عَنْ عبدِ الله بن بُسْرٍ قال: أتى النَّبيَّ - ﷺ - رَجلٌ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ شرائعَ الإسلامِ قد كَثُرَتْ علينا، فبَابٌ نَتَمسَّكُ به جامعٌ؟ قال: «لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكر الله - ﷿ -» خرَّجه الإمامُ أحمدُ (^١) بهذا اللَّفظِ.
وخرَّجه الترمذي، وابنُ ماجه، وابنُ حبان في " صحيحه " (^٢) بمعناه، وقال الترمذي: حسن غريب،
وكُلُّهم خرَّجه من رواية عمرو بن قيس الكندي، عن عبد الله بن بُسر.
وخرَّج ابنُ حبان في " صحيحه " (^٣) وغيره (^٤) من حديث معاذ بن جبل، قال: آخِرُ ما فارقتُ عليه رسولَ الله - ﷺ - أنْ قلتُ له: أيُّ الأعمال خيرٌ وأقربُ إلى الله؟ قال: «أنْ تموتَ ولِسانُكَ رَطْبٌ من ذكر الله - ﷿ -».
وقد سبق في هذا الكتاب مفرقًا ذكرُ كثيرٍ من فضائل الذكر، ونذكر هاهنا فضل إدامته، والإكثار منه.
قد أمر الله سبحانه المؤمنين بأنْ يذكروه ذكرًا كثيرًا، ومَدَحَ من ذكره كذلك؛ قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً
وَأَصِيلًا﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٧)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (^٨).
_________________
(١) في " مسنده " ٤/ ١٨٨ و١٩٠.
(٢) ابن ماجه (٣٧٩٣)، والترمذي (٣٣٧٥)، وابن حبان (٨١٤).
(٣) برقم (٨١٨).
(٤) أخرجه: البخاري في " خلق أفعال العباد ": ٧٢، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (١٨١) و(٢٠٨) و(٢١٢) و(٢١٣) وفي " مسند الشاميين "، له (٢٠٣٥) و(٣٥٢١)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٥١٦).
(٥) الأحزاب: ٤١ - ٤٢.
(٦) الجمعة: ١٠.
(٧) الأحزاب: ٣٥.
(٨) آل عمران: ١٩١.
[ ٩٢٧ ]
وفي " صحيح مسلم " (^١) عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله - ﷺ - مرَّ على جبلٍ يقالُ له: جُمْدَان، فقال: «سِيروا هذا جُمدان (^٢)، قد سبق المُفرِّدونَ». قالوا: ومن المفرِّدون يا رسول الله؟ قالَ: «الذاكرون الله كثيرا والذَّاكرات».
وخرَّجه الإمام أحمد (^٣)، ولفظه: «سبقَ المفَرِّدونَ» قالوا: وما المفردون؟ قال: «الذينَ يُهْتَرونَ (^٤) في ذكرِ اللهِ».
وخرَّجه الترمذي (^٥)، وعنده: قالوا: يا رسول الله، وما المفرِّدون؟ قالَ:
«المُستَهتَرونَ في ذِكرِ الله يَضعُ الذِّكر عنهم أثقالهم، فيأتون يومَ القيامة خِفافًا».
وروى موسى بنُ عبيدة عن أبي عبد الله القَرَّاظ، عن معاذ بن جبل قال: بينما نَحنُ مَعَ رسول الله - ﷺ - نَسيرُ بالدّفِّ من جُمْدان إذ استنبه، فقال: «يا مُعاذُ، أينَ السابقون؟» فقلت: قد مَضَوا، وتخلَّف ناسٌ. فقال: «يا معاذ إنَّ السابقين الذين يُستَهتَرون بذكر الله - ﷿ -» (^٦) خرّجه جعفر الفِرياني.
ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث، فإنَّه لمَّا سبق الركب، وتخلف بعضهم، نبه النَّبيُّ - ﷺ - على أنَّ السابقين على الحقيقة هم الذين يُديمون ذكرَ الله، ويُولَعون به، فإنَّ الاستهتار بالشيء: هو الولوعُ به، والشغفُ، حتى لا يكاد يُفارِق ذكره، وهذا على رواية من رواه «المستهترون»
ورواه بعضُهم، فقال فيه: «الذين أُهتِروا في ذكرِ الله» وفسّر ابنُ قتيبة الهترَ بالسَّقْطِ في الكلام (^٧)، كما في الحديث: «المستبان شيطانان يتكاذبان ويتهاتَران» (^٨).
_________________
(١) ٨/ ٦٣ (٢٦٧٦) (٤).
