عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - أنَّ رَجُلًا قالَ للنَّبيِّ - ﷺ -: أوصِني، قال: «لا تَغْضَبْ» فردَّد مِرارًا قال: «لا تَغْضَبْ». رواهُ البُخاريُّ (^١).
هذا الحديثُ خرَّجه البخاري من طريق أبي حَصين الأسدي (^٢)، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ولم يُخرجه مسلم؛ لأنَّ الأعمشَ رواه عن أبي صالح، واختلف عليه في إسناده فقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، كقول أبي حَصين، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، وعند يحيى بن معين أنَّ هذا هو الصحيحُ، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد (^٣)، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو جابر، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن رجل من الصحابة غير مسمى.
وخرَّج الترمذي (^٤) هذا الحديثَ من طريق أبي حصين أيضًا ولفظُه: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله علِّمني شيئًا ولا تُكثر عليَّ لَعَلِّي أعيه، قال: «لا تَغْضَب»، فردد ذلك مرارًا كلُّ ذلك يقول: «لا تغضب» وفي رواية أخرى (^٥) لغير الترمذي قال: قلتُ: يا رسولَ الله، دلني على عمل يُدخلني الجنَّة ولا
تُكثِرْ عليَّ، قال: «لا تَغْضَب».
_________________
(١) في " صحيحه " ٨/ ٣٥ (٦١١٦). وأخرجه: أحمد ٢/ ٣٦٢ و٤٦٦، وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " ١/ ٣٤٠، والبيهقي ١٠/ ١٠٥.
(٢) هو عثمان بن عاصم بن حُصين الأسدي، الكوفي، أبو حَصين بفتح المهملة. تقريب التهذيب (٤٤٨٤).
(٣) جملة: «وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد» سقطت من (ص).
(٤) في " جامعه " (٢٠٢٠)، وقال: «حسن صحيح غريب». وأخرجه: أبو يعلى (١٥٩٣)، والطبراني في " مسند الشاميين " (١٧٣١) من حديث أبي هريرة، به.
(٥) أخرجه: أحمد ٢/ ٣٦٢، والبغوي (٣٥٨٠) من حديث أبي هريرة، به.
[ ٣٤٣ ]
فهذا الرجلُ طلب مِن النَّبيِّ - ﷺ - أنْ يُوصِيهَ وصيةً وجيزةً جامعةً لِخصال الخيرِ، ليحفظها عنه خشيةَ أنْ لا يحفظها؛ لكثرتها، فوصَّاه النَّبيُّ - ﷺ - أنْ لا يغضب، ثم ردَّد هذه المسألة عليه مرارًا، والنَّبيُّ - ﷺ - يردِّدُ عليه هذا الجوابَ، فهذا يدلُّ على أنَّ الغضب جِماعُ الشرِّ، وأنَّ التحرُّز منه جماعُ الخير (^١).
ولعلَّ هذا الرجلَ الذي سأل النَّبيَّ - ﷺ - هو أبو الدرداء، فقد خرَّج الطبراني (^٢) من حديث أبي الدرداء قال: قلتُ: يا رسولَ الله دلني على عمل يدخلني الجنَّة، قال: «لا تَغْضَبْ ولكَ الجَنَّةُ».
وقد روى الأحنفُ بنُ قيسٍ، عن عمه جارية (^٣) بن قدامة: أنَّ رجلًا قال:
يا رسولَ اللهِ قُلْ لي قولًا، وأقْلِلْ عليَّ لعلي أعقِلُهُ، قال: «لا تغضبْ»، فأعاد عليه مرارًا كُلُّ ذلك يقول: «لا تَغضَبْ» خرَّجه الإمام أحمد (^٤)، وفي رواية (^٥)
له
أنَّ جارية بن قُدامة قال: سألت النَّبيَّ - ﷺ - فذكره.
فهذا يغلب على الظنِّ أنَّ السائلَ هو جارية بنُ قدامة، ولكن ذكر الإمامُ أحمد (^٦)
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١٠/ ٦٣٨.
(٢) في " الأوسط " (٢٣٧٤)، وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٨/ ٧٠: «رواه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط " وأحد إسنادي الكبير رجاله ثقات».
(٣) تصحف في (ص): إلى: «حارثة».
(٤) في " مسنده " ٣/ ٤٨٤ و٥/ ٣٤. وأخرجه: ابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (١١٦٨)، وابن حبان (٥٦٩٠)، والطبراني في " الكبير " (٢٠٩٥) و(٢٠٩٧) و(٢٠٩٩) و(٢١٠٥) وفي " الأوسط "، له (٧٤٩١)، والخطيب في " تاريخه " ٣/ ١٠٨ عن جارية بن قدامة، عن رجل، به، وانظر ماسيأتي.
(٥) مسند الإمام أحمد ٥/ ٣٤ و٣٧٠ و٣٧٢. = = … وأخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ٧/ ٤٠، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١١٦٧)، وابن حبان (٥٦٨٩)، والطبراني في " الكبير " (٢٠٩٣) و(٣٠٩٤) و(٢٠٩٦) و(٢٠٩٨) و(٢١٠٠) و(٢١٠١) و(٢١٠٢) و(٢١٠٣) و(٢١٠٤) و(٢١٠٦) و(٢١٠٧)، والحاكم ٣/ ٦١٥، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٨٢٧٩) و(٨٢٨٠) من حديث جارية بن قدامة، به. وجارية بن قدامة مختلف في صحبته.
(٦) في " مسنده " ٣/ ٤٨٤.
[ ٣٤٤ ]
عن يحيى القطان أنَّه قال: هكذا قال هشام، يعني: أنَّ هشامًا ذكر في الحديث أنَّ جارية سأل النَّبيَّ - ﷺ -، قال يحيى: وهم يقولون: لم يُدرك النَّبيّ - ﷺ -، وكذا قال العجليُّ وغيرُه: إنَّه تابعيٌّ وليس بصحابي.
وخرَّج الإمامُ أحمد (^١) من حديث الزهري، عن حُميد بنِ عبد الرحمان، عن رجلٍ من أصحاب النَّبيِّ - ﷺ - قال: قلتُ: يا رسولَ الله أوصني، قال: «لا
تَغْضَبْ» قال الرجل: ففكرتُ حين قال النَّبيُّ - ﷺ - ما قال، فإذا الغَضَبُ يجمع الشرَّ كُلَّه، ورواه مالك في " الموطأ " (^٢) عن الزهري، عن حُميد، مرسلًا.
وخرَّج الإمامُ أحمد (^٣) من حديث عبد اللهِ بن عمرو: أنَّه سأل النَّبيَّ - ﷺ -: ماذا يُبَاعِدُني مِنْ غَضَبِ اللهِ - ﷿ -؟ قال: «لا تَغْضَب».
