عَنْ عبدِ الله بن مَسعودٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رَسولُ الله - ﷺ -: «لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلاَّ بِإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتَّارِكُ لِدينِهِ المُفارِقُ لِلجماعَةِ». رواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ (^١).
هذا الحديث (^٢) خرّجاه في " الصحيحين " (^٣) من رواية الأعمش، عن
عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود، وفي رواية لمسلم: «التارك للإسلام» بدل قوله: «لدينه» (^٤).
وفي هذا المعنى أحاديثُ متعددة: فخرَّج مسلم (^٥) من حديث عائشة، عن النَّبيِّ - ﷺ - مثلَ حديثِ ابن مسعود.
وخرَّج الترمذيُّ (^٦)، والنسائي (^٧)، وابنُ ماجه (^٨) من حديث عثمان، عن
النَّبيِّ - ﷺ - (^٩)، قال: «لا يَحلُّ دمُ
_________________
(١) أخرجه: البخاري ٩/ ٦ (٦٨٧٨)، ومسلم ٥/ ١٠٦ (١٦٧٦) (٢٥) و(٢٦). وأخرجه: الطيالسي (٢٨٩)، وعبد الرزاق (١٨٧٠٤)، والحميدي (١١٩)، وأحمد ١/ ٣٨٢ و٤٢٨ و٤٤٤ و٤٦٥، والدارمي (٢٣٠٣) و(٢٤٥١)، وأبو داود (٤٣٥٢)، وابن ماجه (٢٥٣٤)، والترمذي (١٤٠٢)، والنسائي ٧/ ٩٠ - ٩١ و٨/ ١٣، وابن الجارود (٨٣٢)، وأبو يعلى (٥٢٠٢)، وابن حبان (٤٤٠٨)، والدارقطني ٣/ ٦٧
(٢) (طبعة دار الكتب العلمية)، والبيهقي ٨/ ١٩ و١٩٤ و٢٠٢ و٢١٣ وفي " شعب الإيمان "، له (٥٣٣١) من حديث عبد الله بن مسعود، به.
(٣) عبارة: «هذا الحديث» سقطت من (ص).
(٤) صحيح البخاري ٩/ ٦ (٦٨٧٨)، وصحيح مسلم ٥/ ١٠٦ (١٦٧٦) (٢٥).
(٥) صحيح مسلم ٥/ ١٠٦ (١٦٧٦) (٢٦).
(٦) في " صحيحه " ٥/ ١٠٦ (١٦٧٦) (٢٦).
(٧) في " جامعه " (٢١٥٨)، وقال: «هذا حديث حسن».
(٨) في " المجتبى " ٧/ ١٠٤.
(٩) في " سننه " (٢٥٣٣).
(١٠) من قوله: «مثل حديث ابن مسعود …» إلى هنا لم يرد في (ص).
[ ٢٩١ ]
امرئٍ مُسلمٍ إلاَّ بإحدى ثلاثٍ: رجلٍ كفر بعد إسلامه، أو زَنى بعد إحصانهِ (^١)، أو قتلَ نفسًا بغير نفسٍ». وفي روايةٍ للنَّسائي
: «رجلٌ زنى بعد إحصانه، فعليه الرجمُ، أو قتل عمدًا، فعليه القَوَدُ، أو ارتدَّ بعدَ إسلامِهِ،
فعليه القتلُ» (^٢).
وقد رُوي هذا المعنى عن النَّبيِّ - ﷺ - من روايةِ ابن عبَّاس (^٣) وأبي هريرة وأنس وغيرهم (^٤)، وقد ذكرنا حديثَ أنسٍ فيما تقدَّم، وفيه تفسير أنَّ هذه الثلاث خصال هي حقُّ الإسلام التي يُستباح بها دَمُ مَنْ شهد أنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله، والقتلُ بكلِّ واحدةٍ مِنْ هذه الخصالِ الثَّلاثِ متَّفقٌ عليه بين المسلمين (^٥).
أما زنى الثَّيِّبِ، فأجمع المسلمون على أنَّ حَدَّه الرجمُ حتَّى يموتَ، وقد رجم النَّبيُّ - ﷺ - ماعزًا والغامدية (^٦)، وكان في القرآن الذي نسخ لفظه: «والشَّيخُ
والشَّيخَةُ إذا زَنيا فارجُموهُما البتة نكالًا من الله، والله عزيز حكيم» (^٧).
وقد استنبط ابنُ عباسٍ الرَّجمَ مِنَ القرآن من قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ
كَثِيرٍ﴾ (^٨)، قال: فمن كفر بالرَّجم، فقد كفر بالقرآن من حيثُ لا يحتسب، ثمَّ تلا هذه الآية، وقال: كان الرجمُ مما أخفوا. خرَّجه النَّسائي (^٩)،
_________________
(١) في (ص): «كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان».
(٢) أخرجه: النسائي في " المجتبى " ٧/ ١٠٣ من حديث عثمان بن عفان، به.
(٣) نسبه الحافظ ابن حجر إلى النسائي. انظر: فتح الباري ١٢/ ٢٥١، وانظر: مجمع الزوائد ١/ ٢٥.
(٤) انظر: مجمع الزوائد ١/ ٢٥ - ٢٦.
(٥) تقدم تخريجه عند الحديث الثامن.
(٦) أخرجه: أحمد ٣/ ٦١ - ٦٢، ومسلم ٥/ ١١٨ (١٦٩٤) (٢٠)، وأبو داود (٤٤٣١)، وابن حبان (٤٤٣٨)، والحاكم ٤/ ٣٦٢ - ٣٦٣، والبيهقي ٨/ ٢٢٠ - ٢٢١ من حديث أبي سعيد الخدري، به. وللحديث طرق أخرى، وانظر: المغني ١٠/ ١١٩.
(٧) أخرجه: عبد الرزاق (١٣٣٦٣)، وابن حبان (٤٤٢٨) و(٤٤٢٩)، والحاكم ٢/ ٤١٥ من حديث أبي بن كعب، به، وإسناده لا بأس به، وانظر: المغني ١٠/ ١١٨ - ١١٩.
(٨) المائدة: ١٥.
(٩) في " الكبرى " (٧١٦٢) وفي " التفسير "، له (١٥٩). وأخرجه: الطبري في "تفسيره" (٩٠٥٧)، وطبعة التركي ٨/ ٢٦٢، وابن حبان (٤٤٣٠)، والحاكم ٤/ ٣٥٩ من حديث عبد الله بن عباس، به. وهو صحيح.
[ ٢٩٢ ]
والحاكم (^١)، وقال: صحيحُ الإسناد.
ويُستنبط أيضًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله﴾ (^٢). وقال الزهري: بلغنا أنَّها نزلت في اليهوديَّيْن اللذيْن رجمهما النَّبيُّ - ﷺ - قال: «إنِّي أحكم بما في التوراة» وأمر بهما فرُجما (^٣).
وخرَّج مسلم في " صحيحه " (^٤) من حديث البراء بن عازب قصة رجم اليهوديين، وقال في حديثه: فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر﴾ (^٥) وأنزل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٦) في الكفار كلها.
وخرَّجه الإمام أحمد (^٧) وعنده: فأنزل الله: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (^٨)، يقولون: ائتوا محمدًا (^٩)، فإنْ أفتاكم بالتَّحميم والجلدِ، فخُذوه، وإنْ أفتاكم بالرجم، فاحذروا، إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^١٠)، قال: في
اليهود.
ورُوِيَ من حديث جابر قصَّةُ رجم اليهوديين، وفي حديثه قال: فأنزل الله:
_________________
(١) في " المستدرك " ٤/ ٣٥٩.
(٢) المائدة: ٤٤ - ٤٩.
(٣) أخرجه: عبد الرزاق في " تفسيره " ١/ ١٨٩ - ١٩٠ وفي مصنفه (١٣٣٣٠)، وأبو داود (٤٤٥٠)، والطبري في " تفسيره " (٩٣٨٧)، وطبعة التركي ٨/ ٤٥١، وابن أبي حاتم في " تفسيره " (٦٤٠١).
(٤) الصحيح ٥/ ١٢٢ (١٧٠٠) (٢٨)، وأبو داود (٤٤٤٨).
(٥) المائدة: ٤١.
(٦) المائدة: ٤٤.
(٧) في " مسنده " ٤/ ٢٨٦. وأخرجه: مسلم ٥/ ١٢٢ - ١٢٣ (١٧٠٠) (٢٨)، وأبو داود (٤٤٤٧) و(٤٤٤٨)، وابن ماجه (٢٣٢٧) و(٢٥٥٨)، والنسائي في "الكبرى" (١١١٤٤) وفي " التفسير "، له (١٦٤)، والطبري في " تفسيره " (٩٣١٦)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٤٥٤١)، وفي " شرح معاني الآثار "، له ٤/ ١٤٢ من حديث البراء بن عازب، به.
(٨) المائدة: ٤١.
(٩) في (ص): «يعني: الجلد».
(١٠) المائدة: ٤٤.
[ ٢٩٣ ]
﴿فَإِنْ جَاءوكَ فَاحْكُمْ بَينهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُم﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ
بَيْنَهُمْ بِالْقِسْط﴾ (^١).
