عَنِ المِقدامِ بنِ مَعدِ يكرِبَ قالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ - ﷺ - يَقولُ: «ما مَلأ آدميٌّ وِعاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدمَ أَكَلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كَانَ لا مَحالَةَ، فَثُلُثٌ لِطعامِهِ، وثُلُثٌ لِشَرابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفسه» رواهُ الإمامُ أحمَدُ والتِّرمِذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَهْ، وقَالَ التِّرمِذيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
هذا الحديثُ خرَّجه الإمام أحمد (^١) والترمذيُّ (^٢) من حديث يحيى بن جابر الطائي عن المقدام، وخرَّجه النَّسائي (^٣) من هذا الوجه ومن وجه آخر من رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن جدّه (^٤)، وخرّجه ابنُ ماجه (^٥) من وجه آخر عنه
وله طرق أخرى (^٦).
وقد رُوي هذا الحديث مع ذكر سببه، فروى أبو القاسم البغوي في
" معجمه " من حديث عبد الرحمان بن المُرَقَّع، قال: فتح رسولُ الله - ﷺ - خيبر وهي مخضرةٌ من الفواكة، فواقع الناسُ الفاكهةَ، فمغثتهمُ الحُمَّى، فشَكَوْا إلى رسولِ الله - ﷺ -، فقال رسولُ الله - ﷺ -: «إنّما الحمى رائدُ الموت وسجنُ الله في الأرض، وهي قطعةٌ من النار، فإذا أخذتكم فبرِّدوا الماء في الشِّنان، فصبُّوها عليكم بين الصَّلاتين» يعني المغرب والعشاء، قال: ففعلوا ذلك، فذهبت عنهم، فقال رسولُ الله - ﷺ -:
«لم يخلُقِ الله وعاءً إذا مُلِئَ شرًّا من بطن، فإن كان لابدَّ، فاجعلوا ثُلُثًا للطَّعام، وثُلثًا للشَّراب، وثُلثًا للرِّيح» (^٧).
_________________
(١) في " مسنده " ٤/ ١٣٢.
(٢) في " جامعه " (٢٣٨٠).
(٣) في " الكبرى " (٦٧٦٩) و(٦٧٧٠).
(٤) في " الكبرى " (٦٨٦٨).
(٥) في " سننه " (٣٣٤٩).
(٦) أخرجه: الطبراني في " الكبير " (٦٦٢) عن حبيب بن عبيد، عن المقدام، به.
(٧) أخرجه: الطبراني كما في " مجمع الزوائد " ٥/ ٩٥، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ١٦٠ - ١٦١، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٥٩) من طريق المحبر بن هارون، عن أبي يزيد المقرئ، عن عبد الرحمان بن المرقع، وفي إسناده مقال، ولبعض فقراته شواهد.
[ ٨٩١ ]
وهذا الحديثُ أصلٌ جامعٌ لأصول الطب كُلِّها. وقد رُوي أنَّ ابنَ أبي
ماسويه (^١) الطبيبَ لمَّا قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة، قال: لو استعملَ الناسُ هذه الكلمات، سَلِموا مِنَ الأمراض والأسقام، ولتعطَّلت المارستانات (^٢) ودكاكين الصيادلة، وإنَّما قال هذا؛ لأنَّ أصل كلِّ داء التُّخَم، كما قال بعضهم: أصلُ كُلِّ داء البردةُ، وروي مرفوعًا ولا يصحُّ رفعه (^٣).
وقال الحارث بن كَلَدَة طبيبُ العرب: الحِمية رأسُ الدواء، والبِطنةُ رأسُ الداء، ورفعه بعضهم ولا يصحُّ أيضًا (^٤).
وقال الحارث أيضًا: الذي قتل البرية، وأهلك السباعَ في البرية، إدخالُ الطعام على الطعام قبل الانهضام.
وقال غيره: لو قيل لأهل القبور: ما كان سببُ آجالكم؟ قالوا: التُّخَمُ (^٥).