وقول الصحابي: ففكرتُ فيما قال النَّبيُّ - ﷺ - فإذا الغضبُ يجمع الشرَّ كلَّه يشهد لما ذكرناه أنَّ الغضبَ جماعُ الشرِّ، قال جعفر بنُ محمد: الغضبُ مفتاحُ كلِّ شرٍّ. وقيل لابنِ المبارك: اجْمَعْ لنا حسنَ الخلق في كلمة، قال: تركُ الغضبِ.
وكذا فسَّر الإمام أحمد، وإسحاقُ بنُ راهويه حسنَ الخلق بتركِ الغضب،
وقد رُوي ذلك مرفوعًا، خرَّجه محمدُ بن نصر المروزي في كتاب " الصلاة " (^٤) من حديث أبي العلاء بنِ الشِّخِّير: أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ - ﷺ - مِن قِبَلِ وجهه، فقالَ: يا رسولَ الله أيُّ العملِ أفضلُ؟ قالَ: «حُسْنُ الخلق» ثُمَّ أتاه عن يمينه، فقالَ: يا رسول الله، أيُّ
_________________
(١) في " مسنده " ٥/ ٣٧٣. وأخرجه: معمر في "جامعه" (٢٠٢٨٦) - ومن طريقه البيهقي ١٠/ ١٠٥ عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمان، عن رجل، به. وإسناده صحيح وهو صحيح موصولًا، وقد توبع معمر تابعه سفيان بن عيينة عند ابن أبي شيبة ٨/ ٥٣٥، وأحمد ٥/ ٤٠٨، وأبي نعيم في " معرفة الصحابة " ٥/ ٩٢ فلا يضره إرسال مالك؛ إذ اتفق معمر وسفيان على وصله، وقد قال ابن المبارك: «الحفاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك ومعمر وابن عيينة فإذا اجتمع اثنان على قول أخذنا به وتركنا قول الآخر» السنن الكبرى للنسائي عقيب
(٢) الموطأ (٢٦٣٦) برواية يحيى الليثي.
(٣) في "مسنده" ٢/ ١٧٥ وفي إسناده عبد الله بن لهيعة؛ لكن هذا الحديث له شواهد يتقوى بها.
(٤) في " تعظيم قدر الصلاة " (٨٧٨) مرسلًا.
[ ٣٤٥ ]
العمل أفضل؟ قال: «حسنُ الخُلُقِ»، ثم أتاه عن شِماله، فقال: يا رسول الله، أيُّ العمل أفضل؟ قال: «حسنُ الخُلُقُ»، ثم أتاه من بعده، يعني: من خلفه، فقال: يا رسولَ الله أيُّ العملِ أفضلُ؟ فالتفت إليه رسولُ الله - ﷺ - فقال: «مالك لا تَفْقَهُ! حسْنُ الخُلُقِ هو أنْ لا تَغْضَبَ إنِ استطعْتَ». وهذا مرسل.
فقولُه - ﷺ - لمن استوصاه: «لا تَغْضَبْ» يحتَمِلُ أمرين:
أحدُهما: أنْ يكونَ مرادُه الأمرَ بالأسباب التي توجب حُسْنَ الخُلُقِ من الكرم والسخاء والحلمِ والحياء والتواضع والاحتمال وكفِّ الأذى، والصفح والعفو، وكظم الغيظ، والطَّلاقةِ والبِشْرِ، ونحوِ ذلك من الأخلاق الجميلة، فإنَّ النفسَ إذا تخلَّقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه.
والثاني: أنْ يكونَ المرادُ: لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حَصَل لك، بل جاهد نفسَك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به، فإنَّ الغضب إذا ملك ابنَ آدم كان كالآمر والناهي له (^١)، ولهذا المعنى قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (^٢) فإذا لم يمتثل الإنسانُ ما يأمره به غضبُه، وجاهد نفسه على ذلك، اندفع عنه شرُّ الغضب، وربما سكن غَضَبُهُ، وذهب عاجلًا، فكأنَّه حينئذٍ لم يغضب،
وإلى هذا المعنى وقعت الإشارةُ في القرآن بقوله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (^٣)، وبقوله - ﷿ -: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٤).
وكان النَّبيُّ - ﷺ - يأمرُ من غضبَ بتعاطي أسبابٍ تدفعُ عنه الغضبَ، وتُسَكِّنُهُ، ويمدح من ملك نفسَه عند غضبه، ففي " الصحيحين " (^٥)
عن سليمانَ بن صُرَد قال: استَبَّ رجلانِ عندَ النَّبيِّ - ﷺ - ونحنُ عنده جلوسٌ، وأحدُهما يَسُبُّ صاحبهُ مغضبًا قد احمرَّ وجهُهُ،
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١٠/ ٦٣٩.
(٢) الأعراف: ١٥٤.
(٣) الشورى: ٣٧.
(٤) آل عمران: ١٣٤.
(٥) صحيح البخاري ١٨/ ١٩ (٦٠٤٨) و٣٤ (٦١١٥) و١٥٠ (٣٢٨٢)، وصحيح مسلم ٨/ ٣٠ - ٣١ (٢٦١٠) (١٠٩) و(١١٠). وأخرجه: أحمد ٦/ ٣٩٤، وأبو داود (٤٧٨١)، والنسائي في " الكبرى " (١٠٢٢٤) و(١٠٢٢٥) من حديث سليمان بن صرد، به.
[ ٣٤٦ ]
فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «إني لأعْلَمُ كلمةً لو قالها لذهبَ عنه ما يجد، لو قال: أعوذُ بالله من الشَّيطان الرجيم» فقالوا للرجل: ألا تسمعُ ما يقولُ النَّبيُّ - ﷺ -؟ قال: إني لَسْتُ بِمجنونٍ (^١).
وخرَّج الإمامُ أحمد (^٢) والترمذيُّ (^٣) من حديث أبي سعيد الخُدري: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال في خُطْبته: «ألا إنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ في قلبِ ابنِ آدمَ، أفما رأيتُم إلى حُمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه، فمن أحسَّ من ذلك شيئًا فليَلْزَقْ بالأرضِ».
وخرَّج الإمامُ أحمدُ (^٤)، وأبو داود (^٥) من حديث أبي ذرٍّ: أنَّ النَّبيِّ - ﷺ - قال
: «إذا غَضِبَ أحدُكُم وهو قائِمٌ، فَلْيَجْلِسْ، فإنْ ذَهَبَ عَنه الغضبُ وإلا فليَضطجعْ».
