عَنْ أبي هُرَيرة - ﵁ - قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: «إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ
إلاَّ طيِّبًا، وإنَّ الله تعالى أمرَ المُؤْمِنينَ بما أمرَ به المُرسَلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا
الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحا﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم﴾ (^٢)، ثمَّ ذكَرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفرَ: أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يمُدُّ يدَيهِ إلى السَّماءِ: يا رَب يا رب، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ
حَرامٌ (^٣)، وَمَلْبَسُهُ حرامٌ، وَغُذِّيَ بالحَرَامِ، فأنَّى يُستَجَابُ لِذلكَ؟». رواهُ مُسلمٌ.
هذا الحديث خرَّجه مسلم (^٤) من رواية فضيل بن مرزوق، عن عديِّ بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وخرّجه الترمذي (^٥)، وقال: حسن غريب. وفضيل بن مرزوق (^٦) ثقة وسط خرَّج له مسلم دون البخاري.
وقوله - ﷺ -: «إنَّ الله تعالى طيب» هذا قد جاء أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «إن الله طيِّبٌ يحبُّ الطَّيِّبَ، نظيفٌ يحبُّ النظافة، جواد يحبُّ الجود». خرَّجه الترمذي (^٧)،
_________________
(١) المؤمنون: ٥١.
(٢) البقرة: ١٧٢.
(٣) عبارة: «ومشربه حرام» سقطت من (ص).
(٤) في " صحيحه " ٣/ ٨٥ (١٠١٥) (٦٥).
(٥) في " الجامع الكبير " (٢٩٨٩). وأخرجه: عبد الرزاق (٨٨٣٩)، وعلي بن الجعد (٢٠٩٤)، وأحمد ٢/ ٣٢٨، والدارمي
(٦) ، والبخاري في " رفع اليدين " (٩١)، وابن عدي في " الكامل " ١/ ٢٦٤، والبيهقي ٣/ ٣٤٦، والبغوي (٢٠٢٨) من طرق عن أبي هريرة، به.
(٧) من قوله: «عن عدي بن ثابت …» إلى هنا سقط من (ص).
(٨) في " الجامع الكبير " (٢٧٩٩). وأخرجه: الفسوي في " المعرفة والتاريخ " ٣/ ٤٠٨، والبزار (١١١٤)، وأبو يعلى
(٩) ، وابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٧٩، وابن عدي في " الكامل " ٣/ ٤١٤ من طرق عن سعد بن أبي وقاص، به.
[ ٢٣٩ ]
وفي إسناده مقال (^١)، والطيب هنا: معناه
الطاهر (^٢).
والمعنى: أنَّه تعالى مقدَّسٌ منَزَّه عن النقائص والعيوب كلها، وهذا كما في قوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُون﴾ (^٣)، والمراد: المنزهون من أدناس الفواحش وأوضَارها (^٤).
وقوله: «لا يقبل إلا طيبًا» قد ورد معناه في حديث الصدقة، ولفظُه: «لا يتصدَّق أحدٌ بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبًا …» (^٥)، والمراد أنَّه تعالى لا يقبل مِن الصدقات إلا ما كان طيبًا حلالًا.
وقد قيل: إنَّ المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله: «لا يقبلُ الله إلا طيبًا» أعمُّ مِنْ ذلك، وهو أنَّه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا طاهرًا من المفسدات كلِّها، كالرياء والعُجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيبًا حلالًا، فإنَّ الطيب تُوصَفُ به الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ، فكلُّ هذه تنقسم إلى طيِّبٍ وخبيثٍ.
وقد قيل: إنَّه يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (^٦) هذا كلُّه (^٧).
وقد قسَّم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث، فقال: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة﴾ (^٨)، ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ (^٩)، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (^١٠)، ووصف الرسول - ﷺ - بأنَّه يحلُّ الطيبات ويحرِّمُ الخبائث.
_________________
(١) في سنده: «خالد بن إلياس»، قال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (١٧٢) : «مدني متروك الحديث»، وقال ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٧٩: «يروي الموضوعات عن الثقات حتى يسبق إلى القلب أنَّه الواضع لها».
(٢) انظر: لسان العرب ٨/ ٢٣٥.
(٣) النور: ٢٦.
(٤) في (ص): «ظاهرها وباطنها». والأوضار: جمع وضر وهو وسخ الدسم واللبن. انظر: لسان العرب ١٥/ ٣٢٥.
(٥) أخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (٦٤٨)، وأحمد ٢/ ٤١٨، والبخاري ٢/ ١٣٤
(٦) ، ومسلم ٣/ ٨٥ (١٠١٤) (٦٣) و(٦٤)، وابن ماجه (١٨٤٢)، والترمذي (٦٦١)، والبغوي (١٦٣٢) من طرق عن أبي هريرة، به.
(٧) المائدة: ١٠٠.
(٨) عبارة: «هذا كله» سقطت من (ص).
(٩) إبراهيم: ٢٤.
(١٠) إبراهيم: ٢٦.
(١١) فاطر: ١٠.
[ ٢٤٠ ]
وقد قيل: إنَّه يدخل في ذلك الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ أيضًا، ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ (^١) وإنَّ الملائكة تقولُ عند الموت: اخرُجي أيتها النفس الطَّيِّبة التي كانت في الجسد الطيِّب، وإنَّ الملائكة تسلِّمُ عليهم عندَ دُخول
الجنة، ويقولون لهم: طبتم فادخلوها خالدين (^٢)، وقد ورد في الحديث أنَّ المؤمن إذا زار أخًا له في الله تقول له الملائكة: «طِبْتَ، وطابَ ممشاك، وتبوَّأْتَ من الجنة منْزلًا» (^٣).
فالمؤمن كله طيِّبٌ قلبُه ولسانُه وجسدُه بما سكن في قلبه من الإيمان، وظهر على لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان، وداخلة في اسمه، فهذه الطيباتِ (^٤) كلُّها يقبلها الله - ﷿ -.
ومن أعظم ما يحصل به طيبةُ الأعمَال للمؤمن طيبُ مطعمه، وأنْ يكون من
حلال، فبذلك يزكو عملُه.
وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّه لا يقبل العملُ ولا يزكو إلاَّ بأكل الحلال، وإنَّ أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبولَه، فإنَّه قال بعد تقريره: «إنَّ الله لا يقبلُ إلاَّ طيبًا» إنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (^٥)، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (^٦).
والمراد بهذا أنَّ الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح، فما دام الأكل حلالًا، فالعملُ صالح مقبولٌ، فإذا كان الأكلُ غير
حلالٍ، فكيف يكون العمل مقبولًا؟
_________________
(١) النحل: ٣٢.
(٢) عبارة: «فادخلوها خالدين» لم ترد في (ج).
(٣) أخرجه: ابن المبارك في " مسنده " (٣)، وفي " الزهد "، له (٧٠٨)، وأحمد ٢/ ٣٢٦ و٣٤٤ و٣٥٤، وعبد بن حميد (١٤٥١)، والبخاري في " الأدب المفرد " (٣٤٥)، وابن ماجه (١٤٤٣)، والترمذي (٢٠٠٨)، وابن حبان (٢٩٦١)، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٩٠٢٦) وفي " الآداب "، له (٢١٩)، والبغوي (٣٤٧٢) و(٣٤٧٣) من طريق أبي سنان عيسى بن سنان، عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي هريرة، به، وإسناده ضعيف لضعف أبي سنان عيسى بن سنان.