فهذا بعض منافع تقليلِ الغذاء، وتركِ التَّمَلِّي من الطَّعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته.
وأما منافِعُه بالنسبة إلى القلب وصلاحه، فإنَّ قلةَ الغذاء توجب رِقَّة القلب، وقوَّة الفهم، وانكسارَ النفس، وضعفَ الهوى والغضب، وكثرةُ الغذاء توجب ضدَّ ذلك.
_________________
(١) هو أبو زكريا يحيى بن ماسويه الحراني، كان مسيحيًا طبيبًا حاذقًا، له من المصنفات (إصلاح الأدوية المفردة تدبير الأصحاء) توفي في سر من رأى سنة ثلاث وأربعين ومئتين. انظر: كشف الظنون ٦/ ٥١٥.
(٢) هي دار المرضى، انظر: لسان العرب (مرس).
(٣) أخرجه: ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٠٤، وابن عدي في " الكامل " ٢/ ٢٧٩، وأبو أحمد العسكري في " أخبار المصحفين ": ٦٤ عن الحسن، عن أنس مرفوعًا. قال الدارقطني: الأشبه بالصواب أنه من قول الحسن. انظر: " كشف الخفاء " (٣٨٠). وقال ابن عدي: ولعل البلاء في هذا الحديث من محمد بن جابر الحلبي لأنه مجهول ولا يعرف حاله. انظر: الكامل ٢/ ٢٨٠.
(٤) قال السخاوي: «لا يصح رفعه إلى النبي - ﷺ - بل هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب أو غيره» المقاصد الحسنة (١٠٣٥)، وانظر: كشف الخفاء (٢٣٢٠).
(٥) ذكره المناوي في " فيض القدير " ١/ ٦٧.
[ ٨٩٢ ]
قال الحسن: يا ابنَ آدم كُلْ في ثلث بطنك، واشرب في ثلثٍ، ودع ثُلُثَ بطنك يتنفَّس لتتفكر.
وقال المروذي: جعل أبو عبد الله: يعني: أحمدَ يُعظِّمُ أمر الجوع والفقر، فقلت له: يُؤجر الرجل في ترك الشهوات، فقال: وكيف لا يؤجر، وابنُ عمر يقول: ما شبعت منذ أربعة أشهر؟ قلت لأبي عبد الله: يجد الرجلُ مِنْ قلبه رقَّة وهو يشبع؟ قال: ما أرى (^١).
وروى المروذي عن أبي عبد الله قول ابن عمر هذا من وجوه، فروى بإسناده عن ابن سيرين، قال: قال رجل لابن عمر: ألا أجيئك بجوارش؟ قال: وأيُّ شيء هو؟ قال: شيءٌ يَهضِمُ الطعامَ إذا أكلته، قال: ما شبعتُ منذ أربعةِ أشهر، وليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولكن أدركت أقوامًا يجوعون أكثرَ مما يشبعون (^٢).
وبإسناده عن نافع، قال: جاء رجل بجوارش إلى ابن عمر، فقال: ما هذا؟ قال: جوارش: شيءٌ يُهضَمُ به الطعامُ، قال: ما أصنع به؟ إنِّي ليأتي عليَّ الشهرُ ما أشبع فيه من الطعام (^٣).
وبإسناده عن رجلٍ قال: قلتُ لابنِ عمر: يا أبا عبد الرحمان رَقَّتْ مضغتك، وكَبِرَ سِنُّكَ، وجلساؤك لا يعرفون لك حَقَّك ولا شَرَفَك، فلو أمرتَ أهلك أنْ يجعلوا لك شيئًا يلطفونك إذا رجعتَ إليهم، قال: وَيْحَكَ، واللهِ ما شبعتُ منذ إحدى عشرة سنة، ولا اثنتي عشرة سنة، ولا ثلاث عشرة سنة، ولا أربع عشرة سنة مرَّة واحدة، فكيف بي وإنَّما بقي مني كظِمْءِ الحمار (^٤).