وقد قيل: إنَّ المعنى في هذا أنَّ القائم متهيِّئ، للانتقام والجالس دونَه في ذلك، والمضطجع أبعدُ عنه، فأمره بالتباعد عن حالةِ الانتقام (^٦)، ويَشْهَدُ لذلك أنَّه رُوي من حديث سِنان بنِ سعد، عن أنسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، ومن حديث الحسن مرسلًا عن النَّبيِّ - ﷺ - (^٧) قال: «الغَضَبُ جَمرةٌ في قَلبِ الإنسانِ تَوَقَّدُ، ألا ترى إلى حُمرةِ عَيْنَيهِ وانْتِفَاخِ
_________________
(١) يحتمل أنْ هذا الرجل كان من المنافقين، أو من جُفاة العرب، فهو لم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة، وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالمجنون، ولم يعلم أن الغضب من نزغات الشيطان. انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ٨/ ٣٣٦.
(٢) في " مسنده " ٣/ ١٩ و٦١. وأخرجه: معمر في "جامعه" (٢٠٧٢٠)، والحميدي (٧٥٢)، وعبد بن حميد (٨٦٤)، وأبو يعلى (١١٠١)، والحاكم ٤/ ٥٠٥ - ٥٠٦، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٨٢٨٩)، والبغوي (٤٠٣٩) من حديث أبي سعيد الخدري، به، وهو جزء من حديث طويل.
(٣) في " جامعه " (٢١٩١) وقال: «حسن»، وإسناد الحديث ضعيف لضعف علي بن زيد ابن جدعان.
(٤) في " مسنده " ٥/ ١٥٢. وأخرجه: الخرائطي في " مساوئ الأخلاق " (٣٤٦)، وابن حبان (٥٦٨٨)، والبغوي
(٥) وقد اختلف في إسناده ورجح أبو داود إرساله.
(٦) السنن (٤٧٨٢) و(٤٧٨٣).
(٧) انظر: معالم السنن ٤/ ١٠٠ - ١٠١.
(٨) من قوله: «ومن حديث الحسن …» إلى هنا سقط من (ص).
[ ٣٤٧ ]
أوداجِهِ، فإذا أحس أحدُكُم مِنْ ذلك شيئًا، فليَجْلِسْ، ولا يَعْدُوَنَّه الغَضَبُ» (^١).
والمرادُ: أنَّه يحبسه في نفسه، ولا يُعديه إلى غيره بالأذى بالفعلِ، ولهذا المعنى قال النَّبيُّ - ﷺ - في الفتن: «إنَّ المضطجِعَ فيها خَيْرٌ من القَاعِدِ، والقَاعِدَ فيها خيرٌ من القَائِم، والقائمَ خَيرٌ مِنَ المَاشِي، والمَاشِي خَيرٌ مِنَ السَّاعي» (^٢)، وإنْ كان هذا على وجه ضرب المثالِ في الإسراع في الفتن، إلا أنَّ المعنى: أنَّ من كان أقرب إلى الإسراع فيها، فهو شرٌّ ممن كان أبعد عن ذلك.
وخرَّج الإمامُ أحمد من حديث ابنِ عباس، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إذا غَضِبَ
أحَدُكُمْ، فليَسْكُتْ»، قالها ثلاثًا (^٣).
وهذا أيضًا دواء عظيم للغضب؛ لأنَّ الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليهِ في حال زوال غضبه كثيرًا من السِّباب وغيره مما يعظم ضَرَرُهُ، فإذا سكت زال هذا الشرّ كله عنه،
وما أحسنَ قولَ مورق العجلي - ﵀ -: ما امتلأتُ غيضًا قَطُّ ولا تكلَّمتُ في غضبٍ قطُّ بما أندمُ عليهِ إذا رضيتُ (^٤). وغضب يومًا عمرُ بن عبد العزيز فقالَ لهُ ابنُه: عبدُ الملكِ - رحمهما الله -: أنتَ يا أميرَ المؤمنين مع ما أعطاك الله وفضَّلك به تغضبُ هذا الغَضبَ؟ فقال له: أو ما تغضبُ يا عبدَ الملك؟ فقال عبد الملك: وما يُغني عني سعةُ جوفي إذا لم أُرَدِّدْ فيه
الغضبَ حتى لا يظهر (^٥)؟ فهؤلاء قوم ملكوا أنفسهم عند الغضب - ﵃ -.
_________________
(١) حديث أنس لم أعثر عليه فيما بين يدي من الكتب الحديثية. أما رواية الحسن المرسلة فقد أخرجها: معمر في " جامعه " (٢٠٢٨٩)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٨٢٩٠) عن الحسن، مرسلًا.
(٢) أخرجه: البخاري ٤/ ٢٤١ (٣٦٠١) و٩/ ٦٤ (٧٠٨١) و(٧٠٨٢)، ومسلم ٨/ ١٦٨ - ١٦٩ (٢٨٨٦) (١٠) و(١١) و(١٢)، وأبو داود (٤٢٥٦)، والبيهقي ٨/ ١٩٠ من حديث أبي هريرة، به.
(٣) في " مسنده " ١/ ٢٣٩ و٢٨٣ و٣٦٥. وأخرجه: الطيالسي (٢٦٠٨)، والبخاري في " الأدب المفرد " (٢٤٥)، والبزار كما في " كشف الأستار " (١٥٢) و(١٥٣)، والطبراني في " الكبير " (١٠٩٥١)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٧٦٤)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٨٢٨٧) و(٨٢٨٨)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم ضعيف.
(٤) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٢/ ٢٣٥.
(٥) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٣٥٨.
[ ٣٤٨ ]
وخرَّج الإمامُ أحمد (^١)، وأبو داود (^٢) من حديث عُروة بنِ محمد السَّعدي: أنَّه كلَّمه رجل فأغضبه، فقام فتوضأ، ثم قال: حدثني أبي عن جدِّي عطيةَ، قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: «إنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيْطانِ، وإنَّ الشيطانَ خُلِقَ من النَّارِ، وإنَّما تُطفَأُ النار بالماءِ، فإذا غَضِبَ أحَدُكُم فَليَتوضَّأ».
وروى أبو نعيم (^٣) بإسناده عن أبي مسلم الخولاني: أنَّه كلَّم معاوية بشيءٍ وهو على المنبر، فغضب، ثم نزل فاغتسل، ثم عاد إلى المنبر، وقال: سمعتُ
رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ الغضبَ مِن الشيطان، والشيطانَ من النار، والماءُ يُطفئُ النار، فإذا غَضِبَ أحدكم فليغتسل».
وفي " الصحيحين " (^٤) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لَيْسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يَملِكُ نَفْسَهُ عندَ الغَضَبِ».
