عَنْ أَبي يَعْلَى شَدَّاد بنِ أوسٍ، عَنْ رسولِ الله - ﷺ - قال: «إنَّ الله كَتَبَ الإحسّانَ على كُلِّ شيءٍ، فإذَا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا القِتْلَة، وإذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا
الذِّبْحَةَ (^١)، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». رواهُ مُسلم (^٢).
هذا الحديث خرَّجه مسلم دونَ البخاري من رواية أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شدَّادِ بنِ أوس (^٣)، وتركه البخاري؛ لأنَّه لم يخرِّج في " صحيحه " لأبي الأشعث شيئًا وهو شاميٌّ ثقة. وقد روي نَحوهُ من حديث سَمُرُةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إنَّ الله - ﷿ - محسِنٌ فأحسنوا، فإذا قَتَلَ أحدكُم، فليُكْرِم مقتولَه، وإذا ذبح، فليحدَّ شفرته، وليُرِحْ ذبيحته» خرَّجه ابن عدي (^٤).
وخرَّج الطبراني (^٥)
من حديث أنس، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إذا حكمتُمْ فاعْدِلُوا،
وإذا قَتَلتُم فأَحْسِنُوا، فإنَّ الله مُحْسِنٌ يُحِبُّ المحسنين».
_________________
(١) بكسر الذال والهاء كالقتلةِ، وهي الهيئة، ويروى: «الذَّبح» بفتح الذال بغير هاء. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٧/ ٩٥ (١٩٥٥) (٥٧).
(٢) في " صحيحه " ٦/ ٧٢ (١٩٥٥) (٥٧). وأخرجه: الطيالسي (١١١٩)، وعبد الرزاق (٨٦٠٣) و(٨٦٠٤)، وعلي بن الجعد
(٣) ، وأحمد ٤/ ١٢٣ و١٢٤ و١٢٥، والدارمي (١٩٧٦)، وأبو داود (٢٨١٥)، وابن ماجه (٣١٧٠)، والترمذي (١٤٠٩)، والنسائي ٧/ ٢٢٧ و٢٢٩ و٢٣٠، وابن الجارود (٨٣٩) و(٨٩٩)، والطبراني في " الصغير " (١٠٣٥)، والبيهقي ٨/ ٦٠ - ٦١ و٩/ ٦٨ و٢٨٠، والخطيب في " تاريخه " ٥/ ٢٧٨، والبغوي (٢٧٨٣) من حديث شداد بن أوس، به.
(٤) في " صحيحه " ٦/ ٧٢ (١٩٥٥) (٥٧) من حديث شداد بن أوس، به.
(٥) في " الكامل " ٨/ ١٧٥ من حديث الحسن، عن سمرة بن جندب، به، وإسناده ضعيف لضعف مجاعة بن الزبير فقد ضعفه الدارقطني كما في " الميزان " ٣/ ٤٣٧، والحسن لم يسمع جميع ما رواه عن سمرة.
(٦) في " الأوسط " (٥٧٣٥). وأخرجه: ابن أبي عاصم في "الديات": ٩٤، وإسناده ضعيف من أجل عمران بن داور القطان.
[ ٣٦٠ ]
فقولُه - ﷺ -: «إنَّ الله كتب الإحسّانَ على كُلِّ شيء»، وفي رواية لأبي إسحاق الفزاري في كتاب " السير " عن خالدٍ، عن أبي قِلابة، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «إنَّ الله كتبَ الإحسّانَ على كلِّ شيءٍ»، أو قال: «على كلِّ خلقٍ» هكذا خرَّجها مرسلةً، وبالشكِّ في: «كُلِّ شيءٍ»، أو: «كلِّ خلق»، وظاهرُهُ يقتضي أنَّه كتب على كلِّ مخلوق الإحسّان، فيكون كُلُّ شيءٍ، أو كُلُّ مخلوق هو المكتوبَ عليه، والمكتوب هو الإحسّانُ (^١).
وقيل: إنَّ المعنى: أنَّ الله كتب الإحسّانَ إلى كلِّ شيء، أو في كلِّ شيء، أو كتب الإحسّانَ في الولاية على كُلِّ شيءٍ، فيكون المكتوبُ عليه غيرَ مذكور، وإنَّما المذكورُ المحسن إليه (^٢).
ولفظ: «الكتابة» يقتضي الوجوب عندَ أكثرِ الفقهاء والأصوليين خلافًا
لبعضهم، وإنَّما يعرف (^٣) استعمالُ لفظة الكتابة في القرآن فيما هو واجب حتمٌ إمَّا شرعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (^٤)، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (^٥)، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (^٦)، أو فيما هو واقع
قدرًا لا محالة، كقوله: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (^٧)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ
كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (^٨)، وقوله
: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَان﴾ (^٩). وقال النَّبيُّ - ﷺ - في قيام شهر رمضانَ
: «إنِّي خشيتُ أنْ يُكْتَبَ عَلَيكُمْ» (^١٠)،
وقال: «أُمِرْتُ بالسِّواكِ حتَّى خشيتُ أنْ يُكتَبَ عليَّ» (^١١)،
_________________
(١) من قوله: «فيكون كل شيء …» إلى هنا سقط من (ص).
(٢) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٧/ ٩٤ - ٩٥.
(٣) «يعرف» سقطت من (ج).
(٤) النساء: ١٠٣.
(٥) البقرة: ١٨٣.
(٦) البقرة: ٢١٦.
(٧) المجادلة: ٢١.
(٨) الأنبياء: ١٠٥.
(٩) المجادلة: ٢٢.
