عَنْ تَميمٍ الدَّاريِّ - ﵁ -: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «الدِّينُ النَّصيحَةُ ثلاثًا»، قُلْنا: لِمَنْ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: «للهِ ولِكتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأئمَّةِ المُسلِمِينَ وعامَّتِهم» رَواهُ مُسلمٌ.
هذا الحديث خرَّجه مسلم (^١) من رواية سُهيل بن أبي صالح، عن عطاء بنِ يزيد الليثي، عن تميم (^٢) الدَّاري، وقد روي عن سهيل وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - (^٣)، وخرَّجه الترمذي (^٤) من هذا الوجه، فمن العلماء مَنْ صححه من الطريقين جميعًا، ومنهم من قال: إنَّ الصحيح حديثُ تميم، والإسناد الآخر وهم (^٥).
وقد رُوي هذا الحديثُ عنِ النَّبيِّ - ﷺ - من حديث ابنِ عمر، وثوبان، وابنِ عباسٍ، وغيرهم (^٦).
_________________
(١) في " صحيحه " ١/ ٥٣ (٥٥) (٩٥) و(٩٦) و١/ ٥٤ (٥٥) (٩٦). وأخرجه: الحميدي (٨٣٧)، وأحمد ٤/ ١٠٢، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٦/ ٢٤٨
(٢) ، وابن أبي عاصم في " السنة " (١٠٨٩) و(١٠٩٠) و(١٠٩١)، وعبد الله ابن أحمد في " زياداته " ٤/ ١٠٢، والنسائي ٧/ ١٥٦ وفي " الكبرى "، له (٧٨٢٠) و(٧٨٢١) و(٨٧٥٣)، وابن حبان (٤٥٧٤) و(٤٥٧٥)، والبيهقي ٨/ ١٦٣ وفي " شعب الإيمان "، له (٧٤٠٠) و(٧٤٠١)، والبغوي (٣٥١٤) من حديث تميم الداري، به.
(٣) «عن تميم» لم ترد في (ص).
(٤) أخرجه: أحمد ٢/ ٢٩٧، وابن أبي عاصم في " السنة " (١٠٩٢) و(١٠٩٣) و(١٠٩٤)، والنسائي ٧/ ١٥٧ وفي "الكبرى"، له (٧٨٢٢) و(٧٨٢٣) و(٨٧٥٤)، وابن حجر في " تغليق التعليق " ٢/ ٥٨ من حديث أبي هريرة، به.
(٥) في " جامعه " (١٩٢٦).
(٦) قال البخاري في " التاريخ الأوسط " ٢/ ٣٥: «مدار الحديث كله على تميم ولم يصح عن أحد غير تميم». وانظر: فتح الباري ١/ ١٨٢.
(٧) أخرجه: الدارمي (٢٧٥٧)، والبزار كما في " كشف الأستار " (٦٢)، وابن حجر في " تغليق التعليق " ٢/ ٦٠ من حديث ابن عمر، به. وأخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " ٢/ ١١ (١٥٢٢)، وابن أبي عاصم في " السنة "
(٨) ، والروياني في "مسند الصحابة" (٦٥٧)، والطبراني في " الأوسط " (١٢٠٦) من حديث ثوبان، به. وأخرجه: أحمد ١/ ٣٥١، والبزار كما في " كشف الأستار " (٦١)، والطبراني في " الأوسط " (١١١٩٨)، وابن حجر في "تغليق التعليق" ٢/ ٥٩ من حديث ابن عباس، به.
[ ١٩٣ ]
وقد ذكرنا في أوَّل الكتاب عن أبي داود: أنَّ هذا الحديث أحدُ الأحاديث التي يدور عليها الفقه (^١).
وقال الحافظ أبو نُعيم: هذا حديثٌ له شأن، ذكر محمدُ بنُ أسلم
الطوسي أنَّه أحدُ أرباع الدين (^٢).