وفي " صحيح مسلم " (^٥) عن ابن مسعودٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «ما تَعُدُّوَن الصُّرَعَةَ فيكم؟» قلنا: الذي لا تَصْرَعُهُ الرِّجالُ، قال: «ليس ذلك، ولكنَّه الذي يَملِكُ نَفْسَهُ عندَ الغضبِ».
_________________
(١) في " مسنده " ٤/ ٢٢٦. وأخرجه: ابن قانع في " معجم الصحابة " ٢/ ٣٠٧، والطبراني في " الكبير " ١٧/ (٤٤٣)، والبغوي (٣٥٨٣)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٤٢/ ٢٣٤ و٤٣/ ٨١ و٥٧/ ١٧٢، وإسناده ضعيف.
(٢) السنن (٤٧٨٤)، وينظر التخريج المتقدم ذكره.
(٣) في " الحلية " ٢/ ١٣٠، وإسناده ضعيف.
(٤) صحيح البخاري ٨/ ٣٤ (٦١١٤)، وصحيح مسلم ٨/ ٣٠ (٢٦٠٩) (١٠٧) و(١٠٨). وأخرجه: مالك في " الموطأ " (٢٦٣٧) برواية الليثي، وأحمد ٢/ ٢٦٨ و٥١٧، والنسائي في " الكبرى " (١٠٢٢٦) و(١٠٢٢٧) و(١٠٢٢٨)، والبيهقي ١٠/ ٢٣٥ و٢٤١.
(٥) الصحيح ٨/ ٣٠ (٢٦٠٨) (١٠٦). وأخرجه: أحمد ١/ ٣٨٢، وأبو داود (٤٧٧٩)، وأبو يعلى (٥١٦٢) من حديث عبد الله ابن مسعود، به.
[ ٣٤٩ ]
وخرَّج الإمامُ أحمد (^١)، وأبو داود (^٢)، والترمذي (^٣)، وابن ماجه (^٤) من حديث معاذ بن أنس الجهني، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «مَنْ كَظَمَ غَيظًا وهو يَستطيعُ
أنْ يُنفذه، دعاه الله يومَ القيامة على رؤوس الخلائق حتَّى يخيره في أيِّ الحورِ
شاء».
وخرَّج الإمامُ أحمد (^٥)
من حديث ابن عمر، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «ما تَجَرَّع عبدٌ جُرعَةً أفضلَ عندَ اللهِ من جُرعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُها ابتغاءَ وجهِ الله - ﷿ -» ومِن حديث ابن عباسٍ (^٦)، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «مَا مِنْ جُرْعَةٍ أحبَّ إلى اللهِ من جُرعةِ غَيظٍ يَكظِمُها عبد، ما كظم عبدٌ لله إلا ملأ الله جوفَه إيمانًا».
وخرَّج أبو
داود (^٧) معناه من رواية بعضِ الصحابة، عن النَّبيِّ - ﷺ - وقال: «ملأه الله أمنًا وإيمانًا (^٨)».
وقال ميمون بن مِهران: جاء رجلٌ إلى سلمان، فقال: يا أبا عبدِ الله أوصني، قال: لا تغضب، قال: أمرتني أنْ لا أغضب وإنَّه ليغشاني ما لا أملِكُ، قال: فإنْ غضبتَ، فامْلِكْ لِسانك ويَدَك. خرَّجه ابن أبي الدنيا (^٩)، وملكُ لسانه ويده هو الذي أشار إليه النَّبيُّ - ﷺ - بأمره لمن غَضِبَ أنْ يجلس، ويضطجع وبأمره له أنْ يسكت (^١٠).
_________________
(١) في " مسنده " ٣/ ٤٣٨ و٤٤٠.
(٢) السنن (٤٧٧٧).
(٣) في " جامعه " (٢٠٢١) و(٢٤٩٣)، وقال الترمذي: «حسن غريب» على أنَّ في إسناده سهل بن معاذ ضعفه بعض الأئمة.
(٤) السنن (٤١٨٦).
(٥) في " مسنده " ٢/ ١٢٨. = = … وأخرجه: ابن ماجه (٤١٨٩)، والطبراني في " مكارم الأخلاق " (٥١)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٨٣٠٥) و(٨٣٠٦) و(٨٣٠٧) وفي " الآداب "، له (١٦٠) من حديث عبد الله بن عمر، به، مرفوعًا، وإسناده صحيح. وأخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (١٣١٨)، موقوفًا. وأخرجه: البيهقي في" شعب الإيمان " (٨٣٠٨) وفي " الآداب "، له (١٦١)، مرسلًا.
(٦) أخرجه: أحمد ١/ ٣٢٧، وفي إسناده نوح بن جعونة مجهول، ولعله نوح بن أبي مريم الكذاب فيكون إسناد الحديث تالفًا.
(٧) السنن (٤٧٧٨) وإسناده ضعيف لجهالة أحد رواته.
(٨) من قوله: «وخرج أبو داود …» إلى هنا سقط من (ص).
(٩) أخرجه: ابن عساكر في " تأريخ دمشق " ٢٣/ ٣١٤.
(١٠) سبق تخريجة.
[ ٣٥٠ ]
قال عمرُ بنُ عبد العزيز: قد أفلحَ مَنْ عُصِمَ من الهوى، والغضب، والطمع (^١).
وقال الحسن: أربعٌ من كُنَّ فيه عصمه الله من الشيطان، وحرَّمه على النار: مَنْ ملك نفسَه عندَ الرغبة، والرهبة، والشهوةِ، والغضبِ (^٢).
فهذه الأربع التي ذكرها الحسن هي مبدأ الشرِّ كُلِّه، فإنَّ الرغبةَ في الشيء هي ميلُ النفس إليه لاعتقاد نفعه، فمن حصل له رغبةٌ في شيءٍ، حملته تلك الرغبة على طلب ذلك الشيء من كل وجه يَظُنُّه موصلًا إليه (^٣)، وقد يكون كثير منها محرمًا، وقد يكون ذلك الشيءُ المرغوبُ فيه مُحرَّمًا.
والرهبة: هي الخوفُ من الشيء (^٤)، وإذا خاف الإنسان من شيء تسبب في دفعه عنه بكلِّ طريق يظنه دافعًا له، وقد يكون كثير منها محرَّمًا.
والشهوة: هي ميلُ النفس إلى ما يُلائمها، وتلتذُّ به (^٥)، وقد تميل كثيرًا إلى ما هو محرَّم كالزنا والسرقة وشرب الخمر، بل وإلى الكفر والسحر والنفاق والبدع.