وكان الله تعالى قد أمر أوَّلًا بحبسِ النِّساء (^٢) الزَّواني إلى أنْ يتوفَّاهنَّ الموت، أو يجعل الله لهنَّ السبيل، ثم جعل الله (^٣) لهنَّ سبيلًا، ففي " صحيح مسلم " (^٤) عن عبادة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «خُذوا عنِّي خُذوا عنِّي قد جعل الله لهنَّ سبيلًا: البكرُ بالبكِر جلدُ مئة وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثيب جلدُ مئة والرجمُ».
وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعةٌ من العلماء، وأوجبوا جلدَ الثيب مئة، ثم رجمه كما فعل عليٌّ بشُراحة الهَمْدَانيَّةِ، وقال: جلدتُها بكتاب الله، ورجمتُها بسُنَّة رسول الله - ﷺ - (^٥). يشير إلى أنَّ كتاب الله فيه جلدُ الزَّانيين من غير تفصيلٍ بين ثيِّبٍ وبِكرٍ، وجاءت السُّنةُ برجم الثيب خاصة مع استنباطه من القرآن أيضًا، وهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد ﵀ وإسحاق، وهو قول الحسن وطائفة من السَّلف (^٦).
وقالت طائفة منهم: إنْ كان الثَّيِّبان شيخين رُجمَا وجُلِدا، وإنْ كانا شابَّين، رُجِما بغيرِ جلدٍ؛ لأنَّ ذنبَ الشيخِ أقبحُ، لا سيما بالزنى، وهذا قولُ أبيِّ بنِ كعبٍ، وروي عنه مرفوعًا، ولا يصحُّ رفعه، وهو رواية عن أحمد وإسحاق أيضًا (^٧).
وأما النَّفسُ بالنفسِ، فمعناه: أنَّ المكلَّف إذا قتل نفسًا بغير حق (^٨) عمدًا، فإنَّه
_________________
(١) المائدة: ٤٢. والحديث أخرجه: الحميدي (١٢٩٤)، وإسناده ضعيف لضعف مجالد بن سعيد.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) لفظ الجلالة لم يرد في (ص).
(٤) الصحيح ٥/ ١١٥ (١٦٩٠) (١٢).
(٥) أخرجه: أحمد ١/ ٩٣، والبخاري ٨/ ٢٠٤ (٦٨١٢)، والدارقطني ٣/ ٩٥ (٣٢٠٦)، والحاكم ٤/ ٣٦٤ - ٣٦٥، وأبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٣٢٩، والبيهقي ٨/ ٢٢٠ من حديث علي بن أبي طالب، به. وانظر: المغني ١٠/ ١١٩.
(٦) انظر: رؤوس المسائل في الخلاف ٢/ ٩٧٨، والمغني ١٠/ ١١٩.
(٧) انظر: المغني ١٠/ ١١٧.
(٨) في (ص): «نفس».
[ ٢٩٤ ]
يُقْتَلُ بها، وقد دلَّ القرآن على ذلك بقوله تعالى:
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي
الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ (^٢).
ويُستثنى من عُموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بالنَّفْسِ﴾ صُورٌ:
منها: أنْ يقتل الوالدُ ولدَه، فالجمهورُ على أنَّه لا يُقْتَلُ به، وصحَّ ذلك عن عُمر. وروي عن النَّبيِّ - ﷺ - من وجوهٍ مُتعدِّدَةٍ، وقد تُكُلِّمَ في أسانيدها (^٣)، وقال مالك: إنْ تَعمَّدَ قتله تعمدًا لا يشكُّ فيه، مثل أنْ يذبحه، فإنَّه يُقتل به، وإنْ
حذفه بسيفٍ أو عصا، لم يقتل. وقال البتِّي: يقتل بقتله بجميع وجوه العَمدِ للعمومات (^٤).
ومنها: أنْ يقتل الحرُّ عبدًا، فالأكثرون على أنَّه لا يُقتل به (^٥)، وقد
وردت في ذلك أحاديثُ في أسانيدها مقالٌ (^٦). وقيل: يقتل بعبدِ غيره دُون
_________________
(١) المائدة: ٤٥.
(٢) البقرة: ١٧٨.
(٣) أخرجه: أحمد ١/ ٢٢ و٤٩، وعبد بن حميد (٤١)، وابن ماجه (٢٦٦٢)، والترمذي
(٤) ، وابن الجارود (٧٨٨)، والطبراني في " الأوسط " (٨٩٠١)، والبيهقي ٨/ ٣٨ و٧٢ من حديث عمر بن الخطاب ونصه: قال: سمعت رسول الله يقول: «لا يُقاد الوالد بالولد». وأخرجه: أحمد ١/ ١٦ من طريق مجاهد، عن عمر وهو منقطع؛ لأنَّ مجاهدًا لم يسمع من عمر. ورواه من حديث عبد الله بن عباس: الدارمي (٢٣٦٢)، وابن ماجه (٢٦٦١)، والترمذي (١٤٠١)، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ١٨، والحاكم ٤/ ٣٦٩، والبيهقي ٨/ ٣٩، وإسناده ضعيف لضعف إسماعيل بن مسلم المكي. ونصه: عن عبد الله بن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: «لا تقام الحدود في المساجد ولا يقتل الوالد بالولد». وأخرجه: عبد الرزاق (١٧١٠) من طريق طاووس، عن النَّبيِّ - ﷺ - مرسلًا.
(٥) انظر: رؤوس المسائل في الخلاف ٢/ ٩١٢، وبداية المجتهد ٢/ ٧١٠ - ٧١١.
(٦) انظر: الهداية للكلوذاني ٢/ ٢٣٠ بتحقيقنا، وبداية المجتهد ٢/ ٧٠٦.
(٧) أخرجه: البيهقي ٨/ ٣٥. ونصه: عن ابن عباس ﵄: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «لا يقتل حر بعبد». وأخرجه: البيهقي ٨/ ٣٤. ونصه: قال علي - ﵁ -: «من السنة أن لا يقتل حر بعبد». وانظر: رؤوس المسائل في الخلاف ٢/ ٩١١ و٩١٢.
[ ٢٩٥ ]
عبدِه (^١)، وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابه،
وقيل: يقتل بعبده وعبدِ غيره، وهي رواية عن الثوري، وقول طائفةٍ من أهل الحديث (^٢)؛ لحديث سمرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «من قَتَلَ عبدهُ قتلناهُ، ومن جَدَعَهُ جدَعْناهُ» (^٣) وقد طعن فيه الإمام أحمد
وغيره.
وقد أجمعوا على أنَّه لا قصاص بين العبيدِ والأحرار في الأطراف، وهذا يدلُّ على أنَّ هذا الحديث مطَّرَحٌ لا يُعمل به، وهذا مما يُستدلُّ به على أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بالنَّفْسِ﴾ (^٤) الأحرار؛ لأنَّه ذكر بعده القصاص في الأطراف، وهو يختصُّ بالأحرار (^٥).
ومنها: أنْ يَقتُلَ المسلم كافرًا، فإنْ كان حربيًا، لم يقتل به بغير خلافٍ (^٦)؛ لأنَّ قتل الحربيِّ مباحٌ بلا ريب، وإنْ كان ذميًا أو معاهَدًا، فالجمهور على أنَّه لا
يقتل به أيضًا (^٧)، وفي " صحيح البخاري " (^٨)
_________________
(١) عبارة: «دون عبده» سقطت من (ص).
(٢) انظر: بداية المجتهد ٢/ ٧٠٦ - ٧٠٧.
(٣) أخرجه: أحمد ٥/ ١٠ و١١ و١٢ و١٨ و١٩، والدارمي (٢٣٦٣)، وأبو داود (٤٥١٥) و(٤٥١٦) و(٤٥١٧)، وابن ماجه (٢٦٦٣)، والترمذي (١٤١٤) وفي " العلل الكبير "، له (٢٣٨)، والنسائي ٨/ ٢٠ و٢١ و٢٦، وابن عدي في " الكامل " ٣/ ١٥٦ و٨/ ٤١٧ من حديث الحسن، عن سمرة بن جندب، به، وإسناده ضعيف فإنَّ الحسن لم يسمع كل أحاديث سمرة، وهذا الحديث جاء التصريح بأنه لم يسمعه الحسن من سمرة كما في " مسند الإمام أحمد " ٥/ ١٠.
(٤) المائدة: ٤٥.
(٥) انظر: بداية المجتهد ٢/ ٧١٠.
(٦) انظر: رؤوس المسائل في الخلاف ٢/ ٩١١، والهداية للكلوذاني ٢/ ٢٣٠ بتحقيقنا، وبداية المجتهد ٢/ ٧٠٨.
(٧) انظر: رؤوس المسائل في الخلاف ٢/ ٩١١، وبداية المجتهد ٢/ ٧٠٨. اختلف العلماء في قتل المؤمن بالكافر الذمي، فقال الإمام ابن رشد - ﵀ -: وأما قتل المؤمن بالكافر الذمي فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: فقال قوم: لا يقتل مؤمن بكافر، وممن قال به الشافعي والثوري وأحمد وداود وجماعة. وقال قوم: يقتل به، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى. وقال مالك والليث، لا يقتل به إلا أن يقتله غيلة وقتل الغيلة أن يضجعه فيذبحه وبخاصة على ماله. انظر: بداية المجتهد ٢/ ٧٠٨.