وخرَّج الطبرانيُّ (^٣) من حديث حُذيفة بن اليمان، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - قال: «مَنْ لا يَهْتَمُّ بأمرِ المُسلمين فليس منهم، ومَنْ لَمْ يُمْسِ ويُصْبِحْ ناصِحًا للهِ ولرسوله ولكتابه ولإمامِه ولعامَّة المسلمين فليس منهم».
وخرَّج الإمامُ أحمد (^٤)
من حديث أبي أمامة، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «قال الله - ﷿ -: أحبُّ ما تعبَّدَني به عبدي النصحُ لي».
وقد ورد في أحاديث كثيرة النصح للمسلمين عمومًا، وفي بعضها: النصح لولاة أمورهم، وفي بعضها: نصح ولاة الأمور لرعاياهم.
_________________
(١) في (ص): «الدين».
(٢) انظر: صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح ١/ ٢٢١.
(٣) في " الأوسط " (٧٤٧٣) وفي " الصغير "، له (٨٩٠). وأخرجه: أبو نعيم في " أخبار أصبهان " ٢/ ٢٥٢ من حديث حذيفة بن اليمان، به، وإسناده ضعيف، انظر: مجمع الزوائد ١/ ٨٧.
(٤) في " مسنده " ٥/ ٢٥٤. = = … وأخرجه: عبد الله بن المبارك في " الزهد " (٢٠٤)، والطبراني في " الكبير " (٧٨٣٣) و(٧٨٨٠)، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ١٧٥، والبغوي في " شرح السنة " (٣٥١٥) من حديث أبي أمامة، به، وإسناده ضعيف جدًا لضعف عبيد الله بن زَحْر، ولشدة ضعف علي ابن يزيد الألهاني.
[ ١٩٤ ]
فأما الأوَّل: وهو النصحُ للمسلمين عمومًا (^١)، ففي " الصحيحين " (^٢) عن جرير بن عبد الله قال: بايعتُ النَّبيَّ - ﷺ - على إقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاة، والنصح لكلِّ مسلم.
وفي " صحيح مسلم " (^٣) عن أبي هريرة، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - قال: «حقُّ المؤمن على المؤمن ستّ» فذكر منها: «وإذا استنصحك فانصَحْ له». ورُوي هذا الحديث من وجوه أخر عنِ النَّبيِّ - ﷺ - (^٤).
وفي " المسند " (^٥)
عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال
:
«إذا استَنْصَحَ أحَدُكُم أخاه، فليَنْصَح له».
وأما الثاني: وهو النصحُ لولاة الأمور، ونصحهم لرعاياهم، ففي " صحيح
مسلم " عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إنَّ الله يرضى لكم ثلاثًا: يَرْضَى
_________________
(١) من قوله: «وفي بعضها: النصح لولاة …» إلى هنا سقط من (ص).
(٢) صحيح البخاري ١/ ٢٢ (٥٧) و١/ ١٣٩ (٥٢٤) و٢/ ١٣١ (١٤٠١) و٣/ ٩٤
(٣) و٣/ ٢٤٧ (٢٧١٥)، وصحيح مسلم ١/ ٥٤ (٥٦) (٩٧) و(٩٨) و(٩٩). وأخرجه: الحميدي (٧٩٥) (٧٩٨)، وأحمد ٤/ ٣٦٠ و٣٦١ و٣٦٤ و٣٦٥، والدارمي
(٤) ، والترمذي (١٩٢٥)، والنسائي ٧/ ١٥٢ وفي " الكبرى "، له (٣٢١) و(٧٧٨١)، وابن خزيمة (٢٢٥٩) من حديث جرير بن عبد الله، به.
(٥) ٧/ ٣ (٢١٦٢) (٥). وأخرجه: أحمد ٢/ ٣٢١ و٣٧٢ و٤١٢، والبخاري في " الأدب المفرد " (٩٢٥) و(٩٩١)، والترمذي (٢٧٣٧)، والنسائي ٤/ ٥٣ وفي " الكبرى "، له (٢٠٦٥)، وأبو يعلى (٦٥٠٤)، وابن حبان (٢٤٢)، والبيهقي ٥/ ٣٤٧ و١٠/ ١٠٨ وفي "شعب الإيمان" (٩١٦٧)، والبغوي (١٤٠٥) من حديث أبي هريرة، به.