والغضب: هو غليانُ دم القلب طلبًا لدفع المؤذي عندَ خشية وقوعه، أو طلبًا للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعدَ وقوعه (^٦)، وينشأ من ذلك كثيرٌ من الأفعال المحرمة كالقتل والضربِ وأنواعِ الظلم والعُدوان، وكثيرٍ من الأقوال المحرَّمة كالقذفِ والسبِّ والفحش، وربما ارتقى إلى درجة الكفر، كما جرى لجبلة بن الأيهم (^٧)،
_________________
(١) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٢٩٠.
(٢) أخرجه: أبو نعيم في " الحيلة " ٢/ ١٤٤.
(٣) انظر: لسان العرب ٥/ ٢٥٤.
(٤) انظر: العين: ٣٧٢، وأساس البلاغة ١/ ٣٩٩، ولسان العرب ٥/ ٢٣٧.
(٥) انظر: المفردات في غريب القرآن: ٢٧٩، ولسان العرب ٧/ ٢٣١.
(٦) انظر: المفردات في غريب القرآن: ٣٧٥، والتعريفات: ١٦٢.
(٧) هو ابن الحارث بن أبي شعر، واسمه المنذر بن الحارث، روي في أحاديث دخل بعضها في بعض، قالوا: وكتب رسول الله - ﷺ - إلى جبلة بن الأيهم ملك غسان يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وكتب بإسلامه إلى رسول الله - ﷺ - وأهدى له هدية، ثم لم يزل مسلمًا حتى كان زمن = = … عمر بن الخطاب، فبينا هو في سوق دمشق إذ وطيء رجلًا من مزينة، فوثب المزني فلطمه، فأخذ فانطلق به إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقالوا: هذا لطم جبلة. قال: فليلطمه. قالوا: أو ما يقتل؟ قال: لا، فقالوا: أفما تقطع يده؟ قال: لا، إنَّما أمر الله بالقود، قال جبلة: أترون أني جاعل وجهي ندًا لوجه جدي جاء من عمق؟ بئس الدين هذا! ثم ارتد نصرانيًا، وترحل بقومه حتى دخل أرض الروم. انظر: تاريخ دمشق ١١/ ١٩.
[ ٣٥١ ]
وكالأيمان التي لا يجوزُ التزامُها شرعًا، وكطلاق الزوجة الذي يُعقب الندمَ.
والواجبُ على المؤمن أنْ تكون شهوتُه مقصورةً على طلب ما أباحه الله له، وربما تناولها بنيةٍ صالحةٍ، فأثيب عليها، وأنْ يكونَ غضبه دفعًا للأذى في الدين له أو لغيره وانتقامًا ممن عصى الله ورسولَه، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ (^١).
وهذه كانت حالَ النَّبيِّ - ﷺ -، فإنَّه كان لا ينتقِمُ لنفسه، ولكن إذا انتهكت حرماتُ الله لم يَقُمْ لِغضبه شيء (^٢) ولم يضرب بيده خادمًا ولا امرأة إلا أنْ يجاهِدَ في سبيل الله (^٣). وخدمه أنس عشرَ سنين، فما قال له: «أفٍّ» قط، ولا قال له لشيء فعله: «لم فعلت كذا» (^٤)،
ولا لشيء لم يفعله: «ألا فعلت كذا».
وفي رواية أنَّه كان إذا لامه بعضُ أهله قال - ﷺ -: «دعوه فلو قُضي شيءٌ كان» (^٥). وفي رواية للطبراني (^٦) قال أنس: خدمتُ رسولَ الله - ﷺ - عشر سنين،
_________________
(١) التوبة: ١٤ - ١٥.
(٢) أخرجه: مالك في " الموطأ " (٢٦٢٧) برواية الليثي، والحميدي (٢٥٨)، وأحمد ٦/ ٣١ - ٣٢ و١١٥ - ١١٦ و١٨١ - ١٨٢ و٢٢٩ و٢٣٢ و٢٦٢، وعبد بن حميد (١٤٨١)، والبخاري ٤/ ٢٣٠ (٣٥٦٠) و٨/ ٣٦ (٦١٢٦) و٨/ ٢١٦ (٦٨٥٣) وفي " الأدب المفرد "، له (٢٧٤)، ومسلم ٧/ ٨٠ (٢٣٢٧) (٧٧) و٧/ ٨٠ (٢٣٢٨) (٧٩)، وأبو داود (٤٧٨٥) من حديث عائشة، به. والروايات مطولة ومختصرة.
(٣) أخرجه: عبد الرزاق (١٧٩٤٢)، وأحمد ٦/ ٣١ - ٣٢ و٢٠٦ و٢٢٩ و٢٣٢ و٢٨١، وعبد بن حميد (١٤٨١)، والدارمي (٢٢٢٤)، ومسلم ٧/ ٨٠ (٢٣٢٨) (٧٩)، وأبو داود (٤٧٨٦)، وابن ماجه (١٩٨٤)، والنسائي في " الكبرى " (٩١٦٥) من حديث عائشة، به. والروايات مطولة ومختصرة.
(٤) أخرجه: عبد الرزاق (١٧٩٤٦)، وأحمد ٣/ ١٠١، وعبد بن حميد (١٣٦١)، والبخاري ٤/ ١٣ (٢٧٦٨) و٨/ ١٧ (٦٠٣٨) و٩/ ١٥ (٦٩١١)، ومسلم ٧/ ٧٣
(٥) (٥١) و(٥٢) و(٥٣)، وأبو داود (٤٧٧٤) من حديث أنس بن مالك، به.
(٦) أخرجه: عبد الرزاق (١٧٩٤٧) من حديث أنس بن مالك، به.
(٧) في " الأوسط " (٩١٥٢) وفي " الصغير "، له (١٠٧٢). وانظر: مجمع الزوائد ٩/ ١٦.
[ ٣٥٢ ]
فما دَرَيْتُ شيئًا قطُّ وافقه، ولا شيئًا قط خالفه رضي من الله بما كان.
وسئلت عائشةُ عن خُلُقِ رسول الله - ﷺ -، فقالت: كان خُلُقُه القُرآن (^١)،
تعني: أنَّه كان تأدَّب بآدابه، وتخلَّق بأخلاقه، فما مدحه القرآن، كان فيه رضاه،
وما ذمه القرآنُ، كان فيه سخطه (^٢)، وجاء في رواية عنها، قالت: كان خُلُقُه القُرآن يَرضى لِرضاه ويَسخَطُ لسخطه (^٣).