(١٠) أخرجه: البخاري ١/ ١٨٦ (٧٢٩) من حديث عائشة، به. وأخرجه: أحمد ٥/ ١٨٢ و١٨٤ و١٨٧، والبخاري ٩/ ١١٧ (٧٢٩٠)، ومسلم ٢/ ١٨٨
(١١) (٢١٣)، والنسائي ٣/ ١٩٧ - ١٩٨، والطبراني في " الكبير " (٤٨٩٢)، والبيهقي ٣/ ١٠٩ من حديث زيد بن ثابت، به.
(١٢) أخرجه: أحمد ٣/ ٤٩٠، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (١٨٩) و(١٩٠) من حديث واثلة بن الأسقع، به، وإسناده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم، وانظر: مجمع الزوائد ٢/ ٩٨.
[ ٣٦١ ]
وقال: «كُتِبَ على ابنِ آدمَ حظُّه من الزِّنى، فهو مُدرِكٌ ذلك لا محالة» (^١).
وحينئذٍ فهذا الحديث نصٌّ في وجوب الإحسّان، وقد أمر الله تعالى به،
فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (^٢)، وقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٣).
وهذا الأمرُ (^٤) بالإحسّان تارةً يكونُ للوجوب كالإحسّان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البرُّ والصِّلَةُ والإحسّانُ إلى الضيف بقدر ما يحصل به قِراه على ما سبق ذكره.
وتارةً يكونُ للندب كصدقةِ التطوعِ ونحوها (^٥).
وهذا الحديثُ يدلُّ على وجوب الإحسّانِ في كل شيء من الأعمال، لكن إحسانُ كُلِّ شيء بحسبه، فالإحسّانُ في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنةِ: الإتيانُ بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدرُ من الإحسّان فيها واجب، وأمَّا الإحسانُ فيها بإكمالِ مستحباتها فليس بواجب.
والإحسّانُ في ترك المحرَّمات: الانتهاءُ عنها، وتركُ ظاهرها وباطنها، كما
قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ (^٦). فهذا القدرُ من الإحسّان فيها
واجب (^٧).
وأما الإحسّانُ في الصبر على المقدورات، فأنْ يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تَسَخُّطٍ ولا جَزَع.
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٢/ ٣١٧ و٣٤٣ و٣٧٩ و٥٣٦، والبخاري ٨/ ١٥٦ (٦٦١٢)، ومسلم ٨/ ٥٢ (٢٦٥٧) (٢٠)، وأبو داود (٢١٥٢) و(٢١٥٣) و(٢١٥٤) من حديث أبي هريرة، به.
(٢) النحل: ٩٠.
(٣) البقرة: ١٩٥.
(٤) من قوله: «وقال: فأحسنوا …» إلى هنا سقط من (ص).
(٥) انظر: الواضح في شرح مختصر الخرقي ٢/ ٩٤.
(٦) الأنعام: ١٢٠.
(٧) انظر: تفسير البغوي ٢/ ١٥٥، وزاد المسير ٣/ ١١٤.
[ ٣٦٢ ]
والإحسّانُ الواجبُ في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيامُ بما أوجب الله من حقوق ذلك كلِّه، والإحسّانُ الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كُلِّها، والقدرُ الزائد على الواجب في ذلك كلِّه إحسانٌ ليس بواجب.
والإحسّانُ في قتل ما يجوزُ قتله من الناس والدواب: إزهاقُ نفسه على أسرعِ الوجوه وأسهلِها وأَوحاها من غير زيادةٍ في التعذيب، فإنَّه إيلامٌ لا حاجة إليه.
وهذا النوعُ هو الذي ذكره النَّبيُّ - ﷺ - في هذا الحديث، ولعله ذكره على سبيلِ المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال: «إذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحة» والقِتلة والذِّبحة بالكسر، أي: الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل. وهذا يدلُّ على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يُباحُ إزهاقُها على أسهلِ الوجوه (^١). وقد حكى ابنُ حَزمٍ الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة (^٢)، وأسهلُ وجوه (^٣) قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق، قال الله تعالى في حقِّ الكفار: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ (^٥). وقد قيل: إنَّه عيَّن الموضع الذي يكونُ الضربُ فيه أسهلَ على المقتول وهو فوقَ العظام دونَ الدماغ، ووصى دريدُ بنُ الصِّمة قاتله أنْ يَقْتُلَهُ كذلك.
وكان النَّبيُّ - ﷺ - إذا بعث سريةً تغزوا في سبيل الله قال لهم: «لا تُمَثِّلُوا ولا تقتلوا
وليدًا» (^٦).
وخرَّج أبو داود، وابن ماجه من حديثِ ابنِ مسعود، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال
: «أَعَفُّ
الناسِ قِتلةً أهلُ الإيمانِ» (^٧).
_________________
(١) انظر: عون المعبود ٨/ ١٠.
(٢) انظر: المحلى ١٢/ ٣١ - ٣٢.
(٣) سقطت من (ص).
(٤) محمد: ٤.
(٥) الأنفال: ١٢.
(٦) أخرجه: مسلم ٥/ ١٣٩ - ١٤٠ (١٧٣١) (٣) من حديث بريدة، به.
(٧) أخرجه: أبو داود في " سننه " (٢٦٦٦)، وابن ماجه (٢٦٨١) و(٢٦٨٢). وأخرجه: أحمد ١/ ٣٩٣، وابن الجارود (٨٤٠)، وابن حبان (٥٩٩٤)، والبيهقي ٨/ ٦١ و٩/ ٧١ من حديث عبد الله بن مسعود، به. وإسناده معلول بالوقف، وقد حصل فيه اختلاف كبير بيانه في كتابي " الجامع في العلل ". وأخرجه: عبد الرزاق (١٨٢٣٢)، والطبراني في " الكبير " (٩٧٣٧) من حديث عبد الله بن مسعود، موقوفًا.
[ ٣٦٣ ]
وخرَّج أحمد وأبو داود من حديث عمران بنِ حُصينٍ وسَمُرَة بنِ جُندبٍ: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان ينهى عن المُثْلةِ (^١).
