٨٧٤٦) و(٨٧٤٧)، وأبو الشيخ في " الأمثال " (٢٤٤)، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ١٣٤.
(٥) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الصمت " (٦١٩).
(٦) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الصمت " (٦٢٣)، وأبو نعيم في " الحلية " ٣/ ١٢٩.
(٧) تحرف في (ص) إلى: «ابن ماجه».
(٨) عبارة: «واسكت عن الشر» سقطت من (ج).
(٩) أخرجه: أحمد ٤/ ٢٩٩، وابن حبان (٣٧٤). وأخرجه: الطيالسي (٧٣٩)، والبخاري في " الأدب المفرد " (٦٩)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٢٧٤٣) و(٢٧٤٤)، والدارقطني ٢/ ١٣٥، والحاكم ٢/ ٢١٧، والبيهقي ١٠/ ٢٧٢ - ٢٧٣ وفي " شعب الإيمان "، له (٤٣٣٥)، والبغوي (٢٤١٩) من طرق عن عبد الرحمان بن عوسجة، عن البراء بن عازب، به، وهو حديث صحيح.
[ ٣٢٢ ]
فليس الكلامُ مأمورًا به على الإطلاق، ولا السُّكوتُ كذلك، بل لابدَّ منَ الكلامِ بالخير، والسكوت عنِ الشرِّ، وكان السَّلفُ (^١) كثيرًا يمدحُون الصَّمتَ عن الشَّرِّ، وعمَّا لا يعني؛ لِشِدَّته على النفس، ولذلك يقع فيه النَّاسُ كثيرًا، فكانوا يُعالجون أنفسهم، ويُجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم.
قال الفضيلُ بن عياض: ما حجٌّ ولا رِباطٌ ولا جهادٌ أشدَّ مِنْ حبس اللسان، ولو أصبحت يهمُّكَ لسانُك، أصبحتَ في غمٍّ شديد، وقال: سجنُ اللسان سجنُ المؤمن، ولو أصبحت يهمُّك لسانُك، أصبحت في غمٍّ شديد (^٢).
وسئلَ ابنُ المبارك عن قولِ لقمان لابنه: إنَّ كان الكلامُ من فضَّةٍ، فإنَّ الصَّمتَ من ذهبٍ، فقال: معناه: لو كان الكلامُ بطاعة الله من فضة، فإنَّ الصَّمتَ عن معصيةِ الله من ذهبٍ (^٣). وهذا يرجعُ إلى أنَّ الكفَّ عن المعاصي أفضلُ من عمل الطاعات، وقد سبق القولُ في هذا مستوفى.
وتذاكروا عندَ الأحنفِ بنِ قيس، أيُّما أفضل الصمتُ أو النطقُ؟ فقالَ قوم: الصمتُ أفضلُ، فقالَ الأحنفُ: النطقُ أفضل؛ لأنَّ فضلَ (^٤) الصمت لا يعدو صاحبَه،
والمنطق الحسن ينتفع به مَنْ سَمِعَهُ (^٥).
وقال رجلٌ من العلماء عند عمرَ بنِ عبد العزيز ﵀: الصَّامت على علمٍ
_________________
(١) لم ترد في (ص).
(٢) من قوله: «ولو أصبحت يهمك …» إلى هنا سقط من (ص). والأثر أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الصمت " (٦٥١)، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ١١٠.
(٣) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الصمت " (٤٧) من قول نبي الله سليمان - ﵇ -.
(٤) سقطت من (ص).
(٥) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الصمت " (٧١٢).
[ ٣٢٣ ]
كالمتكلم على علمٍ، فقال عمر: إنِّي لأرجو أنْ يكونَ المتكلمُ على علم أفضلهما يوم القيامة حالًا، وذلك أنَّ منفعته للناس، وهذا صمتُه لنفسه، فقال له: يا أمير المؤمنين وكيف بفتنة المنطق (^١)؟ فبكى عمرُ عند ذلك (^٢) بكاءً شديدًا.
ولقد خطب عمر بن عبد العزيز يومًا فرقَّ الناسُ وبكَوا، فقطع خطبته، فقيل له: لو أتممتَ كلامك رجونا أنْ ينفعَ الله به، فقال عمر: إنَّ القولَ فتنة والفعل أولى بالمؤمن من القول.
وكنت من مدَّةٍ طويلةٍ قد رأيتُ في المنام (^٣) أميرَ المؤمنين عمرَ بنَ عبد العزيز - ﵁ -، وسمعته يتكلَّمُ في هذه المسألة، وأظنُّ أنِّي فاوضتُه فيها، وفهمتُ من كلامِه أنَّ التكلُّم بالخير أفضلُ من السُّكوتِ، وأظُنُّ أنَّه وقع في أثناء الكلام ذكرُ سليمان ابن عبد الملك، وأنَّ عمر قال ذلك له، وقد رُويَ عن سليمانَ بن عبد الملك أنَّه قال: الصمت منامُ العقل، والمنطقُ يَقظَتُهُ (^٤)، ولا يتمُّ حالٌ إلا بحالٍ، يعني: لابدَّ من الصَّمت والكلام.
وما أحسنَ ما قال عُبيدُ الله بن أبي جعفر فقيه أهل مصر في وقته، وكان أحدَ الحكماء: إذا كان المرءُ يحدِّث في مجلسٍ، فأعجبه الحديثُ فليسكتْ، وإذا كان ساكتًا، فأعجبه السكوتُ، فليُحدِّث (^٥)،
وهذا حسنٌ فإنَّ من كان كذلك، كان سكوتُه وحديثُه لمخالفة هواه وإعجابه بنفسه، ومن كان كذلك، كان جديرًا بتوفيق الله إيَّاه وتسديده في نطقه وسكوته؛ لأنَّ كلامَه وسكوتَه يكونُ لله - ﷿ -.
وفي مراسيل الحسن، عن النَّبيِّ - ﷺ - فيما يرويه عن ربِّه - ﷿ - قالَ: «علامة الطُّهر أنْ يكونَ قلبُ العبد عندي معلَّقًا، فإذا كانَ كذلك لم ينسني على حال، وإذا كانَ كذلك مننتُ عليهِ بالاشتغال بي كي لا ينساني، فإذا نسيني حرَّكتُ قلبهُ، فإنْ تكلّم،
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) عبارة: «عند ذلك» سقطت من (ص).
(٣) عبارة: «في المنام» سقطت من (ص).
(٤) أخرجه: ابن الدنيا في " الصمت " (٦٩٦).
(٥) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الصمت " (٩٧) و(٢٦٩).
[ ٣٢٤ ]
تكلّم لي، وإن سكتَ، سكتَ لي، فذلك الذي تأتيه المعونةُ من عندي» خرَّجه إبراهيمُ بنُ الجنيد.
وبكلِّ حالٍ، فالتزامُ الصمت مطلقًا، واعتقاده قربة إمَّا مطلقًا، أو في بعض العبادات، كالحجِّ والاعتكاف والصيام منهيٌّ عنه. ورُوي من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّه نهى عن صيامِ الصَّمت (^١). وخرَّج الإسماعيلي من حديث عليٍّ قال: نهانا رسولُ الله - ﷺ - عن الصمت في العُكوفِ، وفي " سنن أبي داود " (^٢) من حديث عليٍّ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «لا صُماتَ يَومٍ إلى الليلِ».
وقال أبو بكر الصديق - ﵁ - لامرأة حَجَّتْ مُصمتَةً: إنَّ هذا لا يَحلُّ هذا من عمل الجاهلية (^٣). وروي عن عليِّ بنِ الحسين زين العابدين أنَّه قال: صومُ الصَّمْتِ حرام (^٤).