(٦) أخرجه: أحمد ١/ ٨٩، والدارمي (٢٦٣٣)، والبزار (٨٥٠) من حديث علي، به. وأخرجه: أحمد ٢/ ٦٨ من حديث ابن عمر، به.
(٧) مسند الإمام أحمد ٣/ ٤١٨. وأخرجه: الطيالسي (١٣١٢)، وعبد بن حميد (٤٣٨)، والطحاوي في " شرح المعاني " ٤/ ١١، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٨٨٨) - (٨٩٢) عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه، به، وإسناد الحديث فيه اضطراب من قبل عطاء بن السائب؛ لكن المتن له ما يعضده.
[ ١٩٥ ]
لكم (^١) أنْ تعبُدُوه ولا تُشْرِكوا به شيئًا، وأنْ تعتصِمُوا بحبلِ اللهِ جميعًا ولا تفرَّقوا، وأنْ تُناصِحُوا مَنْ وَلاّه الله أمركم (^٢)».
وفي " المسند " (^٣) وغيره عن جُبير بنِ مطعم: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال في خطبته بالخَيْفِ مِنْ مِنى: «ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ امرئ مسلم: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ ولاةِ الأمر، ولزومُ جماعة المسلمين». وقد روى هذه الخطبة عن النَّبيِّ - ﷺ - جماعةٌ منهم أبو سعيد الخدري (^٤).
وقد رُوي حديثُ أبي سعيد بلفظ آخر خرَّجه الدَّارقطني في " الأفراد " (^٥) بإسناد جيد، ولفظه: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهن قلبُ امرئٍ مسلم: النصيحةُ لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين».
وفي " الصحيحين " (^٦)
عن معقل بن يسار، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً ثُمَّ لم يُحِطْها بنصيحةٍ إلا لم يَدْخُلِ الجنة».
وقد ذكر الله في كتابه عن الأنبياء ﵈ أنَّهم نصحوا لأممهم كما أخبر بذلك (^٧) عن نوحٍ، وعن صالح،
وقال تعالى (^٨): ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا
_________________
(١) عبارة: «يرضى لكم» سقطت من (ص).
(٢) صحيح مسلم ٥/ ١٣٠ (١٧١٥) (١٠). أخرجه: أحمد ٢/ ٣٢٧ و٣٦٠ و٣٦٧، والبخاري في " الأدب المفرد " (٤٤٢)، وابن حبان (٣٣٨٨) من حديث أبي هريرة، به.
(٣) مسند الإمام أحمد ٤/ ٨٠. وأخرجه: ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٤ - ٥، والطبراني في " الكبير " (١٥٤١)، والحاكم ١/ ٨٧ من حديث جبير بن مطعم، به. وهو حديث قويٌّ.
(٤) أخرجه البزار كما في " كشف الأستار " (١٤١) من حديث أبي سعيد الخدري، به.
(٥) لم أجده في أطراف الغرائب والأفراد.
(٦) صحيح البخاري ٩/ ٨٠ (٧١٥٠)، وصحيح مسلم ١/ ٨٧ (١٤٢) (٢٢٩) و٦/ ٨
(٧) (٢٢). وأخرجه: أحمد ٥/ ٢٧، وأبو عوانة ٤/ ٣٨٦، وابن قانع في " معجم الصحابة " ٣/ ٧٩ من حديث معقل بن يسار، به.
(٨) سقطت من (ص).
(٩) «تعالى» لم ترد في (ج).
[ ١٩٦ ]
عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^١) يعني: أنَّ من تخلف عن الجهادِ لعذر، فلا حرج عليه بشرط أنْ يكونَ ناصحًا لله ورسوله في تخلُّفِهِ، فإنَّ المنافقين كانوا يُظهرون الأعذارَ كاذبين، ويتخلَّفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله.