(٨) الصحيح ١/ ٣٨ (١١١) و٤/ ٨٤ (٣٠٤٧) و٩/ ١٣ (٦٩٠٣) و٩/ ١٦ (٦٩١٥). وأخرجه: الشافعي في " المسند " (١٦٢٥) و(١٦٢٦) بتحقيقي، والطيالسي (٩١)، وعبد الرزاق (١٨٥٠٨)، والحميدي (٤٠)، وابن أبي شيبة (٢٧٤٧١) (ط الحوت)، وأحمد ١/ ٧٩، والدارمي (٢٣٦١)، وابن ماجه (٢٦٥٨)، والترمذي (١٤١٢)، والبزار (٤٨٦)، والنسائي ٨/ ٢٣ - ٢٤ وفي " الكبرى "، له (٦٩٤٦)، وأبو يعلى
(٩) ، وابن الجارود (٧٩٤)، والطحاوي في " شرح المعاني " ٣/ ١٩٢، والبيهقي ٨/ ٢٨، والبغوي في " شرح السنة " (٢٥٣٠).
[ ٢٩٦ ]
عن علي، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لا
يُقتلُ مسلمٌ بكافرٍ».
وقال أبو حنيفة وجماعةٌ من فقهاء الكوفيين: يُقتل به (^١)، وقد روى ربيعةُ، عن ابن البيلماني، عن النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّه قتل رجلًا من أهل القبلة برجل من أهل الذمةِ، وقال: «أنا أحقُّ من وفَّى بذمَّته» (^٢) وهذا مرسل ضعيف قد ضعَّفه الإمام أحمد، وأبو عبيد، وإبراهيمُ الحربي،
والجوزجاني، وابنُ المنذر، والدارقطني، وقال: ابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله؟ وقال الجوزجاني: إنَّما أخذه ربيعةُ، عن إبراهيمَ بن أبي يحيى، عن ابنِ المنكدر، عن ابن البيلماني، وابن أبي يحيى: متروك الحديث. وفي " مراسيل أبي داود " حديث آخر مرسل: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَتَلَ يوم خيبر مسلمًا بكافرٍ، قتله غيلةً، وقال: «أنا أولى وأحقُّ من وفى بذِمَّته» (^٣). وهذا مذهبُ مالك وأهل المدينةِ: أنَّ القتلَ (^٤) غيلة لا تُشترط له المكافأة، فَيُقْتَلُ فيه المسلمُ بالكافرِ، وعلى هذا حملُوا حديثَ ابن البيلماني أيضًا على تقدير صحَّته (^٥).
ومنها: أنْ يقتل الرجل امرأةً، فيُقتل بها بغيرِ خلاف (^٦)، وفي كتاب عمرو ابن حزمٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّ الرَّجُلَ يقتل بالمرأة (^٧).
_________________
(١) انظر: رؤوس المسائل في الخلاف ٢/ ٩١١، وبداية المجتهد ٢/ ٧٠٨.
(٢) أخرجه: عبد الرزاق (١٨٥١٤)، وأبو داود في " المراسيل ": ١٥٥، والدارقطني ٣/ ١٠١ (٣٢٣٤) (طبعة دار الكتب العلمية)، والبيهقي ٨/ ٣٠، وهو ضعيف كما أشار إليه المصنف.
(٣) أخرجه: أبو داود في " المراسيل ": ١٥٥ وطبعة الرسالة (٢٥٠) و(٢٥١)، وهو في " مسند الشافعي " (١٦٢٢) بتحقيقي، وانظر هناك تمام تخريجه والتعليق عليه.
(٤) من قوله: «وقال: أنا أولى …» إلى هنا سقط (ص).
(٥) انظر: بداية المجتهد ٢/ ٧٠٨.
(٦) انظر: بداية المجتهد ٢/ ٧١٠.
(٧) أخرجه: ابن حبان (٦٥٥٩)، والحاكم ١/ ٣٩٥ - ٣٩٧، والبيهقي ٤/ ٨٩ - ٩٠ من حديث عمرو بن حزم، به. وهو ضعيف من حيث الصناعة الإسنادية.
[ ٢٩٧ ]
وصحَّ أنَّه - ﷺ - قتل يهوديًا قتلَ جارية (^١) وأكثرُ العلماء على أنَّه لا يدفع إلى أولياء الرجل شيءٌ. وروي عن عليّ أنَّه يدفع إليهم نصف الدية؛ لأنَّ ديةَ المرأة نصفُ ديةِ الرجل وهو قولُ طائفةٍ مِنَ السَّلف وأحمد في رواية عنه (^٢).
وأمَّا التَّاركُ لِدينه المفارق للجماعة، فالمرادُ به من ترك الإسلام، وارتدَّ عنه، وفارقَ
جماعة المسلمين (^٣)، كما جاء التصريحُ بذلك في حديث عثمان، وإنَّما استثناه مع من يحلُّ دمه من أهل الشهادتين باعتبارِ ما كان عليه قبل الرِّدَّة وحكم الإسلام لازم له بعدها، ولهذا يُستتاب، ويُطلب منه العود إلى الإسلام (^٤)،
وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الرِّدَّة من العبادات اختلافٌ مشهورٌ بَيْنَ
العلماء (^٥).
وأيضًا فقد يتركُ دينَه، ويُفارِقُ الجماعة، وهو مقرٌّ بالشَّهادتين، ويدَّعي الإسلام، كما إذا جحد شيئًا مِنْ أركان الإسلام، أو سبَّ (^٦) الله ورسولَه، أو كفرَ ببعضِ الملائكة أو النَّبيِّينَ أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم (^٧) بذلك (^٨)،
وفي
_________________
(١) عن أنس - ﵁ -: أنَّ يهوديًا قتل جارية على أوضاح، فقتله رسول الله - ﷺ -. أخرجه: أحمد ٣/ ١٧٠ و٢٠٣، والبخاري ٩/ ٥ - ٦ (٦٨٧٧)، ومسلم ٥/ ١٠٣ (١٦٧٢) (١٥)، وأبو داود (٤٥٢٩)، وابن ماجه (٢٦٦٦)، والنسائي ٨/ ٣٥ - ٣٦، وابن حبان (٥٩٩٢)، والدارقطني ٣/ ١١٨ (٣٣١٥) (طبعة دار الكتب العلمية)، والبيهقي ٨/ ٤٢ من حديث أنس بن مالك، به.
(٢) انظر: بداية المجتهد ٢/ ٧١٠. وهو قول: عثمان البتي، وحكى القاضي أبو الوليد الباجي في " المنتقى " عن الحسن البصري وعطاء: أنَّه لا يقتل الذكر بالأنثى وحكاه الخطابي في " معالم السنن " وهو شاذ. انظر: معالم السنن ٤/ ١٤.
(٣) انظر: الواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٣٨١، والمغني ١٠/ ٧٢، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ٤/ ٥٩٧ - ٥٩٨.
(٤) انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢/ ٨٤٨، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٣٨٢، والهداية للكلوذاني ٢/ ٢٨٤ بتحقيقنا، والمغني ١٠/ ٧٤، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ٤/ ٦٠٠.
(٥) انظر: الهداية للكلوذاني ٢/ ٢٨٦ بتحقيقنا.
(٦) سقطت من (ص).
(٧) عبارة: «مع العلم» سقطت من (ص).
(٨) انظر: الهداية للكلوذاني ٢/ ٢٨٦ بتحقيقنا، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ٤/ ٦٠٠.
[ ٢٩٨ ]
" صحيح البخاري " (^١)
عن ابن عباس، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «من بدَّل دينَهُ فاقتلوه».
ولا فرق في هذا بين الرجلِ والمرأة عندَ أكثر العلماء (^٢)، ومنهم من قال: لا
تُقتل المرأةُ إذا ارتدَّت كما لا تُقتل نساء أهلِ دارِ (^٣) الحربِ في الحرب، وإنَّما تُقتل رجالُهم، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه (^٤)، وجعلوا الكفر الطارئ كالأصلي، والجمهور فرَّقوا بينهما، وجعلوا الطارئ أغلظ من الأصلي (^٥) لما سبقه من الإسلام، ولهذا يقتل بالرِّدَّة عنه من لا يقتل من أهل الحرب، كالشَّيخ الفاني والزَّمِن (^٦) والأعمى، ولا يُقتلون في الحرب (^٧).
وقوله - ﷺ -: «التارك لدينه المفارق للجماعة (^٨)» يدلُّ على أنَّه لو تاب ورجع إلى الإسلام لم يقتل؛ لأنَّه ليس بتاركٍ لدينه بعد رجوعه، ولا مفارقٍ للجماعة (^٩).