وكان - ﷺ - لِشدَّةِ حيائه لا يُواجِهُ أحدًا بما يكره، بل تعرف الكراهة في وجهه، كما في " الصحيح " (^٤)
عن أبي سعيد الخدري قال: كان النَّبيُّ - ﷺ - أشدَّ حياءً من العذراءِ في خِدْرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه، عرفناه في وجهه، ولما بلَّغَه ابنُ مسعودٍ قَولَ القائل: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، شقَّ عليه - ﷺ -، وتَغيَّر وجهه، وغَضِبَ، ولم يَزِدْ على أنْ قال: «قد أوذِيَ موسى بأكثر من هذا فصبر» (^٥).
وكان - ﷺ - إذا رأى، أو سَمِعَ ما يكرهه الله، غَضِبَ لذلك، وقال فيه، ولم يَسْكُتْ، وقد دخل بيتَ عائشة فرأى سترًا فيه تصاويرُ، فتَلَوَّنَ وجهُهُ وهتكه، وقال: «إنَّ مِنْ أَشدِّ النَّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ الَّذينَ يُصوِّرُونَ هذه الصُّورَ» (^٦).
_________________
(١) أخرجه: أبو عبيد في " فضائل القرآن ": ٥١ - ٥٢، وأحمد ٦/ ٥٤ و٩١ و١١١ و١٨٨ و٢١٦، والبخاري في " الأدب المفرد " (٣٠٨)، ومسلم ٢/ ١٦٩ (٧٤٦) (١٣٩)، وأبو داود (١٣٤٢)، وابن ماجه (٢٣٣٣)، والنسائي ٣/ ١٩٩ - ٢٠٠ وفي " الكبرى "، له (١١٣٥٠) وفي " التفسير "، له (١٥٨) و(٣٧٠)، وابن خزيمة (١١٢٧)، والطبراني في " مسند الشاميين " (١٩٦٣)، والبيهقي ٣/ ٣٠ وفي " دلائل النبوة "، له ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩ من حديث عائشة، به. والروايات مطولة ومختصرة.
(٢) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٣/ ٢٢٦.
(٣) أخرجه: أبو عبيد في " فضائل القرآن ": ٥١ من حديث عائشة، به.
(٤) صحيح البخاري ٤/ ٢٣٠ (٣٥٦٢) و٨/ ٣١ (٦١٠٢)، وصحيح مسلم ٧/ ٧٧
(٥) (٦٧).
(٦) أخرجه: البخاري ٤/ ١١٥ (٣١٥٠) و٥/ ٢٠٢ (٤٣٣٦)، ومسلم ٣/ ١٠٩ (١٠٦٢) (١٤٠) و(١٤١) من حديث عبد الله بن مسعود، به.
(٧) أخرجه: البخاري ٧/ ٢١٥ (٥٩٥٤)، ومسلم ٦/ ١٥٨ (٢١٠٧) (٩١) و٦/ ١٥٩
(٨) (٩٢)، والنسائي ٨/ ٢١٤، وابن حبان (٥٨٤٧)، والبيهقي ٧/ ٢٦٧ و٢٦٩ من حديث عائشة، به.
[ ٣٥٣ ]
ولما شُكِيَ إليه الإمامُ الذي يُطيل بالناس صلاته حتى يتأخرَ بعضهم عن الصَّلاة معه، غَضِبَ، واشتد غضبُه، ووَعَظَ النَّاسَ (^١)، وأمر بالتَّخفيف (^٢).
ولما رأى النُّخامَةَ في قبلة المسجد، تَغَيَّظ، وحكَّها، وقال: «إنَّ أحدَكُمْ إذا كان في الصَّلاةِ، فإنَّ الله حِيالَ وَجْهِهِ، فلا يَتَنخَّمَنَّ حِيال وجهه في الصَّلاةِ» (^٣).
وكان من دعائه - ﷺ -: «أسألك كَلِمَة الحقِّ في الغضب والرِّضا» (^٤) وهذا عزيز جدًا، وهو أنَّ الإنسان لا يقول سوى الحقِّ سواء غَضِبَ أو رضي، فإنَّ أكثرَ الناس إذا غَضِبَ لا يَتوقَّفُ فيما يقول.
وخرَّج الطبراني (^٥) من حديث أنس مرفوعًا: «ثلاثٌ من أخلاقِ الإيمان: مَنْ إذا غَضِبَ، لم يُدخله غضبُهُ في باطلٍ، ومن إذا رَضِيَ، لم يُخرجه رضاه من حقٍّ، ومن إذا قَدَرَ، لم يتعاطَ ما ليسَ له».
وقد روي عن النَّبيِّ - ﷺ -: «أنَّه أخبر عن رجلين ممن كان قبلنا كان
أحدُهما عابدًا، وكان الآخرُ مسرفًا على نفسه، فكان العابدُ (^٦) يَعِظُهُ،
فلا ينتهي، فرآه يومًا على ذنبٍ
_________________
(١) لم ترد في (ص).
(٢) أخرجه: مسلم ٢/ ٤٢ (٤٦٦) (١٨٢) من حديث أبي مسعود الأنصاري، به.
(٣) أخرجه: مالك في " الموطأ " (٥٢٢) برواية الليثي، والبخاري ١/ ١١٢ (٤٠٦) و١/ ١٩١ (٧٥٣) و٢/ ٨٢ (١٢١٣) و٨/ ٣٣ (٦١١١)، ومسلم ٢/ ٧٥ (٥٤٧)
(٤) ، وأبو داود (٤٧٩)، والنسائي ٢/ ٥١ من حديث عبد الله بن عمر، به.
(٥) أخرجه: أحمد ٤/ ٢٦٤، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٤٦٧) و(١١٩٠)، والبزار
(٦) و(١٣٩٣)، والنسائي ٣/ ٥٤ - ٥٥ وفي " الكبرى "، له (١٢٢٩)، وابن خزيمة في "التوحيد": ١٢، وابن حبان (١٩٧١)، والطبراني في "الدعاء" (٦٢٤) و(٦٢٥) من حديث عمار بن ياسر، به. وهو جزء من حديث طويل، وهو حديث صحيح.
(٧) في "الصغير" (١٥٨)، وإسناده ضعيف جدًا فيه بشر بن الحسين، قال عنه البخاري: «فيه نظر»، وقال الدارقطني: «متروك»، وقال ابن عدي: «عامة حديثه ليس بمحفوظ»، وقال أبو حاتم: «يكذب على الزبير» الميزان ١/ ٣١٥.
(٨) سقطت من (ص).