الثاني مما أمر به النَّبيُّ - ﷺ - في هذا الحديث المؤمنين: إكرامُ الجار، وفي بعض الرِّوايات: «النهي عن أذى الجار» فأمَّا أذى الجار، فمحرَّمٌ، فإنَّ الأذى بغيرِ حقٍّ محرَّمٌ لكلِّ أحدٍ، ولكن في حقِّ الجار هو أشدُّ تحريمًا، وفي " الصحيحين " (^٥)
عن ابن مسعودٍ،
_________________
(١) أخرجه: أبو حنيفة كما في "جامع المسانيد" للخوارزمي ١/ ٤٧٦ من حديث أبي هريرة، به.
(٢) السنن (٢٨٧٣). وأخرجه: عبد الرزاق (١١٤٥٠)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٦٥٨)، والبيهقي ٦/ ٥٧ و٧/ ٤٦١، وفي إسناده مقال. وأخرجه: أبو حنيفة كما في " جامع المسانيد " للخوارزمي ١/ ٤٧٤ من حديث النَزال بن سبرة، به. وأخرجه: عبد الرزاق (١٣٨٩٩) و(١٥٩١٩) من حديث جابر بن عبد الله، به.
(٣) أخرجه: الدارمي (٢١٢)، والبخاري ٥/ ٥٢ (٣٨٣٤)، موقوفًا عليه.
(٤) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٣/ ١٤٢.
(٥) صحيح البخاري ٦/ ٢٢ (٤٤٧٧)، و٩/ ١٨٦ (٧٥٢٠)، وصحيح مسلم ١/ ٦٣
(٦) (٨٦). وأخرجه: الحميدي (١٠٣)، وسعيد بن منصور (٢٣٠٢)، وأحمد ١/ ٣٨٠ و٤٣١، والنسائي في " الكبرى " (٣٤٧٨) و(١٠٩٨٧) و(١١٣٦٨)، وفي " التفسير "، له
(٧) و(٣٨٩)، وأبو يعلى (٥٠٩٨) و(٥١٣٠) و(٥١٦٧)، والطبري في " تفسيره " (٢٠١٢٣)، والشاشي (٤٨٦) و(٤٨٧) و(٤٩٣) و(٧٧٥) و(٧٧٦) و(٧٧٨)، وابن حبان (٤٤١٤) و(٤٤١٥)، والطبراني في " الكبير " (٩٨١١) و(٩٨١٩) و(٩٨٢٠) و(٩٨٢١)، والدارقطني في " العلل " ٥/ ٢٢٣، والبيهقي في " الكبرى " ٨/ ١٨ من طرق عن عبد الله بن مسعود، به.
[ ٣٢٥ ]
عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه سُئِلَ: أيُّ الذَّنبِ أعظمُ؟ قالَ: «أنْ تجعل للهِ ندًَّا وهو خلقك»، قيل: ثُمَّ أي؟ قالَ: «أنْ تقتُلَ ولدَكَ مخافة أنْ يَطْعَمَ معك»، قيل: ثُمَّ أي؟ قال: «أن تُزَانِي حليلةَ جارك». وفي " مسند الإمام أحمد " (^١) عن المقداد بنِ الأسود قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«ما تقولون في الزنى؟» قالوا:
حرام حرَّمه الله ورسوله، فهو حرامٌ إلى يوم القيامة، فقال رسول الله - ﷺ -: «لأنْ يزني الرَّجلُ بعشرِ نسوةٍ أيسرُ عليه من أنْ يزنيَ بامرأةِ جاره»، قال: «فما تقولون في السَّرقة؟» قالوا: حرَّمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: «لأنْ يَسرِقَ الرجلُ من عشرة أبياتٍ أيسرُ عليه من أنْ يسرق من جاره».
وفي " صحيح البخاري " (^٢) عن أبي شُريح، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «والله لا يُؤْمِنُ، والله لا يُؤْمِنُ، واللهِ لا يؤمنُ» قيل: وَمَنْ يا رسولَ الله؟ قالَ: «مَنْ لا يأْمَنُ جارهُ بوائِقَهُ». وخرَّجه الإمامُ أحمد (^٣)، وغيره من حديث أبي هُريرة.
وفي " صحيح مسلم " (^٤) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لا يَدخُلُ الجنَّة مَنْ لا يَأْمَنُ جارُه بوائقهُ».
وخرَّج الإمامُ أحمد، والحاكم من حديث أبي هُريرة، قال: قيلَ:
يا رسولَ الله إنَّ فُلانةَ تُصلي الليلَ، وتصومُ النهار وفي لسانها شيءٌ تؤذي جيرانها
سليطة، قال:
_________________
(١) المسند ٦/ ٨. وأخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (١٠٣)، وفي " التاريخ الكبير "، له ٧/ ٣٦١
(٢) والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٦٠٥)، وفي " الأوسط "، له (٦٣٣٣) من طرق عن المقداد بن الأسود، به، وإسناده لا بأس به.
(٣) الصحيح ٨/ ١٢ (٦٠١٦). وأخرجه: الطيالسي (١٣٤٠)، وأحمد ٤/ ٣١، و٦/ ٣٨٥، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٤٨٧)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٩٥٣٤) وفي " الآداب "، له (٧٧) من طرق عن سعيد المقبري، عن أبي شريح، به.
(٤) المسند ٢/ ٢٨٨ و٣٣٦. وأخرجه: البخاري عقيب الحديث (٦٠١٦)، والحاكم ١/ ١٠، و٤/ ١٦٥ من طرق عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، به.
(٥) الصحيح ١/ ٤٩ (٤٦) (٧٣). وأخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (١٢١) من طريق العلاء بن عبد الرحمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.
[ ٣٢٦ ]
«لا خير فيها، هي في النار»، وقيل له: إنَّ فلانة تُصلي المكتوبةَ، وتصومُ رمضانَ، وتتصدَّقُ بالأثوارِ، وليس لها شيء غيره، ولا تؤذي أحدًا، قال: «هي في الجنة» ولفظ الإمام أحمد: «ولا تؤذي بلسانها جيرانها» (^١).
وخرَّج الحاكمُ (^٢) من حديث أبي جُحيفة قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ - ﷺ - يشكو جارَه، فقال له: «اطرح متاعَك في الطَّريق»، قال: فجعل النَّاسُ يمرُّون به فيلعنونه، فجاء إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فقال: يا رسولَ الله، ما لقيتُ من الناس، قال
: «وما لقيتَ منهم؟» قال: يلعنوني، قال: «فقد لعنك الله قبلَ النَّاسِ»، قال: يا رسولَ الله، فإني لا أعود. وخرَّجه أبو داود (^٣)
بمعناه من حديث أبي هريرة، ولم يذكر فيه: «فقد لعنك الله قبل الناس».
وخرَّج الخرائطي من حديث أمِّ سلمة، قالت: دخلت شاةٌ لجارٍ لنا، فأخذت
قرصةً لنا، فقمت إليها فاجتذبتها من بين لحْيَيْهَا، فقال رسول الله - ﷺ -
: «إنَّه لا قليلَ من أذى الجار» (^٤).
وأمَّا إكرامُ الجارِ والإحسانُ إليه، فمأمورٌ به، وقد قال الله - ﷿ -: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٢/ ٤٤٠، والحاكم ٤/ ١٦٦. وأخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (١١٩)، والبزار كما في " كشف الأستار "
(٢) ، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (٣٨٥) و(٦١٦)، وابن حبان (٥٧٦٤)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٩٥٤٥) و(٩٥٤٦)، وفي إسناده أبو يحيى، مولى آل جعدة مقبول حيث يتابع ولم يتابع.
(٣) المستدرك ٤/ ١٦٦. وأخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (١٢٥)، والبزار كما في " كشف الأستار "
(٤) ، وفي إسناده شريك القاضي ضعيف عند التفرد.