وبإسناده عن عمرو بن الأسود العنسي أنَّه كان يدعُ كثيرًا من الشبع مخافة الأشر (^٥).
_________________
(١) انظر: الورع للإمام أحمد: ١٢٠.
(٢) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ١/ ٣٠٠، وذكره الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٣/ ٢٢٢.
(٣) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ١/ ٣٠٠.
(٤) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩.
(٥) أخرجه: ابن أبي عاصم في " الآحاد المثاني " (٢٨٢٨)، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٥/ ١٥٦.
[ ٨٩٣ ]
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب " الجوع " (^١) بإسناده عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: ما شبعتُ منذُ أسلمت.
وروى بإسناده (^٢) عن محمد بن واسع، قال: مَنْ قلَّ طُعْمُه فهم، وأفهم، وصفا،
ورقَّ، وإنَّ كَثرةَ الطَّعام ليُثقل صاحبه عن كثير مما يُريد.
وعن أبي عبيدة الخَوَّاص، قال: حَتْفُكَ في شبعك، وحَظُّك في جوعك، إذا أنت شبعتَ ثقلتَ، فنِمْتَ، استمكن منك العدوُّ، فجثم عليك، وإذا أنت تجوَّعت كنت للعدو بمرصد (^٣).
وعن عمرو بن قيس، قال: إيَّاكُمْ والبِطنة فإنَّها تُقسِّي القلب (^٤).
وعن سلمة بنِ سعيد قال: إنْ كان الرجلُ لَيُعيَّر بالبِطنة كما يُعير بالذنب يَعمَلُهُ (^٥).
وعن بعض العلماء قال: إذا كنت بطينًا، فاعدد نفسك زمنًا حتى تخمص (^٦).
وعن ابن الأعرابي قال: كانت العربُ تقول: ما بات رجلٌ بطينًا فتمَّ
عزمُه (^٧).
وعن أبي سليمان الداراني قال: إذا أردتَ حاجةً من حَوائجِ الدُّنيا والآخرة، فلا تأكل حتَّى تقضيها، فإنَّ الأكلَ يُغير العقل (^٨).
وعن مالك بن دينار قال: ما ينبغي للمؤمن أنْ يكونَ بطنه أكبرَ همه، وأنْ تكونَ شهوته هي الغالبة عليه (^٩).
قال: وحدثني الحسنُ بن عبد الرحمان، قال: قال الحسن أو غيره: كانت بلية أبيكم آدم - ﵇ - أكلةً، وهي بليتُكم إلى يوم القيامة (^١٠).
_________________
(١) رقم (٥٨).
(٢) رقم (٥٩).
(٣) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (٤٢).
(٤) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (٨٤).
(٥) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (٨٣).
(٦) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (٨٥) ولم ينسبه.
(٧) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (٨٦).
(٨) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (٨٧).
(٩) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (١٠٥).
(١٠) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (٩٧).
[ ٨٩٤ ]
قال: وكان يُقال: من ملك بطنه، ملك الأعمالَ الصالحة كلها (^١)، وكان يُقال: لا تَسكُنُ الحِكمةُ معدة ملأى (^٢).
وعن عبد العزيز بن أبي رواد قال: كان يُقال: قِلة الطعام عونٌ على التسرُّع إلى الخيرات (^٣).
وعن قثم العابد قال: كان يُقال: ما قلَّ طعمُ امرئٍ قطُّ إلا رقَّ قلبه، ونديت عيناه (^٤).
وعن عبد الله بن مرزوق قال: لم نَرَ للأشر مثل دوام الجوع، فقال له أبو
عبد الرحمان العمري الزاهد: وما دوامه عندك؟ قالَ: دوامُه أنْ لا تشبع أبدًا. قالَ: وكيف يقدر من كانَ في الدنيا على هذا؟ قال: ما أيسرَ ذلك يا أبا عبد الرحمان على أهل ولايته ومن وفَّقه لطاعته، لا يأكل إلا دونَ الشبع هو دوامُ الجوع (^٥).