وقد أخبر النَّبيُّ - ﷺ - أنَّ الدينَ (^٢) النصيحةُ، فهذا يدلُّ على أنَّ النصيحة تَشْمَلُ خصالَ الإسلام والإيمانِ والإحسانِ التي ذكرت في حديث جبريل، وسمَّى ذلك كُلَّه (^٣) دينًا، فإنَّ النُّصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهِها، وهو مَقام الإحسّان، فلا يكملُ النُّصحُ لله بدون ذلك، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرَّب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرَّمات والمكروهات على هذا الوجه أيضًا.
وفي مراسيل الحسن، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - قال: «أرأيتُم لو كان لأحدكم عبدانِ، فكان أحدهما يُطِيعُه إذا أمره، ويُؤدي إليه إذا ائتمنه، وينصح له إذا غابَ عنه، وكان الآخر يَعصيه إذا أمره، ويخونُه إذا ائتمنه، ويغِشُّه إذا غاب عنه كانا
سواء؟» قالوا: لا، قال: «فكذاكم أنتم عند الله - ﷿ -» (^٤) خرَّجه ابنُ أبي
الدنيا.
وخرَّج الإمام أحمد (^٥) معناه من حديث أبي الأحوص، عن أبيه، عن النَّبيِّ
- ﷺ -.
وقال الفضيل بنُ عياض: الحبُّ أفضلُ من الخوف، ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يُحبك، والآخر يخافك، فالذي يُحبّك منهما ينصحُك (^٦) شاهدًا كنت أو غائبًا
_________________
(١) التوبة: ٩١.
(٢) زاد بعدها في (ص): «عند الله».
(٣) سقطت من (ص).
(٤) أخرجه: البيهقي في كتاب " الزهد الكبير " ٢/ ٢٨٥، وإسناده ضعيف لإرساله.
(٥) في " مسنده " ٤/ ١٣٧. وأخرجه: الحميدي (٨٨٣)، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (٦٢٢) عن أبي الأحوص، عن أبيه، به، وهو حديث صحيح.
(٦) عبارة: «منهما ينصحك» سقطت من (ص).
[ ١٩٧ ]
لِحبه إيَّاك، والذي يخافك عسى أنْ ينصحَك إذا شَهِدْتَ لما يخاف، ويغشك إذا
غبتَ ولا ينصحُك (^١).
قال عبدُ العزيز بن رفيع: قال الحواريون لعيسى - ﵇ -: ما الخالصُ من
العمل؟ قال: ما لا تُحِبُّ أنْ يَحْمَدَك الناسُ عليه، قالوا: فما النصحُ لله؟ قال: أنْ تبدأ بحق الله تعالى قبل حق الناس، وإنْ عَرَض لكَ أمران: أحدهما لله، والآخرُ للدنيا، بدأت بحقِّ الله تعالى (^٢).
قال الخطابيُّ: النصيحةُ كلمةٌ يُعبر بها عن جملة هي إرادةُ الخيرِ للمنصوح له، قال: وأصلُ النصح في اللغة الخُلوص، يقال: نصحتُ العسل: إذا خلصتَه من الشمع.
فمعنى النصيحة لله سبحانه: صحةُ الاعتقادِ في وحدانيته، وإخلاصُ النية في
عبادته، والنصيحة لكتابه: الإيمانُ به، والعمل بما فيه، والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوّته، وبذل الطاعة له فيما أمَرَ به، ونهى عنه، والنصيحةُ لعامة المسلمين: إرشادُهم إلى مصالحهم. انتهى (^٣).