وخرَّجه البخاري (^٢) من حديث عبد الله بن يزيد، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه: نَهى عن
المُثلَةِ (^٣).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديث يعلى بنِ مُرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «قال الله تعالى: لا تُمَثِّلوا بِعِبادي (^٤)» (^٥).
وخرَّج أيضًا من حديث رجلٍ من الصحابة عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «من مَثَّلَ بذي روحٍ، ثم لم يَتُبْ مثَّلَ الله به يومَ القيامة» (^٦).
واعلم أنَّ القتلَ المباحَ يقع على وجهين:
أحدُهما أنْ يكون قصاصًا، فلا يجوزُ التمثيلُ فيه بالمقتص منه، بل يُقتَلُ كما قَتَلَ، فإنْ كان قد مَثَّلَ بالمقتولِ، فهل يُمثَّلُ به كما فعل أمْ لا يُقتل إلا بالسيف؟ فيهِ قولان مشهوران للعلماء:
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٤/ ٤٣٩ و٤٤٠ و٤٤٥، والطبراني في " الكبير " ١٨/ (٣٢٥) من حديث عمران بن حصين، به. وأخرجه: أحمد ٥/ ١٢، وأبو داود (٢٦٦٧)، والطبراني في " الكبير " (٦٩٤٥) من حديث سمرة بن جندب، به.
(٢) في " صحيحه " ٣/ ١٧٧ (٢٤٧٤) و٧/ ١٢٢ (٥٥١٦). وأخرجه: أحمد ٤/ ٣٠٧ من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري، به.
(٣) من قوله: «وخرجه البخاري …» إلى هنا سقط من (ص).
(٤) متن الحديث لم يرد في (ص).
(٥) في " مسنده " ٤/ ١٧٢ و١٧٣. وأخرجه: الطبراني ٢٢/ (٦٩٧) و(٦٩٨) و(٦٩٩)، وإسناده ضعيف لجهالة عبد الله بن حفص، وقد سقط من بعض الروايات.
(٦) مسند الإمام أحمد ٢/ ٩٢ و١١٥ من حديث رجل من أصحاب النبي - ﷺ -. وإسناده ضعيف لضعف شريك النخعي. وأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٧٢٩٧) عن عبد الله بن عمر، به؛ لكن سنده ضعيف.
[ ٣٦٤ ]
أحدُهما (^١): أنَّه يُفعَلُ به كما فَعَلَ، وهو قولُ مالك والشافعي (^٢) وأحمد في المشهور عنه (^٣)، وفي " الصحيحين " (^٤) عن أنسٍ قالَ: خَرَجَتْ جاريةٌ عليها أوضاحٌ بالمدينة، فرماها يهودي بحجر، فجيء بها إلى رسول الله - ﷺ - وبها رَمَقٌ، فقالَ لها
رسول الله - ﷺ -: «فلانٌ قتلك؟» فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: «فلان قتلك؟» فخفضت رأسها، فدعا به رسولُ الله - ﷺ -، فرضخ رأسه بَيْنَ الحَجَرَين. وفي روايةٍ لهما: فَأُخِذَ فاعترفَ،
وفي روايةٍ لمسلم: أنَّ رجلًا من اليهود قتلَ جاريةً من الأنصار على حليٍّ لها، ثم ألقاها في القَلِيب، ورضَخَ رأسَها بالحجارة، فأُخِذَ، فأُتي به النَّبيَّ - ﷺ -، فأمر به أنْ يُرجَمَ حتّى يموت، فرُجِمَ حتى ماتَ (^٥).
والقول الثاني: لا قَوَدَ إلاَّ بالسيف، وهو قولُ الثوري، وأبي حنيفة، ورواية عن
أحمد (^٦).
وعن أحمد رواية ثالثة: يُفعل به كما فعل إلا أنْ يكونَ حرَّقه بالنار أو مَثَّلَ به، فيُقْتَلُ بالسيف للنهي عن المُثلة وعن التحريق بالنار نقلها عنه الأثرمُ (^٧)، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لا قَودَ إلاَّ بالسيف» خرَّجه ابن ماجه وإسناده ضعيف (^٨)،
قال أحمد: يُروى: «لا قَوَدَ إلاَّ بالسيف» وليس إسنادُه بجيدٍ (^٩)، وحديث أنس، يعني: في قتل اليهودي بالحجارة أسندُ منه وأجودُ (^١٠).
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) لم يرد في (ص).
(٣) انظر: الواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٢٥٩.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) صحيح مسلم ٥/ ١٠٤ (١٦٧٢) (١٦) من حديث أنس، به.
(٦) انظر: الهداية للكلوذاني ٢/ ٢٣٥ بتحقيقنا، والمغني ٩/ ٣٨٧، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٢٥٩.
(٧) انظر: المغني ٩/ ٣٩٢.
(٨) السنن (٢٦٦٨). وأخرجه: البيهقي ٨/ ٦٣ من حديث أبي بكرة، به. وللحديث طرق أخرى.
(٩) انظر: المغني ٩/ ٣٨٨، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٢٦٠.
(١٠) المغني ٩/ ٣٨٧ - ٣٨٨، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٢٦٠.
[ ٣٦٥ ]
ولو مَثَّلَ به، ثم قتله مثلَ أنْ قطّع أطرافَه، ثم قتله، فهل يُكتفى بقتله أم يُصنع به كما صنع، فَتُقطع أطرافُه ثم يُقتل؟ على قولين:
أحدهما: يُفعل به كما فعل سواء، وهو قولُ أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وإسحاق وغيرهم (^١).