(٤) زاد بعدها في (ص): «التي هي الإيمان والعمل الصالح».
(٥) المؤمنون: ٥١.
(٦) البقرة: ١٧٢.
[ ٢٤١ ]
وما ذكره بعد ذَلِكَ من الدعاء، وأنَّه كيف يتقبل مع الحرام، فهوَ مثالٌ لاستبعاد قَبُولِ الأعمال مع التغذية بالحرام. وقد خرَّج الطبراني بإسناد فيهِ نظر عن ابن عباس (^١)،
قالَ: تُليَتْ هذه الآية عندَ رسول الله - ﷺ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ (^٢)، فقام سعدُ بنُ أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، ادع الله أنْ يجعلني مستجابَ الدعوة، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «يا سعد (^٣)، أطِبْ مطعَمَك تكن مستجاب الدَّعوة، والذي نفس محمد بيده إنَّ العبد ليقذف اللُّقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عمل أربعين يومًا، وأيُّما عبدٍ نبت لحمُه من سُحْتٍ فالنارُ أولى به».
وفي " مسند الإمام أحمد " (^٤) بإسناد فيه نظر أيضًا عن ابن عمر قال: «من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم في ثمنه درهمٌ حرام، لم يقبلِ الله له صلاة ما كان عليه»، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال: صُمَّتا إنْ لم أكن سمعته من رسول الله - ﷺ -. ويُروى من حديث عليٍّ - ﵁ - مرفوعًا معناه أيضًا، خرَّجه البزار وغيره بإسنادٍ ضعيف
جدًا (^٥).
وخرَّج الطبراني بإسنادٍ فيه ضعفٌ من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «إذا خرج الرجلُ حاجًا بنفقةٍ طيبةٍ، ووضع رجله في الغَرْزِ (^٦)، فنادى: لبَّيْكَ اللهمَّ لبَّيكَ، ناداه منادٍ من السَّماء: لبَّيْكَ وسَعْدَيك زادُك حلالٌ، وراحلتك حلالٌ (^٧)،
_________________
(١) في " المعجم الأوسط " (٦٤٩٥). وعزاه الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٢٩٤ إلى " المعجم الصغير " والصواب " المعجم الأوسط "، وقال: «وفيه من لم أعرفهم».
(٢) البقرة: ١٦٨.
(٣) «يا سعد» لم ترد في (ص).
(٤) في المسند ٢/ ٩٨. وأخرجه: عبد بن حميد (٨٤٩)، وابن حبان في " المجروحين " ٢/ ٤٠، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٦١١٤)، والخطيب في " تاريخه " ١٤/ ٢١ وإسناده ضعيف جدًا، فهو مسلسل بالعلل، وقال الحافظ العراقي: «سنده ضعيف جدًا» فيض القدير ٦/ ٨٤.
(٥) في " مسنده " (٨١٩)، وإسناده ضعيف جدًا، فيه النضر بن منصور، قال البخاري : «منكر الحديث». وعقبة بن علقمة أبو الجنوب، قال أبو حاتم: «ضعيف الحديث». انظر: الجرح والتعديل ٦/ ٤٠٢ (١٧٤٣)، ومجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٢.
(٦) في (ص): «في المزدلفة».
(٧) عبارة: «وراحلتك حلال» سقطت من (ص).
[ ٢٤٢ ]
وحجك مبرورٌ غير مأزورٍ، وإذا خرج الرجلُ بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغَرْزِ، فنادى: لبَّيكَ اللهمَّ لبَّيك، ناداه منادٍ من السَّماء: لا لبَّيْكَ ولا سَعْدَيك، زادُك حرام، ونفقتُك حرام، وحجُّكَ غيرُ مبرورٍ» (^١). ويُروى من حديث عمر نحوه بإسناد ضعيف أيضًا (^٢).
وروى أبو يحيى القتات (^٣)، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: لا يقبل الله صلاة امريءٍ في جوفه حرام.
وقد اختلفَ العلماءُ في حجِّ من حجَّ بمالٍ حرام، ومن صلَّى في ثوب حرام، هل يسقط عنه فرضُ الصلاة والحج بذلك، وفيه عن الإمام أحمد روايتان، وهذه الأحاديث المذكورة تدلُّ على أنَّه لا يتقبل العملُ مع مباشرة الحرام، لكن القبول قد يُراد به الرضا بالعمل، ومدحُ فاعله، والثناءُ عليه بين الملائكة والمباهاةُ به، وقد يُراد به حصولُ الثواب والأجر عليه، وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة،
فإنْ كان المراد هاهنا القبولَ بالمعنى الأوَّل أو الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة (^٤)، كما ورد أنَّه لا تقبل صلاة الآبق، ولا المرأة التي زوجها عليها ساخطٌ، ولا من أتى كاهنًا، ولا من شرب الخمر أربعين يومًا، والمراد - والله أعلم - نفي القبول بالمعنى الأوَّل أو الثاني، وهو المراد - والله أعلم - من قوله - ﷿ -: ﴿إنَّما يَتقبَّلُ الله من المتَّقين﴾ (^٥). ولهذا كانت هذه الآية يشتدُّ منها خوفُ السَّلف على نفوسهم، فخافوا أنْ لا يكونوا من المتَّقين الذين يُتقبل منهم.
وسُئل أحمد عن معنى «المتقين» فيها، فقال: يتقي الأشياء، فلا يقع فيما لا يَحِلُّ له.
_________________
(١) في " المعجم الأوسط " (٥٢٢٨)، وإسناده ضعيف جدًا، سليمان بن داود اليمامي، قال أبو حاتم: «هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، ما أعلم له حديثًا صحيحًا». انظر: الجرح والتعديل ٤/ ١٠٨ (٤٨٧).
(٢) أخرجه: ابن عدي في " الكامل " ٣/ ٥٨٥، وفي إسناده أبو الغصن الدجين بن ثابت، قال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (١٧٩): «ليس بثقة».
(٣) وهو ضعيف.
(٤) من قوله: «فإن كان المراد هاهنا …» إلى هنا سقط من (ص).
(٥) المائدة: ٢٧.
[ ٢٤٣ ]
وقال أبو عبد الله الناجي (^١) الزاهد ﵀: خمسُ خصال بها تمامُ العمل: الإيمان بمعرفة الله - ﷿ - (^٢)، ومعرفةُ الحقِّ، وإخلاصُ العمل للهِ، والعمل على السُّنَّةِ، وأكلُ الحلالِ، فإن فُقدَتْ واحدةٌ، لم يرتفع العملُ، وذلك أنَّك إذا عرَفت الله - ﷿ -، ولم تَعرف الحقَّ، لم تنتفع، وإذا عرفتَ الحقَّ، ولم تَعْرِفِ الله، لم تنتفع، وإنْ عرفتَ الله، وعرفت الحقَّ، ولم تُخْلِصِ العمل، لم تنتفع، وإنْ عرفت الله، وعرفت الحقَّ (^٣)، وأخلصت العمل، ولم يكن على السُّنة، لم تنتفع، وإنْ تمَّتِ الأربع، ولم يكن الأكلُ من حلال لم تنتفع (^٤).
وقال وُهيب بن الورد (^٥): لو قمتَ مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أو حرام (^٦).