(٥) السنن (٥١٥٣). وأخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (١٢٤)، وابن حبان (٥٢٠)، والحاكم ٤/ ١٦٥ - ١٦٦ من طرق عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، به، ومحمد بن عجلان قال عنه الحافظ في " التقريب " (٦١٣٦): «صدوق إلاَّ أنَّه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة».
(٦) أخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٣/ (٥٣٥)، وأبو نعيم في " الحلية " ١٠/ ٢٧ من حديث أم سلمة ﵂، به. قال الهيثمي في " المجمع " ٨/ ١٧٠: «ورجاله ثقات».
[ ٣٢٧ ]
وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (^١)، فجمع الله تعالى في هذه الآية بين ذكرِ حقِّه على العبد وحقوقِ العباد على العبد أيضًا، وجعل العبادَ الذين أمرَ بالإحسّان إليهم خمسة أنواع:
أحدها: من بينَه وبينَ الإنسان قرابةٌ، وخصَّ منهمُ الوالدين بالذِّكر؛ لامتيازهما عن سائر الأقارب بما لا يَشْرَكونهما فيه، فإنَّهما كانا السببَ في وجود الولد ولهما حقُّ التربية والتأديب وغير ذلك.
الثاني: مَنْ هو ضعيفٌ محتاجٌ إلى الإحسَّان، وهو نوعان: من هو محتاج لضعف
بدنه، وهو اليتيم، ومن هو محتاج لِقِلَّةِ ماله، وهو المسكين.
والثالث: مَنْ له حقُّ القُرب والمخالطة، وجعلهم ثلاثة أنواع: جارٌ ذو قربى، وجار جُنبٌ، وصاحبٌ بالجنب.
وقد اختلف المفسرون في تأويل ذلك، فمنهم مَن قال: الجارُ ذو القربى: الجارُ الذي له قرابةٌ، والجارُ الجُنب: الأجنبيُّ (^٢)، ومنهم من أدخل (^٣) المرأةَ في الجارِ ذي القربى، ومنهم من أدخلها في الجار الجُنب (^٤)، ومنهم من أدخل الرَّفيقَ في السَّفر في الجارِ الجُنب (^٥)، وقد روي عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه كان يقول في دعائه: «أعوذُ بكَ من جارِ السُّوءِ في دار الإقامة، فإنَّ جار البادية يتحوَّلُ» (^٦).
ومنهم من قال: الجارُ ذو القربى: الجار المسلم، والجارُ الجنب: الكافر
_________________
(١) النساء: ٣٦.
(٢) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٧٤٨٥) و(٧٤٨٦) و(٧٤٨٧) (٧٤٩٤)، وابن أبي حاتم في " تفسيره " (٥٢٩٦) و(٥٢٩٩).
(٣) عبارة: «من أدخل» سقطت من (ص).
(٤) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٧٥١٢) و(٧٥١٥)، وابن أبي حاتم في " تفسيره "
(٥) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٧٥٠٢) و(٧٥٠٣)، وابن أبي حاتم في " تفسيره "
(٦) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٥٤٢١)، وأحمد ٢/ ٣٤٦، والبخاري في " الأدب المفرد "
(٧) ، والنسائي ٨/ ٢٧٤، وأبو يعلى (٦٥٣٦)، وابن حبان (١٠٣٣)، والحاكم ١/ ٥٣٢، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٩٥٥٣)، وهو حديث قويٌّ.
[ ٣٢٨ ]
(^١)،
وفي " مسند البزار " (^٢) من حديث جابر مرفوعًا: «الجيرانُ ثلاثةٌ: جارٌ له حقٌّ واحدٌ، وهو أدنى الجيران حقًا (^٣)، وجارٌ له حَقَّان، وجار له ثلاثةُ حقوق وهو أفضلُ الجيران حقًا، فأمَّا الذي له حقٌّ واحدٌ، فجارٌ مشرك، لا رَحِمَ له، له حقُّ الجوار، وأمَّا الذي له حقَّان، فجارٌ مسلمٌ، له حقُّ الإسلام وحقُّ الجوار، وأمَّا الذي له ثلاثةُ حقوقٍ، فجار مسلمٌ ذو رحم، له حقُّ الإسلام، وحقُّ الجوار،
وحقُّ الرحم». وقد روي هذا الحديثُ من وجوه أُخر متصلة ومرسلة (^٤)، ولا تخلو كلُّها مِنْ مقالٍ.
وقيل: الجار ذو القربى: هو القريبُ الملاصق، والجار الجُنُب: البعيد الجوار (^٥).
وفي " صحيح البخاري " (^٦)
عن عائشة، قالت: قلت: يا رسولَ الله، إنَّ لي جارين، فإلى أيهما أُهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابًا».
وقال طائفة من السَّلف: حَدُّ الجوارِ أربعون دارًا، وقيل: مستدار أربعين دارًا من كلِّ جانب (^٧).
_________________
(١) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٧٤٩٢) و(٧٥٠١)، وابن أبي حاتم في " تفسيره "
(٢) كما في " كشف الأستار " (١٨٩٦) من طريق الحسن، عن جابر بن عبد الله، به، والحسن لم يسمع من جابر.
(٣) عبارة: «وهو أدنى الجيران حقًا» سقطت من (ص).
(٤) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٢٠٧ من طريق الحسن، عن جابر بن عبد الله، به. وأخرجه: ابن أبي الدنيا في " مكارم الأخلاق " (٣٤١) من طريق سعيد بن أبي هلال، وإسناده معضل.
(٥) انظر: المحرر الوجيز ٤/ ٥١، وتفسير البغوي ١/ ٦١٦، وتفسير القرطبي ٥/ ١٨٤.
(٦) الصحيح ٣/ ١١٥ (٢٢٥٩) و٣/ ٢٠٨ (٢٥٩٥) و٨/ ١٣ (٦٠٢٠). وأخرجه: عبد الله بن المبارك في " مسنده " (١٠) وفي " الزهد "، له (٧٢٠)، والطيالسي (١٥٢٩)، وإسحاق بن راهويه (١٣٦٧)، وأحمد ٦/ ١٧٥ و١٨٧ و١٩٣ و٢٣٩، والحسين المروزي في زياداته على " البر والصلة " لابن المبارك (٢٤٤) و(٢٥٩)، والبخاري في " الأدب المفرد " (١٠٧) و(١٠٨)، وأبو داود (٥١٥٥)، وابن أبي الدنيا في " مكارم الأخلاق " (٣٣٦)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٢٧٩٧)، والخرائطي في " مكارم الأخلاق ": ٣٩، والحاكم ٤/ ١٦٧، والبيهقي في " الكبرى " ٦/ ٢٧٥ و٧/ ٢٨، والخطيب في " تاريخه " ٧/ ٢٧٥ من طرق عن طلحة بن عبد الله، عن عائشة ﵂، به.
(٧) ذكره: ابن عطية في " تفسيره " ٤/ ٥١، والقرطبي في " تفسيره " ٥/ ١٨٥. والقول الثاني للأوزاعي.
[ ٣٢٩ ]
وفي مراسيل الزهري (^١): أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ - ﷺ - يشكو جارًا له، فأمر النَّبيُّ - ﷺ - بعضَ أصحابه (^٢) أنْ يُنادي: «ألا إنَّ أربعين دارًا جار». قال الزهري (^٣): أربعونَ هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، يعني: بين يديه، ومِن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله (^٤).
وسئل الإمام أحمد عمَّن يطبخ قدرًا (^٥) وهو في دارِ السبيل، ومعه في الدار نحو ثلاثين أو أربعين نفسًا، يعني: أنَّهم سكان معه في الدار، فقال: يبدأ بنفسه، وبمن يعولُ، فإنْ فضلَ فضلٌ أعطى الأقرب إليه، وكيف يُمكنه أنْ يُعطِيَهم كلَّهم؟ قيل له: لعلَّ الذي هو جاره يتهاون بذلك القدر ليس له عنده موقع؟ فرأى أنَّه لا يبعث إليه (^٦).