والثاني: يُكتفى بقتله، وهو قولُ الثوري وأحمد في رواية وأبي يوسف ومحمد (^٢)، وقال مالك: إنْ فعل به ذلك على سبيل التمثيلِ والتعذيبِ، فُعِلَ به كما فَعَلَ، وإنْ لم يكن على هذا الوجه اكتفي بقتله (^٣).
الوجه الثاني: أنْ يكون القتلُ (^٤) للكفر، إما لكفر أصلي، أو لردَّة عن الإسلام، فأكثرُ العلماء على كراهة المُثلة فيه أيضًا، وأنَّه يُقتل فيه بالسيف، وقد رُوي عن طائفةٍ من السَّلف جوازُ التمثيل فيه بالتحريق بالنار وغير ذلك، كما فعله خالدُ بن الوليد وغيره (^٥).
ورُوي عن أبي بكر: أنَّه حرَّق الفجاءة بالنَّار (^٦).
ورُوي أنَّ أم قِرْفة الفزارية ارتدت في عهد أبي بكر الصديق، فأمر بها، فشدَّت ذوائِبُها في أذناب قَلُوصَيْنِ أو فرسين، ثم صاح بهما فتقطعت المرأة، وأسانيد هذه القصة منقطعة. وقد ذكر ابنُ سعد في " طبقاته " بغير إسناد: أنَّ زيدَ بن حارثة قتلها هذه القتلة على عهد رسولِ الله - ﷺ -، وأخبر النَّبيَّ - ﷺ - بذلك (^٧).
_________________
(١) انظر: المغني ٩/ ٣٨٧، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠، وبداية المجتهد ٢/ ٧١٦.
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) انظر: بداية المجتهد ٢/ ٧١٦.
(٤) سقطت من (ص).
(٥) انظر: الطبقات الكبرى ٧/ ٢٧٨، والمغني ١٠/ ٧٦، والشرح الكبير ١٠/ ٨٠، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٣٨٤، وفتح الباري ٦/ ١٨٢.
(٦) انظر: تاريخ الطبري ٣/ ٢٦٤.
(٧) انظر: الطبقات الكبرى ٢/ ٦٩.
[ ٣٦٦ ]
وصحَّ عن عليٍّ أنَّه حرَّق المرتدين، وأنكر ذلك ابنُ عباس عليه (^١)، وقيل: إنَّه لم
يُحرّقهم، وإنَّما دَخَّنَ عليهم حتى ماتوا (^٢)، وقيل: إنَّه قتلهم، ثم حَرَّقَهُم، ولا يصحُّ ذلك. وروي عنه أنَّه جيء بمرتدٍّ، فأمر به فوطئ بالأرجل حتَّى مات.
واختار ابنُ عقيلٍ - من أصحابنا - جوازَ القتل بالتمثيل للكفر لاسيما إذا تغلَّظ،
وحمل النهي عن المُثلةِ على القتل بالقصاص، واستدلَّ من أجاز ذلك بحديثِ العُرنيين، وقد خرَّجاه في " الصحيحين " من حديث أنس: أنَّ أناسًا من عُرينة قَدِمُوا على
رسولِ الله - ﷺ - المدينة فاجْتَوَوْهَا، فقال لهم رسولُ الله - ﷺ -: «إنْ شئتم أنْ تَخْرُجُوا إلى إبل الصدقة، فتشربوا من ألبانها وأبوالها، فافعلوا» ففعلوا فصحُّوا، ثم مالوا على الرعاء، فقتلوهم، وارتدُّوا عن الإسلام، وساقوا ذَودَ رسولِ الله - ﷺ -، فبلغ ذلك النَّبيَّ - ﷺ -، فبعث في أثرهم، فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجُلَهم، وسَمَلَ أعينَهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا (^٣)، وفي روايةٍ: ثم نُبِذُوا في الشمس حتى ماتوا (^٤)، وفي روايةٍ: وسمرت أعينُهم، وألقوا في الحرَّةِ (^٥) يَستسقونَ فلا يُسقون (^٦)،
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزاق (١٨٧٠٦)، والحميدي (٥٣٣)، وأحمد ١/ ٢١٧ و٢٢٠ و٢٨٢، والبخاري ٤/ ٧٥ (٣٠١٧) و٩/ ١٨ (٦٩٢٢)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)، والنسائي ٧/ ١٠٤، وأبو يعلى (٢٥٣٢)، والطحاوي في " شرح المشكل " (٢٨٦٥) و(٢٨٦٦) و(٢٨٦٧) و(٢٨٦٨)، وابن حبان (٤٤٧٦)، والطبراني في " الكبير "
(٢) ، والدارقطني ٣/ ٨٥ (٣١٥٧)، والحاكم ٣/ ٥٣٨ - ٥٣٩، والبيهقي ٨/ ١٩٥ و٢٠٢ و٩/ ٧١، والبغوي (٢٥٦١) من حديث عبد الله بن عباس، به.
(٣) ذكره: البيهقي ٩/ ٧١.
(٤) أخرجه: عبد الرزاق (١٧١٣٢) و(١٨٥٣٨)، وأحمد ٣/ ١٧٠ و١٧٧ و٢٣٣ و٢٩٠، والبخاري ٥/ ١٦٤ (٤١٩٢) و٧/ ١٥٩ (٥٦٨٥) و٧/ ١٦٠ (٥٦٨٦) و٧/ ١٦٧
(٥) ، ومسلم ٥/ ١٠٢ (١٦٧١) (٩)، وأبو داود (٤٣٦٤)، والترمذي (٧٢)، والنسائي ١/ ١٥٨ و٧/ ٩٦ - ٩٧ وفي " التفسير "، له (١٦٣)، وابن حبان (١٣٨٨) و(٤٤٧٢)، والبيهقي ٩/ ٦٩ و١٠/ ٤ من حديث أنس بن مالك، به.