(٢) جمدان: هو جبل بين ينبع والعيص، على ليلة من المدينة، وهو بضم الجيم، ثم سكون الميم. مراصد الاطلاع ١/ ٣٤٥.
(٣) في " مسنده " ٢/ ٣٢٣ و٤١١ من حديث أبي هريرة.
(٤) أي: يولعون.
(٥) في " جامعه " (٣٥٩٦) من حديث أبي هريرة.
(٦) أخرجه: الطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٣٢٦)، وموسى بن عبيدة ضعيف، وانظر: مجمع الزوائد ١٠/ ٧٥.
(٧) في غريب الحديث ١/ ٣٢١ - ٣٢٢ بهذا المعنى.
(٨) أخرجه: أحمد ٤/ ١٦٢ و٢٦٦، والبخاري في " الأدب المفرد " (٤٢٧) و(٤٢٨)، وابن حبان (٥٧٢٦) و(٥٧٢٧)، والطبراني في " الكبير " ١٧/ (١٠٠١) و(١٠٠٢) عن عياض بن حمار.
[ ٩٢٨ ]
قال: والمرادُ من هذا الحديث من عُمِّر وخَرِفَ في ذكر الله وطاعته، قال: والمراد بالمفرِّدين على هذه الرواية من انفرد بالعمر عن القَرنِ الذي كان فيه، وأما على الرواية الأولى، فالمراد بالمفرِّدين المتخلين من الناس بذكر الله تعالى، كذا قال، ويحتمل - وهو الأظهر - أنَّ المرادَ بالانفرادِ على الروايتين الانفراد بهذا العمل وهو كثرةُ الذكرِ دونَ الانفراد الحسي، إما عن القَرنِ أو عن المخالطة، والله أعلم.
ومن هذا المعنى قولُ عمرَ بنِ عبد العزيز ليلةَ عرفة بعرفة عندَ قرب الإفاضة: ليس السابقُ اليوم من سبق بعيرُه، وإنَّما السابق من غُفر له (^١).
وبهذا الإسناد عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «من أحبَّ أنْ يرتع في رياض الجنَّة، فليُكثر ذكرَ الله - ﷿ -» (^٢).
وخرَّج الإمام أحمد والنَّسائي، وابنُ حبان في " صحيحه " (^٣) من حديث أبي سعيد الخدري: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: «استكثروا منَ الباقياتِ الصَّالحات» قيل: وما هُنَّ يا رسولَ الله؟ قالَ: «التكبيرُ والتسبيحُ والتَهليلُ والحمدُ لله، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله».
وفي " المسند " و" صحيح ابن حبان " (^٤) عن أبي سعيد الخدري أيضًا عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «أكثروا ذِكرَ الله حتّى يقولوا: مجنون».
وروى أبو نعيم في " الحلية " (^٥) من حديث ابن عباس مرفوعًا: «اذكروا الله ذكرًا يقول المنافقون: إنَّكم تُراؤون».
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٣/ ٦٦٠.
(٢) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٩٤٥٧) و(٣٥٠٥٩)، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٣٢٦)، وفيه موسى بن عبيدة ضعيف، وانظر: مجمع الزوائد ١٠/ ٧٥.
(٣) أحمد ٣/ ٧٥، وابن حبان (٨٤٠) وبهذا اللفظ لم يخرجه النسائي حيث لم أجده في المطبوع من " السنن الكبرى " ولا " عمل اليوم والليلة "، وكذا قال محقق تحفة الأشراف ٣/ ٣٤٠ هامش (٣)، وساقه الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١٠/ ٨٧ ونسبه إلى أحمد وأبي يعلى، وهذا دليل على عدم وجوده عند النسائي لكن المزي في " التحفة " ٣/ ٣٤٠ (٤٠٦٦) عزاه للنسائي فلعله في بعض النسخ، والحديث ضعيف لضعف دراج أبي السمح في روايته عن أبي الهيثم.
(٤) أحمد ٣/ ٦٨ و٧١، وابن حبان (٨١٧)، وهو حديث ضعيف لضعف دراج أبي السمح في روايته عن أبي الهيثم.
(٥) ٣/ ٨٠ - ٨١، وهو ضعيف.
[ ٩٢٩ ]
وخرَّج الإمام أحمد والترمذي (^١) من حديث أبي سعيد، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه سئل: أيُّ العباد أفضلُ درجةً عندَ الله يوم القيامة؟ قالَ: «الذاكرون الله كثيرًا»، قيل: يا رسول الله، ومِنَ الغازي في سبيل الله؟ قال: «لو ضربَ بسيفه في الكفَّار والمشركين حتّى ينكسر ويتخضَّب دمًا، لكان الذاكرون للهِ أفضلَ منه درجةً».