ويشبه هذا قول الحسن لما عرض الطعامَ على بعض أصحابه، فقال له: أكلتُ حتى لا
أستطيع أنْ آكل، فقال الحسن: سبحان الله ويأكل المسلم حتى لا يستطيع أن يأكل؟! (^٦).
وروى أيضًا بإسناده عن أبي عمران الجوني، قال: كان يقال: من أحبّ أن يُنوَّرَ لهُ قلبُه، فليُقِلَّ طُعمَه (^٧).
وعن عثمان بن زائدة قال: كتب إليَّ سفيان الثوري: إنْ أردت أنْ يصحَّ
جسمك، ويَقِلَّ نومك، فأقلَّ من الأكل (^٨).
وعن ابن السَّماك قال: خلا رجل بأخيه، فقال: أي أخي، نحن أهونُ على الله من أنْ يُجيعنا، إنَّما يُجيع أولياءه.
وعن عبد الله بن الفرج قال: قلت لأبي سعيد التميمي: الخائف يشبعُ؟ قالَ: لا، قلت: المشتاق يشبع؟ قالَ: لا.
_________________
(١) لم أقف على قول الحسن، وأخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (٩٩) عن مالك بن دينار.
(٢) انظر: كتاب الجوع (١٠٢).
(٣) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (١٠٧).
(٤) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (١٢٤).
(٥) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (١٣٦).
(٦) أخرجه: أحمد في " الزهد " (١٥٢٣).
(٧) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (١٤٢).
(٨) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (١٥٠).
[ ٨٩٥ ]
وعن رياح القيسي أنه قُرِّبَ إليه طعامٌ، فأكل منه، فقيل لهُ: ازدد فما أراك شبعتَ، فصاح صيحة وقال: كيف أَشبَعُ أيام الدنيا وشجرةُ الزقوم طعامُ الأثيم بين يدي؟ فرفع الرجلُ الطعام من بين يديه، وقال: أنت في شيء ونحن في شيء (^١).
قال المروذي: قال لي رجل: كيف ذاك المتنعمُ؟ يعني: أحمد، قلتُ له: وكيف هو متنعم؟ قال: أليس يجد خبزًا يأكل، وله امرأة يسكن إليه ويطؤها، فذكرتُ ذلك لأبي عبد الله، فقال: صدق، وجعل يسترجِعُ، وقال: إنا لنشبع.
وقال بشر بنُ الحارث: ما شبعت منذ خمسينَ سنة، وقال: ما ينبغي للرجل أنْ يشبع اليوم من الحلال؛ لأنَّه إذا شبع من الحلال، دعته نفسُه إلى الحرام، فكيف من هذه الأقذار؟ (^٢)
وعن إبراهيم بن أدهم قال: من ضبط بطنه، ضبط دينَه، ومن ملك جُوعَه، ملك الأخلاق الصالحة، وإنَّ معصية الله بعيدةٌ من الجائع، قريبةٌ من الشبعان، والشبعُ يميت القلبَ، ومنه يكونُ الفرحُ والمرح والضحك.
وقال ثابت البناني: بلغنا أنَّ إبليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما
السّلام، فرأى عليه معاليق من كلِّ شيءٍ، فقال له يحيى: يا إبليس، ما هذه المعاليقُ التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهواتُ التي أُصيبُ من بني آدم، قال: فهل لي فيها شيءٌ؟ قال: ربما شبعت، فثقَّلناك عن الصَّلاة وعنِ الذِّكر، قال: فهل غيرُ هذا؟ قال:
لا، قال: لله عليَّ أنْ لا أملأ بطني من طعام أبدًا، قال: فقال إبليس: ولله عليَّ أنْ لا أنصحَ مسلمًا أبدًا (^٣).