وأما الصدقة بالمال الحرام، فغيرُ مقبولةٍ كما في " صحيح مسلم " (^٧) عن ابن عمر، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «لا يقبلُ الله صلاةً بغير طهورٍ، ولا صدقةً من غلولٍ».
وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال (^٨): «ما تصدَّق أحدٌ بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطَّيِّبَ- إلا أخذها الرحمان بيمينه» (^٩)،
_________________
(١) وهو: سعيد بن بريد الزاهد. انظر: الجرح والتعديل ٤/ ٨ (٢٦).
(٢) في (ص): «الإيمان بالله - ﷿ -».
(٣) من قوله: «لم تنتفع، وإذا عرفت …» إلى هنا سقط من (ص).
(٤) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٣١٠.
(٥) وهو ابن أبي الورد القرشي، أبو عثمان، ويقال: أبو أمية المكي، مولى بني مخزوم، أخو عبد الجبار بن الورد، واسمه عبد الوهاب، ووهيب لقب غلب عليه. انظر: تهذيب الكمال ٧/ ٥٠٥ (٧٣٦٦).
(٦) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٨/ ١٥٤.
(٧) الصحيح ١/ ١٤٠ (٢٢٤). وأخرجه: الطيالسي (١٨٧٤)، وأحمد ٢/ ١٩ و٢٠ و٣٩ و٥١ و٥٧ و٧٣، وابن ماجه
(٨) ، والترمذي (١)، وابن الجارود (٦٥)، وابن خزيمة (٨)، والطحاوي في "شرح المشكل" (٣٢٩٩)، وابن حبان (٣٣٦٦)، والبيهقي ٤/ ١٩١ من طرق عن ابن عمر، به.
(٩) من قوله: «لا يقبل الله صلاة …» إلى هنا سقط من (ص).
(١٠) أخرجه: الحميدي (١١٥٤)، وأحمد ٢/ ٥٣٨، والدارمي (١٦٨٢)، والبخاري ٩/ ١٥٤ (٧٤٣٠)، ومسلم ٣/ ٨٥ (١٠١٤) (٦٤) والنسائي ٥/ ٥٧ وفي " الكبرى "، له (٢٣٠٤) و(٧٧٣٤) و(٧٧٣٥) و(٧٧٥٩) وفي " التفسير "، له (٤١٩)، وابن خزيمة (٢٤٢٥) و(٢٤٢٦) و(٢٤٢٧)، وابن حبان (٣٣١٦) و(٣٣١٩)، والبغوي (١٦٣١) من طرق عن أبي هريرة، به.
[ ٢٤٤ ]
وذكر الحديث.
وفي " مسند الإمام أحمد " (^١) عن ابن مسعود، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «لا يكتسب عبدٌ مالًا من حرام، فيُنفِقَ منه، فَيُباركَ له فيه، ولا يتصدَّقُ به، فيتقبلَ منه، ولا يتركه خلفَ ظهره إلا كان زادَه إلى النار، إنَّ الله لا يمحو السيِّئ بالسيِّئ، ولكن يمحو السَّيئَ بالحسن، إنَّ الخبيثَ لا يمحو الخبيثَ».
ويُروى من حديث دراج، عن ابن حُجيرة، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «من كسب مالًا حرامًا، فتصدق به، لم يكن له فيه أجرٌ، وكان إصرُه عليه». خرَّجه ابنُ حبان في " صحيحه " (^٢)، ورواه بعضهم موقوفًا على أبي هريرة.
ومن مراسيل القاسم بن مُخَيْمِرَة، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«من أصاب مالًا مِنْ مأثم، فوَصَلَ به رحمه، أو تصدّق به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع الله ذلك جميعًا، ثم قذف به في نار جهنم» (^٣).
ورُوي عن أبي الدرداء، ويزيد بن مَيْسَرَة أنَّهما جعلا مثلَ من أصاب مالًا من غير حلِّه، فتصدَّق به مثلَ من أخذ مال يتيم، وكسَا بهِ أرملةً (^٤).
_________________
(١) في " مسنده " ١/ ٣٨٧. وأخرجه: البزار (٢٠٢٦)، والشاشي (٨٧٧)، والحاكم ٢/ ٤٤٧، وأبو نعيم في "الحلية" ٤/ ١٦٥ و١٦٦، والبيهقي في " شعب الإيمان " (٦٠٧) و(٥٥٢٤)، والبغوي (٢٠٣٠) من طرق عن عبد الله بن مسعود، به، وإسناده ضعيف ورفعه منكر، الصواب فيه الوقف وعلته الصباح بن محمد ضعيف وقد خولف. وأخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (١١٣٤)، والطبراني في " الكبير " (٨٩٩٠) وأبو نعيم في " الحلية " ٤/ ١٦٥ عن عبد الله بن مسعود، موقوفًا.
(٢) الصحيح (٣٢١٦) و(٣٣٦٧). وأخرجه أيضًا: ابن الجارود (٣٣٦)، والحاكم ١/ ٥٤٨، والبيهقي ٤/ ٨٤ من طرق عن أبي هريرة، به.
(٣) أخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (٦٢٥)، وأبو داود في " المراسيل " (١٣١).
(٤) أخرجه: أحمد في " الزهد " (٧٣٧).
[ ٢٤٥ ]
وسُئِلَ ابنُ عباس عمَّن كان على عمل، فكان يَظلِمُ ويأخُذُ الحرام، ثم تابَ، فهو يحجُّ ويعتِق ويتصدَّق منه، فقال: إنَّ الخبيث لا يُكَفِّرُ الخبيثَ، وكذا قال ابن مسعود: إنَّ الخبيثَ لا يُكفِّر الخبيث، ولكن الطَّيِّبَ يُكفِّرُ الخبيث (^١)، وقال الحسنُ: أيها المتصدِّق على المسكين يرحمُه، ارحم من قد ظَلَمْتَ.
واعلم أنَّ الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين:
أحدهما: أنْ يتصدَّقَ به الخائنُ أو الغاصبُ ونحوهما عن نفسه، فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يُتُقبَّلُ منه، بمعنى: أنَّه لا يُؤجَرُ عليه، بل يأثمُ بتصرفه في مال غيره بغير إذنه، ولا يحصلُ للمالك بذلك أجرٌ؛ لعدم قصده ونيته، كذا قاله جماعةٌ من العلماء، منهم: ابنُ عقيلٍ من أصحابنا، وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي: أنَّه سأل سعيد بنَ المسيب قال: وجدت لقطةً، أفأتصدق بها؟ قالَ: لا تُؤجر أنت ولا صاحبُها (^٢).
ولعلَّ مرادَه إذا تَصدَّقَ بها قبلَ تعريفها الواجب. ولو أخذ السلطانُ، أو بعضُ نوابه من بيت المال ما لا يستحقه، فتصدق منه أو أعتق، أو بنى به مسجدًا أو غيره مما ينتفع به الناسُ، فالمنقولُ عن ابنِ عمر أنَّه كالغاصبِ إذا تصدق بما غصبه، كذلك قالَ لعبد الله بن عامر أميرِ البصرة، وكان الناس قد اجتمعُوا عنده في حال موته وهم يُثنون عليهِ ببرِّه وإحسانه، وابن عمر ساكتٌ، فطلب منه أنْ يتكلَّم، فروى له حديث: «لا يقبلُ الله صدقة من غُلولٍ» (^٣)، ثم قال له (^٤): وكنت على البصرة.