وخرَّج الإمام أحمد (^٢) من حديث سهلٍ بن معاذ، عن أبيه، عن النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّ رجلًا سأله فقال: أيُّ الجهاد أعظمُ أجرًا يا رسول الله؟ قال: «أكثرُهم للهِ ذِكرًا»، قال: فأيُّ الصَّائمين أعظمُ؟ قال: «أكثرهم لله ذِكرًا»، ثم ذكر لنا الصَّلاة والزَّكاة والحجَّ والصدقة كلٌّ رسول الله - ﷺ - يقول: «أكثرهم لله ذكرًا»، فقال أبو بكر: يا أبا حفص، ذهب الذاكرون بكلِّ خيرٍ، فقال رسول اللهِ - ﷺ -: «أجل».
وقد خرَّجه ابنُ المبارك (^٣)، وابنُ أبي الدنيا من وجوه أُخَر مرسلة بمعناه.
وفي " صحيح مسلم " (^٤) عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله - ﷺ - يذكر الله على كلِّ أحيانِهِ.
وقال أبو الدرداء: الذين لا تزال ألسنتهم رطبةً من ذكر الله، يدخل أحدهم الجنَّةَ وهو يضحك (^٥)، وقيل له: إنَّ رجلًا أعتق مئة نسمة، فقال: إنَّ مئة نسمة من مالِ رجلٍ كثيرٌ، وأفضلُ من ذلك إيمانٌ ملزومٌ بالليل والنَّهار، وأنْ لا يزالَ لسانُ أحدكم رطبًا مِنْ ذِكر الله - ﷿ - (^٦).
وقال معاذ: لأن أذكر الله من بكرة إلى الليل أحبُّ إليَّ من أنْ أحملَ على جياد
_________________
(١) أحمد ٣/ ٧٥، والترمذي (٣٣٧٦)، وهو ضعيف لضعف ابن لهيعة، ولضعف دراج في روايته عن أبي الهيثم.
(٢) في " مسنده " ٣/ ٤٣٨، وهو ضعيف لضعف ابن لهيعة وزبان بن فائد.
(٣) في " الزهد " (١٤٢٩) عن أبي سعيد المقبري.
(٤) ١/ ١٩٤ (٣٧٣) (١١٧).
(٥) أخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (١١٢٦)، وابن أبي شيبة (٢٩٤٥٩) و(٣٤٥٨٧) و(٣٥٠٥٢)، وأحمد في " الزهد " (٧٢٦)، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ٢١٩.
(٦) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٩٤٦٤) و(٣٥٠٥٧)، وأحمد في " الزهد " (٧٣٠)، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ٢١٩، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٦٢٧).
[ ٩٣٠ ]
الخيل في سبيل الله من بكرة إلى الليل (^١).
وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (^٢) قال: أنْ يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يكفر (^٣)، وخرَّجه الحاكم (^٤) مرفوعًا وصحَّحه، والمشهورُ وقفُه.
وقال زيدُ بنُ أسلم: قال موسى - ﵇ -: يا ربِّ قد أنعمتَ عليَّ كثيرًا، فدُلني على أنْ أشكرك كثيرًا، قال: اذكُرني كثيرًا، فإذا ذكرتني كثيرًا، فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني (^٥).
وقال الحسن: أحبُّ عبادِ الله إلى اللهِ أكثرهم له ذكرًا وأتقاهم قلبًا.
وقال أحمد بنُ أبي الحواري: حدَّثني أبو المخارق، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مررتُ ليلة أُسري بي برجل مُغيَّبٍ في نور العرش، فقلتُ: من هذا؟ مَلَكٌ؟ قيل: لا، قلت: نبيٌّ؟ قيل: لا، قلتُ: من هو؟ قال: هذا رجل كان لسانه رطبًا من ذكر
الله، وقلبُه معلَّق بالمساجد، ولم يستسبَّ لوالديه قطّ» (^٦).
وقال ابن مسعود: قال موسى - ﵇ -: ربِّ أيُّ الأعمال أحبُّ إليك أنْ أعملَ به؟ قالَ: تذكرني فلا تنساني (^٧).
وقال أبو إسحاق عن ميثم: بلغني أنَّ موسى - ﵇ -، قالَ: ربِّ أيُّ عبادكَ أحبُّ إليكَ؟ قال: أكثرُهم لي ذكرًا (^٨).
وقال كعب: من أكثر ذكر الله، برئ من النفاق (^٩)، ورواه مؤمَّل، عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا (^١٠).
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٩٤٥٨)، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ٢٣٥.
(٢) آل عمران: ١٠٢.