_________________
(١) الصحيح ٤/ ٧٥ (٣٠١٧) و٩/ ١٨ (٦٩٢٢). وأخرجه: عبد الرزاق (٩٤١٣) و(١٨٧٠٦)، والحميدي (٥٣٣)، وأحمد ١/ ٢١٧ و٢٨٢، وأبو داود (٤٣٥١)، وابن ماجه (٢٥٣٥)، والترمذي (١٤٥٨)، والنسائي ٧/ ١٠٤، وأبو يعلى (٢٥٣٢)، وابن الجارود (٨٤٣)، والطحاوي في " شرح المشكل "
(٢) و(٢٨٦٦) و(٢٨٦٧)، وابن حبان (٤٤٧٦)، والطبراني في " الكبير "
(٣) و(١١٨٥٠)، والدارقطني ٣/ ٨٥ (٣١٥٧) و٣/ ٩٠ (٣١٧٥) (طبعة دار الكتب العلمية)، والحاكم ٣/ ٥٣٨ - ٥٣٩، والبيهقي ٨/ ١٩٥ و٢٠٢ و٩/ ٧١، والبغوي
(٤) و(٢٥٦١). قال ابن قدامة: وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد وغيرهم، ولم ينكر ذلك فكان إجماعًا. انظر: المغني ١٠/ ٧٢، والشرح الكبير على متن المقنع ١٠/ ٧٢، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٣٨١.
(٥) انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢/ ٨٤٧، ورؤوس المسائل في الخلاف ٢/ ٩٧٢، والهداية للكلوذاني ٢/ ٢٨٥ بتحقيقنا، والمغني ١٠/ ٧٢، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٥/ ٣٨١، ومنتهى الإرادات ٢/ ٤٩٩.
(٦) سقطت من (ص).
(٧) انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢/ ٨٤٧، وتحفة الفقهاء ٣/ ٣٠٩، والمغني ١٠/ ٧٢.
(٨) عبارة: «من الأصلي» سقطت من (ج).
(٩) أي: المبتلى، والزَّمانة: العاهة. لسان العرب ٦/ ٨٧.
(١٠) انظر: رؤوس المسائل في الخلاف ٢/ ٩٧٢، والمهذب ٥/ ٢٠٨، وتحفة الفقهاء ٣/ ٣٠٩.
(١١) سبق تخريجه.
(١٢) انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف ٢/ ٨٤٨، والمغني ١٠/ ٧٦، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٣٨٤، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ٤/ ٦٠٠.
[ ٢٩٩ ]
فإنَّ قيل: بل استثناء هذا ممَّن يعصم دَمُه من أهل الشهادتين يدلُّ على أنَّه يقتل ولو كان مقرًا بالشهادتين، كما يقتل الزاني المُحصَن، وقاتل النفس، وهذا يدلُّ على أنَّ المرتدَّ لا تُقبل توبتُه (^١)، كما حُكي عن الحسن، أو أنْ يحمل ذلك على منِ ارتدَّ ممَّن وُلِدَ على الإسلام، فإنَّه لا تُقبل توبتُه (^٢)، وإنَّما تقبل توبةُ مَنْ كانَ كافرًا، ثم أسلم، ثم ارتدَّ على قول طائفةٍ من العلماء، منهم: الليثُ بنُ سعدٍ، وأحمد في رواية عنه، وإسحاق. قيل: إنَّما استثناه من المسلمين باعتبار ما كان عليه قبْلَ مفارقة دينه كما سبق تقريره، وليس هذا كالثيبِ الزَّاني، وقاتل النفس؛ لأنَّ قتلَهُما وَجب عقوبةً لجريمتهما الماضية، ولا يُمكن تلافي ذلك (^٣).
وأمَّا المرتدُّ، فإنَّما قُتِلَ لوصفٍ قائمٍ به في الحال، وهو تركُ دينه ومفارقةُ الجماعة، فإذا عاد إلى دينِهِ، وإلى موافقته الجماعة، فالوصف الذي أُبيح به دمُه قدِ انتفى، فتزولُ إباحةُ دمِهِ، والله أعلم (^٤).
فإنْ قيل: فقد خرَّج النَّسائي (^٥) من حديث عائشة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لا يَحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلاَّ بإحدى ثلاث خصالٍ: زانٍ محصن يُرجَمُ، ورَجُلٍ قتل متعمدًا فيُقتل، ورجلٍ يخرجُ من الإسلام فحارب الله ورسوله فيقتل، أو يُصلب، أو يُنفى من الأرض». وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ من جمع بين الردَّة والمحاربة.
قيل: قد خرَّج أبو داود (^٦)
حديث عائشة بلفظ آخر، وهو أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: «لا يحلُّ دَمُ امرئٍ مسلمٍ يشهد أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله إلا في إحدى (^٧) ثلاث:
_________________
(١) انظر: المغني ١٠/ ٧٦، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٣٨٤.
(٢) من قوله: «كما حكي عن الحسن …» إلى هنا سقط من (ص).
(٣) انظر: المغني ١٠/ ٧٦، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٣٩٤.
(٤) انظر: المغني ١٠/ ٧٦.
(٥) في " المجتبى " ٧/ ١٠١ - ١٠٢، وفي " الكبرى " (٣٥١١)، وهو صحيح.
(٦) في " سننه " (٤٣٥٣). وأخرجه: النسائي ٧/ ١٠١ - ١٠٢ و٨/ ٢٣ وفي " الكبرى "، له (٣٥١١) و(٦٩٤٥)، وهو حديث صحيح.
(٧) في " سنن أبي داود ": «بإحدى».
[ ٣٠٠ ]
[رجل] (^١) زنى بعد إحصانٍ فإنَّه يُرجم، ورجل خرج محاربًا لله ورسوله فإنَّه يقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض، أو يقتل نفسًا فيقتل بها».
وهذا يدلُّ على أنَّ مَنْ وُجِدَ منه الحِراب من المسلمين، خُيِّرَ الإمامُ فيه مطلقًا، كما يقوله علماءُ أهلِ المدينة مالك وغيره (^٢)، والرواية الأولى قد تُحمل على أنَّ المرادَ بخروجه عن الإسلام خروجُه عن أحكام الإسلام (^٣)، وقد تُحمل على ظاهرها، ويستدلُّ بذلك مَنْ يقول: إنَّ آيةَ (^٤) المحاربة تختصُّ بالمرتدين (^٥)،
فمن ارتدَّ وحارب
فُعِل به ما في الآية، ومن حارب من غيرِ رِدَّةٍ، أقيمت عليه أحكامُ المسلمين مِنَ القِصاص والقطع في السرقة، وهذا رواية عن أحمد لكنَّها غيرُ مشهورةٍ عنه، وكذا قالت طائفة من السَّلف: إنَّ آية المحاربة تختصُّ بالمرتدين، منهم: أبو قِلابة
وغيرُه (^٦).
وبكلِّ حالٍ فحديث عائشة ألفاظُه مختلفةٌ، وقد روي عنها مرفوعًا، وروي عنها موقوفًا، وحديثُ ابنِ مسعودٍ لفظه لا اختلاف فيه، وهو ثابت متفق على صحته، ولكن يُقال على هذا: إنَّه قد ورد قتلُ المسلم بغير إحدى هذه الخصال الثلاث:
فمنها: في اللواط، وقد جاء من حديثِ ابن عباس، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال
: «اقتُلوا
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من " سنن أبي داود ".
(٢) انظر: بداية المجتهد ٢/ ٨١٦.
(٣) انظر: نيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ٤/ ٥٩٧ - ٥٩٨.
(٤) لم ترد في (ص).
(٥) انظر: تفسير البغوي ٢/ ٤٣، والدر المنثور ٢/ ٤٩٢. قال ابن قدامة في " المغني " ١٠/ ٢٩٧: «وهذه الآية في قول ابن عباس وكثير من العلماء نزلت في قطاع الطريق من المسلمين، وبه يقول مالك والشافعي، وأبو ثور وأصحاب الرأي، وحكي عن ابن عمر أنَّه قال: نزلت هذه الآية في المرتدين، وحكي ذلك عن الحسن وعطاء وعبد الكريم؛ لأنَّ سبب نزولها قصة العرنيين، وكانوا ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الرعاة، فاستاقوا إبل الصدقة، فبعث النَّبيُّ - ﷺ - من جاء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، وألقاهم في الحرة حتىّ ماتوا، قال أنس: فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ﴾ المائدة: ٣٣.
(٦) انظر: الهداية للكلوذاني ٢/ ٢٧٨ بتحقيقنا، والمغني ١٠/ ٣٠٣، ومنتهى الإرادات ٢/ ٤٩١، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ٤/ ٥٨٧ - ٥٨٨.
[ ٣٠١ ]
الفاعِلَ والمفعولَ به» (^١)،
وأخذ به كثيرٌ من العلماء كمالكٍ وأحمد، وقالوا: إنَّه موجبٌ للقتل بكلِّ حالٍ، محصنًا كان أو غير محصن (^٢)، وقد رُوي عن عثمان أنَّه قال: لا يحلُّ دمُ امرئ مسلم إلا بأربع، فذكر الثلاثة المتقدمة، وزاد: ورجل عمِلَ عمَلَ قوم لوط (^٣).