وقد حكى الإمامُ أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتاب " تعظيم قدر
الصَّلاة " (^٤) عن بعض أهلِ العلم أنَّه فسَّر هذا الحديث بما لا مزيدَ على حسنه، ونحن نحكيه هاهنا بلفظه. قال محمد بن نصر: قال بعض أهل العلم: جماعُ تفسير النصيحة هو عنايةُ القلب للمنصوح له مَنْ كان، وهي على وجهين: أحدهما
فرض، والآخر نافلة، فالنصيحةُ المفترضة لله: هي شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما
افترض، ومجانبة ما حرَّم.
_________________
(١) انظر: التخويف من النار للمصنف: ١٧.
(٢) أخرجه: أحمد في " الزهد " (٣٠٨)، وابن أبي حاتم في " التفسير " (١٠٢٠٧) عن أبي ثمامة الصائدي، به. وانظر: نوادر الأصول للحكيم الترمذي ٢/ ٢٧.
(٣) انظر: حاشية السندي ١/ ١٥٨.
(٤) " تعظيم قدر الصلاة " ٢/ ٦٩١ - ٦٩٤.
[ ١٩٨ ]
وأما النصيحة التي هي نافلة، فهي إيثار مَحبته على محبة نفسه، وذلك أنْ يَعْرِض أمران، أحدهما لنفسه، والآخرُ لربه، فيبدأ بما كان لربه، ويؤخر ما كان لنفسه، فهذه جملة تفسير النصيحة لله، الفرض منه والنافلة، ولذلك تفسير، وسنذكر بعضَه لِيفهم (^١) بالتفسير من لا يفهم الجملة.
فالفرضُ منها مجانبةُ نهيه، وإقامةُ فرضه بجميع جوارحه ما كان مطيقًا له،
فإنْ عَجَزَ عن الإقامة بفرضه لآفة حَلَّتْ به من مرض، أو حبس، أو غير ذلك،
عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت عنه العلةُ المانعةُ له، قال الله - ﷿ -: ﴿لَيْسَ
عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (^٢)، فسماهم محسنين لِنصيحتهم لله بقلوبهم لمَّا مُنِعُوا من الجهاد بأنفسهم.
وقد ترفع الأعمالُ كُلُّها عن العبد في بعض الحالات، ولا يُرفع عنه النصحُ
لله، فلو كان من المرض بحالٍ لا يُمكنه عملٌ بشيء من جوارحه بلسانٍ ولا غيره،
غير أنَّ عقلَه ثابتٌ، لم يسقط عنه النصحُ لله بقلبه (^٣) وهو أنْ يندمَ على ذنوبه، وينويَ إنْ صحَّ أنْ يقومَ بما افترض الله عليه، ويجتنبَ ما نهاه عنه، وإلا كان غير ناصح لله بقلبه.
وكذلك النصحُ لله ولرسوله - ﷺ - فيما أوجبه على الناس عن أمرِ ربه،
ومن النصح الواجب لله أنْ لا يرضى بمعصية العاصي، ويُحِبَّ طاعةَ من أطاعَ الله ورسولَه.
وأما النصيحةُ التي هي نافلةٌ لا فرض (^٤): فبذل المجهود بإيثار الله تعالى على كُلِّ محبوب بالقلب وسائرِ الجوارح حتى لا يكونَ في الناصح فضل عن غيره، لأنَّ الناصحَ إذا اجتهد لم يؤثر نفسه عليه، وقام بكُلِّ ما كان في القيام به سرورُه ومحبتُه، فكذلك الناصحُ لربه، ومن تنفَّل لله بدون الاجتهاد، فهو ناصح على قدر عمله، غير مستحق للنصح بكماله.
_________________
(١) في (ص): «وكذلك فصل تفسيره بعضهم ليفهم».
(٢) التوبة: ٩١.
(٣) زاد بعدها في (ص): «وكذا النصح لرسوله فيما أوجبه على الناس».
(٤) عبارة: «لا فرض» سقطت من (ص).