(٣) أخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (٢٢)، وابن أبي شيبة (٣٤٥٥٣)، وعبد بن حميد كما في " الدر المنثور " ٢/ ١٠٥، والطبري في " تفسيره " (٥٩٤٧)، وأبو نعيم في " الحلية " ٧/ ٢٣٨ و٢٣٨ - ٢٣٩.
(٤) في " المستدرك " ٢/ ٢٩٤.
(٥) أخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (٧١١).
(٦) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الأولياء " (٩٥).
(٧) أخرجه: محمد بن فضيل الضبي في " الدعاء " (١٠٢).
(٨) أخرجه: محمد بن فضيل الضبي في " الدعاء " (١٠٣).
(٩) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٩٢٩٢) عن رجل من أصحاب محمد - ﷺ -.
(١٠) أخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٦٩٣١) وفي " الصغير "، له (٩٥٤)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٥٧٦)، وإسناده ضعيف جدًا لا يصح، محمد بن سهل، عن مؤمل بن إسماعيل يروي الموضوعات، وانظر: لسان الميزان ٧/ ١٨٩ (٦٨٩١).
[ ٩٣١ ]
وخرَّج الطبراني (^١) بهذا الإسناد مرفوعًا: «مَنْ لَمْ يُكثِرْ ذِكْرَ الله فقد برئ من الإيمان». ويشهد لهذا المعنى أنَّ الله تعالى وصف المنافقين بأنَّهم لا يذكرون الله إلا قليلًا، فمن أكثر ذكرَ الله، فقد بايَنَهُم في أوصافهم، ولهذا ختمت سورة المنافقين بالأمر بذكر الله، وأنْ لا يُلهي المؤمنَ عن ذلك مالٌ ولا ولدٌ، وأنَّ من ألهاه ذلك عن ذكر الله، فهو من الخاسرين.
قال الربيعُ بنُ أنس، عن بعض أصحابه: علامةُ حبِّ الله كثرةُ ذكره، فإنَّك لنْ تحبَّ شيئًا إلا أكثرت ذكره (^٢).
قال فتح الموصِلي: المحبُّ لله لا يَغفُلُ عن ذكر الله طرفةَ عين، قال ذو النون: من اشتغل قلبُه ولسانُه بالذِّكر، قذف الله في قلبه نورَ الاشتياق إليه (^٣).
قال إبراهيم بن الجنيد: كان يُقال: من علامة المحبِّ للهِ دوامُ الذكر بالقلب واللسان،
وقلَّما وَلعَ المرءُ بذكر الله - ﷿ - إلا أفاد منه حبَّ الله. وكان بعضُ السَّلف يقول في مناجاته: إذا سئم البطالون من بطالتهم، فلنْ يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك.
قال أبو جعفر المحَوَّلي: وليُّ الله المحبُّ لله لا يخلو قلبُه من ذكر ربِّه، ولا يسأمُ من خدمته (^٤). وقد ذكرنا قولَ عائشة: كان النَّبيُّ - ﷺ - يذكر الله على كلِّ أحيانه (^٥)،
_________________
(١) انظر التعليق السابق، وسلسلة الأحاديث الضعيفة (٨٩٠).
(٢) أخرجه: المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٧٤٤) عن الربيع بن أنس عن بعض أصحابه موقوفًا. وأخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٤/ ١٢٨ عن أنس. وأخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (٤٠٩) عن أنس بن مالك معلقًا. وفي (٤١٩) عن أحمد بن أبي الحواري، موقوفًا. ورواه أيضًا في (٥٠١) عن مالك بن دينار، موقوفًا.
(٣) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٩/ ٣٧٨ - ٣٧٩، والبيهقي في " شعب الإيمان "
(٤) قال العارفون: ومن علامات صحة القلب أن لا يغتر عن ذكر ربه ولا يسأم من خدمته ولا يأنس بغيره. فيض القدير ١/ ٢ - ٧.
(٥) سبق تخريجه وهو عند أحمد ٦/ ٧٠ و١٥٣، والترمذي (٣٣٨٤).
[ ٩٣٢ ]
والمعنى: في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه، وسواء كان على طهارةٍ أو على حدث.
وقال مِسعر: كانت دوابُّ البحر في البحر تَسكُنُ، ويوسفُ - ﵇ - في السجن لا يسكن عن ذكر الله - ﷿ -.
وكان لأبي هريرة خيطٌ فيه ألفا عُقدة، فلا يُنام حتّى يُسبِّحَ به (^١).
وكان خالد بنُ معدان يُسبِّحُ كلَّ يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من
القرآن، فلما مات وضع على سريره ليغسل، فجعل يُشير بأصبعه يُحركها
بالتسبيح (^٢).