وقال أبو سليمان الداراني: إنَّ النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورقَّ، وإذا شبعت ورويت، عمي القلبُ (^٤)، وقال: مفتاحُ الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع، وأصلُ كلِّ خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله - ﷿ -، وإنَّ الله ليُعطي الدنيا من يُحبُّ ومن لا يُحبُّ، وإنَّ الجوع عنده في
_________________
(١) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٦/ ١٩٤.
(٢) أخرجه: أحمد في " الورع ": ١٢٣.
(٣) أخرجه: ابن الجعد في " مسنده " (١٣٨٦)، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٤) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " الجوع " (٣١٩).
[ ٨٩٦ ]
خزائن مُدَّخَرة، فلا يُعطي إلا من أحبَّ خاصة؛ ولأنْ أدعَ من عشائي لقمةً أحبُّ إليَّ من أن آكلها ثم أقوم من أوَّل الليل إلى آخره (^١).
وقال الحسن بن يحيى الخشني: من أراد أن تَغْزُرَ دموعه، ويرِقَّ قلبه، فليأكل، وليشرب في نصف بطنه، قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت بهذا أبا سليمان، فقال: إنَّما جاء الحديث: «ثلثٌ طعام وثلثٌ شراب»، وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسَهم، فربحوا سدسًا (^٢).
وقال محمد بن النضر الحارثي: الجوعُ يبعث على البرِّ كما تبعثُ البِطنة على
الأشر (^٣).
وعن الشافعي، قال: ما شبعتُ منذ ستَّ عشرةَ سنة إلا شبعة اطرحتها؛ لأنَّ الشبع يُثقِلُ البدن، ويُزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة (^٤).
وقد ندب النَّبيُّ - ﷺ - إلى التقلل من الأكل في حديث المقدام، وقال: «حسبُ ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه» (^٥). وفي " الصحيحين " (^٦) عنه - ﷺ - أنَّه قال:
«المؤمنُ يأكل في مِعًى واحدٍ، والكافرُ يأكل
في سبعة أمعاء» والمراد أنَّ المؤمن يأكلُ بأدبِ الشَّرع، فيأكل في مِعًى واحدٍ، والكافر يأكل بمقتضى الشَّهوة والشَّرَهِ والنَّهم، فيأكلُ في سبعة أمعاء.
وندب - ﷺ - مع التقلُّل منَ الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه، فقال: «طعامُ الواحدِ يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنين يكفي الثَّلاثة، وطعامُ الثلاثة
_________________
(١) أخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان " (٥٧١٥)، والخطيب في " تأريخه " ١٠/ ٢٤٨.
(٢) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٨/ ٣١٨. قلت: والخير والهدى والسداد في اتباع أمر رسول الله - ﷺ - وما نصح في حديثه - ﷺ - ففيه الغاية في الورع والزهد، أما المبالغة في الأمر فقد يخرج بالمرء إلى حيز التنطع والتشدد المنهي عنه.
(٣) ذكره ابن الجوزي في " صفة الصفوة " ٣/ ٨٠.
(٤) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٩/ ١٢٧.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) صحيح البخاري ٧/ ٩٢ (٥٣٩٣)، وصحيح مسلم ٦/ ١٣٢ (٢٠٦٠) (١٨٢) من حديث ابن عمر.
[ ٨٩٧ ]
يكفي الأربعة» (^١).
فأحسنُ ما أكل المؤمن في ثُلُثِ بطنه، وشرِبَ في ثلث، وترك للنَّفَسِ ثُلثًا، كما ذكره النَّبيُّ - ﷺ - في حديث المقدام، فإنَّ كثرة الشرب تجلِبُ النوم، وتفسد الطعام. قال سفيان: كُلْ ما شئتَ ولا تشرب، فإذا لم تشرب، لم يجئك النوم (^٢).
وقال بعض السَّلف: كان شبابٌ يتعبَّدون في بني إسرائيل، فإذا كان عند
فطرهم، قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيرًا، فتشربوا كثيرًا، فتناموا كثيرًا،
فتخسروا كثيرًا (^٣).