ومنها من أتى ذات محرم، وقد روي الأمر بقتله،
وروي أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قتل من تزوَّجَ بامرأة أبيه (^٤)، وأخذ بذلك طائفةٌ من العلماء، وأوجبوا قتله مطلقًا محصنًا كان أو غير محصن (^٥).
ومنها الساحر: وفي " الترمذي " (^٦)
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزاق (١٣٤٩٢)، وأحمد ١/ ٣٠٠، وعبد بن حميد (٥٧٥)، وأبو داود (٤٤٦٢)، وابن ماجه (٢٥٦١)، والترمذي (١٤٥٦) وفي " العلل الكبير "، له
(٢) ، وأبو يعلى (٢٤٦٣) و(٢٧٤٣)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار "
(٣) ، والطبراني في " الكبير " (١١٥٦٨) و(١١٥٦٩)، والدارقطني ٣/ ٩٦
(٤) (طبعة دار الكتب العلمية)، والحاكم ٤/ ٣٥٥، والبيهقي ٨/ ٢٣١ - ٢٣٢ وفي " معرفة السنن والآثار "، له (٥٠٨٧)، وإسناده ضعيف، وانظر تعليق الترمذي عقب الحديث في " جامعه ".
(٥) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ٢/ ٣١٦، والجواب الكافي لمن سئل عن الدواء الشافي: ٢١٠، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ٣/ ٥٥٣.
(٦) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٧٩٠٥) و(٢٨٣٥٠) وطبعة الرشد (٢٨٣٦٢) و(٢٨٨١٦).
(٧) أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٣٦٠٧) و(٣٦١٤٩) (ط الحوت)، وأحمد ٤/ ٢٩٠ و٢٩٥، وابن ماجه (٢٦٠٧)، والترمذي (١٣٦٢)، والنسائي ٦/ ١٠٩، والبغوي في " شرح السنة " (٢٥٩٢) عن البراء بن عازب، عن خاله، وقال الترمذي: «حسن غريب». وأخرجه: عبد الرزاق (١٠٨٠٤)، وأحمد ٤/ ٢٩٢ و٢٩٧، وأبو داود (٤٤٥٧)، والنسائي ٦/ ١٠٩ - ١١٠، والبيهقي ٧/ ١٦٢ عن البراء بن عازب، عن عمه، به. وأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٨٨٦٦) (ط الحوت) عن البراء بن عازب، عن النَّبيِّ - ﷺ -، به.
(٨) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ٢/ ٣١٨ - ٣١٩، وشرح السنة ١٠/ ٣٠٥.
(٩) في " جامعه " (١٤٦٠)، وضعّف المرفوع ثم أعله بالوقف. وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (١٦٦٥) و(١٦٦٦)، وابن عدي في " الكامل " ١/ ٤٦٢، والدارقطني ٣/ ٩٠ (٣١٧٩) (طبعة دار الكتب العلمية)، والحاكم ٤/ ٣٦٠، والبيهقي ٨/ ١٣٦ من حديث جندب، به. وأخرجه: عبد الرزاق (١٨٧٥٢) من طريق الحسن، عن النبي - ﷺ -، مرسلًا.
[ ٣٠٢ ]
من حديث جُندب مرفوعًا (^١): «حدُّ السَّاحر (^٢) ضربةٌ بالسَّيف»، وذكر أنَّ الصحيح وقفه على جندب (^٣)، وهو مذهبُ جماعةٍ من العلماء، منهم: عُمَرُ بنُ عبد العزيز ومالك وأحمد وإسحاق، ولكن هؤلاء يقولون: إنَّه يكفر بسحره، فيكون حكمُه حكمَ المرتدين (^٤).
ومنها: قتلُ من وقع على بهيمة، وقد ورد فيه حديث مرفوع (^٥)، وقال به
طائفةٌ من العلماء (^٦).
ومنها: من ترك الصَّلاة، فإنَّه يُقتل عندَ كثيرٍ من العُلماء مع قولهم: إنَّه ليس
بكافرٍ، وقد سبق ذكرُ ذلك مستوفى.
ومنها قتلُ شاربِ الخمر في المرَّة الرابعة، وقد ورد الأمرُ به عنِ النَّبيِّ - ﷺ - من
وُجوهٍ متعدِّدَةٍ (^٧)،
_________________
(١) عبارة: «من حديث جندب مرفوعًا» لم ترد في (ص).
(٢) في (ص): «حده».
(٣) انظر: جامع الترمذي (١٤٦٠)، والرواية الموقوفة أخرجها: البيهقي في السنن الكبرى ٨/ ١٣٦.
(٤) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ٢/ ٣٠٣، والمغني ١٠/ ١٠٦ و١١١، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ٤/ ٦٠١.
(٥) ونصه: قال رسول - ﷺ -: «من وقع على ذات محرم فاقتلوه، ومن وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة». أخرجه: عبد الرزاق (١٣٤٩٢)، وأحمد ١/ ٢٦٩ و٣٠٠، وأبو داود (٤٤٦٤)، والترمذي (١٤٥٥)، والدارقطني ٣/ ٩٦ (٣٢١٠) (ط دار الكتب العلمية)، والحاكم ٤/ ٣٥٥، والبيهقي ٨/ ٢٣١ و٢٣٢ من حديث عبد الله بن عباس، به، وقد أعله الترمذي بالوقف.
(٦) انظر: الجواب الكافي لمن سئل عن الدواء الشافي: ٢١٨.
(٧) حديث صحيح نصه: قال رسول الله - ﷺ -: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه». أخرجه: عبد الرزاق (١٧٠٨٧)، وأحمد ٤/ ٩٥ و٩٦ و١٠١، وأبو داود (٤٤٨٢)، وابن ماجه (٢٥٧٣)، والترمذي (١٤٤٤) وفي " العلل الكبير "، له (٢٤٦)، وأبو يعلى (٧٣٦٣)، والطحاوي في " شرح المعاني " ٣/ ١٥٩، وابن حبان (٤٤٤٦)، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (٧٦٧) و(٧٦٨)، والحاكم ٤/ ٣٧٢، والبيهقي ٨/ ٣١٣ من حديث معاوية بن أبي سفيان، به. وأخرجه: أبو داود (٤٤٨٣)، والنسائي ٨/ ٣١٣، والحاكم ٤/ ٣٧١ من حديث عبد الله ابن عمر، به. وأخرجه: أحمد ٢/ ٢٩١، وأبو داود (٤٤٨٤)، وابن ماجه (٢٥٧٢)، والنسائي ٨/ ٣١٤، وابن حبان (٤٤٤٧)، والحاكم ٤/ ٣٧١ من حديث أبي هريرة، به. وأخرجه: ابن حبان (٤٤٤٥) من حديث أبي سعيد، به.
[ ٣٠٣ ]
وأخذَ بذلك عبدُ الله بنُ عمرو بن العاص وغيره، وأكثر العلماء على أنَّ القتل انتسخ، وروي أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أُتي بالشَّارب في المرَّةِ الرَّابعة، فلم يقتُله (^١). وفي " صحيح البخاري " (^٢): أنَّ رجلًا كان يُؤتى به النَّبيَّ - ﷺ - في الخمر، فلعنه رجلٌ، وقال: ما أكثرَ ما يُؤتى به، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «لا تلعنه؛ فإنَّه يُحِبُّ الله ورسوله» ولم يقتله بذلك.
وقد روي قتلُ السارق في المرة الخامسة (^٣)، وقيل: إنَّ بعضَ الفُقهاء ذهبَ
إليه (^٤).
ومنها: ما رُوي عنه - ﷺ - أنَّه قال: «إذا بُويِعَ لِخَلِيفَتين، فاقتلوا الآخرَ
منهما» خرَّجه مسلم (^٥) من حديث أبي سعيد، وقد ضعف العقيلي أحاديثَ هذا الباب كلها (^٦).
ومنها: قولُه - ﷺ -: «من أتاكم وأمرُكُم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ، فأراد
أنْ يشقَّ عصاكم، أو يفرِّقَ جماعَتَكُم فاقتلوه» (^٧)،
وفي رواية: «فاضربوا
رأسه بالسيف كائنًا من كان». وقد خرَّجه مسلم (^٨)
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٤٤٨٥) من حديث قبيصة بن ذؤيب، وهو مرسل. انظر: تهذيب الكمال ٦/ ٩٤ (٥٤٣١).
(٢) في " صحيحه " ٨/ ١٩٧ (٦٧٨٠) من حديث عمر بن الخطاب، به.
(٣) أخرجه: أبو داود (٤٤١٠)، والنسائي ٨/ ٩٠ - ٩١ من حديث جابر بن عبد الله، وهو ضعيف كما سيأتي وضعفه النسائي. وأخرجه: النسائي ٨٩ - ٩٠ من حديث الحارث بن حاطب، وهو ضعيف كما سيأتي.
(٤) انظر: شرح الزركشي على متن الخرقي ٤/ ٧٣ - ٧٤.
(٥) في " صحيحه " ٦/ ٢٣ (١٨٥٣) (٦١).
(٦) انظر: الضعفاء الكبير للعقيلي ٣/ ٤٥٧.