وقيل لعمير بن هانئ: ما نرى لسانَك يَفتُرُ، فكم تُسبِّحُ كلَّ يوم؟ قال: مئة ألف تسبيحة، إلا أنْ تُخطئ الأصابع، يعني أنَّه يَعُدُّ ذلك بأصابعه (^٣).
وقال عبد العزيز بنُ أبي رَوَّاد: كانت عندنا امرأةٌ بمكة تُسبح كلّ يوم اثني عشرة ألف تسبيحة، فماتت، فلما بلغت القبر، اختُلِست من بين أيدي الرجال (^٤).
كان الحسن البصري كثيرًا ما يقول إذا لم يُحدث، ولم يكن له شغل: سبحان الله العظيم، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة، فقال: إنَّ صاحبكم لفقيه، ما قالها أحدٌ سبعَ مرَّاتٍ إلاّ بُني له بيتٌ في الجنَّة.
وكان عامةُ كلام ابن سيرين: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده.
وكان المغيرة بنُ حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون، نزل إلى البحر، وقام في الماء يذكر الله مع دوابِّ البحر (^٥).
_________________
(١) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ١/ ٣٨٣.
(٢) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٢١٠.
(٣) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٥/ ١٥٧، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٧١٩).
(٤) أخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (٧٢٠).
(٥) لم أهتديه عن المغيرة بن حكيم، ووجدته عن الحكم بن أبان. أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ١٠/ ١٤١. وذكره: ابن الجوزي في " صفة الصفوة " ٢/ ١٧٧.
[ ٩٣٣ ]
نام بعضُهم عند إبراهيم بن أدهم قال: فكنتُ كلَّما استيقظتُ من الليل، وجدتُه يذكر الله، فأغتمّ، ثم أُعزِّي نفسي بهذه الآية: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^١).
المحبُّ اسم محبوبه لا يغيبُ عن قلبه، فلو كُلّف أنْ ينسى تذكُّره لما قدر، ولو كلف أنْ يكفّ عن ذكره بلسانه لما صبر.
كَيْفَ يَنسى المُحبُّ ذِكرَ حَبيبٍ … اسمُه في فُؤاده مَكتوبُ
كان بلالٌ كلَّما عذَّبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول: أحدٌ أحدٌ، فإذا قالوا له قل: اللات والعُزَّى، قال: لا أحسنه (^٢).
يُراد مِنَ القَلبِ نِسيانُكُم … وتَأْبَى الطِّباعُ على النَّاقِلِ
كلَّما قويت المعرفةُ، صار الذكرُ يجري على لسان الذاكر من غير كُلفة، حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه: الله الله، ولهذا يُلهم أهلُ الجنة التَّسبيح، كما يُلهمون النفسَ، وتصيرُ «لا إله إلا الله» لهم، كالماء البارد لأهل الدنيا، كان الثوري ينشد:
لا لأَنِّي أَنساكَ أُكثرُ ذِكرا … ك ولكنْ بِذاكَ يَجري لِساني
إذا سمِعَ المحبُّ ذكر اسم حبيبه من غيره زاد طربه، وتضاعف قَلَقُه، قال النَّبيُّ - ﷺ - لابن مسعودٍ: «اقرأ عليَّ القرآن»، قال: أقرأ عليكَ وعَلَيكَ أُنزل؟ قال:
«إنِّي أُحبُّ أنْ أسمعه من غيري» (^٣)،
فقرأ عليه، ففاضت عيناه.
سمع الشبلي قائلًا يقولُ: يا الله يا جَوادُ، فاضطرب (^٤):
وداعٍ دعا إذ نَحْنُ بالخَيفِ مِن منى … فهَيَّجَ أشجانَ الفُؤادِ وما يَدري
_________________
(١) المائدة: ٥٤.
(٢) أخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ٣/ ١٧٥.
(٣) أخرجه: أحمد ١/ ٣٧٤ و٣٨٠ و٤٣٢، والبخاري ٦/ ٥٧ (٤٥٨٢)، ومسلم ٢/ ١٩٦
(٤) (٢٤٨)، والترمذي (٣٠٢٥) وفي " الشمائل "، له (٣٢٣) بتحقيقي، والنسائي في " الكبرى " (٨٠٧٥) و(٨٠٧٨) و(٨٠٧٩) و(١١١٠٥) وفي " التفسير "، له (١٢٥).
(٥) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ١٠/ ٣٧٣ بنحوه.
[ ٩٣٤ ]
دَعا بِاسم لَيلَى غَيرَها فكأَنَّما … أطارَ بِليلى طائرًا كان في صدري (^١)
النبض ينْزعج عند ذكر المحبوب:
إذا ذُكِر المحبوب عندَ حبيبه … تَرنَّحَ نَشوانٌ وحَنَّ طرُوبُ
ذكر المحبين على خلاف ذكر (^٢) الغافلين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٣).