وقد كان النَّبيُّ - ﷺ - وأصحابه يجوعون كثيرًا، ويتقلَّلون من أكل الشَّهوات، وإنْ كان ذلك لِعدم وجود الطَّعام، إلاَّ أنَّ الله لا يختارُ لرسوله إلا أكملَ الأحوال وأفضلها. ولهذا كان ابنُ عمر يتشبه بهم في ذلك، مع قدرته على الطَّعام، وكذلك كان أبوه
من قبله.
ففي " الصحيحين " (^٤) عن عائشة، قالت: ما شبع آلُ محمدٍ - ﷺ - منذ قَدِمَ المدينة من خبز بُرٍّ ثلاث ليال تباعًا حتى قُبض، ولمسلم (^٥): قالت: ما شبع رسول الله - ﷺ - من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض.
وخرَّج البخاري (^٦) عن أبي هريرة قال: ما شَبِعَ رسول الله - ﷺ - من طعام ثلاثة أيام حتى قُبض.
وعنه قال: خرج رسول الله - ﷺ - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير (^٧).
_________________
(١) أخرجه: مسلم ٦/ ١٣٢ (٢٠٥٩) (١٧٩) و(١٨١)، وابن ماجه (٣٢٥٤)، والترمذي (١٨٢٠ م) من حديث جابر.
(٢) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٧/ ١٨.
(٣) انظر: الزهد: ١٠٤ لابن أبي عاصم (ط. دار الريان للتراث).
(٤) صحيح البخاري ٧/ ٩٨ (٥٤٢٣) و٧/ ١٠٢ (٥٤٣٨) و٨/ ١٧٤ (٦٦٨٧)، وصحيح مسلم ٨/ ٢١٨ (٢٩٧٠) (٢٠).
(٥) ٨/ ٢١٨ (٢٩٧٠) (٢٢).
(٦) في " صحيحه " ٧/ ٨٧ (٥٣٧٤).
(٧) أخرجه: البخاري ٧/ ٩٧ (٥٤١٤).
[ ٨٩٨ ]
وفي " صحيح مسلم " (^١) عن عمر أنَّه خطب، فذكر ما أصابَ الناسُ من الدنيا، فقال: لقد رأيتُ رسول الله - ﷺ - يظلُّ اليوم يلتوي ما يجد دَقَلًا يملأ به بطنه.
وخرَّج الترمذي (^٢)، وابن ماجه (^٣) من حديث أنس عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «لقد أوذيت في الله وما يُؤذى أحد، ولقد أُخِفْتُ في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاث مِنْ بين يومٍ وليلةٍ وما لي طعامٌ إلا ما واراه إبط بلال».
وخرَّج ابنُ ماجه (^٤) بإسناده عن سليمان بن صُرَد، قال: أتانا رسولُ الله - ﷺ -، فمكثنا ثلاث ليالٍ لا نَقدِرُ - أو لا يقدر - على طعام.
وبإسناده (^٥) عن أبي هريرة، قال: أُتي رسول الله - ﷺ - بطعامٍ سُخْن، فأكل، فلما فرغ، قال: «الحمدُ لله، ما دخل بطني طعامٌ سخن منذ كذا وكذا».
وقد ذم الله ورسوله من اتَّبع الشهواتِ، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلاَّ مَنْ تَابَ﴾ (^٦).
وصحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «خيرُ القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم يشهدون ولا يُستشهدون، ويَنذِرُون ولا يُوفون، ويظهر فيهم السِّمَنُ» (^٧).
وفي " المسند " (^٨) أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - رأى رجلًا سمينًا، فجعل يومئُ بيده إلى بطنه ويقول: «لو كان هذا في غير هذا، لكان خيرًا لك».
_________________
(١) ٨/ ٢٢٠ (٢٩٧٨) (٣٦).
(٢) في " جامعه " (٢٤٧٢)، وقال: «حسن صحيح».
(٣) في " سننه " (١٥١).