وأمَّا الصَّاحبُ بالجنب، ففسره طائفةٌ بالزَّوجة (^٧)، وفسره طائفةٌ منهم: ابن عباس بالرَّفيق في السفر (^٨)، ولم يريدوا إخراجَ الصاحب الملازم في الحضر إنَّما أرادوا أنَّ صحبة السفر تكفي، فالصحبة الدائمة في الحضر أولى، ولهذا قالَ سعيدُ بن جبير: هوَ الرفيق الصالحُ (^٩)، وقال زيدُ بن أسلم: هوَ جليسُك في الحضر، ورفيقُك في السَّفر (^١٠)، وقال ابنُ زيدٍ: هوَ الرَّجلُ يعتريك
_________________
(١) ومراسيله من أضعف المراسيل، وهو ومن في طبقته فإنَّ مراسيلهم ألصق بالمعضل من المرسل من أجل أنَّ أكثر حديثهم حملوه عن التابعين، والله أعلم.
(٢) عبارة: «بعض أصحابه» سقطت من (ص).
(٣) لم يرد في (ص).
(٤) أخرجه: أبو داود في " المراسيل " (٣٥٠) وورد موصولًا أخرجه: الطبراني في " الكبير " ١٩/ (١٤٣) من طريق الزهري، عن عبد الرحمان بن كعب بن مالك، عن أبيه، به؛ لكن إسناده ضعيف جدًا؛ فإنَّ فيه يوسف بن السفر متروك.
(٥) سقطت من (ص).
(٦) أخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (١٠٩) عن الحسن، به.
(٧) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٧٥١٢) - (٧٥١٥)، وابن أبي حاتم في " تفسيره "
(٨) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٧٥٠٢) - (٧٥٠٦)، وابن أبي حاتم في " تفسيره "
(٩) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٧٥١٠)، وابن أبي حاتم " تفسيره " (٥٣٠٧).
(١٠) أخرجه: ابن أبي حاتم في " تفسيره " (٥٣٠٥).
[ ٣٣٠ ]
ويُلِمُّ بك لتنفعه (^١). وفي " المسند " والترمذي عن عبد الله بنِ عمرو بن العاص، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال:
«خيرُ الأصحابِ عندَ الله خيرُهُم لصاحبه، وخير الجيرانِ عندَ الله خيرُهم لجاره» (^٢).
الرابع: من هو واردٌ على الإنسان، غيرُ مقيم عندَه، وهو ابن السبيل يعني: المسافر إذا ورد إلى بلدٍ آخر (^٣)، وفسَّره بعضُهم بالضَّيف، يعني: به ابنَ السبيل إذا نزل ضيفًا (^٤) على أحد (^٥).
والخامس: ملكُ اليمين، وقد وصَّى النَّبيُّ - ﷺ - بهم كثيرًا وأمر بالإحسانِ إليهم، وروي أنَّ آخرَ ما وصَّى به عند موته: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» (^٦)، وأدخل
بعضُ السَّلف في
_________________
(١) ذكره: ابن عطية في " تفسيره " ٤/ ٥٣، وابن الجوزي في " زاد المسير " ٢/ ٨٠، وأبو حيان في " البحر المحيط " ٣/ ٢٥٥.
(٢) أخرجه: أحمد ٢/ ١٦٨، والترمذي (١٩٤٤)، وقال الترمذي: «حسن غريب». وأخرجه: سعيد بن منصور (٢٣٨٨)، وعبد بن حميد (٣٤٢)، والدارمي (٢٤٣٧)، والبخاري في " الأدب المفرد " (١١٥)، وابن أبي الدنيا في " مكارم الأخلاق " (٢٨١) و(٣٣٠)، والطبري في " تفسيره " (٧٥١٩)، وابن خزيمة (٢٥٣٩)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٢٨٠٠) و(٢٨٠١)، وابن حبان (٥١٨) و(٥١٩)، والحاكم ١/ ٤٤٣ و٢/ ١٠١ و٤/ ١٦٤، والقضاعي (١٢٣٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٥٤١) و(٩٥٤٢)، والخطيب في " تاريخه " ١٢/ ٢٨ من طرق عن أبي عبد الرحمان عبد الله بن يزيد الحبلي، عن عمرو بن العاص، به. إلا أن في "مستدرك الحاكم" ٤/ ١٦٤، من طريق شرحبيل بن مسلم، عن عمرو بن العاص، به.
(٣) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٧٥٢٠)، وابن أبي حاتم في " تفسيره " (٥٣٠٩).
(٤) سقطت من (ص).
(٥) أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٧٥٢٢) و(٧٥٢٣)، وابن أبي حاتم في " تفسيره "
(٦) أخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ٢/ ١٩٥، وأحمد ٣/ ١١٧، وعبد بن حميد (١٢١٤)، وابن ماجه (٢٦٩٧)، والنسائي في " الكبرى " (٧٠٩٤) و(٧٠٩٥) و(٧٠٩٦)، وأبو يعلى (٢٩٣٣) و(٢٩٩٠)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٣٢٠١) و(٣٢٠٢)، وابن حبان (٦٦٠٥)، والحاكم ٣/ ٥٧، والبيهقي في " شعب الإيمان "
(٧) ، وفي " دلائل النبوة "، له ٧/ ٢٠٥، والخطيب في " تاريخه " ٤/ ٢٣٩، والضياء في " المختارة " (٢١٥٥) و(٢١٥٦) و(٢١٥٧)، وفي إسناده مقال.
[ ٣٣١ ]
هذه الآية: ما يملكُهُ الإنسان من الحيوانات والبهائم (^١).
ولنرجع إلى شرح (^٢) حديث أبي هريرة في إكرام الجار، وفي "الصحيحين" (^٣) عن عائشة وابن عمر، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «ما زال جبريل يُوصيني بالجارِ حتَّى ظننتُ أنَّه سيورِّثُه».
فمن أنواع الإحسَّان إلى الجارِ مواساتُه عندَ حاجته، وفي " المسند " (^٤)
عن عمر، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لا يَشْبَعُ المؤمنُ دُونَ جارِه»،
وخرَّج الحاكم من حديث ابنِ عباس عنِ النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لَيْسَ المؤمن الذي يشبعُ وجارُه جائعٌ» (^٥)، وفي رواية أخرى عن ابن عباس، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «ما آمن مَنْ بات شبعانًا وجارُهُ طاويًا» (^٦).
وفي " المسند " (^٧) عن عقبة بن عامر، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «أوَّل خصمينِ يومَ القيامةِ جاران».
وفي كتاب " الأدب " (^٨)
_________________
(١) ذكره: ابن الجوزي في " زاد المسير " ٢/ ٨٠.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) أخرجه: البخاري ٨/ ١٢ (٦٠١٤)، ومسلم ٨/ ٣٦ (٢٦٢٤) (١٤٠).
(٤) مسند الإمام أحمد ١/ ٥٥. وأخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (٥١٣) و(٥١٤) و(٥١٥)، والحاكم ٤/ ١٦٧، وأبو نعيم في "الحلية" ٩/ ٢٧ من طريق عباية بن رفاعة، عن عمر، به، وفي إسناده اختلاف. وقد ورد عند أبي نعيم: «عباية، عن رفاعة» وهو خطأ، والصواب: «عباية بن رفاعة» انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٨٠ (٣١٣٧).