وإنِّي لَتَعْروِني لِذكْرَاكِ هِزَّةٌ … كَما انتفضَ العُصفورُ بَلَّلهُ القطْرُ
أحد السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله: «رجلٌ ذكرَ الله خاليًا، ففاضت عيناه» (^٤).
قال أبو الجلد: أوحى الله - ﷿ - إلى موسى - ﵇ -: إذا ذكرتني، فاذكرني، وأنت تنتفض أعضاؤُك، وكُن عندَ ذكري خاشعًا مطمئنًا، وإذا ذكرتني، فاجعل لِسانك من وراء قلبك (^٥).
وصف عليٌّ يومًا الصحابة، فقال: كانوا إذا ذكروا الله مادُوا كما يميد الشجرُ في اليوم الشديد الريح، وجرت دموعهم على ثيابهم (^٦).
_________________
(١) الشعر لمجنون بن عامر. انظر: أخبار مكة للفاكهي ٤/ ٢٧٢، وتاريخ بغداد ١٢/ ٣٣٥، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٧.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) الأنفال: ٢.
(٤) أخرجه: البخاري ١/ ١٦٨ (٦٦٠)، ومسلم ٣/ ٩٣ (١٠٣١) (٩١) عن أبي هريرة.
(٥) أخرجه: أحمد في " الزهد " (٣٤٨)، وابن أبي عاصم في " الزهد ": ٦٧ و٦٨ (طبعة دار الريان للتراث).
(٦) هذا باطل موضوع مكذوب على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - وعلى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، والخبر فيه عدة علل وعلته الرئيسة عمرو بن شمر الجعفي الكوفي الشيعي قال عنه الجوزجاني: «زائغ كذاب»، وقال ابن حبان: «رافضي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات»، وقال البخاري: «منكر الحديث»، وقال النسائي والدارقطني وغيرهما : «متروك الحديث»، وقال السليماني: «كان عمرو يضع على الروافض». = = … أخرجه: ابن أبي الدنيا في "التهجد" (ق ١٧٠/أ)، والدينوري في " المجالسة " (١٤٦٦)، وابن عدي في " الكامل " ١/ ٤٤٧، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ٧٦، والخطيب في " الموضح " ٢/ ٣٣٠، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٤٢/ ٤٩١ - ٤٩٢، وابن الجوزي في " التبصرة " ١/ ٥٠٠، ولم يصنع صوابًا المصنف حينما ذكره.
[ ٩٣٥ ]
قال زهير البابي: إنَّ لله عبادًا ذكروه، فخرجت نفوسُهم إعظامًا واشتياقًا، وقوم
ذكروه، فوجِلَتْ قلوبهم فرقًا وهيبة، فلو حُرِّقوا بالنَّار، لم يجدوا مَسَّ النار، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده، فارفضّوا عرقًا من خوفه، وقومٌ ذكروه، فحالت ألوانهم غبرًا، وقومٌ ذكروه، فجَفَّتْ أعينُهم سهرًا.
صلَّى أبو يزيد الظهر، فلما أراد أنْ يُكبِّر، لم يقدر إجلالًا لاسم الله، وارتعدت فرائصه حتى سمعت قعقعةُ عظامه (^١).
كان أبو حفص النَّيْسابوري إذا ذكر الله تغيَّرت عليه حالُه حتى يرى ذلك جميع من عنده، وكان يقولُ: ما أظن محقًا يذكر الله عن غير غفلة، ثم يبقى حيًا إلا الأنبياء، فإنَّهم أيدوا بقوَّة النبوَّة وخواصِّ الأولياء بقوَّة ولايتهم (^٢).
إذا سمِعَتْ باسمِ الحَبيبِ تَقعقعت … مَفاصِلُها مِنْ هَولِ ما تَتذَكَّرُ
وقف أبو يزيد ليلةً إلى الصباحِ يجتهد أنْ يقول: لا إله إلا الله، فما قدر إجلالًا وهيبةً، فلما كان عند الصباح، نزل، فبال الدَّم (^٣).
وما ذكرتُكُمُ إلاّ نَسيتُكُم … نسيانَ إجلال لا نِسيانَ إهمالِ
إذا تَذكَّرتُ مَنْ أنتُم وكيف أنَا … أَجْلَلتُ مِثلَكُم يَخطُرْ على بالي
الذكر لذَّة قلوب العارفين. قال - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (^٤). قال مالك بنُ دينار: ما تلذَّذ المتلذذون بمثل ذكر الله - ﷿ - (^٥).