(٤) في " سننه " (٤١٤٩)، وإسناده ضعيف.
(٥) في " سننه " (٤١٥٠)، وفي إسناده مقال من أجل سويد بن سعيد، وفي القلب من المتن.
(٦) مريم: ٥٩ - ٦٠.
(٧) أخرجه: البخاري ٣/ ٢٢٤ (٢٦٥١) و٥/ ٢ - ٣ (٣٦٥٠) و٨/ ١١٣ (٦٤٢٨) و٨/ ١٧٦ (٦٦٩٥)، ومسلم ٧/ ١٨٥ (٢٥٣٥) (٢١٤) من حديث عمران بن حصين.
(٨) مسند الإمام أحمد ٣/ ٤٧١ و٤/ ٣٣٩، وإسناده ضعيف لجهالة أبي إسرائيل الجشمي فقد تفرد بالرواية عنه شعبة.
[ ٨٩٩ ]
وفي " المسند " (^١) عن أبي برزة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم شهواتُ الغي في بطونكم وفروجكم، ومُضلات الهوى».
وفي " مسند البزار " وغيره (^٢) عن فاطمة، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «شرارُ أمتي الذين غذوا
بالنَّعيم يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدّقون في الكلام».
وخرَّج الترمذي (^٣) وابن ماجه (^٤) من حديث ابن عمر، قال: تجشأ (^٥) رجلٌ عند النَّبيِّ - ﷺ -، فقال: «كفّ عنا جُشاءك، فإنَّ أكثرهم شبعًا في الدنيا أطولُهم جوعًا يوم القيامة».
وخرَّجه ابنُ ماجه (^٦) من حديث سلمان أيضًا بنحوه،
وخرَّجه الحاكم (^٧)
من حديث أبي جُحيفة وفي أسانيدها كلِّها مقال.
وروى يحيى بنُ منده في كتاب " مناقب الإمام أحمد " بإسنادٍ له عن الإمامِ أحمد أنَّه سئل عن قولِ النَّبيِّ - ﷺ -: «ثُلث للطَّعام، وثُلثٌ للشراب، وثلث للنفس» فقال: ثلث للطعام: هو القُوتُ، وثلث للشراب: هو القوى، وثلث للنفس: هو الروح، والله أعلم.
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ٤/ ٤٢٠ و٤٢٣، وإسناده منقطع.
(٢) لم أقف عليه في " مسند البزار " من حديث فاطمة، وأورده من حديث أبي هريرة برقم
(٣) ، وأما حديث فاطمة فأخرجه: ابن أبي الدنيا في " ذم الغيبة " (١٠) وفي " الصمت "، له (١٥)، وابن عدي في " الكامل " ٧/ ٤.
(٤) في " جامعه " (٢٤٧٨)، وقال: «حسن غريب» على أن سند الحديث مسلسل بالضعفاء: محمد بن حميد الرازي ضعيف، وشيخه عبد العزيز بن عبد الله القرشي منكر الحديث، وشيخه يحيى البكاء ضعيف، لذا قال أبو زرعة كما في " علل ابن أبي حاتم " (١٩١٠) : «هذا حديث منكر».
(٥) في " سننه " (٣٣٥٠).
(٦) التجشؤ: تنفس المعدة عند الامتلاء. لسان العرب ٢/ ٢٨٥ (جشأ).
(٧) في " سننه " (٣٣٥١)، في إسناده سعيد بن محمد الثقفي ضعيف، وعطية بن عامر الجهني مجهول.
(٨) في " المستدرك " ٤/ ١٢١، وصححه على طريقته في التساهل فرده الذهبي في " التلخيص " فقال: «فيه فهد بن عون كذاب، وعمر (وهو ابن موسى) هالك»، ومن قبل رد المنذري في " الترغيب والترهيب " ٣/ ١٣٧ على الحاكم فقال: «بل واه جدًا، فيه فهد بن عون وعمر بن موسى».
[ ٩٠٠ ]