وقال أسدُ بنُ موسى في " كتاب الورع ": حدثنا الفضيلُ بن عياض، عن
منصور، عن تميم بن سلمة قال: قال ابنُ عامر (^٥) لعبد الله بن عمر: أرأيتَ هذا
_________________
(١) أخرجه: البزار (١٩٧٧)، والطبراني في " المعجم الأوسط " (٧٧٢٨) من طرق عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا، وهو ضعيف.
(٢) أخرجه: عبد الرزاق (١٨٦٢٢).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) «قال له» سقطت من (ص).
(٥) تحرف في (ص) إلى: «ابن عباس».
[ ٢٤٦ ]
العقاب التي نُسَهِّلُها، والعيون التي نُفَجِّرُها، ألنا فيها أجرٌ؟ فقال ابن عمر: أما علمتَ أنَّ خبيثًا لا يُكَفِّرُ خبيثًا قط؟ (^١)
حدثنا عبدُ الرحمان بنُ زياد، عن أبي مليح، عن ميمون بن مِهران قال: قال ابنُ عمر لابنِ عامر وقد سأله عن العتق: مَثَلُكَ مثلُ رجلٍ سرق إبلَ حاجٍّ، ثم جاهد بها (^٢) في سبيل الله، فانظر هل يقبل منه؟
وقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع (^٣)، كطاووسٍ ووهيب بن الورد (^٤) يَتَوقَّوْنَ
الانتفاع بما أحدثه مثلُ هؤلاء الملوك، وأما الإمام أحمد - ﵀ - فإنَّه رخَّصَ فيما فعلوه من المنافع العامة، كالمساجد والقناطر والمصانع، فإنَّ هذه ينفق عليها من مال الفيء، اللهم إلاَّ أنْ يتيقَّن أنَّهم فعلوا شيئًا من ذلك بمالٍ حرام كالمُكوس والغصوب ونحوها، فحينئذ يتوقَّى الانتفاع بما عمل بالمال الحرام، ولعلَّ ابنَ عمر إنَّما أنكر عليهم أخذَهُم لأموال بيت المال لأنفسهم، ودعواهم أنَّ ما فعلوه منها بعد ذلك، فهو صدقة منهم، فإنَّ هذا شبيهٌ بالغصوب، وعلى مثل هذا يُحمل إنكار من أنكر من العلماء على الملوك بنيان المساجد.
قال أبو الفرج بنُ الجوزي: رأيت بعضَ المتقدمين سُئلَ عمن كسب حلالًا وحرامًا من السلاطين والأمراء، ثم بنى الأربطة والمساجد: هل له ثواب؟ فأفتى بما يُوجِبُ طيب قلب المنفق، وأنَّ لهُ في إيقاف ما لا يملكه نوع سمسرة؛ لأنَّه لا يعرف أعيان المغصوبين، فيرد عليهم. قالَ: فقلتُ واعجبًا من متصدِّرين للفتوى لا يعرفونَ أصولَ الشريعة، ينبغي أنْ ينظر في حال هذا المنفق أوَّلًا، فإنْ كانَ سلطانًا، فما يخرج من بيت المال، قد عرفت وجوهُ مصارفِه، فكيف يمنع مستحقيه، ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة أو رباط؟ وإنْ كان مِن الأُمراء ونوَّابِ السلاطين، فيجب أنْ يردَّ ما يجب ردُّه إلى بيت المال، وإنْ كان حرامًا أو غصبًا، فكلُّ تصرف فيه حرام،
_________________
(١) أخرجه: أحمد في " الزهد " (١٠٦٣).
(٢) في (ص): «فتصدق بها».
(٣) عبارة: «في الورع» لم ترد في (ص).
(٤) في (ص): «ووهب بن المنبه».
[ ٢٤٧ ]
والواجب ردُّه على من أخذ منه أو ورثته، فإن لم يعرف ردَّ إلى بيت المال (^١) يصرف في المصالح أو في الصدقة، ولم يحظ آخذه بغير الإثم. انتهى.
وإنَّما كلامُه في السلاطين الذين عهدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين من الفيء حقوقهم، ويتصرَّفونَ فيه لأنفسهم تصرف المُلاَّكِ ببناء ما ينسبونه إليهم من مدارسَ وأربطةٍ ونحوها مما قد لا يحتاج إليه، ويخص به قومًا دون قوم، فأما لو فرض إمامٌ عادلٌ يعطي الناس حقوقهم من الفيء، ثم يبني لهم منه ما يحتاجون إليه من مسجدٍ، أو مدرسة، أو مارستان، ونحوِ ذلك كان ذلك جائزًا، ولو كان بعضُ من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذه بناء محتاجًا إليه في حال، يجوز البناء فيه من بيتِ المال، لكنَّه نسبه إلى نفسه، فقد يتخرَّجُ على الخلاف في الغاصب إذا ردَّ المالَ إلى المغصوب منه على وجه الصدقة والهبة هل يبرأ بذلك أم
لا؟ وهذا كلُّه إذا بني على قدر الحاجة من غير سرفٍ ولا زخرفةٍ.
وقد أمر عمرُ بنُ عبد العزيز بترميم مسجد البصرة من مال بيت المال، ونهاهم أنْ يتجاوزوا ما تصدَّع منه، وقال: إني لم أجد للبنيان في مال الله حقًا، ورُوي عنه أنَّه قال: لا حاجة للمسلمين فيما أضرَّ ببيت مالهم.
واعلم أنَّ من العلماء من جعل تصرُّفَ الغاصب ونحوه في مال غيره موقوفًا على إجازة مالكه، فإنْ أجاز تصرُّفه فيه جاز، وقد حكى بعضُ أصحابنا روايةً عن أحمد أنَّ من أخرج زكاته من مالٍ مغصوبٍ، ثم أجازه لهُ المالك، جاز وسقطت عنه الزكاة، وكذلك خرَّج ابن أبي موسى روايةً عن أحمد: أنَّه إذا أعتق عبدَ غيره عن نفسه ملتزمًا ضمانه في ماله، ثم أجازه المالك جاز، ونفذ عتقه، وهو خلافُ نصِّ أحمد، وحكي عن الحنفية أنَّه لو غصب شاة، فذبحها لمتعته وقرانه، ثم أجازه المالك أجزأت عنه.
الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أنْ يتصدَّق به عن صاحبه إذا عجز عن ردِّه إليه أو إلى ورثته، فهذا جائزٌ (^٢) عند أكثر العلماء، منهم:
_________________
(١) من قوله: «وإن كان حرامًا أو غصبًا …» إلى هنا سقط من (ص).
(٢) سقطت من (ص).
[ ٢٤٨ ]
مالكٌ، وأبو حنيفة، وأحمد وغيرهم. قال ابنُ عبد البر: ذهب الزُّهري ومالك والثوري، والأوزاعي، والليث إلى أنَّ الغالَّ إذا تفرَّق أهلُ العسكر ولم يَصِلْ إليهم أنَّه يدفع إلى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقي، روي ذلك عن عُبادة بن الصامت ومعاوية، والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس؛ لأنَّهما كانا يريان أنْ يتصدَّق بالمال الذي لا يعرف صاحبه، قال: وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء مخيرًا بين الأجر والضمان، وكذلك الغصوب. انتهى (^١).
وروي عن مالك بن دينار، قال: سألتُ عطاء بن أبي رباح عمن عنده مالٌ
حرام، ولا يعرف أربابه، ويريدُ الخروج منه؟ قال: يتصدق به ولا أقول: إنَّ ذلك يُجزئ عنه. قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحبَّ إليَّ من وزنه ذهبًا.
وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئًا مغصوبًا: يردُّه إليهم، فإنْ لم يقدر
عليهم، تصدَّق به كلَّه، ولا يأخذ رأس ماله، وكذا قال فيمن باع شيئًا ممن تكره معاملته لشبهة ماله، قال: يتصدَّقُ بالثمن، وخالفه ابنُ المبارك، وقال: يتصدق بالرِّبح خاصَّةً، وقال أحمد: يتصدَّق بالربح.
وكذا قال فيمن ورث مالًا من أبيه، وكان أبوه يبيعُ ممَّن تكره معاملته: أنَّه يتصدَّق منه بمقدار الرِّبح، ويأخذ الباقي (^٢). وقد رُوي عن طائفةٍ من الصَّحابة نحوُ ذلك: منهم: عمرُ بنُ الخطاب، وعبدُ الله بنُ يزيد الأنصاري.
والمشهور عن الشافعي ﵀ في الأموال الحرام: أنَّها تُحفظ، ولا يُتصَدَّقُ بها حتى يظهر مستحقُّها.
وكان الفضيلُ بنُ عياض يرى: أنَّ من عنده مالٌ حرامٌ لا يعرف أربابه، أنَّه يُتلفه، ويُلقيه في البحر، ولا يتصدَّق به، وقال: لا يتقرَّب إلى الله إلاَّ بالطيب.
والصحيح الصدقةُ به؛ لأنَّ إتلاف المال وإضاعته منهيٌّ عنه، وإرصاده أبدًا
_________________
(١) التمهيد ١/ ٢٩٥. (طبعة دار إحياء التراث العربي).
(٢) من قوله: «وقال أحمد: يتصدق بالربح …» إلى هنا سقط من (ص).
[ ٢٤٩ ]
تعريض له للإتلاف، واستيلاء الظلمة عليه، والصدقة به ليست عن مكتسبه حتى يكون تقرُّبًا منه بالخبيث، وإنَّما هي صدقةٌ عن مالكه، ليكون نفعُه له في الآخرة حيث يتعذَّرُ عليه الانتفاعُ به في الدنيا.
وقوله: «ثم ذكر الرجل يُطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ، يمدُّ يديه إلى السَّماء: يا رب، يا رب، ومطعمُه حرام، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟!» (^١).
هذا الكلام أشار فيه - ﷺ - إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابَته،
وإلى ما يمنع من إجابته، فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة:
أحدهما: إطالةُ السفر، والسفر بمجرَّده يقتضي إجابةَ الدعاء، كما في حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «ثلاثُ دعواتٍ مستجابات لا شك فيهن: دعوةُ المظلومِ، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ الوالد لولده» (^٢)، خرَّجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وعنده: «دعوة الوالد على ولده».
وروي مثله عن ابن مسعود من قوله.
ومتى طال السفر، كان أقربَ إلى إجابةِ الدُّعاء؛ لأنَّه مَظنِّةُ حصول انكسار النفس بطول الغُربة عن الأوطان، وتحمُّل المشاق، والانكسارُ من أعظم أسباب إجابة الدعاء.
والثاني: حصولُ التبذُّل في اللِّباس والهيئة بالشعث والإغبرار، وهو - أيضًا - من المقتضيات لإجابة الدُّعاء، كما في الحديث المشهور عن النَّبيِّ - ﷺ -: «ربَّ أشعث
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه: أبو داود (١٥٣١)، وابن ماجه (٣٨٦٢)، والترمذي (١٩٠٥) و(٣٤٤٨). وأخرجه: الطيالسي (٢٥١٧)، وأحمد ٢/ ٢٥٨ و٣٤٨ و٤٣٤ و٤٧٨ و٥١٧ و٥٢٣، وعبد بن حميد (١٤٢١)، والبخاري في " الأدب المفرد " (٣٢) (٤٨١)، والعقيلي في "الضعفاء" ١/ ٧٢، وابن حبان (٢٦٩٩)، والطبراني في " المعجم الأوسط " (٢٤)، والبغوي (١٣٩٤)، قال الترمذي: «هذا حديث حسن»، على أنَّ في إسناده مقالًا، ولعله قال ذلك لما للحديث من شواهد. وأخرجه: أحمد ٤/ ١٥٤ من طريق عقبة بن عامر الجهني، به.
[ ٢٥٠ ]
أغبرَ ذي طِمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه» (^١).
ولما خرج النَّبيُّ - ﷺ - للاستسقاء، خرج متبذِّلًا متواضعًا متضرِّعًا (^٢). وكان مُطَرِّفُ بنُ عبد الله قد حُبِسَ له ابنُ أخٍ، فلبس خُلْقان ثيابه، وأخذ عكازًا بيده، فقيل له: ما هذا؟ قالَ: أستكين لربي، لعلَّه أنْ يشفِّعني في ابن أخي (^٣).
الثالث: مدُّ يديه إلى السَّماء، وهو من آداب الدُّعاء التي يُرجى بسببها إجابته، وفي حديث سلمانَ عن النَّبيِّ - ﷺ -: «إنَّ الله تعالى حييٌّ كريمٌ، يستحيي إذا رفع الرجلُ إليه يديه أنْ يردَّهما صِفرًا خائبتين»، خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. وروي نحوه من حديث أنس وجابر وغيرهما (^٤).
_________________
(١) أخرجه: عبد بن حميد (١٢٣٦)، والطبراني في " المعجم الأوسط " (٨٦٥٠) بهذا اللفظ من حديث أنس بن مالك، به. وأخرجه: مسلم ٨/ ٣٦ (٢٦٢٢) (١٣٨) و٨/ ١٥٤ (٢٨٥٤) (٤٨) من حديث أبي هريرة، به، ولم يذكر: «ذي طمرين».
(٢) أخرجه: أحمد ١/ ٢٣٠ و٢٦٩ و٣٥٥، وأبو داود (١١٦٥) وابن ماجه (١٢٦٦)، والترمذي (٥٥٨) و(٥٥٩)، والنسائي ٣/ ١٥٦ و١٦٣ وفي " الكبرى "، له (١٨٠٧) و(١٨٠٨) و(١٨١١) و(١٨٢٦)، وابن خزيمة (١٤٠٥) و(١٤٠٨) و(١٤١٩)، وابن حبان (٢٨٦٢)، والطبراني في " المعجم الكبير " (١٠٨١٨) و(١٠٨١٩)، والحاكم ١/ ٣٢٦، والبيهقي ٣/ ٣٤٧، وقال الترمذي: «حسن صحيح».
(٣) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٢/ ١٩٨، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٦١/ ٢٣٨.
(٤) أخرجه: أحمد ٥/ ٤٣٨، وأبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه
(٥) . وأخرجه: ابن حبان (٨٧٦) و(٨٨٠)، والطبراني في " المعجم الكبير " (٦١٤٨) وفي " الدعاء "، له (٢٠٢)، وابن عدي ٢/ ٥٦٢، والحاكم ١/ ٤٩٧، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١١١٠)، والبيهقي ٢/ ٢١١، والخطيب في " تاريخه " ٨/ ٣١٧، والبغوي (١٣٨٥) من طرق عن سلمان الفارسي، به، وقال الترمذي: «حسن غريب». وأخرجه: أحمد في " الزهد " (٨٢١)، وهناد في " الزهد " (١٣٦١) من طرق عن سلمان الفارسي، موقوفًا. وأخرجه: معمر في "جامعه " (١٩٦٤٨)، وعبد الرزاق (٣٢٥٠)، والحاكم ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨، والبغوي (١٣٨٦) من حديث أنس بن مالك، به. وأخرجه: أبو يعلى (١٨٦٧) من حديث جابر بن عبد الله، به. وأخرجه: ابن عدي ٢/ ٤٣١ من حديث ابن عمر، به.