وفي بعض الكتب السالفة: يقول الله - ﷿ -: معشر الصدِّيقين بي فافرحوا، وبذكري فتنعَّموا (^٦). وفي أثرٍ آخر سَبَق ذكره: ويُنيبون إلى الذِّكر كما تُنيب النسورُ إلى وُكورها.
_________________
(١) انظر: صفة الصفوة لابن الجوزي ٤/ ٧٤.
(٢) انظر: صفة الصفوة لابن الجوزي ٤/ ٨٠ - ٨١.
(٣) انظر: صفة الصفوة لابن الجوزي ٤/ ٧٥.
(٤) الرعد: ٢٨.
(٥) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٢/ ٢٩٤، والبيهقي في " شعب الإيمان " ١/ ٤٥٦.
(٦) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٢١٧.
[ ٩٣٦ ]
وعن ابن عمر قال: أخبرني أهلُ الكتاب أنَّ هذه الأمة تُحبُّ الذِّكْرَ كما تُحبُّ الحمامةُ وكرَها، ولهُم أسرعُ إلى ذكر الله من الإبل إلى وردها يوم ظِمئِها (^١).
قلوبُ المحبين لا تطمئنُّ إلاّ بذكره، وأرواحُ المشتاقين لا تَسكُنُ إلاّ برؤيته، قال ذو النون: ما طابتِ الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرةُ إلا بعفوه، ولا طابت الجنَّة إلاّ برؤيته (^٢).
أبدًا نُفوس الطَّالبيـ … ـن إلى طلُولكم تَحِنُّ
وكَذَا القُلُوبُ بِذكركُم … بَعْدَ المَخافةِ تَطمئنُّ
جُنَّتْ بحُبِّكُمُ ومَنْ … يَهوى الحَبيبَ ولا يُجَنُّ؟
بِحياتِكُم يا سادتي … جُودُوا بِوصْلِكُم ومُنُّوا
قد سبق حديث: «اذكروا الله حتى يقولوا: مجنون» ولبعضهم:
لقد أكثرتُ من ذِكرا … كَ حتَّى قِيلَ وَسْوَاسُ
كان أبو مسلم الخولاني كثيرَ الذِّكر، فرآه بعضُ الناس، فأنكر حالَه، فقال لأصحابه: أمجنون صاحبُكم؟ فسمعه أبو مسلم، فقال: لا يا أخي، ولكن هذا دواءُ الجنون (^٣).
وحُرمَة الودِّ مالي مِنكُم عِوَضٌ … ولَيسَ لي في سِواكُم سَادتِي غَرَضُ
وقَدْ شَرَطْتُ على قومٍ صَحِبتُهُم … بأنَّ قلبي لَكُمْ مِن دونِهم فرضُوا
ومِنْ حديثي بكُم قالوا: به مَرَضٌ … فقُلْتُ: لا زالَ عنِّي ذلك المَرَضُ
المحبون يستوحشون من كلِّ شاغلٍ يَشغَلُ عن الذكر، فلا شيءَ أحبَّ إليهم من الخلوة بحبيبهم.
قال عيسى - ﵇ -: يا معشر الحواريين كلِّموا الله كثيرًا، وكلموا الناس قليلًا، قالوا: كيف نكلِّم الله كثيرًا؟ قال: اخلوا بمناجاته، اخلوا بدُعائه (^٤).
_________________
(١) ذكره الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول " ١/ ١٥٤.
(٢) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٣٧٢. وانظر: صفة الصفوة ٤/ ٢٢٥.
(٣) أخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (٦٩٦).
(٤) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٩٤ و١٩٥.
[ ٩٣٧ ]
وكان بعضُ السَّلف يُصلِّي كلَّ يوم ألف ركعة حتى أُقعِدَ من رجليه، فكان يُصلي جالسًا ألف ركعة، فإذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة، ويقول: عجبتُ للخليقة كيف أَنِسَتْ بسواك، بل عَجِبْتُ للخليقة كيف استنارت قلوبُها بذكر سِواك (^١).
وكان بعضُهم يَصومُ الدَّهرَ، فإذا كان وقتُ الفطور، قال: أحسُّ نفسي تخرُج لاشتغالي عن الذكر بالأكل.
قيل لمحمد بن النضر: أما تستوحِشُ وحدَك؟ قال: كيف أستوحِشُ وهو يقول: أنا جليسُ من ذكرني (^٢).