(٧) أخرجه: مسلم ٦/ ٢٣ (١٨٥٢) (٦٠).
(٨) في " صحيحه " ٦/ ٢٢ - ٢٣ (١٨٥٢) (٥٩). وأخرجه: أحمد ٤/ ٢٦١ و٣٤١ و٥/ ٢٤، وأبو داود (٤٧٦٢)، والنسائي ٧/ ٩٢ - ٩٣ من حديث عرفجة، به.
[ ٣٠٤ ]
أيضًا من رواية
عرفجة.
ومنها: من شَهَرَ السِّلاحَ، فخرَّج النسائيُّ (^١) من حديث ابن الزبير، عن النَّبيِّ
- ﷺ - قال: «مَنْ شَهَرَ السِّلاحَ ثم وضعه، فدمه هدرٌ»، وقد روي عن ابن الزبير
مرفوعًا وموقوفًا، وقال البخاري: إنَّما هو موقوف (^٢).
وسئل أحمد عن معنى هذا الحديث، فقال: ما أدري ما هذا. وقال إسحاق ابن راهويه: إنَّما يريد من شهر سلاحه ثمَّ وضعه في النَّاس حتّى استعرض النَّاس، فقد حل قتله، وهو مذهب الحرورية يستعرضون الرجال والنِّساء والذرية.
وقد رُوِيَ عن عائشة ما يخالف تفسير إسحاق، فخرَّج الحاكم (^٣) من رواية علقمة ابن أبي علقمة، عن أمِّه: أنَّ غلامًا شهر السَّيف على مولاه في إمرةِ سعيدِ بن
العاص، وتفلَّت به عليه، فأمسكه النَّاسُ عنه، فدخل المولى (^٤) على عائشة، فقالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «من أشارَ بحديدةٍ إلى أحدٍ من المسلمين يريد قتله، فقد وجب دمه» فأخذه مولاه فقتله،
وقال: صحيح على شرط الشيخين (^٥).
وقد صحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّه قال: «من قُتِلَ دون ماله، فهو شهيد» (^٦)،
وفي رواية: «ومن قتل دون دمه، فهو شهيد» (^٧).
_________________
(١) في " المجتبى " ٧/ ١١٧، وأخرجه: الحاكم ٢/ ١٥٩ من حديث عبد الله بن الزبير، وتفصيل الكلام عليه في كتابي " الجامع في العلل ".
(٢) انظر: علل الترمذي ١/ ٣٢٧.
(٣) في " مستدركه " ٢/ ١٥٨ - ١٥٩. وأخرجه: أحمد ٦/ ٢٦٦، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (١٢٨٧) و(١٢٨٨)، وهو حديث ضعيف، فإنَّ في إسناده أم علقمة مرجانة مقبولة حيث تتابع ولم تتابع، بل قد انفردت، وهي ممن لا يحتمل تفرده.
(٤) سقطت من (ص).
(٥) انظر: المستدرك ٢/ ١٥٩.
(٦) أخرجه: عبد الرزاق (١٨٥٦٦) و(١٨٥٦٧)، وأحمد ٢/ ١٦٣ و٢٠٦ و٢٢١، والبخاري ٣/ ١٧٩ (٢٤٨٠)، ومسلم ١/ ٨٧ (١٤١) (٢٢٦)، والترمذي (١٤١٩)، والنسائي ٧/ ١١٤ - ١١٥ من حديث عبد الله بن عمرو، به. وللحديث طرق أخرى.
(٧) أخرجه: الطيالسي (٢٣٣)، وأحمد ١/ ١٩٠، وأبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي
(٨) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٣٤٢)، والبيهقي ٣/ ٢٦٦ و٨/ ٣٣٥ من حديث سعيد بن زيد، به.
[ ٣٠٥ ]
فإذا أريد مالُ المرء أو دمُه، دافع عنه بالأسهل. هذا مذهب الشافعي (^١) وأحمد، وهل يجب أنْ ينوي أنَّه لا يريد قتله أم لا؟ فيه روايتان عن الإمام
أحمد (^٢).
وذهب طائفة إلى أنَّ مَنْ أراد مالَه أو دمَه، أُبيح له قتلُه ابتداء، ودخل على ابن عمرَ لِصٌّ، فقام إليه بالسيف صلتًا، فلولا أنَّهم حالوا بينه وبينه، لقتله (^٣). وسئل الحسنُ عن لصٍّ دخل بيت رجلٍ ومعه حديدة، قال: اقتله بأيِّ قتلة قدرتَ عليه، وهؤلاء أباحوا قتله وإنْ ولَّى هاربًا من غير جناية (^٤)، منهم: أيوبُ السَّختياني.
وخرَّج الإمام أحمد (^٥) من حديث عبادة بن الصامت، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال
: «الدَّارُ حرمك، فمن دخل عليك حَرَمَكَ، فاقتله» ولكن في إسناده ضعف.
ومنها: قتلُ الجاسوسِ المسلم إذا تجسَّسَ للكفار على المسلمين، وقد توقَّف فيه أحمد (^٦)، وأباح قَتْلَهُ طائفة من أصحاب مالِك، وابنُ عقيل من
أصحابنا (^٧)، ومن المالكية مَنْ قال: إنْ تكرَّر ذلك منه، أُبِيحَ قتله (^٨)، واستدلَّ من أباحَ
_________________
(١) لم يرد في (ص).
(٢) عبارة: «عن الإمام أحمد» لم ترد في (ص)، وانظر: الواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٤٧٦ - ٤٧٧.
(٣) أخرجه: عبد الرزاق (١٨٥٥٧) و(١٨٨١٨) من حديث عبد الله بن عمر، به. وانظر: الواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٤٧٦ - ٤٧٧.
(٤) انظر: الواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٤٧٧.
(٥) في " مسنده " ٥/ ٣٢٦. وأخرجه: العقيلي في " الضعفاء الكبير " ٤/ ١٣٠، وابن عدي في " الكامل " ٧/ ٤٩٨، والبيهقي ٨/ ٣٤١ من حديث عبادة بن الصامت، به.
(٦) انظر: السياسة الشرعية: ١٢٣، والجهاد والقتال في السياسة الشرعية ٢/ ١١٥٨، والولاء والبراء في الإسلام: ٣٠١.
(٧) انظر: منح الجليل على مختصر سيدي خليل ٣/ ١٦٣، والشرح الكبير للدردير ٢/ ١٨٢، والجهاد والقتال في السياسة الشرعية ٢/ ١١٥٩، والولاء والبراء في الإسلام: ٣٠١.
(٨) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٧٧١، والجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٥٣. وممن قال بذلك: عبد الملك بن الماجشون إذ قال: إن كانت تلك عادته قُتل؛ لأنَّه جاسوس. انظر: الجهاد والقتال في السياسة الشرعية ٢/ ١١٥٩. قال القرطبي في تفسيره: «ولعل ابن الماجشون إنَّما اتخذ التكرار في هذا؛ لأنَّ حاطبًا أُخذ في أول فعله، والله أعلم». الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٥٣.
[ ٣٠٦ ]
قتله (^١) بقولِ النَّبيِّ - ﷺ - في حقِّ حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتابَ إلى أهلِ مكَّةَ يخبرهم بسير النَّبيِّ - ﷺ - إليهم (^٢)، ويأمرهم بأخذ حذرهم، فاستأذن عمرُ في قتله، فقال: «إنَّه شهدَ بدرًا» (^٣)، فلم يقل: إنَّه لم يأتِ ما يُبيحُ دمه، وإنَّما علَّل بوجود مانعٍ مِنْ قتله، وهو شهودُه بدرًا ومغفرةُ الله لأهل بدر، وهذا المانعُ منتفٍ في حقِّ مَنْ بعدَه.
ومنها: ما خرَّجه أبو داود في " المراسيل " (^٤) من رواية ابن المسيَّب: أنَّ
النَّبيَّ - ﷺ - قال: «من ضرب أباه فاقتلوه»
ورُويَ مسندًا من وجهٍ آخرَ لا
يصحُّ (^٥).
وأعلم أنَّ من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصحُّ ولا يُعرف به قائلٌ معتبر، كحديث: «مَنْ ضرب أباه فاقتلوه»، وحديث: «قتل السارق في المرة
الخامسة» (^٦). وباقي النصوص كلُّها يمكن ردُّها إلى حديث ابن مسعود، وذلك أنَّ حديثَ ابنِ مسعودٍ تضمَّن أنَّه لا يُستباح دمُ المسلم إلاَّ بإحدى ثلاث خصالٍ: إمَّا أنْ يترك دينه ويفارق جماعة المسلمين، وإمَّا أنْ يزني وهو محصن، وإمَّا أنْ يقتل نفسًا بغير حقٍّ (^٧).
فيؤخذ منه أنَّ قتل المسلم لا يُستباح إلاَّ بأحد ثلاثة أنواع: تركِ الدين، وإراقةِ الدم المحرَّم، وانتهاك الفرج المحرَّم، فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تُبيح دم المسلم دون غيرها.
_________________
(١) عبارة: «واستدل من أباح قتله» لم ترد في (ص).
(٢) سقطت من (ص).