[ ١٩٩ ]
وأما النصيحة لكتاب الله، فشدةُ حبه وتعظيمُ قدره، إذ هو كلامُ الخالق،
وشدةُ الرغبة في فهمه، وشدةُ العناية (^١) لتدبره والوقوف عند تلاوتهِ؛ لِطلب معاني ما أحبَّ مولاه أنْ يفهمه عنه، ويقوم به له بعدَ ما يفهمه، وكذلك الناصحُ من العباد يفهم وَصِيَّةَ من ينصحه، وإنْ ورد عليه كتابٌ منه، عُني بفهمه ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه، فكذلك الناصحُ لِكتاب ربه، يعنى بفهمه؛ ليقوم لله بما أمر به كما يحب ويرضى، ثم يَنْشُرُ ما فهم في العباد ويُديم دراسته بالمحبة له، والتخلق بأخلاقه، والتأدُّب بآدابه.
وأما النصيحة للرسولِ - ﷺ - في حياته: فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته، وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته. وأما بعد وفاته: فالعناية بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه وآدابه، وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدَّة الغضب، والإعراض عمَّن تديَّن بخلاف سنته، والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا، وإنْ كان متدينًا بها، وحبّ مَنْ كان منه بسبيلٍ من قرابة، أو صِهرٍ، أو هِجرةٍ أو نُصرةٍ، أو صحبة ساعة من ليلٍ أو نهارٍ على الإسلام والتشبه به في زيِّه ولباسه.
وأما النصيحةُ (^٢) لأئمة المسلمين: فحبُّ صلاحِهم ورشدهِم وعدلهم، وحبُّ اجتماع الأمة عليهم، وكراهةُ افتراقِ الأمة عليهم، والتدينُ بطاعتهم في طاعة الله - ﷿ -، والبغضُ لمن رأى الخروجَ عليهم، وحبُّ (^٣) إعزازهم في طاعة الله - ﷿ -.
وأما النصيحةُ للمسلمين: فأنْ يُحِبَّ لهم ما يُحِبُّ لنفسه، ويكره لهم
ما يكره لنفسه، ويُشْفِقَ عليهم، ويرحمَ صغيرهم، ويُوَقِّرَ كبيرَهم، ويَحْزَنَ
لحزنهم، ويفرحَ لفرحهم، وإنْ ضرَّه ذلك في دنياه كرخص أسعارهم، وإنْ
كان في ذلك فواتُ ربح ما يبيعُ من تجارته، وكذلك جميعُ ما يضرُّهم عامة، ويحب صلاحَهم وألفتَهم ودوامَ النعم عليهم، ونصرَهم على عدوهم، ودفعَ كل أذى ومكروه عنهم.
_________________
(١) عبارة: «فهمه وشدة العناية» سقطت من (ص).
(٢) زاد بعدها في (ص): «لكتابه».
(٣) سقطت من (ص).
[ ٢٠٠ ]
وقال أبو عمرو بن الصلاح (^١): النصيحة كلمةٌ جامعة تتضمَّنُ قيامَ الناصح للمنصوح
له بوجوهِ الخير إرادةً وفعلًا.
فالنصيحةُ لله تعالى: توحيدُه ووصفُه بصفاتِ الكمال والجلال، وتنزيهُه عما يُضادُّها ويخالِفُها، وتجنبُ معاصيه، والقيامُ بطاعته ومحابه بوصفِ الإخلاصِ، والحبُّ فيه والبغض فيه، وجهادُ مَنْ كفر به تعالى وما ضاهى ذلك، والدعاءُ إلى ذلك، والحثُّ عليه.
والنصيحةُ لكتابه: الإيمانُ به وتعظيمُه وتنزيهُه، وتلاوتُه (^٢) حَقَّ تلاوته، والوقوفُ مع أوامره ونواهيه، وتفهُّم علومه وأمثاله، وتدبرُ آياته، والدعاءُ إليه،
وذبُّ تحريف الغالين (^٣) وطعنِ الملحدين عنه.