[ ٢٥١ ]
وكان النَّبيُّ - ﷺ - يرفع يديه في الاستسقاء حتى يُرى بياضُ إبطيه (^١)، ورَفَعَ يديه يومَ بدرٍ يستنصرُ على المشركين حتى (^٢) سقط رداؤه عن منكبيه (^٣).
وقد روي عن النَّبيِّ - ﷺ - في صفة رفع يديه في الدُّعاء (^٤) أنواعٌ متعددة، فمنها
أنَّه كان يُشير بأصبعه السَّبَّابةِ فقط (^٥)، وروي عنه أنَّه كان يفعل ذلك على المنبر (^٦)،
وفعله لما ركب راحلته (^٧).
_________________
(١) عن أنس بن مالك: أنَّه قال: لم يكن رسول الله - ﷺ - يرفع يديه في شيءٍ من الدعاء إلا في الاستقاء، فإنه كان يرفعُ يديه حتى يرى بياض إبطيه. أخرجه: أحمد ٣/ ١٨١ و٢٨٢، والدارمي (١٥٤٣)، والبخاري ٢/ ٣٩ (١٠٣١) و٤/ ٢٣١ (٣٥٦٥)، وفي " رفع اليدين "، له (٨٤)، ومسلم ٣/ ٢٤ (٨٩٥) (٥) و(٧) وأبو داود (١١٧٠)، وابن ماجه (١١٨٠)، والنسائي ٣/ ١٥٨ وفي " الكبرى "، له (١٨١٧) و(١٨١٩)، وابن خزيمة (١٤١١) و(١٧٩١)، والبيهقي ٣/ ٣٥٧، والبغوي (١١٦٣) و(١١٦٤) من طرق عن أنس بن مالك، به.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) عن عمر بن الخطاب، قال: نظر نبي الله - ﷺ - إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله - ﷺ - القبلة، ثمَّ مدَّ يديه وجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» فما زال يهتف بربه، مادًا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه من منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، فقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، إنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ الأنفال: ٩. أخرجه: أحمد ١/ ٣٠ و٣٢، وعبد بن حميد (٣١) ومسلم ٥/ ١٥٦ (١٧٦٣) (٥٨)، وأبو داود (٢٦٩٠)، والترمذي (٣٠٨١) واللفظ له، والبزار (١٩٦) وابن حبان
(٤) ، وأبو نعيم في " الدلائل " (٤٠٨)، والبيهقي ٦/ ٣٢١، وفي " الدلائل "، له ٣/ ٥١ - ٥٢ من طرق عن عمر بن الخطاب، به.
(٥) في (ص): «إلى السماء».
(٦) عن سعد، قال: مرَّ عليَّ رسول الله - ﷺ - وأنا أدعو بأصابعي فقال: «أحد أحد» وأشار بالسَّبابة. أخرجه: أبو داود (١٤٩٩)، والنسائي ٣/ ٣٨ وفي " الكبرى "، له (١١٩٦)، والحاكم ١/ ٥٣٦ من طرق عن سعد بن أبي وقاص، به. وعن أبي هريرة أنه، قال: إنَّ رجلًا كان يدعو بأصبعيه فقال رسول الله - ﷺ -: «أحد أحد». أخرجه: أحمد ٢/ ٤٢٠ و٥٢٠، والترمذي (٣٥٥٧) والنسائي ٣/ ٣٨ وفي " الكبرى "، له
(٧) ، وابن حبان (٨٨٤)، والحاكم ١/ ٥٣٦، والبيهقي في " شعب الإيمان " (١١٣٤)، وفي " الدعوات الكبير "، له (٢٦٥) من طرق عن أبي هريرة، به.
(٨) عن عمارة بن رويبة، قال: لقد رأيت رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر ما يزيد على هذه - يعني: السبابة التي تلي الإبهام. أخرجه: أحمد ٤/ ١٣٥ و١٣٦ و٢٦١، والدارمي (١٥٦٨) و(١٥٦٩)، ومسلم ٣/ ١٣
(٩) (٥٣)، وأبو داود (١١٠٤)، والترمذي (٥١٥)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٥٨١)، وابن خزيمة (١٧٩٣) و(١٧٩٤)، وابن حبان (٨٨٢)، والبيهقي ٣/ ٢١٠، والبغوي (١٠٧٩) من طرق عن عمارة بن رويبة، به. وعن سهل بن سعد، قال: ما رأيت رسول الله شاهرًا يديه قط يدعو على منبره ولا على غيره. ولكن رأيته، يقول هكذا: وأشار بإصبعه السبابة يحركها. أخرجه: أحمد ٥/ ٣٣٧، وأبو داود (١١٠٥)، وابن خزيمة (١٤٥٠)، وابن حبان
(١٠) ، والطبراني في " الكبير " (٦٠٢٣)، والحاكم ١/ ٥٣٥ - ٥٣٦، والبيهقي ٣/ ٢١٠ من طرق عن سهل بن سعد، به.
(١١) هو جزء من حديث طويل لجابر بن عبد الله في حجة الوداع. أخرجه: أحمد ٣/ ٣٢٠، وعبد بن حميد (١١٣٥)، والدارمي (١٨٥٧)، ومسلم ٤/ ٣٨ - ٤٣ (١٢١٨) (١٤٧) و(١٤٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجه
(١٢) ، وابن الجارود (٤٦٥) و(٤٦٩)، وابن خزيمة (٢٥٣٤) و(٢٦٢٠) = = … و(٢٦٨٧) و(٢٧٥٤) و(٢٧٥٥) و(٢٧٥٧) و(٢٨٠٢) و(٢٨١٢) و(٢٨٢٦ و(٢٨٥٥) و(٢٩٤٤)، وابن حبان (٣٩٤٤)، والبيهقي /٦ - ٩ وفي " الدلائل "، له ٥/ ٤٣٣ - ٤٣٨.
[ ٢٥٢ ]
وذهب جماعة من العلماء إلى أنَّ دعاء القنوت في الصلاة يُشير فيه بإصبعه، منهم: الأوزاعي، وسعيدُ بن عبد العزيز، وإسحاق بن راهويه. وقال ابن عباس وغيره: هذا هو الإخلاص في الدعاء (^١)، وعن ابن سيرين: إذا أثنيت على الله، فأَشِرْ بإصبعٍ واحدة.
ومنها: أنَّه - ﷺ - رفع يديه وجعل ظُهورَهما إلى جهةِ القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونَهما ممَّا يلي وجهَه (^٢). وقد رُويت هذه الصَّفةُ عنِ النَّبيِّ - ﷺ - في دعاء الاستسقاء (^٣)،
واستحبّ بعضُهمُ الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة، منهم: الجوزجاني.
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزاق (٣٢٤٤)، والبيهقي ٢/ ١٣٣ من طرق عن ابن عباس، به.