(٥) أخرجه: الحاكم ٤/ ١٦٧، وقال: «صحيح الإسناد»، ولم يتعقبه الذهبي. = = … وأخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (١١٢)، وابن أبي الدنيا في " مكارم الأخلاق "
(٦) ، وأبو يعلى (٢٦٩٩)، والطبراني في " الكبير " ١٢/ (١٢٧٤١).
(٧) أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٢/ ٥١٢، وإسناده ضعيف لضعف خكيم بن جبير وأخرجه: البزار كما في "كشف الأستار" (١١٩) من طريق علي بن زيد، عن أنس، به. وعلي بن زيد ضعيف. وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (٧٥١) من طريق ثابت عن أنس؛ لكن قال أبو حاتم: «منكر جدًا». علل الحديث (٢٢٩٤).
(٨) مسند الإمام أحمد ٤/ ١٥١. وأخرجه: الطبراني في " الكبير " ١٧/ (٨٣٦) و(٨٥٢)، وهو حديث قويٌّ.
(٩) الأدب المفرد (١١١). وأخرجه: ابن أبي الدنيا في " مكارم الأخلاق " (٣٤٦)، والأصبهاني في " الترغيب والترهيب " (٨٤٨)، وهو حديث قويٌّ.
[ ٣٣٢ ]
للبخاري عن ابن عمر، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «كم من جارٍ متعلِّقٌ بجاره يوم القيامة، فيقول: يا ربِّ هذا أغلقَ بابه دوني فمنع
معروفه».
وخرَّج الخرائطي (^١) وغيرُه بإسنادٍ ضعيف من حديث عطاءٍ الخراساني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن، جدِّه عن النَّبيِّ - ﷺ -: «من أغلقَ بابَه دونَ جارِه مخافةً على أهله ومالِه، فليس ذلك بمؤمنٍ، وليس بمؤمن من لم يأمنْ جارُه بوائقه. أتدري ما حقُّ الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر، عُدْتَ عليهِ، وإذا مَرِضَ عُدته، وإذا أصابه خير هنأته، وإذا أصابته مُصيبةٌ عزَّيته، وإذا ماتَ اتبعتَ جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء، فتحجبَ عنه الرِّيح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بقُتار قدرك إلاَّ أنْ تَغرفَ له منها، وإنِ اشتريتَ فاكهةً، فاهد له، فإنْ لم تفعل، فأدخلها سرًَّا، ولا يخرج بها ولدُك ليغيظَ بها ولدَه»
ورَفْعُ هذا الكلام مُنكرٌ، ولعلَّه من تفسير عطاء الخراساني.
وقد روي أيضًا عن عطاء، عن الحسن، عن جابر مرفوعًا: «أدنى حقِّ الجوار أنْ لا تُؤذي جارَك بقتارِ قِدْرِك إلاَّ أنْ تَقدَحَ له منها» (^٢).
وفي " صحيح مسلم " (^٣)
عن أبي ذرٍّ قال: «أوصاني خليلي - ﷺ -: إذا طبختَ مرقًا، فأكثِر ماءهُ، ثم انظُر إلى أهلِ (^٤) بيتِ جيرانِك،
_________________
(١) في " مكارم الأخلاق " (١٠٤).
(٢) والحسن لم يسمع من جابر، والحديث أخرجه: البزار كما في " كشف الأستار "
(٣) ، والطبراني في " الأوسط " (٣٥٩١) من طريق أبي سفيان، عن جابر، به، وإسناده ضعيف أيضًا.
(٤) الصحيح ٨/ ٣٧ (٢٦٢٥) (١٤٢) و(١٤٣). وأخرجه: الطيالسي (٤٥٠)، والحميدي (١٣٩)، وأحمد ٥/ ١٤٩ و١٥٦ و١٦١ و١٧١، والدارمي (٢٠٧٩)، والبخاري في " الأدب المفرد " (١١٣) و(١١٤)، وابن ماجه
(٥) ، والترمذي (١٨٣٣)، وأبو عوانة (١٥٢٦)، وابن حبان (٥١٣) و(٥١٤) و(٥٢٣)، والبغوي (١٦٨٩) من طرق عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، به.
(٦) سقطت من (ص).
[ ٣٣٣ ]
فأصِبْهُم منها بمعروفٍ». وفي رواية أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «يا أبا ذرٍّ إذا طبخت مرقةً (^١)، فأكثِر ماءها، وتعاهد جيرانَك».
وفي " المسند " والترمذي (^٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّه ذبح شاةً، فقال: هل أهديتُم منها لجارنا اليهودي ثلاثَ مرَّات، ثم قال: سمعتُ النَّبيَّ - ﷺ - يقول: «ما زال
جبريلُ يوصيني بالجار حتَّى ظننت أنه سَيُورِّثُه».
وفي " الصحيحين " (^٣) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لا يَمنَعَنَّ أحدُكم جَارَه أن يَغْرِزَ خَشبَةً في جداره»،
ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها مُعرِضين، والله لأرمِيَنَّ بها بين أكتافكم.
ومذهبُ الإمامِ أحمد أنَّ الجار يلزمه أنْ يُمَكِّنَ جاره من وضع خشبه على جداره إذا احتاجَ الجارُ إلى ذلك ولم يضرَّ بجداره، لهذا الحديث الصحيح،
وظاهرُ كلامه أنَّه يجب عليه أنْ يُواسِيهَ من فضل ما عندَه بما لا يضرُّ به إذا علم حاجته (^٤).
قال المروذي: قلتُ لأبي عبد الله: إني أسمع السائل في الطريق يقول: إنِّي جائع، فقال: قد يَصدُق وقد يَكذِبُ. قلت: فإذا كان لي جار أعلم أنَّه يجوعُ؟ قال: تواسيه، قلت: إذا كان قوتي رغيفين؟ قال: تُطعمه شيئًا، ثم قال: الذي جاء في الحديث إنَّما هو الجارُ.
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) أخرجه: أحمد ٢/ ١٦٠، والترمذي (١٩٤٣)، وقال الترمذي: «حسن غريب». وأخرجه: الحميدي (٥٩٣)، وابن أبي شيبة (٢٥٤١٧)، والبخاري في " الأدب المفرد " (١٠٥) و(١٢٨)، وأبو داود (٥١٥٢)، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (٣٢١)، والخرائطي في " مكارم الأخلاق ": ٣٦ - ٣٧، والطبراني في " الأوسط " (٢٤٢٤)، وأبو نعيم في " الحلية " ٣/ ٣٠٦ من طرق عن مجاهد بن جبر، عن عبد الله بن عمرو، به.
(٣) صحيح البخاري ٣/ ١٧٣ (٢٤٦٣) و٧/ ١٤٥ (٥٦٢٧)، وصحيح مسلم ٥/ ٥٧
(٤) (١٣٦).
(٥) انظر: المغني ٥/ ٣٧.
[ ٣٣٤ ]
وقال المروذي: قلتُ لأبي عبد الله: الأغنياءُ يجبُ عليهمُ المواساة؟ قال: إذا كان قوم يضعون شيئًا على شيءٍ كيف لا يجبُ عليهم، قلت: إذا كان للرجل قميصان، أو قلت: جُبَّتان، يجب عليه المواساة؟ قال: إذا كان يحتاج إلى أنْ يكون فضلًا.
وهذا نصٌّ منه في وجوب المواساة من الفاضل، ولم يخصَّه بالجار، ونصُّه الأوَّل (^١) يقتضي اختصاصه بالجار.
وقال في رواية ابن هانئ في السُّؤال يكذِبُون أحبُّ إلينا لو صدقوا ما وَسِعَنا إلا مواساتُهم، وهذا يدلُّ على وجوب مواساة الجائع مِنَ الجيران، وغيرهم.
وفي " الصحيح " عن أبي موسى، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «أطعِموا الجائع، وعُودُوا المريضَ، وفُكُّوا العاني» (^٢).