(٣) أخرجه: البخاري ٤/ ٧٢ (٣٠٠٧)، ومسلم ٧/ ١٦٧ (٢٤٩٤) (١٦١).
(٤) المراسيل: ٢٣٤. وأخرجه أيضًا: ابن عدي في " الكامل " ٢/ ٢١٠.
(٥) أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠ من حديث أبي هريرة، به. وسنده ضعيف جدًا.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) في (ص): «نفس».
[ ٣٠٧ ]
فأما انتهاكُ الفرج المحرّم، فقد ذكر في الحديث أنَّه الزنا بعد الإحصان، وهذا - والله أعلم - على وجه المثال، فإنَّ المحصن قد تمَّت عليه النعمة بنيل هذه الشهوة
بالنِّكاح (^١)، فإذا أتاها بعد ذلك مِنْ فرجٍ محرَّمٍ عليه، أُبيح دمه (^٢)، وقد ينتفي شرط
الإحصان، فيخلفه شرط آخر، وهو كون الفرج لا يُستباحُ بحال، إمَّا مطلقًا كاللواط، أو في حقِّ الواطئ، كمن وطئ ذاتَ محرم بعقد أو غيره، فهذا
الوصف هل يكون قائمًا مقامَ الإحصان وخلفًا عنه؟ هذا هو محلُّ النِّزاع بين العلماء، والأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّه يكون خلفًا عنه، ويُكتفى به في إباحة الدم (^٣).
وأما سفك الدَّم الحرام، فهل يقومُ مقامه إثارة الفتن المؤدية إلى سفك الدماء، كتفريق جماعة المسلمين (^٤)، وشقِّ العصا (^٥)، والمبايعةِ لإمامٍ ثانٍ (^٦)، ودلِّ الكُفَّارِ على عورات المسلمين (^٧)؟ هذا هو محلُّ النزاع. وقد روي عن عمر ما يَدُلُّ على
إباحة القتل بمثل هذا (^٨).
وكذلك شهرُ السلاح لطلب القتل: هل يقومُ مقامَ القتل في إباحة الدم أم
لا؟ فابنُ الزبير وعائشة رأياه قائمًا مقام القتل الحقيقي في ذلك (^٩).
وكذلك قطعُ الطَّريق بمجرَّده: هل يبيحُ القتلَ أم لا؟ لأنَّه مظِنَّةٌ لسفك
الدِّماء المحرَّمة، وقول الله - ﷿ -: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي
الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (^١٠)، يدلُّ على أنَّه إنَّما يُباحُ قتل النفس
بشيئين:
_________________
(١) انظر: الواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٤٠٠ - ٤٠١.
(٢) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ٢/ ٣١٨ - ٣١٩.
(٣) انظر: تحفة الفقهاء ٣/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٤) من قوله: «الفتن المؤدية …» إلى هنا سقط من (ص).
(٥) سبق تخريجه.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) سبق تخريجه.
(٨) انظر: الجهاد والقتال في السياسة الشرعية ٢/ ١١٥٦ و١١٦٠ و١١٦١.
(٩) انظر: المجتبى للنسائي ٧/ ١١٧، والمستدرك ٢/ ١٥٩، والنهاية ٢/ ٥١٥، وشرح السيوطي لسنن النسائي ٧/ ١١٧.
(١٠) المائدة: ٣٢.
[ ٣٠٨ ]
أحدهما: بالنفس (^١)، والثاني: بالفساد في الأرض، ويدخل في
الفساد في الأرض: الحراب (^٢) والرِّدَّة، والزنى، فإنَّ ذلك كلَّه فساد في
الأرض (^٣)، وكذلك تكرُّر شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنةُ سفكِ الدِّماء المحرمة. وقد اجتمع الصحابة في عهد عمر على حدِّه ثمانينَ، وجعلوا السكر مَظِنَّة الافتراءِ والقذفِ الموجب لجلد الثمانين (^٤)،
ولمَّا قدِمَ وفدُ عبدِ القيس على النَّبيِّ - ﷺ -، ونهاهُم عن الأشربة والانتباذِ في الظُّروف قال: «إنَّ أَحَدَكُم ليقومُ إلى ابن عمه - يعني: إذا شرب - فيضربه بالسَّيف»، وكان فيهم رجلٌ قد أصابته جراحةٌ مِنْ ذلك (^٥)، فكان يخبؤها حياءً من النَّبيِّ - ﷺ - (^٦) فهذا كلُّه يرجِعُ إلى إباحة الدَّم بالقتل إقامة لمظان القتل مقامَ حقيقته، لكن هل نسخ ذلك أم حكمه باق وهذا هو محلُّ النِّزاع.
وأما تركُ الدين، ومفارقةُ الجماعة، فمعناه: الارتدادُ عن دين الإسلام ولو أتى بالشهادتين، فلو سبَّ الله ورسوله - ﷺ -، وهو مقرٌّ بالشهادتين، أُبيح دمُه؛ لأنَّه قد ترك بذلك دينه (^٧).
وكذلك (^٨) لو استهان بالمُصحف، وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يُعلم من الدِّين بالضَّرورة كالصلاة، وما أشبه ذلك ممَّا يُخرج منَ الدِّين (^٩).
وهل يقومُ مقامَ ذلك تركُ شيء مِنْ أركان الإسلام الخمس؟ وهذا ينبني على أنَّه
_________________
(١) انظر: تحفة الفقهاء ٣/ ٩٩.
(٢) انظر: الواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٤٥٦، ومنتهى الإرادات ٢/ ٤٩١.
(٣) انظر: الواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٣٩٧.
(٤) انظر: مستدرك الحاكم ٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٤٦٢.
(٥) «من ذلك» سقطت من (ص).
(٦) أخرجه: مسلم ١/ ٣٦ (١٨) (٢٦) من حديث أبي سعيد الخدري، به.
(٧) انظر: المغني ١٠/ ١٠٣، ومنتهى الإرادات ٢/ ٤٩٨، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ٤/ ٥٩٧ - ٥٩٨.
(٨) سقطت من (ص).
(٩) انظر: المغني ١٠/ ٨٢ - ٨٣، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٣٨٦، ومنتهى الإرادات ٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب ٤/ ٥٩٨.
[ ٣٠٩ ]
هل يخرج من الدِّين بالكُلِّيَّة بذلك أم لا؟ فمن رآه خروجًا عنِ الدِّين، كان عنده كتركِ الشَّهادتين وإنكارهما،
ومن لم يره خروجًا عن الدِّين، فاختلفوا هل يلحقُ بتارك الدِّين في القتل، لكونه ترك أحدَ مباني الإسلام أم لا؟ لكونه لم يخرج عن الدِّين.
ومِنْ هذا الباب ما قاله كثيرٌ من العلماء في قتل الدَّاعية إلى البدع، فإنَّهم نظروا إلى أنَّ ذلك شبيهٌ بالخروج عَنِ الدِّين، وهو ذريعةٌ ووسيلة إليه، فإن استخفى بذلك ولم يَدْعُ غيرَه، كان حُكمُه حكمَ المنافقين إذا استخفَوا، وإذا دعا إلى ذلك، تَغَلَّظ جرمُه بإفساد دين الأمة (^١). وقد صحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ - الأمر بقتال الخوارج وقتلهم (^٢). وقد اختلف العلماء في حكمهم.
فمنهم من قال: هم كفَّارٌ، فيكون قتلُهم لكفرهم (^٣).
ومنهم من قال: إنَّما يُقتلون لفسادهم في الأرض (^٤) بسفكِ دماءِ المسلمين وتكفيرهم لهم، وهو قولُ مالكٍ وطائفة من أصحابنا، وأجازوا الابتداء بقتالهم، والإجهازَ على جريحهم.
ومنهم من قال: إن دَعَوْا إلى ما هُمْ عليه، قوتلوا، وإنْ أظهروه ولم يدعوا إليه لم يُقاتلوا، وهو نصُّ أحمد وإسحاق، وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة.
ومنهم من لم يرَ البداءة بقتالهم حتّى يبدءوا بقتالٍ يُبيح قتالَهم مِنْ سفك دماءٍ
ونحوه، كما رُوِيَ عن عليٍّ، وهو قولُ الشافعي وكثيرٍ من أصحابنا (^٥).
_________________
(١) الإيمان لابن تيمية: ٢٢٥ - ٢٢٦، والولاء والبراء في الإسلام: ٣٠٨.
(٢) أخرجه: الطيالسي (١٦٨)، وأحمد ١/ ٨١ و١١٣ و١٣١ و١٥٦، والبخاري ٤/ ٢٤٤
(٣) و٦/ ٢٤٣ (٥٠٥٧) و٩/ ٢١ (٦٩٣٠)، ومسلم ٣/ ١١٣ - ١١٤ (١٠٦٦) (١٥٤)، وأبو داود (٤٧٦٧)، والنسائي ٧/ ١١٩، وأبو يعلى (٢٦١) و(٣٢٤)، وأبو القاسم البغوي في " الجعديات " (٢٥٩٥)، وابن حبان (٦٧٣٩)، والبيهقي ٨/ ١٨٧ - ١٨٨ وفي " دلائل النبوة "، له ٦/ ٤٣٠، والبغوي (٢٥٥٤) من حديث علي بن أبي طالب، به.