(٦) أخرجه: أحمد ٣/ ١٧٧، ومسلم ٥/ ١٠٢ (١٦٧١) (١٠) من حديث أنس بن مالك، به.
(٧) عبارة: «وألقوا في الحرة» سقطت من (ص).
(٨) أخرجه: عبد الرزاق (١٨٥٣٨)، وأحمد ٣/ ١٧٠، والبخاري ٧/ ١٦٧ (٥٧٢٧)، ومسلم ٥/ ١٠٢ (١٦٧١) (١١)، والترمذي (٧٢)، والنسائي ٧/ ٩٧، وابن حبان (١٣٨٨) و(٤٤٧٢) من حديث أنس بن مالك، به.
[ ٣٦٧ ]
وفي رواية للترمذي: قطع أيديَهم وأرجلهم من خلافٍ (^١)، وفي رواية للنسائي: وصَلَبَهُم (^٢).
وقد اختلف العلماء في وجه عقوبة هؤلاء، فمنهم من قال: من فعل مِثلَ فعلهم
فارتدَّ، وحارب، وأخذ المالَ، صنع به كما صنع بهؤلاء، وروي هذا عن طائفة، منهم: أبو قِلابة (^٣)، وهو روايةٌ عن أحمد.
ومنهم مَنْ قال: بل
هذا يدلُّ على جواز التمثيل بمن تغلَّظَتْ جرائمُهُ في
الجملة، وإنَّما نهي عن التمثيل في القصاص، وهو قول ابنِ عقيل من
أصحابنا.
ومنهم من قال: بل نسخ ما فعل بالعرنيين بالنهي عن المُثلةِ (^٤).
ومنهم من قال: كان قبلَ نزولِ الحدود وآيةِ المحاربة (^٥)، ثم نُسخ بذلك (^٦)، وهذا قولُ جماعة منهم: الأوزاعي وأبو عُبيد.
ومنهم من قال: بل ما فعله النَّبيُّ - ﷺ - بهم إنَّما كان بآية المحاربة، ولم ينسخ شيء من ذلك، وقالوا: إنَّما قتلهم النَّبيُّ - ﷺ -، وقَطَعَ أيديهم؛ لأنَّهم أخذوا المالَ، ومن أخذ المالَ وقَتَلَ (^٧)، قُطِعَ وقُتِلَ، وصُلِبَ حتمًا، فيُقتَلُ لقتله (^٨) ويُقطع لأخذه المال يَدُه ورجلُه من خِلاف، ويُصلَبُ لجمعه (^٩) بين الجنايتين وهما: القتلُ وأخذُ المال، وهذا قول الحسن، ورواية عن أحمد (^١٠).
_________________
(١) الجامع الكبير (٧٢) من حديث أنس بن مالك، به.
(٢) في " المجتبى " ٧/ ٩٦ من حديث أنس بن مالك، به.
(٣) ذكره: أبو داود (٤٣٦٤)، وانظر: معالم السنن ٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٤) انظر: المحلى ١٢/ ٢٩ - ٣٠.
(٥) ذكره: أحمد ٣/ ٢٩٠، وأبو داود (٤٣٧١)، والترمذي (٧٣)، وانظر: معالم السنن ٣/ ٢٥٨، والمحلى ١٢/ ٣٠ - ٣١.
(٦) انظر: المحلى ١٢/ ٣١ و١٣/ ١٥٤.
(٧) سقطت من (ص).
(٨) سقطت من (ص).
(٩) سقطت من (ص).
(١٠) انظر: المغني ١٠/ ٢٩٩ - ٣٠٠، والشرح الكبير ١٠/ ٣٠٠.
[ ٣٦٨ ]
وإنَّما سَمَلَ أعينهم؛ لأنَّهم سملوا أعينَ الرعاة كذا خرَّجه مسلم من حديثِ أنس (^١)،
وذكر ابنُ شهابٍ أنَّهم قتلوا الراعي (^٢)، ومَثَّلوا به (^٣)، وذكر ابن سعد أنَّهم قطعوا يدَه ورجله، وغرسوا الشوكَ في لسانه وعينيه حتّى مات (^٤)، وحينئذ فقد يكونُ قطعُهم، وسملُ أعينهم، وتعطيشُهم قصاصًا (^٥)، وهذا يتخرَّجُ على قول مَنْ يقولُ: إنَّ المحاربَ إذا جنى جنايةً توجبُ القصاصَ استُوفِيت منه قبل قتله، وهو مذهب أحمد. لكن هل يستوفى (^٦) منه تحتمًا كقتله أم على وجه القصاص، فيسقط بعفو الولي؟
على روايتين عنه (^٧)، ولكن رواية الترمذي أنَّ قطعَهُم من خلاف يدلُّ على أنَّ
قطعهم للمحاربة إلا أنْ يكونوا قد قطعوا يدَ الراعي ورجلَه من خلاف، والله
أعلم (^٨).
وقد رُوي عن النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّه كان أَذِنَ في التحريق بالنار (^٩)، ثم نهى عنه كما في
" صحيح البخاري " (^١٠) عن أبي هريرة قال: بعثنا رسولُ الله - ﷺ - في بعث (^١١)
فقال: «إنْ وَجَدتُم فلانًا وفلانًا - لرجلين من قريشٍ - فاحرقوهما بالنار»،
ثمَّ قال
_________________
(١) في " صحيحه " ٥/ ١٠٣ (١٦٧١) (١٤). وأخرجه: الترمذي (٧٣)، والبيهقي ٩/ ٧٠، وانظر: المحلى ١٢/ ٢٩ و١٣/ ١٥٥، وتحفة الأحوذي ١/ ٢٤٦.
(٢) انظر: المحلى ١٣/ ١٥٥.
(٣) ذكره: البيهقي ٩/ ٧٠.
(٤) في " الطبقات " ٢/ ٧١.