وفي " المسند " و" صحيح الحاكم " عن ابن عمرَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال
: «أيُّما أهل عَرَصةٍ أصبحَ فيهم امرؤٌ جائع، فقد برئت منهم ذِمَّةُ الله - ﷿ -» (^٣).
ومذهب أحمدَ ومالكٍ أنَّه يمنع الجار أنْ يتصرَّف في خاصِّ ملكه بما يضرُّ
بجاره، فيجبُ عندهما كفُّ الأذى عن الجار بمنعِ إحداث الانتفاع المضرِّ به، ولو كان المنتفعُ إنَّما ينتفعُ (^٤) بخاصِّ ملكه، ويجب عندَ أحمد أنْ يبذُلَ لجاره ما يحتاجُ إليه، ولا ضررَ عليه في بَذله (^٥)، وأعلى مِنْ هذين أنْ يصبر على أذى جاره، ولا يُقابله بالأذى.
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) صحيح البخاري ٤/ ٨٣ (٣٠٤٦) و٧/ ٣١ (٥١٧٤) و٧/ ٨٧ (٥٣٧٣) و٧/ ١٥٠
(٣) و٩/ ٨٨ (٧١٧٣). وأخرجه: الطيالسي (٤٨٩)، وعبد الرزاق (٣٣٣) و(٦٧٦٣)، وأحمد ٤/ ٣٩٤ و٤٠٦، وعبد بن حميد (٥٥٤)، والدارمي (٢٤٦٥)، وأبو داود (٣١٠٥)، والنسائي في " الكبرى " (٧٤٩٢) و(٨٦٦٦)، من طرق عن أبي وائل، عن أبي موسى الأشعري، به.
(٤) أخرجه: أحمد ٢/ ٣٣، والحاكم ٢/ ١١ - ١٢، وإسناده ضعيف لجهالة أحد رواته، ومتنه لا يخلو من نكارة. وأخرجه: البزار كما في " كشف الأستار " (١٣١١)، وأبو يعلى (٥٧٤٦)، والطبراني في " الأوسط " (٨٤٢٦)، وأبو نعيم في " الحلية " ٦/ ١٠١.
(٥) عبارة: «إنما ينتفع» سقطت من (ص).
(٦) انظر: المغني ٣٧ - ٣٨.
[ ٣٣٥ ]
قال الحسن: ليس حسنُ الجوار كفَّ الأذى، ولكن حسن الجوار احتمالُ الأذى، ويُروى من حديث أبي ذرٍّ يرفعه: «إنَّ الله يحبُّ الرَّجل يكونُ له الجارُ يؤذيه جِوارُه، فيصبر على أذاه حتى يُفرِّقَ بينهما موتٌ أو ظعنٌ» خرَّجه الإمام أحمد (^١).
وفي مراسيل أبي عبد الرحمان الحبلي: أنَّ رجلًا جاء إلى النَّبيِّ - ﷺ - يشكو إليه جارَه، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «كفَّ أذاكَ عنه، واصبِرْ لأذاه، فكفى بالموت مفرِّقًا» خرَّجه ابن أبي الدنيا (^٢).
الثالث ممَّا أمر به النَّبيُّ - ﷺ - المؤمنين: إكرامُ الضيف، والمرادُ: إحسّانُ ضيافته، وفي "الصحيحين" (^٣)
من حديث أبي شُريح، قال: أبصَرَتْ عيناي رسولَ الله - ﷺ -، وسمعتهُ أذنايَ حينَ تكلَّم به قال: «مَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ واليوم الآخر، فليُكْرِمْ ضيفَه جائزته» قالوا: وما جائزته؟ قال: «يَومٌ وليلة» قال: «والضيافةُ ثلاثةُ أيام، وما كان بعد ذلك، فهو صدقة».
وخرَّج مسلم من حديث أبي شُريح أيضًا، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «الضيافة ثلاثةُ أيَّام، وجائزتُه يومٌ وليلةٌ، وما أنفق عليه بعد ذلك، فهو صدقةٌ، ولا يَحِلُّ له أنْ يَثْوِي عندَه حتى يُؤْثِمهُ»، قالوا: يا رسول الله وكيف يُؤثِمُهُ؟ قالَ: «يُقيم عنده ولا شيءَ لهُ
يقرِيه به» (^٤).
وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي سعيدٍ الخدري - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال:
«مَنْ كان يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليُكرِمْ ضَيفهُ». قالها ثلاثًا، قالوا: وما
_________________
(١) في " المسند " ٥/ ١٥١ من طريق ابن الأحمس، عن أبي ذر، به. وأخرجه: ابن المبارك في " الجهاد " (٤٧)، والطيالسي (٤٦٨)، والبزار (٣٩٠٨)، والطبراني في " الكبير " (١٦٣٧) من طرق عن أبي ذر، به.
(٢) في " مكارم الأخلاق " (٣٢٨)، وإسناده ضعيف لضعف رشدين بن سعد ولإرساله.
(٣) صحيح البخاري ٨/ ١٣ (٦٠١٩) و٨/ ٣٩ (٦١٣٥)، وصحيح مسلم ٥/ ١٣٧ - ١٣٨
(٤) (١٤). وأخرجه: مالك (٢٦٨٧) برواية الليثي، والحميدي (٥٧٦)، وأحمد ٤/ ٣١ و٦/ ٣٨٥، وعبد بن حميد (٤٨٢)، وأبو داود (٣٧٤٨)، والترمذي (١٩٦٧)، والنسائي في " الكبرى " (١٢٠٥٦).
(٥) أخرجه: مسلم ٥/ ١٣٨ (٤٨) (١٥).
[ ٣٣٦ ]
كرامة الضيف يا رسولَ الله؟ قالَ: «ثلاثةُ أيام، فما جلس بعد ذَلِكَ فهوَ صدقة» (^١).
ففي هذه الأحاديث أنَّ جائزة الضيف يومٌ وليلةٌ، وأنَّ الضيافة ثلاثةُ أيام، ففرَّق بين الجائزة والضيافة، وأكَّدَ الجائزة، وقد ورد في تأكيدها أحاديثُ أخرُ، فخرَّج أبو داود (^٢)
مِنْ حديث المقدام بن (^٣) معدي كرب، عن النَّبيِّ - ﷺ - قالَ: «ليلة الضيف حقٌّ على كلِّ مسلم، فمن أصبحَ بِفِنائه، فهو عليه دَيْنٌ، إنْ شاءَ اقتضى، وإنْ شاءَ ترك». وخرَّجه ابن ماجه (^٤) ولفظه: «ليلةُ الضيفِ حقٌّ على كُلِّ
مسلمٍ».
وخرَّج الإمامُ أحمد، وأبو داود من حديث المقدام، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال
: «أيُّما رجلٍ أضاف قومًا، فأصبح الضيفُ محرومًا، فإنَّ نَصْرَهُ حقٌّ على كُلِّ مسلمٍ حتَّى يأخذ بِقِرَى ليلةٍ من زرعه وماله» (^٥).
وفي " الصحيحين " (^٦)
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٣/ ٧٦ من طريق أبي الهيثم، عن أبي سعيد، به. وأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٣٤٧٦)، وأحمد ٣/ ٨ و٢١ و٦٤، وعبد بن حميد (٨٧٠)، والبزار كما في " كشف الأستار " (١٩٣١) و(١٩٣٢)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٤/ ٢٤٠، وفي " شرح مشكل الآثار "، له (٢٨٢٤)، وابن حبان (٥٢٨١)، وأبو نعيم في " الحلية " ٣/ ٩٩ و٦/ ٢٠٣ - ٢٠٤، والبيهقي في " الكبرى " ٩/ ١٩٧، وهو حديث قويٌّ.