والنصيحةُ لِرسوله قريب من ذلك (^٤): الإيمان به وبما جاء به وتوقيرُه وتبجيلهُ، والتمسك بطاعته، وإحياءُ سنته واستنشارة علومه ونشرُها ومعاداةُ من عاداه وعاداها، وموالاةُ من والاه ووالاها، والتخلقُ بأخلاقه، والتأدبُ بآدابه ومحبة آله وصحابته ونحو ذلك.
والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتُهم على الحق، وطاعتُهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك.
والنصيحةُ لعامة المسلمين: إرشادُهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وسدِّ خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذبّ عنهم،
_________________
(١) " صيانة صحيح مسلم ": ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٢) عبارة: «حق تلاوته» سقطت من (ص).
(٣) الذب: يذب ذبًا: دفع ومنع. تاج العروس ٢/ ٤١٩ (ذيب). والتحريف: هو تغيير الكلمة عن معناها. العين: ١٨٣ (حرف). والغالين: من غلا: غلا الرجل في الأمر غُلوًا: جاوز الحد. مجمل اللغة ٣/ ٦٨٣ (غلو). ومراد المصنف راجعه في كتاب " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ٣٣٢ - ٣٣٤ مع تعليقي عليه.
(٤) عبارة: «قريب من ذلك» سقطت من (ص).
[ ٢٠١ ]
ومجانبة الغش والحسد لهم، وأنْ يحبَّ لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه، وما شابه ذلك، انتهى ما ذكره (^١).
ومن أنواع نصحهم بدفع الأذى والمكروه عنهم: إيثارُ فقيرِهم وتعليمُ جاهلهم، وردُّ من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل بالتلطف في ردِّهم إلى الحق، والرفقُ بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محبة لإزالة فسادهم ولو بحصول ضررٍ له في دنياه، كما قال بعضُ السَّلف: وددتُ أنَّ هذا الخلق أطاعوا الله وأنَّ لحمي قُرِضَ بالمقاريضِ (^٢)، وكان عمرُ بن عبد العزيز يقول: يا ليتنِي عملتُ فيكم
بكتابِ الله وعملتُم به، فكلما عملتُ فيكم بسنة، وقع منى عضوٌ حتى يكونَ آخر شيءٍ منها خروج نفسي.
ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله - وهو مما يختص به العلماء -
ردُّ الأهواء المضلة بالكتاب والسنة، وبيانُ دلالتهما على ما يُخالف الأهواء
كلها، وكذلك ردُّ الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيانُ دلالة الكتاب والسنة على ردِّها، ومن ذلك بيان ما صحَّ من حديث النَّبيِّ - ﷺ -، ومالم يصح منه بتبين حالِ رواته ومَنْ تُقْبَلُ رواياته منهم ومن لا تُقبل، وبيان غلط مَنْ غلط من ثقاتهم الذين تقبل روايتهم.
ومن أعظمِ أنواع النصح أنْ يَنْصَحَ لمن استشاره في أمره، كما قال - ﷺ -:
«إذا استَنْصَحَ أحدُكُم أخاه، فليَنْصَحْ له» (^٣)، وفي بعض الأحاديث: «إنَّ من حقِّ المسلم على
المسلم أنْ ينصحَ له إذا غابَ» (^٤)
ومعنى ذلك: أنَّه إذا ذكر في غيبه بالسوء أنْ ينصره، ويرد عنه، وإذا رأى من يريد أذاه في غيبه، كفه عن ذلك، فإنَّ النصح في الغيب يدلُّ على صدق النصح، فإنَّه قد يظهر النصحَ في حضوره تملقًا، ويغشه في غيبه.
_________________
(١) أي: ابن الصلاح.
(٢) هذا قول زهير بن نعيم البابي. انظر: صفوة الصفوة لابن الجوزي ٤/ ٧، وتهذيب الكمال للمزي ٣/ ٤٠، وتهذيب التهذيب لابن حجر ٣/ ٣١٢.
(٣) سبق تخريجه وهو في " مسند الإمام أحمد " ٣/ ٤١٨.