(٥) انظر: معالم السنن ٣/ ٢٥٨، وتحفة الأحوذي ٨/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٦) عبارة: «لكن هل يستوفى» سقطت من (ص).
(٧) انظر: الشرح الكبير على المغني ١٠/ ٣٠٣.
(٨) من قوله: «يدل على أن قطعهم …» إلى هنا سقط من (ص).
(٩) سقطت من (ص).
(١٠) الصحيح ٤/ ٦٠ (٢٩٥٤) و٤/ ٧٤ (٣٠١٦). وأخرجه: أحمد ٢/ ٣٠٧ و٣٣٨ و٤٥٣، وأبو داود (٢٦٧٤)، والترمذي (١٥٧١) وفي " العلل "، له (٢٧٨)، والنسائي في "الكبرى " (٨٦١٣) و(٨٨٠٤) و(٨٨٣٢)، وابن الجارود (١٠٥٧)، والبيهقي ٩/ ٧١.
(١١) عبارة: «في بعث» سقطت من (ص).
[ ٣٦٩ ]
رسولُ الله - ﷺ - حين أردنا الخروجَ: «إني كنتُ أمرتُكم أنْ تحرِقوا فُلانًا
وفُلانًا بالنار، وإنَّ النارَ لا يُعذِّبُ بها إلا الله، فإنْ وجدتموهما فاقتلوهما».
وفيه أيضًا عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «لا تُعذِّبُوا بعذاب الله - ﷿ -» (^١).
وخرَّج الإمام أحمد، وأبو داود، والنَّسائي من حديث ابن مسعودٍ قال: كُنَّا مع النَّبيِّ - ﷺ -، فمَرَرنا بقريةِ نملٍ قد أُحرقَت، فغَضِب النَّبيُّ - ﷺ - وقال: «إنَّه لا ينبغي لِبشرٍ أنْ يعذِّبَ بعذاب الله - ﷿ -» (^٢).
وقد حرَّقَ خالدٌ جماعة في الرِّدة (^٣)، وروي عن طائفة من الصحابة تحريقُ من عَمِل عمل قومِ لوطٍ (^٤)، ورُوي عن عليٍّ أنَّه أشار على أبي بكر أنْ يقتلَه ثم يحرقه
بالنار (^٥)، واستحسن ذلك إسحاق بن راهويه (^٦) لئلا يكون تعذيبًا بالنار (^٧).
وفي " مسند الإمام أحمد " (^٨): أنَّ عليًا لما ضربه ابنُ مُلجم، قال: افعلوا به كما أرادَ رسولُ
الله - ﷺ - أنْ يفعلَ برجل أراد قتلَه، قال: «اقتلوه ثم حرِّقوه».
وأكثرُ العلماء على كراهةِ التحريق بالنار حتى للهوام، وقال إبراهيم النَّخعيُّ: تحريقُ العقرب بالنار مُثلةٌ. ونهت أمُ الدرداء عن تحريق البرغوث بالنار. وقال أحمد: لا يُشوى السمكُ في النار وهو حيٌّ، وقال: الجرادُ أهونُ؛ لأنَّه لا دم لهُ (^٩).
وقد ثبت عن النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّه نهى عن صَبرِ البهائم، وهو: أنْ تحبس البهيمة، ثُمَّ تُضرب بالنبل ونحوه حتَّى تموتَ (^١٠). ففي " الصحيحين " (^١١)
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه: أحمد ١/ ٤٢٣، وأبو داود (٢٦٧٥) و(٥٢٦٨)، والنسائي في " الكبرى "
(٣) ، وهو حديث صحيح.
(٤) انظر: المغني ١٠/ ٦، والشرح الكبير ١٠/ ٨٠، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٣٨٤.
(٥) انظر: المغني ١٠/ ١٥٦، والشرح الكبير ١٠/ ١٧٠.
(٦) انظر: المغني ١٠/ ١٥٦، والشرح الكبير ١٠/ ١٧٠ - ١٧١.
(٧) انظر: الجواب الكافي لمن سئل عن الدواء الشافي: ٢١٠.
(٨) من قوله: «واستحسن ذلك إسحاق …» إلى هنا سقط من (ص).
(٩) المسند ١/ ٩٢ - ٩٣، وإسناده ضعيف لضعف شريك بن عبد الله النخعي.
(١٠) انظر: المغني ١١/ ٤٣، والشرح الكبير ١١/ ٤٨.
(١١) انظر: النهاية ٣/ ٨، وشرح السيوطي لسنن النسائي ٧/ ٢٣٨.
(١٢) صحيح البخاري ٧/ ١٢١ (٥٥١٣)، وصحيح مسلم ٦/ ٧٢ (١٩٥٦) (٥٨). وأخرجه: أحمد ٣/ ١١٧ و١٧١ و١٨٠ و١٩١، وأبو داود (٢٨١٦)، وابن ماجه (٣١٨٦)، والنسائي ٧/ ٢٣٨ وفي " الكبرى "، له (٤٥٢٨) من حديث أنس بن مالك، به.
[ ٣٧٠ ]
عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نهى أنْ تُصبر البهائم.
وفيهما أيضًا عن ابن عمر: أنَّه مرَّ بقوم نصبوا دجاجةً يرمونها، فقال ابنُ عمر: من فعل هذا؟ إنَّ رسول الله - ﷺ - لعن من فعل هذا (^١).
وخرَّج مسلم من حديث ابنِ عباس، عن النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّه نهى أنْ يُتخذ شيء فيه الروح غرضًا (^٢)،
والغرض: هو الذي يرمى فيه بالسهام (^٣).
وفي " مسند الإمام أحمد " (^٤) عن أبي هُريرة: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نهى عن الرَّمِيَّةِ: أنْ ترمى الدابة ثم تُؤكلُ ولكن تُذبح، ثم يرموا (^٥) إنْ شاؤوا.