(٢) السنن (٣٧٥٠) من طريق الشعبي، عن المقدام بن معدي كرب، به، وهو صحيح. وأخرجه: الطيالسي (١١٥١)، وأحمد ٤/ ١٣٠ و١٣٢ - ١٣٣ و١٣٣، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (١٨٣٩) و(٢٨١٢) و(٢٨١٣)، وفي " شرح معاني الآثار "، له ٤/ ٢٤٢، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٦٢١) و(٦٢٢) و(٦٢٣) و(٦٢٤)، والبيهقي ٩/ ١٩٧ من طرق عن المقدام بن معدي كرب، به.
(٣) «المقدام بن» لم ترد في (ص).
(٤) السنن (٣٦٧٧) من طريق الشعبي، عن المقدام بن معدي كرب، به. وأخرجه: الدارمي (٢٠٣٧)، والبخاري في " الأدب المفرد " (٧٤٤)، وأبو داود
(٥) ، وهو حديث صحيح. وانظر التخاريج التي قبله.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) صحيح البخاري ٣/ ١٧٢ (٢٤٦١) و٨/ ٣٩ (٦١٣٧)، وصحيح مسلم ١٢/ ٣١
(٨) (١٧). وأخرجه: أحمد ٤/ ١٤٩، والبخاري في "الأدب المفرد" (٧٤٥)، وابن ماجه (٣٦٧٦)، وأبو داود (٣٧٥٢)، والترمذي (١٥٨٩)، وأبو عوانة (٦٤٨٧) و(٦٤٨٨)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (١٨٤٠) و(٢٨١٤) وفي " شرح معاني الآثار "، له ٤/ ٢٤٢، وابن حبان (٥٢٨٨)، والطبراني في " الكبير " ١٧/ (٧٦٦)، والبيهقي ٩/ ١٩٧ و١٠/ ٢٧٠، والبغوي (٣٠٠٣) من طرق عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، به.
[ ٣٣٧ ]
عن عُقبة بن عامر، قال: قلنا يا رسول الله، إنَّك تبعثُنا، فننزلُ بقوم لا يُقرونا، فما ترى (^١)؟ فقال لنا رسولُ الله - ﷺ -: «إنْ نزلتُم بقومٍ فأمَرُوا لكم بما ينبغي للضَّيف، فاقْبَلُوا، فإنْ لم يفعلوا فخذُوا منهم حق الضَّيف الذي ينبغي لهم».
وخرَّج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هُريرة (^٢)، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال
: «أيُّما ضيفٍ نزلَ بقومٍ، فأصبح الضَّيفُ محرومًا، فله أنْ يأخُذَ بقدرِ قراهُ، ولا حَرَجَ عليه» (^٣).
وقال عبد الله بن عمرو: مَنْ لم يُضِف، فليس مِن محمَّدٍ، ولا من إبراهيم.
وقال عبد الله (^٤) بن الحارث بن جَزْء: من لم يُكرِمْ ضيفَه، فليس من محمد، ولا من إبراهيم (^٥).
وقال أبو هريرة لِقوم نزل عليهم، فاستضافهم، فلم يُضَيِّفوهُ، فتنحَّى ونزل، فدعاهم إلى طعامه، فلم يُجيبوه، فقال لهم: لا تُنزلون الضيف ولا تجيبون الدعوة ما أنتُم من
الإسلام على شيء، فعرفه رجل منهم، فقال له: انْزِل عافاك الله، قال: هذا شرٌّ وشرٌّ، لا تنزلون إلاَّ مَنْ تَعرِفُون.
ورُوي عن أبي الدرداء نحو هذه القضية إلاّ أنَّه قال لهم: ما أنتُم مِنَ الدِّين إلا على مثلِ هذه، وأشار إلى هُدبةٍ في ثوبه.
_________________
(١) عبارة: «فما ترى» سقطت من (ص).
(٢) في (ص): «وخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة».
(٣) أخرجه: أحمد ٢/ ٣٨٠. وأخرجه: الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٢٨١٦) و(٢٨١٧)، وفي " شرح معاني الآثار "، له ٤/ ٢٤٢، وهو حديث صحيح.
(٤) تحرف (ص) إلى: «محمد بن عبد الله».
(٥) أخرجه: ابن المبارك في " الزهد " ١/ ٢١٨، وسعيد بن منصور في " سننه " (٢٤٣٧).
[ ٣٣٨ ]
وهذه النُّصوصُ تدلُّ (^١) على وجوب الضِّيافة يومًا وليلة، وهو قولُ الليث وأحمد (^٢)، وقال أحمد: له المطالبةُ بذلك إذا منعه؛ لأنَّه حقٌّ له واجب، وهل يأخذُ بيده من ماله إذا منعه، أو يرفعه إلى الحاكم؟ على روايتين منصوصتين عنه (^٣).
وقال حُميدُ بن زَنجويه: ليلةُ الضَّيف واجبةٌ، وليس له أنْ يأخذَ قِراه منهم قهرًا، إلاَّ أنْ يكونَ مسافرًا في مصالح المسلمين العامَّة دونَ مصلحة نفسه.
وقال الليثُ بن سعد: لو نزل الضَّيفُ بالعبد أضافه من المال الذي بيده، وللضيف أنْ يأكلَ، وإنْ لم يعلم أنَّ سيِّده أذِنَ له؛ لأنَّ الضيافة واجبة (^٤). وهو قياسُ قول أحمد؛ لأنَّه نصَّ على أنَّه يجوز إجابةُ دعوة العبد المأذون له في التجارة وقد روي عن جماعة من الصحابة أنَّهم أجابوا دعوة المملوك، ورُويَ ذلك عن النَّبيِّ - ﷺ - أيضًا (^٥)، فإذا جاز له أنْ يدعوَ الناس إلى طعامه
ابتداءً وجازَ إجابةُ دعوته، فإضافتُه لمن نزل به أولى.
ومنع مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما مِنْ دعوة العبد المأذون له بدون إذن سيِّده (^٦)، ونقل عليُّ بن سعيدٍ، عن أحمدَ ما يدلُّ على وجوب الضيافة للغُزاة خاصَّةً بمن مرُّوا بهم ثلاثةَ أيَّامٍ (^٧)، والمشهور عنه الأولُ، وهو وجوبُها لكلِّ ضيفٍ نزلَ بقومٍ.
واختلف قوله: هل تجبُ على أهلِ الأمصار والقُرى أم تختصُّ بأهلِ القُرى ومَنْ كان على طريقٍ يمرُّ بهم المسافرون؟ على روايتين منصوصتين عنه (^٨).
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) انظر: التمهيد ٢١/ ٤٣، والمغني ١١/ ٩١، وشرح صحيح مسلم للنووي ٦/ ٢٢٧.
(٣) انظر: المغني ١١/ ٩١، والشرح الكبير ١١/ ١١٩.
(٤) انظر: التمهيد ٢١/ ٤٣.
(٥) أخرج الترمذي في " جامعه " (١٠١٧) من حديث أنس بن مالك أنه قال: «ثم كان رسول الله - ﷺ - يعود المريض ويشهد الجنازة ويركب الحمار ويجيب دعوة العبد …». وأخرجه: الدارقطني في " العلل " ٦/ ٢٢٦، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٥/ ٦٣، والبيهقي ١/ ٣٧٠، والخطيب في " تاريخه " ١٢/ ٣٢، وفيه مقال.
(٦) انظر: التمهيد ٢١/ ٤٣.
(٧) انظر: المغني ١٠/ ٥٦٩ - ٥٧٠.
(٨) انظر: التمهيد ٢١/ ٤٣ - ٤٤، والمغني ١١/ ٩١، وشرح صحيح مسلم للنووي ٦/ ٢٢٧.