[ ٣٥٤ ]
استعظمه، فقال: والله لا يَغفِرُ الله لك،
فغفر الله للمذنب، وأحبط عملَ العابد». وقال أبو هريرة: لقد تكلَّم
بكلمة أوبقت دنياه وآخِرتَه، فكان أبو هريرة يُحَذِّرُ الناسَ أنْ يقولوا
مثلَ هذه الكلمة (^١) في غضب. وقد خرَّجه الإمامُ أحمد (^٢)
وأبو
داود (^٣)،
فهذا غَضِبَ لله، ثم تكلَّم في حال غضبه لله بما لا يجوزُ، وحتم على الله بما لا يعلم، فأحبط الله (^٤) عمله، فكيف بمن تكلَّم في غضبه لنفسه، ومتابعة هواه بما لا يجوز.
وفي " صحيح مسلم " (^٥) عن عِمران بن حُصين: أنَّهم كانوا مع النَّبيِّ - ﷺ - في بعض أسفاره وامرأةٌ من الأنصار على ناقةٍ، فضَجِرَتْ، فلعَنَتها فسَمِعَ النَّبيُّ - ﷺ -، فقال: «خذُوا مَتَاعَها ودَعُوها».
وفيه أيضًا عن جابر قال: سِرنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة ورجلٌ من الأنصارِ على ناضحٍ له، فتلدَّنَ عليه بعض التلدُّن، فقال له: سِرْ، لَعنَك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «انْزِلْ عنه، فلا تَصْحَبْنا بملعونٍ، لا تدعوا على أنفُسِكُم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تَدْعوا على أموالكم، لا تُوافِقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم» (^٦).
فهذا كله يدلُّ على أنَّ دعاء الغضبانِ قد يُجاب إذا صَادف ساعةَ إجابةٍ، وأنَّه ينهى عن الدعاء على نفسه وأهله وماله في الغضب.
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) في " مسنده " ٢/ ٣٢٣ و٣٦٣. وأخرجه: ابن حبان (٥٧١٢)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٦٦٨٩)، والمزي في " تهذيب الكمال " ٣/ ٤٨٧ - ٤٨٨ (٢٩٢٧) من حديث أبي هريرة، به. والروايات مطولة ومختصرة، وإسناده لا بأس به.
(٣) السنن (٤٩٠١) من حديث أبي هريرة، به.
(٤) عبارة: «فأحبط الله» لم ترد في (ص).
(٥) الصحيح ٨/ ٢٣ (٢٥٩٥) (٨٠) و(٨١). وأخرجه: أبو داود (٢٥٦١)، والنسائي في " الكبرى " (٨٨١٦) من حديث عمران بن حصين، به.
(٦) الصحيح ٨/ ٢٣٣ (٣٠٠٩). وأخرجه: ابن حبان (٥٧٤٢) من حديث جابر بن عبد الله، به.
[ ٣٥٥ ]
وأما ما قاله مجاهد (^١) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ (^٢)، قال: هو الواصِلُ لأهله وولده وماله إذا غَضِبَ عليه، قال: اللهمَّ لا تُبارِكْ فيه،
اللهم العنه، يقول: لو عجل له ذلك، لأهلك مَنْ دعا عليه، فأماتَه. فهذا يدلُّ على أنَّه لا يُستجاب جميعُ ما يدعو به الغضبانُ على نفسه وأهله وماله، والحديثُ دلَّ على أنَّه قد يُستجابُ لمصادفته ساعة إجابة.
وأما ما رُوي عن الفُضيل بنِ عياض قال: ثلاثةٌ لا يُلامون على غضبٍ: الصائمُ والمريضُ والمسافرُ، وعن الأحنف بن قيس قال: يوحي الله إلى الحافظين اللذين مع ابن آدم: لا تكتبا على عبدي في ضجره شيئًا، وعن أبي عمران الجوني قال: إنَّ المريضَ إذا جزع فأذنب، قال المَلَكُ الذي على اليمين للملك الذي على الشمال: لا تكتب. خرَّجه ابن أبي الدنيا، فهذا كلُّه لا يُعرف له أصلٌ صحيحٌ من الشرع يدلُّ عليه، والأحاديثُ التي ذكرناها من قبل تدلُّ على خلافه.
وقول النَّبيِّ - ﷺ -: «إذا غضبتَ فاسكت» (^٣) يدلُّ على أنَّ الغضبانَ مُكَلَّفٌ في حال غضبه بالسكوت، فيكون حينئذٍ مؤاخذًا بالكلام، وقد صحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّه أمر من غضب أنْ يتلافى غضبَه بما يُسكنه من أقوال وأفعال،
وهذا هو عينُ التكليف له بقطع الغضب، فكيف يقال: إنَّه غيرُ مكلَّف في حال غضبه بما يصدر منه.
وقال عطاءُ بنُ أبي رباح: ما أبكى العلماءَ بكاء آخرِ العمرِ من غضبة يغضبُها أحدُهُم فتهدِمُ عملَ خمسين سنة، أو ستين سنة، أو سبعين سنة، وربَّ غضبة قد أقحمت صاحبها مقحمًا ما استقاله. خرَّجه ابن أبي الدنيا.
ثم إنَّ من قال مِن السَّلف: إنَّ الغضبان إذا كان سببُ غضبه مباحًا، كالمرض، أو السفرِ، أو طاعةٌ كالصَّوْم لا يُلام عليه إنَّما مرادُه أنَّه لا إثمَ عليه إذا كان مما يقع منه في حال الغضب كثيرًا من كلام (^٤) يُوجِبُ تضجرًا أو سبًا ونحوه كما قال - ﷺ -: «إنَّما أنا بَشَرٌ
_________________
(١) في " تفسيره ": ٢٩٢. وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (١٣٦٢٥) و(١٣٦٢٦).
(٢) يونس: ١١.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) عبارة: «من كلام» سقطت من (ص).
[ ٣٥٦ ]
أرضى كما يرضي البَشَرُ، وأغْضَبُ كما يَغْضَبُ البشر، فأيُّما مسلم سببتُه أو جلدتُه، فاجعلها له كفارةً» (^١).
فأما ما كان من كفر، أو ردَّةٍ، أو قتل نفس، أو أخذ مالٍ بغير حقٍّ ونحو ذلك، فهذا لا يشكُّ مسلم أنَّهم لم يُريدوا أنَّ الغضبانَ لا يُؤاخذُ به، وكذلك ما يقعُ من الغضبان من طلاقٍ وعَتاقٍ، أو يمينٍ، فإنَّه يُؤاخَذُ بذلك كُلِّه بغيرِ خلافٍ (^٢). وفي " مسند الإمام أحمد " (^٣)
عن خويلة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أنَّها راجعت زوجَها، فغَضِبَ، فظاهر منها، وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خُلُقُه وضَجِرَ، وأنَّها جاءت إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فجعلت تشكو إليه ما تلقى من سوء خلقه، فأنزل الله آيةَ (^٤) الظهار، وأمره رسول الله - ﷺ - بكفارة الظِّهار في قصة طويلة، وخرَّجها ابن أبي حاتم (^٥) من وجه آخر، عن أبي العالية: أنَّ خُويلة غضب زوجها فظاهر منها، فأتت النَّبيَّ - ﷺ -، فأخبرته بذلك، وقالت: إنَّه لم يُرِدِ الطلاقَ، فقال النَّبيُّ - ﷺ -:
«ما أراكِ إلا حَرُمْتِ عليه»، وذكر القصةَ بطولها، وفي آخرها، قال: فحوَّل الله الطلاقَ، فجعله ظهارًا.