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة.
فلهذا أمر النَّبيُّ - ﷺ - بإحسانِ القتلِ والذبح، وأمر أنْ تُحَدَّ الشفرةُ، وأنْ تُراح الذبيحة، يشير إلى أنَّ الذبح بالآلة الحادة يُرِيحُ الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها (^٦).
وخرَّج الإمام أحمد، وابنُ ماجه من حديث ابنِ عمر، قال: أمر رسولُ الله - ﷺ - بحَدِّ الشفارِ، وأنْ تُوارى عن البهائم، وقال: «إذا ذَبَحَ أَحَدُكُم، فليُجْهِزْ» (^٧)
_________________
(١) صحيح البخاري ٧/ ١٢٢ (٥٥١٥)، وصحيح مسلم ٦/ ٧٣ (١٩٥٨) (٥٩). = = … وأخرجه: أحمد ١/ ٣٣٨ و٢/ ١٣ و٤٣ و٦٠ و٨٦ و١٠٣ و١٤١، والدارمي (١٩٧٩)، والنسائي ٧/ ٢٣٨ وفي " الكبرى "، له (٤٥٣٠) من حديث عبد الله بن عمر، به.
(٢) في " صحيحه " ٦/ ٧٣ (١٩٥٧) (٥٨). وأخرجه: أحمد ١/ ٢٧٤ و٢٨٠ و٢٨٥ و٣٤٠ و٣٤٥، والنسائي ٧/ ٢٣٨ - ٢٣٩ وفي "الكبرى"، له (٤٥٣٢) و(٤٥٣٣)، وابن حبان (٥٦٠٨)، والطبراني في " الكبير " (١٢٢٦٢) و(١٢٢٦٣)، والبيهقي ٩/ ٧٠، والبغوي (٢٧٨٤) من حديث عبد الله بن عباس، به.
(٣) انظر: النهاية ٣/ ٣٦٠، وشرح السيوطي لسنن النسائي ٧/ ٢٣٨.
(٤) المسند ٢/ ٤٠٢، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة.
(٥) في (ج): «ليرموا»، وهو يخالف ما في المسند و(ص).
(٦) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٧/ ٩٥.
(٧) أخرجه: أحمد ٢/ ١٠٨، وابن ماجه (٣١٧٢)، والطبراني في " الكبير " (١٣١٤٤)، والبيهقي ٩/ ٢٨٠، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة.
[ ٣٧١ ]
يعني:
فليسرع الذبح (^١).
وقد ورد الأمر بالرفق بالذبيحة عندَ ذبحها، وخرَّج ابنُ ماجه (^٢) من حديث أبي سعيد الخدري قال: مرَّ رسولُ الله - ﷺ - برجل وهو يجرُّ شاة بأُذنها، فقال رسولُ الله - ﷺ -: «دع أُذنَها وخُذْ بِسالِفَتِها» والسالفة: مقدَّمُ العنق (^٣).
وخرَّج الخلالُ والطبرانيُّ من حديث عكرمة، عن ابن عباس قال: مرَّ رسولُ الله - ﷺ - برجلٍ واضع رجلَه على صفحة شاةٍ وهو يحدُّ شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: «أفلا قبْلَ هذا؟ تريدُ أنْ تُميتها موتتان (^٤)؟» (^٥). وقد روي عن عكرمة مرسلًا خرَّجه عبدُ الرزاق (^٦) وغيره، وفيه زيادة: «هلاَّ حددت شفرتك قبل أنْ تُضْجِعها».
وقال الإمام أحمد: تُقاد إلى الذبح قودًا رفيقًا، وتُوارى السكينُ عنها، ولا تُظهر السكين إلا عندَ الذبح، أمر رسولُ الله - ﷺ - بذلك: أنْ تُوارى الشفار (^٧).
وقال: ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أنَّها تعرف ربها، وتعرف أنَّها تموت. وقال: يُروى عن ابن سابط أنَّه قال: إنَّ البهائم جُبِلَتْ على كلِّ شيءٍ إلاَّ على أنَّها تعرف ربها، وتخافُ الموتَ.
وقد وردَ الأمرُ بقطع الأوداج عندَ الذبح، كما خرَّجه أبو داود من حديث عِكرمة،
_________________
(١) انظر: لسان العرب ٢/ ٤٠٠.
(٢) السنن (٣١٧١)، وإسناده ضعيف جدًا؛ فإنَّ موسى بن محمد بن إبراهيم منكر الحديث.
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٣٩٠.
(٤) في (ج): «موتات»، والمثبت من (ص)، و" المعجم الكبير " للطبراني.
(٥) أخرجه: الطبراني في " الكبير " (١١٩١٦) وفي " الأوسط "، له (٣٥٩٠)، وذكر الطبراني في " الأوسط " أنَّ عبد الرحيم بن سليمان تفرد بوصله. وأخرجه: الحاكم ٤/ ٢٣٣ من حديث عبد الله بن عباس، به، وصححه. انظر: مجمع الزوائد ٤/ ٣٣.
(٦) المصنف (٨٦٠٨).
(٧) انظر: المغني ١١/ ٤٧، والشرح الكبير ١١/ ٦١ - ٦٢.
[ ٣٧٢ ]
عن ابن عباس، وأبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّه نهى عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح فتقطع الجلد، ولا تفري الأوداج، وخرَّجه ابن حبان في " صحيحه " وعنده: قال عكرمة: كانوا يقطعون منها الشيء اليسيرَ، ثم يدعونها حتى تموتَ، ولا يقطعون الودجَ، فنهى عن ذلك (^١).