(٢) أخرجه: ابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (٢٥٩٠)، والطبراني في "الكبير" (٦٦٢٥) من طرق عن السائب بن خلاد، به. وأخرجه: أحمد ٤/ ٥٦ من حديث خلاد بن السائب، به.
(٣) عن عمير مولى آبي اللحم: أنَّه رأى رسول الله - ﷺ - يستسقي عند أحجار الزَّيت قريبًا من الزوراء قائمًا، يدعو يستسقي رافعًا كفيه، لا يجاوز بهما رأسه مقبل بباطن كفيه إلى وجهه. أخرجه: أحمد ٥/ ٢٢٣، وأبو داود (١١٦٨)، والترمذي (٥٥٧) وابن حبان (٨٧٨)، والحاكم ١/ ٥٣٥.
[ ٢٥٣ ]
وقال بعض السَّلف: الرفع على هذا الوجه تضرُّعٌ.
ومنها عكسُ ذلك، وقد رُوي عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - في الاستسقاء أيضًا، ورُوي عن جماعة من السَّلف أنَّهم كانوا يدعون كذلك، وقال بعضهم: الرفع على هذا الوجه استجارةٌ بالله - ﷿ - واستعاذة به، منهم: ابنُ عمر، وابنُ عباس، وأبو هريرة، ورُوي عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه كان إذا استسقى رفعَ يديه، وإذا (^١) استعاذَ رفع يديه على هذا الوجه (^٢).
ومنها: رفع يديه، جعل كفَّيه إلى السَّماء وظهورهما إلى الأرض. وقد ورد الأمرُ بذلك في سُؤال الله - ﷿ - في غير حديث (^٣)، وعن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن سيرين أنَّ هذا هو الدُّعاء والسُّؤال لله - ﷿ -.
ومنها: عكسُ ذلك، وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطونهما مما يلي الأرض. وفي " صحيح مسلم " (^٤) عن أنس: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - استسقى فأشار بظهر كفَّيه إلى السَّماء. وخرَّجه الإمام أحمد (^٥) - ﵀ - ولفظه: «فبسط يديه، وجعل ظاهرهما مما يلي السماء». وخرَّجه أبو داود (^٦)، ولفظه: استسقى هكذا، يعني: مدّ يديه، وجعل بطونَهما مما يلي الأرض.
وخرّج الإمام أحمد (^٧) من حديث
_________________
(١) عبارة: «استسقى رفع يديه وإذا» لم ترد في (ج).
(٢) أن رسول الله - ﷺ - كان إذا دعا جعل باطن كفيه إلى وجهه. أخرجه: أحمد ٤/ ٥٦ من حديث خلاد بن السائب، به.
(٣) أنَّ رسول الله - ﷺ -، قال: «إذا سألتم الله ﷿ فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها». أخرجه: أبو داود (١٤٨٦) من حديث مالك بن يسار، به.
(٤) الصحيح ٣/ ٢٤ (٨٦٩) (٦)، وأخرجه أيضًا: عبد بن حميد (١٣٣٨)، والبيهقي ٣/ ٣٥٧ من طرق عن أنس بن مالك، به.
(٥) في " مسنده " ٣/ ١٥٣ و٢٤١، وأخرجه: البيهقي ٣/ ٣٥٧ من طرق عن أنس بن مالك، به.
(٦) في " سننه " (١١٧١)، وأخرجه: عبد بن حميد (١٢٩٣)، وابن خزيمة (١٤١٢)، والبيهقي ٣/ ٣٥٧ من طرق عن أنس بن مالك، به.
(٧) في " مسنده " ٣/ ١٣ و١٤ و٨٥ و٩٦. وأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٩٤٠٧)، وإسناده ضعيف لضعف بشر بن حرب.
[ ٢٥٤ ]
أبي سعيد الخدري، قال: كان النَّبيُّ - ﷺ -
واقفًا بعرفة يدعو هكذا ورفع يديه حيال ثُنْدوتِه (^١)، وجعل بُطون كفَّيه مما يلي الأرض. وهكذا وصف حمادُ بن سلمة رفع النَّبيِّ - ﷺ - يديه بعرفة. ورُوي عن ابن سيرينَ: أنَّ هذا هو الاستجارة. وقال الحميدي: هذا هو الابتهالُ.
والرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر (^٢) ربوبيته، وهو مِنْ أعظم ما يُطلب به إجابةُ الدعاء، وخرَّج البزارُ (^٣) من حديث عائشة مرفوعًا: «إذا قال العبدُ: يا ربِّ أربعًا، قال الله: لَبَّيْكَ عَبدي، سل تُعْطَه».
وخرَّج الطبراني (^٤)
وغيره من حديث سعد بن خارجة: أنَّ قومًا شكوا إلى النَّبيِّ - ﷺ - قُحُوط المطر، فقال: «اجثُوا على الرُّكَب، وقولوا: يا ربِّ يا ربّ (^٥)» ورفع السَّبَّابة إلى السَّماء، فسُقُوا حتى أحبُّوا أنْ يُكشَفَ عنهم.
وفي " المسند " وغيره عن الفضل بن عباس (^٦)، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «الصلاةُ مثنى مثنى، وتَشَهُّدٌ في كلِّ ركعتين، وتضرُّعٌ، وتخشعٌ، وتمسكنٌ، وتُقنعُ يَديك - يقول: ترفعهما إلى ربِّك مستقبلًا بهما وجهَك - وتقول: يا ربِّ يا ربِّ، فمن لم يفعل ذلك فهي خِداجٌ» (^٧).
_________________
(١) ثندوته: الثندوتان للرجل كالثديين للمرأة. انظر: النهاية ١/ ٢٢٣.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) في " زوائده " كما في " كشف الأستار " (٣١٤٥)، وإسناده ضعيف لضعف الحكم بن سعيد الأموي.
(٤) في " المعجم الأوسط " (٥٩٨١). وأخرجه البخاري في "تاريخه الكبير" ٦/ ٤٥٧، والبزار كما في " كشف الأستار " (٦٦٥)، وهو حديث ضعيف لضعف عامر بن خارجة، وقال البخاري: «في إسناده نظر»، وقال أبو حاتم كما في " الجرح والتعديل " ٣/ ١٨٨: «إسناده منكر».
(٥) في (ص): «يا رب» فقط.
(٦) تحرف في (ص) إلى: «الفضيل بن عياض».
(٧) أخرجه: أحمد ١/ ٢١١ و٤/ ١٦٧، والترمذي (٣٨٥)، والنسائي في "الكبرى" (٦١٥) و(١٤٤٠)، وأبو يعلى (٦٧٣٨)، وابن خزيمة (١٢١٣)، والطحاوي في " شرح المشكل " (١٠٩٤) و(١٠٩٥) و(١٠٩٦)، والطبراني في " الكبير " ١٨/ (٧٥٧)، وفي " الأوسط "، له (٤٨٢٧)، والبيهقي ٢/ ٤٨٧، والبغوي (٧٤٠)، وهو حديث ضعيف مداره على عبد الله بن نافع وهو مجهول.
[ ٢٥٥ ]
وقال يزيد الرَّقاشي عن أنس: ما مِنْ عبدٍ يقول: يا ربِّ يا ربِّ يا ربِّ، إلا قال له ربُّه: «لبيك لبيك».
وروي عن أبي الدرداء وابن عباس أنَّهما كانا يقولان: اسم الله الأكبر ربِّ
ربِّ (^١).