(٤) أخرجه: أحمد ٢/ ٣٢١، والترمذي (٢٧٣٧)، والنسائي ٤/ ٥٣ وفي " الكبرى "، له
(٥) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٨٧٥٣) من حديث أبي هريرة، به، وقال الترمذي: «حديث صحيح».
[ ٢٠٢ ]
وقال الحسن: إنَّك لن تَبْلُغ حقَّ نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما تَعْجَزُ عنه.
قال الحسن: وقال بعضُ أصحاب النَّبيِّ - ﷺ -: والذي نفسي بيده إنْ شئتم لأقسمنَّ لكم بالله إنَّ أحبَّ عبادِ الله إلى الله الذين يُحببون الله إلى عباده ويُحببون عباد الله إلى الله، ويسعون في الأرض بالنصيحة (^١).
وقال فرقد السَّبَخِيُّ: قرأتُ في بعض الكتب: المحبُّ لله - ﷿ - أميرٌ مُؤَمَّرٌ على الأمراء، زمرتُه أوَّلُ الزمر يومَ القيامة، ومجلسُه أقربُ المجالس فيما هناك والمحبةُ
منتهى القربة والاجتهاد، ولن يسأَمَ المحبون من طول اجتهادهم لله - ﷿ -، يحبُّونه ويُحِبُّونَ ذكره، ويُحبِّبونه إلى خلقه، يمشون بَيْنَ عباده بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم يومَ تبدو الفضائح، أولئك أولياءُ الله وأحبَّاؤه وأهلُ (^٢) صفوته، أولئك الذين لا راحةَ لهم دونَ لقائه.
وقال ابنُ عُلَيَّةَ في قول أبي بكر المزني: ما فاق أبو بكر - ﵁ - أصحاب
رسول الله - ﷺ - بصومٍ ولا صلاةٍ، ولكن بشيء كان في قلبه، قال: الذي كان في قلبه الحبُّ لله - ﷿ -، والنصيحة في خلقه.
وقال الفضيلُ بن عياض: ما أدركَ عندنا مَنْ أدرك بكثرة الصلاة
والصيام، وإنما أدرك عندنا بسخاءِ الأنفس، وسلامةِ الصدور، والنصح للأمة (^٣).
وسئل ابنُ المباركَ: أيُّ الأعمال أفضلُ؟ قال: النصحُ لله.
وقال معمر: كان يقال: أنصحُ الناسِ لك مَنْ خاف الله فيك.
وكان السَّلفُ إذا أرادوا نصيحةَ أحدٍ، وعظوه سرًا حتّى قال بعضهم: مَنْ وعظ أخاه فيما بينه وبينَه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنَّما وبخه (^٤).
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الأولياء " ١/ ٢٠ عن رجل من أصحاب محمد - ﷺ -، به.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٨/ ١٠٣، والبيهقي في " شعب الإيمان "
(٤) قال الشافعي: من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه. أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٩/ ١٤٠.
[ ٢٠٣ ]
وقال الفضيل: المؤمن يَسْتُرُ ويَنْصَحُ، والفاجرُ يهتك ويُعيِّرُ.
وقال عبد العزيز بن أبي رواد: كان مَنْ كان قبلكم إذا رأى الرجلُ من أخيه شيئًا يأمره في رفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإنَّ أحد هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره.
وسئل ابنُ عباس - ﵄ - عن أمر السلطان بالمعروف، ونهيه عن المنكر، فقال: إنْ كنت فاعلًا ولابدَّ، ففيما بينك وبينه (^١).
وقال الإمام أحمد ﵀: ليس على المسلم نصحُ الذمي، وعليه نصحُ المسلم. وقال النَّبيُّ - ﷺ -: «والنصح لكل مسلم، وأنْ ينصح لجماعةِ المسلمين وعامتهم» (^٢).
_________________
(١) أخرجه: سعيد بن منصور في " سننه " (٨٤٦)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٧٥٩٢).
(٢) سبق تخريجه.
[ ٢٠٤ ]