كَتمتُ اسم الحبيب من العبادِ … ورَدَّدتُ الصَّبابةَ في فُؤادي
فَوَاشَوقًا إلى بَلدٍ خَلِيٍّ … لعلِّي باسم مَنْ أَهوى أُنادي
فإذا قَوِي حالُ المحبِّ ومعرفته، لم يشغَلْهُ عن الذكر بالقلب واللسان
شاغل، فهو بَينَ الخلق بجسمه، وقلبه معلق بالمحلِّ الأعلى، كما قال عليٌّ - ﵁ - في وصفهم:
صَحِبوا الدُّنيا بأجسادٍ أرواحُها معلقة بالمحلِّ الأعلى (^٣)، وفي هذا المعنى قيل:
جِسمي معي غير أنَّ الروحَ عندكم … فالجِسمُ في غُربةٍ والرُّوحُ في وطن
وقال غيره:
ولقَد جَعلتُكَ في الفُؤاد مُحدِّثي … وأَبحْتُ جِسمي من أراد جُلوسي
فالجِسمُ منِّي للجَليس مُؤَانسٌ … وحَبيبُ قلبي في الفؤاد أنيسي (^٤)
وهذه كانت حالة الرسل والصدِّيقين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ (^٥).
_________________
(١) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٦/ ١٩٥. وانظر: فيض القدير للمناوي ٤/ ٣٢٥.
(٢) انظر: صفة الصفوة لابن الجوزي ٣/ ٧٩، وسير أعلام النبلاء ٨/ ١٧٥، والمقاصد الحسنة للسخاوي: ٩٦.
(٣) انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ١٢.
(٤) نسبه ابن الجوزي لرابعة العدوية في " صفة الصفوة " ٤/ ٣٠١.
(٥) الأنفال: ٤٥.
[ ٩٣٨ ]
وفي " الترمذي " (^١) مرفوعًا: «يقول الله - ﷿ -: إنَّ عبدي كُلَّ عبدي الذي يذكرني وهو مُلاقٍ قِرنَهُ (^٢)».
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (^٣) يعني: الصلاة في حال الخوف، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (^٤)،
وقال تعالى في ذكر صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٥)، فأمر بالجمع بين الابتغاء من فضله، وكثرة ذكره.
ولهذا ورد فضلُ الذكر في الأسواق ومواطن الغفلة كما في " المسند "
و" الترمذى " و" سنن ابن ماجه " عن عمرَ مرفوعًا (^٦): «مَنْ دخلَ سوقًا يُصاحُ فيه ويُباع، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمدُ يُحيي ويُميت وهو حيّ لا يموتُ بيده الخير وهُو على كلِّ شيءٍ قدير، كتب الله له ألفَ ألفَ حسنة، ومحا عنه ألفَ ألفَ سيئة، ورفع له ألف ألفِ درجة».
وفي حديث آخر: «ذاكِرُ الله في الغافلين كمثلِ المقاتل عن الفارين،
وذاكرُ الله في الغافلين كمثل شجرة خضراء في وسط شجر يابس» (^٧).
قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: ما دام قلبُ الرجل يذكر الله، فهو في صلاة، وإنْ كان في السوق وإن حرّك به شفتيه فهو أفضل (^٨).
_________________
(١) في " الجامع الكبير " (٣٥٨٠)، وإسناده ضعيف لضعف عفير بن معدان، وقال الترمذي: «غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي».
(٢) بكسر القاف وسكون الراء عدوه القارن المكافيء له في الشجاعة والحرب فلا يغفل عن ربه حتى في حال معاينة الهلاك. انظر: تحفة الأحوذي ١٠/ ٤٠.
(٣) النساء: ١٠٣.
(٤) النساء: ١٠٣.
(٥) الجمعة: ١٠.
(٦) أحمد ١/ ٤٧، وابن ماجه (٢٢٣٥)، والترمذي (٣٤٢٩)، وهو حديث ضعيف جدًا ضعفه الأئمة وفي إسناده عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير منكر الحدحيث، وانظر: علل الحديث لابن أبي حاتم (٢٠٠٦) و(٢٠٣٨)، وعلل الدارقطني ٢/ ٤٨.
(٧) أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٦/ ٦٧، وأبو نعيم في " الحلية " ٦/ ١٨١، وهو ضعيف جدًا في سنده عمران القصير قال فيه البخاري: «منكر الحديث».
(٨) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٢٠٤.
[ ٩٣٩ ]
وكان بعضُ السَّلف يقصِدُ السُّوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة.
والتقى رجلان منهم في السوق، فقال أحدهما لصاحبه: تعالَ حتّى نذكر الله في
غفلة الناس، فخلَوا في موضع، فذكرا الله، ثم تفرَّقا، ثم ماتَ أحدهما، فلقيه الآخر في منامه، فقال له: أشعرت أنَّ الله غفر لنا عشية التقينا في السُّوق؟ (^١)