(٤) انظر: فتح الباري ٦/ ٧٥٥، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة ٢/ ٣٥٢.
(٥) «في الأرض» سقطت من (ص).
(٦) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٤/ ١٦١ - ١٦٣.
[ ٣١٠ ]
وقد روي من وجوه متعددة أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أمر بقتل رجلٍ كان يُصلي، وقال: «لو قتل، لكان أوَّلَ فتنةٍ وآخرها» (^١)،
وفي رواية: «لو قُتِلَ، لم يختلف
رجلان من أمتي حتى يخرجَ الدَّجَّالُ»، خرّجه الإمام أحمد ﵀ وغيره (^٢). فيستدلَّ بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شرَّه عن المسلمين، ويحسم مادة الفتن (^٣).
وقد حكى ابنُ عبد البر وغيرُه عن مذهبِ مالكٍ جوازَ (^٤) قتل الدَّاعي إلى البدعة.
فرجعت نصوصُ القتل كلُّها إلى ما في حديث ابن مسعود (^٥) بهذا التقدير، ولله الحمد.
وكثيرٌ من العلماء يقولُ في كثير من هذه النصوص التي ذكرناها هاهنا: إنَّها منسوخةٌ (^٦) بحديث ابنِ مسعودٍ، وفي هذا نظرٌ من وجهين:
أحدهما: أنَّه لا يُعلم أنَّ حديثَ ابنِ مسعود كان متأخرًا عن تلك النصوص كلِّها، لا سيما وابن مسعود من قدماء المهاجرين. وكثير من تلك النصوص يرويها من تأخَّر إسلامُه كأبي هريرة، وجريرِ بنِ عبد الله، ومعاوية، فإنَّ هؤلاء كلهم
رووا حديثَ (^٧) قتل شارب الخمر في المرة الرابعة (^٨).
والثاني: أنَّ الخاصَّ لا يُنْسَخُ بالعامِّ، ولو كان العامُّ متأخرًا عنه في الصحيح الذي
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٥/ ٤٢ من حديث أبي بكرة، به. وأخرجه: البزار كما في " كشف الأستار " (١٨٥١)، وأبو نعيم في " الحلية " ٣/ ٥٢ و٥٣ و٢٢٦، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ٢٨٧ - ٢٨٨ من حديث أنس بن مالك، به. وانظر: مجمع الزوائد ٦/ ٢٢٥ - ٢٢٦، وفتح الباري ١٢/ ٢٩٩.
(٢) أخرجه: أبو نعيم في" الحلية " ٣/ ٥٢ - ٥٣ و٢٢٦، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ٢٨٧ - ٢٨٨ من حديث أنس بن مالك، به.
(٣) انظر: الولاء والبراء في الإسلام: ٣٠٨.
(٤) سقطت من (ص).
(٥) زاد بعدها في (ص): «من قدماء المهاجرين».
(٦) سقطت من (ص).
(٧) سقطت من (ص).
(٨) انظر: شرح السيوطي لسنن النسائي ٨/ ٩٠ - ٩١.
[ ٣١١ ]
عليه
جمهور العلماء؛ لأنَّ دلالة الخاصِّ على معناه بالنصِّ، ودلالة العام عليهِ بالظاهر عندَ الأكثرين، فلا يُبطِلُ الظاهرُ حكمَ النص (^١). وقد روي أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أمر بقتل رجل كذَب عليهِ في حياته، وقال لحيٍّ من العرب: إنَّ رسول الله - ﷺ - أرسلني وأمرني أنْ أحكمَ في دمائِكم وأموالكم، وهذا رُوي من وجوهٍ متعدِّدةٍ كلها ضعيفة (^٢)، وفي بعضها أنَّ هذا الرجل كانَ قد خطب امرأةً منهم في الجاهلية، فأبوا أنْ يُزوِّجوه، وأنَّه لمَّا قالَ لهم هذه المقالة صدَّقوه، ونزل على تلك المرأة، وحينئذٍ
فهذا الرَّجُلُ قد زنى (^٣)، ونسب إباحةَ ذَلِكَ إلى النَّبيِّ - ﷺ - (^٤)، وهذا كفرٌ وردَّة عن الدِّين.
وفي " صحيح مسلم " (^٥):
أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أمر عليًا بقتل القبطي الذي كان
يدخل على أمِّ ولده مارية، وكان الناسُ يتحدثون بذلك، فلما وجده عليٌّ مجبوبًا تركه. وقد حمله بعضُهم على أنَّ القبطيَّ لم يكن أسلمَ بعدُ، وأنَّ المعاهَدَ إذا فعل ما يُؤذي المسلمين انتقض عهدُه، فكيف إذا آذى النَّبيَّ - ﷺ -؟ وقال بعضهم: بل كان مسلمًا، ولكنَّه نُهي عن ذلك فلم ينته، حتَّى تكلَّم الناسُ بسببه في فراش النَّبيِّ - ﷺ -، وأذى النَّبيِّ - ﷺ - في فراشه (^٦) مبيحٌ للدم، لكن لما ظهرت براءتُه بالعيان، تبيَّن للناس براءةُ مارية، فزال السببُ المبيح للقتل (^٧).
_________________
(١) انظر: التقريب والإرشاد الصغير ٣/ ١١ - ١٢، وقواطع الأدلة ١/ ٢٠٠، والبحر المحيط ٢/ ٣٩٣.
(٢) أخرجه: الطبراني في " الكبير " (٦٢١٥) من حديث عبد الله بن محمد بن الحنيفة، به. وأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٢١١٢) من حديث عبد الله بن عمرو، به. انظر: مجمع الزوائد ١/ ١٤٥.
(٣) عبارة: «قد زنى» سقطت من (ص).
(٤) أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٥/ ٨١ - ٨٢ من حديث بريدة، به.
(٥) الصحيح ٨/ ١١٩ (٢٧٧١) (٥٩). وأخرجه: أحمد ٣/ ٢٨١، وأبو عوانة كما في " إتحاف المهرة " ١/ ٤٩٨، والحاكم ٤/ ٣٩ - ٤٠ من حديث أنس بن مالك، به. وأخرجه: الطحاوي في" شرح المشكل " (٤٩٥٣) من حديث علي، به.
(٦) عبارة: «في فراشه» سقطت من (ص).
(٧) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٩/ ١٠٣.
[ ٣١٢ ]
وقد رُوي عن الإمام أحمد: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان له أنْ يَقْتُلَ بغير هذه الأسباب الثلاثة التي في حديث ابن مسعود، وغَيْرُهُ ليس له ذلك، كأنَّه يُشير إلى أنَّه - ﷺ - كان له أنْ
يُعَزِّرَ بالقتل إذا رأى ذلك مصلحةً؛ لأنَّه - ﷺ - معصوم من التعدِّي والحَيْفِ، وأما غيرُه فليس لهُ ذَلِكَ؛ لأنَّه غير مأمون عليهِ التعدِّي بالهوى. قالَ أبو داود: سمعتُ أحمد سُئِلَ عن حديث أبي بكر ما كانت لأحدٍ بعد النَّبيِّ - ﷺ -، قال: لم يكن لأبي بكر أنْ يقتل رجلًا إلا بإحدى ثلاثٍ (^١)،
والنَّبيُّ - ﷺ - كان له ذَلِكَ أنْ يقتل، وحديث أبي بكر المشار إليه هو أنَّ رجلًا كلم أبا بكر فأغلظ له، فقال له أبو برزة: ألا أقتلُه يا خليفةَ رسولِ الله؟ فقال أبو بكر: ما كانت لأحدٍ بعدَ النَّبيِّ - ﷺ - (^٢).
وعلى هذا يتخرَّجُ حديثُ الأمرِ بقتل هذا القبطي، ويتخرَّجُ عليه أيضًا حديثُ الأمر بقتل السارق إنْ كان صحيحًا، فإنَّ فيه أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أمر بقتله في
أوَّلِ مرةٍ، فراجعوه فيه فقطعه، ثم فعل ذلك أربع مرات وهو يأمر بقتله،
فيُراجع فيه، فيُقطع حتَّى قُطعت أطرافُه الأربع، ثمَّ قتل في الخامسة، والله تعالى أعلم (^٣).
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٤٣٦٣). وانظر: مسائل الإمام أحمد: ٢٢٦ - ٢٢٧ برواية أبي داود.
(٢) أخرجه: الحميدي (٦)، وأحمد ١/ ٩، وأبو داود (٤٣٦٣)، والنسائي ٧/ ١٠٩ - ١١٠، والحاكم ٤/ ٣٥٤ من حديث أبي برزة، به، وهو صحيح.
(٣) أخرجه: أبو داود (٤٤١٠)، والنسائي ٨/ ٩٠ - ٩١ من حديث جابر بن عبد الله، به. وأخرجه: النسائي ٨/ ٨٩ - ٩٠ من حديث الحارث بن حاطب، به. وانظر: معالم السنن ٣/ ٢٧٠ - ٢٧١.
[ ٣١٣ ]