فهذا الرجل ظاهر في حال غضبه، وكان النَّبيُّ - ﷺ - يرى حينئذ أنَّ الظهارَ طلاق، وقد قال: إنَّها حَرُمَتْ عليه بذلك، يعني: لزمه الطلاق، فلما جعله الله ظهارًا مكفرًا ألزمه بالكفارة، ولم يُلغه.
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٢/ ٣١٦ - ٣١٧، والبخاري ٨/ ٩٦ (٦٣٦١)، ومسلم ٨/ ٢٥ (٢٦٠١)
(٢) ، وابن حبان (٦٥١٦) من حديث أبي هريرة، به.
(٣) انظر: الواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٢٢ - ٢٣، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي ٥/ ٣٩٩.
(٤) المسند ٦/ ٤١٠ - ٤١١. وأخرجه: أبو داود (٢٢١٤) و(٢٢١٥)، وابن الجارود (٧٤٦)، والطبري في "تفسيره" (٢٦١٠٩)، وابن حبان (٤٢٧٩)، والطبراني في " الكبير " ٢٤/ (٦٣٣) و(٦٣٤)، والبيهقي ٧/ ٣٨٩ - ٣٩٠ و٣٩١ - ٣٩٢ و٣٩٢ من حديث خولة بنت ثعلبة. والروايات مطولة ومختصرة، والحديث قويٌّ بشواهده.
(٥) سقطت من (ص).
(٦) في " تفسيره " ١٠/ ٣٣٤٢ (١٨٨٤٠). وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (٢٦١٠٨).
[ ٣٥٧ ]
وروى مجاهد عن ابنِ عباس: أنَّ رجلًا قال له: إني طلقت امرأتي ثلاثًا وأنا غضبان، فقال: إنَّ ابنَ عباس لا يستطيع أنْ يُحِلَّ لك ما حرَّم الله عليك، عصيتَ ربَّك وحرمت عليك امرأتك. خرَّجه الجوزجاني والدارقطني (^١) بإسناد على شرط مسلم.
وخرَّج القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب " أحكام القرآن " بإسنادٍ صحيح عن عائشة قالت: اللغو في الأيمان ما كان في المراءِ والهزل والمزاحة، والحديث الذي لا يعقد عليه القلب، وأيمانُ الكفارة على كُلِّ يمينٍ حلفت عليها على جدٍ من الأمر في غضب أو غيره: لَتَفْعَلنَّ أو لَتَترُكنَّ، فذلك عقدُ الأيمان فيها الكفارة. وكذا رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وهذا من أصحِّ الأسانيد (^٢)، وهذا يدلُّ على أنَّ الحديث المروي عنها مرفوعًا: «لا طلاقَ ولا عتاق في إغْلاقٍ» (^٣)
إما أنَّه غير صحيح، أو إنَّ تفسيرَه بالغضب غيرُ صحيح (^٤).
وقد صحَّ عن غير (^٥) واحد من الصحابة أنَّهم أفْتَوا أنَّ يمينَ الغضبان منعقدة وفيها الكفارةُ (^٦)، وما روي عن ابن عباسٍ مما يُخالِفُ ذلك فلا يصحُّ إسنادُه (^٧)، قال الحسنُ: طلاقُ السنة أنْ يُطلقها واحدة طاهرًا من غير
_________________
(١) في " سننه " ٤/ ١٣ (٣٨٨٢). وأخرجه: أبو داود (٢١٩٧)، والطبراني في " الكبير " (١١١٣٩).
(٢) انظر: فتح الباري ١١/ ٦٦٨ عقب الحديث (٦٦٦٣).
(٣) أخرجه: أحمد ٦/ ٢٧٦، والبخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ١٧٢ (٥١٤)، وأبو داود
(٤) ، وابن ماجه (٢٠٤٦)، وأبو يعلى (٤٤٤٤) و(٤٥٧٠)، والطحاوي في = = … " شرح المشكل " (٦٥٥)، والدارقطني ٤/ ٣٦ (٣٩٤٣) و(٣٩٤٤)، والحاكم ٢/ ١٩٨، والبيهقي ٧/ ٣٥٧ و١٠/ ٦١ من حديث عائشة، به. وإسناده ضعيف لضعف محمد بن عبيد؛ لكن انظر تعليق أخي الفاضل عبد الرحمان حسن قائد على رسالة اغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان لابن القيم: ٤ و٥.
(٥) انظر: معالم السنن ٣/ ٢٠٩، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ١٧، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي ٥/ ٣٩١.
(٦) سقطت من (ص).
(٧) انظر: الواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٢٤ - ٢٥.
(٨) سبق تخريجه.
[ ٣٥٨ ]
جماعٍ، وهو بالخيار ما بينه وبينَ أنْ تحيضَ ثلاث حيض، فإنْ بدا له أنْ يُراجِعَهَا كان أملكَ بذلك، فإنْ كان غضبان، ففي ثلاثِ حيض، أو في ثلاثة أشهر إنْ كانت لا تحيضُ ما يذهب غضبَهُ. وقال الحسن: لقد بَيَّن الله لئلا يندم أحدٌ في طلاق كما أمره الله، خرَّجه القاضي إسماعيل.
وقد جعل كثيرٌ من العلماء الكناياتِ معَ الغضبِ كالصريح في أنَّه يقعُ بها الطلاقُ ظاهرًا؛ ولا يقبل تفسيرُها مع الغضبِ بغير الطلاق، ومنهم مَنْ جعل الغضب مع الكنايات كالنية، فأوقع بذلك الطلاق في الباطن أيضًا، فكيف يجعل الغضب مانعًا من وقوع صريحِ الطلاق (^١).
_________________
(١) انظر: المغني ٨/ ٢٦٨ - ٢٦٩، والشرح الكبير ٨/ ٢٩٣ - ٢٩٤، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٤/ ٢٢ - ٢٣، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي ٥/ ٣٩٩ - ٤٠٠، والمفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم للدكتور عبد الكريم زيدان ٧/ ٤٦٠ - ٤٦١.
[ ٣٥٩ ]