[ ٣٣٩ ]
والمنصوص عنه: أنَّها تجبُ للمسلمِ والكافرِ، وخصَّ كثيرٌ من أصحابه الوجوبَ للمسلم، كما لا تجبُ نفقةُ الأقارب مع اختلاف الدِّين على إحدى الروايتين عنه (^١).
وأمَّا اليومان الآخران، وهما الثاني والثالث، فهما تمامُ الضِّيافة، والمنصوصُ عن أحمد أنَّه لا يجبُ إلا الجائزةُ الأولى، وقال: قد فرَّق بين الجائزة والضيافة، والجائزة أوكدُ، ومِنْ أصحابنا مَنْ أوجَبَ الضيافة ثلاثة أيام، منهم: أبو بكر بن عبد العزيز، وابنُ أبي موسى، والآمدي، وما بعدَ الثَّلاث، فهو صدقة، وظنَّ بعضُ النَّاسِ أنَّ الضيافة ثلاثة أيام (^٢) بعد اليوم والليلة الأولى، وردَّه أحمد بقوله - ﷺ -: «الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة» (^٣)، ولو كان كما ظنَّ هذا لكان أربعة (^٤).
قلتُ: ونظيرُ هذا قوله تعالى:
﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي
يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ (^٥) والمراد: في تمام الأربعة.
وهذا الحديث الذي احتجَّ به أحمد قد تقدَّم (^٦) من حديث أبي شُريح، وخرَّجه البخاري من حديث أبي هريرة (^٧)، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فَلْيُحسن قِرى ضَيفه»، قيل: يا رسول الله، وما قِرى الضيف؟ قال: «ثلاث، فما كان بعدُ فهو صدقة» (^٨).
قال حُميد بن زنجويه: عليه أنْ يتكلَّف له في اليوم والليلة من الطعام أطيب ما يأكله هو وعيالُه، وفي تمام الثلاث يطعمه من طعامه، وفي هذا نظر. وسنذكر حديثَ سلمان بالنَّهي عنِ التَّكلُّف للضَّيف، ونقل أشهبُ عن مالكٍ، قال: جائزتُه يومٌ وليلةٌ يُكرمه ويُتحفه ويخصه يومًا وليلةً وثلاثة أيَّام ضيافة (^٩)، وكان ابنُ عمر يمتنع
_________________
(١) انظر: المغني ١١/ ٩١.
(٢) من قوله: «منهم أبو بكر …» إلى هنا سقط من (ص).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) انظر: المغني ١١/ ٩١.
(٥) سورة فصلت: ٩ - ١٠.
(٦) عبارة: «قد تقدم» سقطت من (ص).
(٧) تحرف في (ص) إلى: «أبي ذر».
(٨) أخرجه: البخاري ٨/ ٣٩ (٦١٣٦)؛ ولكن بغير هذا اللفظ.
(٩) انظر: التمهيد ٢١/ ٤٢.
[ ٣٤٠ ]
مِن الأكل مِنْ مالِ مَنْ نزل عليه فوق ثلاثة أيامٍ، ويأمر أنْ يُنْفَقَ عليه من ماله (^١).
ولصاحب المنْزل أن يأمر الضيف بالتحوّل عنه بعد الثلاث؛ لأنَّه قضى ما
عليهِ، وفعل ذَلِكَ الإمام أحمد.
وقوله - ﷺ -: «لا يَحِلُّ لهُ أنْ يَثوِيَ عندَه حتَّى يُحْرِجَه» يعني: يُقيم عندَه حتَّى يُضَيِّقَ عليهِ، لكن هل هذا في الأيام الثلاثة أم فيما زاد عليها؟ فأما فيما ليس بواجبٍ، فلا شك في تحريمه، وأما في ما هو واجب وهو اليوم والليلة فينبني على أنَّه هل تجب الضيافة على من لا يجد شيئًا أم لا تجب إلا على من وجد ما يضيف به؟ فإنْ قيل: إنَّها لا تجب إلا على من يجد ما يضيف به - وهو قولُ طائفةٍ من أهلِ الحديث، منهم: حُميدُ بنُ زنجويه - لم يحل للضيف أنْ يستضيف من هُوَ عاجز عن ضيافته. وقد رُوِيَ من حديث سلمان قال: «نهانا رسولُ اللهِ - ﷺ - أنْ نتكلَّفَ للضيفِ (^٢) ما ليسَ عندنا» (^٣)
فإذا نهي المضيف أنْ يتكلَّفَ للضيف ما ليس عنده دلَّ على أنَّه لا تَجِبُ عليه المواساةُ للضيف إلا مما عنده، فإذا لم يكن عنده فَضلٌ لم يلزمه شيءٌ، وأما إذا آثَرَ على نفسه، كما فعل الأنصاريُّ (^٤) الذي نزل فيه
:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^٥) فذلك مقامُ فضلٍ
وإحسّان، وليس بواجب.
ولو علم الضيف أنَّهم لا يُضيفونه إلا بقوتِهم وقوت صبيانهم، وأنَّ الصبية يتأذَّوْنَ
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٣٤٧٧)، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ٣١١ من طريق نافع عن ابن عمر، به. وهو قريب من هذا اللفظ.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) أخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (١٤٠٤) و(١٤٠٥) و(١٤٠٦) و(١٤٠٧) و(١٤٠٨)، وأحمد ٥/ ٤٤١، والبخاري في " التأريخ الكبير " ٢/ ٣٧٥ (٢٨٦٧)، والبزار (٢٥١٤) و(٢٥١٥)، والطبراني في " الكبير " (٦٠٨٣) و(٦٠٨٤) و(٦٠٨٥)، والحاكم ٤/ ١٢٣، وأبو نعيم في " تأريخ أصبهان " ١/ ٥٦، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٩٥٩٨) و(٩٥٩٩) و(٩٦٠٠) و(٩٦٠١) وفي " الآداب "، له
(٤) ، والخطيب في " تأريخه " ٨/ ٤٥.
(٥) أخرجه: البخاري ٦/ ١٨٥ (٤٨٨٩)، ومسلم ٦/ ١٢٧ (٢٠٥٤) (١٧٢) عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، به.
(٦) الحشر: ٩.
[ ٣٤١ ]
بذلك، لم يجز له استضافتُهم حينئذ عملًا بقوله - ﷺ -: «ولا يَحِلُّ له أنْ يُقيمَ عندَه حتَّى يُحرجه» (^١).
وأيضًا فالضيافة نفقة واجبة، فلا تجب إلا على مَنْ عنده فضلٌ عن قوته وقوتِ عياله، كنفقة الأقارب، وزكاةِ الفطر. وقد أنكر الخطابي تفسيرَ تأثيمه بأنْ يُقيمَ عندَه ولا شيءَ له يَقريه، وقال: أراه غلطًا، وكيف يأثم في ذلك وهو لا يتسع لِقراه، ولا يجد سبيلًا إليه؟ وإنَّما الكلفة على قَدرِ الطاقة، قال: وإنَّما وَجْهُ الحديثِ أنَّه كَرِهَ له المقام عندَه بعدَ ثلاث لِئلا يضيقَ صدرُه بمكانه، فتكون الصدقة منه على وجه المنِّ والأذى فَيَبْطُلُ أجرُه (^٢)، وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإنَّه قد صحَّ تفسيرُه في الحديث بما أنكره، وإنَّما وجهه أنَّه إذا أقامَ عندَه ولاشيءَ له يقريه به، فربما دعاه ضيقُ صدره به، وحرجه إلى ما يأثم به في قول، أو فعل، وليس المرادُ أنَّه يأثم بترك قِراه مع عجزه عنه، والله أعلم.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) انظر: معالم السنن ٤/ ٢٢١.
[ ٣٤٢ ]