وعن عطاءٍ قال: ما قال عبدٌ يا ربِّ يا ربِّ يا ربِّ (^٢) ثلاث مرات، إلاّ نظر الله إليه، فذكر ذلك للحسن، فقال: أما تقرءون القرآن؟ ثم تلا قوله تعالى
:
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٣) (^٤).
ومن تأمَّل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالبًا تفتتح باسم الرَّبِّ، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (^٥)،
﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (^٦)، وقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (^٧). ومثل هذا في القرآن كثير.
وسئل مالك وسفيان عمَّن يقول في الدعاء: يا سيدي، فقالا: يقول يا ربّ. زاد مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم.
وأما ما يمنع إجابة الدعاء، فقد أشار - ﷺ - إلى أنّه التوسُّع في الحرام أكلًا وشربًا
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢٩٣٦٥)، والحاكم ١/ ٥٠٥ عن أبي الدرداء، وابن عباس، به.
(٢) «يا رب» لم ترد في (ج).
(٣) أخرجه: ابن أبي حاتم في " تفسيره " (٤٦٦٨)، وأبو نعيم في " الحلية " ٣/ ٣١٣ عن الحسن البصري.
(٤) آل عمران: ١٩١ - ١٩٥.
(٥) البقرة: ٢٠١.
(٦) البقرة: ٢٨٦.
(٧) البقرة: ٨.
[ ٢٥٦ ]
ولبسًا وتغذيةً، وقد سبق حديثُ ابن عباس في هذا المعنى أيضًا، وأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال لسعد: «أطِبْ مطعمَكَ، تَكُنْ مُستجاب الدعوة» (^١) فأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجبٌ لإجابة الدعاء.
ورَوى عكرمةُ بن عمار: حدَّثنا الأصفر، قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: تُستجابُ دعوتُك من بين أصحاب رسول الله - ﷺ -؟ فقال: ما رفعتُ إلى فمي لقمةً إلا وأنا عالمٌ من أين مجيئُها، ومن أين خرجت.
وعن وهب بن مُنبِّه قال: من سرَّه أنْ يستجيب الله دعوته، فليُطِب طُعمته، وعن سهل بن عبد الله قال: من أكل الحلال أربعين يومًا (^٢) أُجيبَت دعوتُه، وعن يوسف بن أسباط قال: بلغنا أنَّ دعاءَ العبد يحبس عن السماوات بسوءِ المطعم.
وقوله - ﷺ -: «فأنَّى يستجاب لذلك»، معناه: كيف يُستجاب له؟ فهوَ استفهامٌ وقع على وجه التَّعجُّب والاستبعاد، وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية، فَيُؤْخَذُ من هذا أنَّ التوسُّع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة، وقد يُوجد ما يمنعُ هذا المانع من منعه، وقد يكونُ ارتكابُ المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا، وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث: أنَّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء (^٣) الأخيار (^٤)،
وفعل الطاعات يكون موجبًا
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في (ج): «صباحًا».
(٣) لم ترد في (ص).
(٤) عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يا أيها الناس، إنَّ الله - ﷿ -، يقول: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر من قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني، فلا أنصركم». أخرجه: إسحاق بن راهويه (٨٦٤)، وأحمد ٦/ ١٥٩، وابن ماجه (٤٠٠٤)، والبزار كما في " كشف الأستار " (٣٣٠٤) و(٣٣٠٥) و(٣٣٠٦)، وابن حبان (٢٩٠)، والطبراني في " المعجم الأوسط " (٦٦٦٥) من طرق عن عائشة، به، وإسناده ضعيف. وأخرجه: أحمد ٥/ ٣٨٨ و٣٩١، والترمذي (٢١٦٩)، والبيهقي ١٠/ ٩٣، وفي " شعب الإيمان "، له (٧٥٥٨)، والبغوي (٤١٥٤) من طرق عن حذيفة بن اليمان، بنحوه، وقال الترمذي: «حديث حسن». وأخرجه: أحمد ٥/ ٣٩٠، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ٢٧٩ من طرق عن حذيفة، موقوفًا.
[ ٢٥٧ ]
لاستجابة الدعاء. ولهذا لمَّا توسَّل الذين دخلوا الغارَ، وانطبقت عليهمُ الصخرةُ بأعمالهم الصالحةِ التي
أخلصوا فيها لله تعالى ودَعُوا الله بها، أجيبت دعوتهم.
وقال وهب بن مُنبِّه: مَثَلُ الذي يدعو بغير عمل، كمثل الذي يرمي بغير وَتَر (^١). وعنه قال: العملُ الصالحُ يبلغ الدعاء، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه﴾ (^٢).
وعن عمر قال: بالورع عما حرَّم الله يقبلُ الله (^٣) الدعاء والتسبيحَ.
وعن أبي ذر - ﵁ - قال: يكفي مع البرِّ من الدعاء مثلُ ما يكفي الطعامُ من الملح (^٤).
وقال محمد بن واسع: يكفي من الدعاء (^٥) مع الورع اليسيرُ (^٦)، وقيل لسفيان: لو دعوتَ الله؟ قالَ: إنَّ تركَ الذنوب هوَ الدعاء.
وقال الليث (^٧): رأى موسى - ﵇ - رجلًا رافعًا يديه وهو يسأل الله مجتهدًا، فقالَ موسى: أي ربِّ عبدُك دعاكَ (^٨) حتَّى رحمتَه، وأنت أرحمُ الراحمين، فما صنعتَ في حاجته؟ فقال: يا موسى لو رفع يديه حتّى يَنقَطِعَ ما نظرتُ في حاجته حتى ينظر في حقِّي.
وخرَّج الطبراني (^٩)
بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عباس مرفوعًا معناه.
_________________
(١) أخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (٣٢٢)، وأبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٥٣.
(٢) فاطر: ١٠.
(٣) لفظ الجلالة لم يرد في (ص).
(٤) في (ص): «من الدعاء ما يكفي من الملح». والأثر أخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (٣١٩)، وأحمد في " الزهد " (٧٨٩)، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ١٦٤.
(٥) عبارة: «من الدعاء» لم ترد في (ص).
(٦) أخرجه: ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ٥٩/ ٨٩.
(٧) عبارة: «وقال الليث» لم ترد في (ص).
(٨) لم ترد في (ص).
(٩) في " المعجم الأوسط " (٥٤٠)، وفي إسناده: «سلام الطويل»، قال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " (٢٣٧): «متروك الحديث»، وقال الدارقطني في " الضعفاء والمتروكون " (٢٦٥): «متروك».
[ ٢٥٨ ]
وقال مالك بنُ دينار: أصاب بني إسرائيل بلاءٌ، فخرجوا مخرجًا، فأوحى الله تعالى
إلى نبيِّه أنْ أَخبرهم أنَّكم تخرُجون إلى الصَّعيد بأبدانٍ نجسة، وترفعون إليَّ أكُفًَّا قد سفكتُم بها الدماء وملأتم بها بيوتَكم من الحرام، الآن اشتدَّ غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعدًا.
وقال بعض السَّلف: لا تستبطئ الإجابة، وقد سددتَ طرقها بالمعاصي، وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
نحن نَدْعُو الإله في كُلِّ كَربٍ … ثُمَّ نَنساهُ عِندَ كَشفِ الكُروبِ
كَيْفَ نَرجُو إجابةً لدُعاءٍ … قَدْ سَدَدْنا طرِيقَها بالذُّنوب
[ ٢٥٩ ]