وروى عبدُ الرزاق في " كتابه " (^٢) عن محمد بن راشدٍ، عن الوضين بنِ عطاء، قال: إنَّ جزَّارًا فتح بابًا على شاةٍ ليذبحها فانفلتت منه حتَّى جاءت النَّبيَّ - ﷺ -، فاتبعها، فأخذ يَسْحَبُها برجلها، فقال لها النَّبيُّ - ﷺ -: «اصبري لأمرِ الله، وأنتَ يا جزَّارُ فسُقْها إلى الموتِ سَوقًا رفيقًا».
وبإسناده عن ابن سيرين: أنَّ عُمَرَ رأى رجلًا يسحب شاةً برجلها ليذبحها، فقال له: وَيْلَكَ قُدْها إلى الموت (^٣) قودًا جميلًا (^٤).
وروى محمدُ بنُ زيادٍ: أنَّ ابن عمر رأى قصَّابًا يجُرُّ شاةً، فقال: سُقها إلى الموت سوقًا جميلًا، فأخرج القصابُ شفرة، فقال: ما أسوقها سوقا جميلًا وأنا أريد أنْ أذبحها الساعة، فقال: سقها سوقًا جميلًا (^٥).
وفي " مسند الإمام أحمد " (^٦) عن معاوية بنِ قُرة، عن أبيه: أنَّ رجلًا قال للنَّبيِّ - ﷺ -: يا رسولَ اللهِ إني لأذبحُ الشاةَ وأنا أرحمها، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «والشاة إنْ رحمتها
رَحِمَكَ الله».
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٢٨٢٦)، وابن حبان (٥٨٨٨). وأخرجه: أحمد ١/ ٢٨٩، والحاكم ٤/ ١١٣، والبيهقي ٩/ ٢٧٨، وإسناده ضعيف لضعف عمرو ابن عبد الله اليماني.
(٢) المصنف (٨٦٠٩)، وإسناده ضعيف لإرساله فإنَّ الوضين بن عطاء متأخر من الطبقة السادسة مات سنة (١٤٩ هـ) وقد تكلم فيه بعضهم.
(٣) زاد بعدها في (ص): «قودًا رفيقًا».
(٤) أخرجه: عبد الرزاق (٨٦٠٥).
(٥) من قوله: «فأخرج القصاب شفرة …» إلى هنا سقط من (ص).
(٦) المسند ٣/ ٤٣٦ و٥/ ٣٤. وأخرجه: البخاري في "الأدب المفرد" (٣٧٣)، والبزار كما في "كشف الأستار" (١٢٢١)، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (٤٤) و(٤٥) و(٤٦) و(٤٧) وفي " الصغير "، له (٢٩٣)، والحاكم ٣/ ٥٨٦ - ٥٨٧ و٤/ ٢٣١، وأبو نعيم في " الحلية " ٢/ ٣٠٢ و٦/ ٣٤٣، والبيهقي في " شعب الإيمان " (١١٠٦٧) و(١١٠٦٩)، وهو حديث صحيح.
[ ٣٧٣ ]
وقال مطرف بنُ عبد الله: إنَّ الله ليرحم برحمة العصفور (^١).
وقال نوفٌ البكالي: إنَّ رجلًا ذبح عِجَّوْلًا (^٢) له بين يدي أمه، فخُبِّلَ، فبينما هو تحتَ شجرة فيها وكْرٌ فيه فَرْخٌ، فوقع الفرخُ إلى الأرض، فرحمه فأعاده في مكانه، فردَّ الله إليه قوَّته (^٣).
وقد رُوي من غير وجه عن النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّه نهى أنْ تُولَّه والدة عن ولدها، وهو
عام في بني آدم وغيرهم (^٤).
وفي " سنن أبي داود " (^٥): أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عن الفَرَعِ، فقال: «هو حَقٌّ وإنْ تتركوه حتّى يكونَ بكرًا ابنَ مخاض، أو ابنَ لَبُون، فتُعطيه أرملة، أو تحمل عليه في سبيل الله خيرٌ من أنْ تَذْبَحَهُ فيلصقَ لحمُه بوبره، وتُكفئ إناءك وتُولِّه ناقتك».
والمعنى: أنَّ ولد الناقة إذا ذبح وهو صغير عندَ ولادته لم يُنتفع بلحمه، وتضرَّر صاحبُه بانقطاع لبنِ ناقته، فتُكفِئ إناه وهُوَ المِحْلَبُ الذي تُحلَب فيه الناقة، وتولَّه الناقة على ولدها بفقدها إيَّاه (^٦).
_________________
(١) ذكره: أبو نعيم في " الحلية " ٢/ ٢١٠.
(٢) هو الأنثى من ولد البقرة. انظر: لسان العرب (عجل).
(٣) ذكره: أبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٥٢.
(٤) أخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (٣٨٢)، وأبو داود (٢٦٧٥) و(٥٢٦٨)، والطبراني في " الكبير " (١٠٣٧٥) و(١٠٣٧٦)، والحاكم ٤/ ٢٣٩، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ٣٢ - ٣٣ من حديث عبد الله بن مسعود، به بهذا المعنى. وأخرجه: أحمد ١/ ٤٠٤، مرسلًا من حديث عبد الرحمان بن عبد الله، به بمعناه.
(٥) السنن (٢٨٤٢). وأخرجه: أحمد ٢/ ١٨٢ - ١٨٣، والحاكم ٤/ ٢٣٦، والبيهقي ٩/ ٣١٢ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به، ورواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده من نوع الحسن. وأخرجه: النسائي ٧/ ١٦٨ وفي " الكبرى "، له (٤٥٥١) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وزيد بن أسلم.
(٦) انظر: معالم السنن ٤/ ٢٦٦، وحاشية السندي على سنن النسائي ٧/ ١٦٨ - ١٦٩، وعون المعبود ٨/ ٤٥.
[ ٣٧٤ ]