الخطأ: هو أن يَقصِدَ بفعله شيئًا، فيُصادف فعلُه غير ما قصده، مثل: أنْ يقصد قتلَ كافرٍ، فيصادف قتله مسلمًا.
والنسيان: أنْ يكون ذاكرًا لشيءٍ، فينساه عندَ الفعل، وكلاهما معفوٌّ عنه، بمعنى أنَّه لا إثمَ فيه، ولكن رفعُ الإثم لا يُنافي أنْ يترتَّب على نسيانه حكم.
كما أنَّ من نسيَ الوضوء، وصلَّى ظانًّا أنَّه متطهِّرٌ، فلا إثم عليه بذلك، ثم إنْ تبيَّنَ له أنَّه كان قد صلَّى محدِثًا فإنَّ عليه الإعادة.
ولو ترك التسميةَ على الوضوء نسيانًا، وقلنا بوجوبها، فهل يجبُ عليه إعادةُ الوضوء؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد (^١).
وكذا لو ترك التسمية على الذبيحة نسيانًا، فيه عنه روايتان (^٢)، وأكثرُ الفقهاء على أنَّها تؤكل.
ولو ترك الصلاة نسيانًا، ثم ذكر، فإنَّ عليه القضاء، كما قال - ﷺ -: «من نامَ عن صلاةٍ أو نسيها، فليُصَلِّها إذا
ذكرها، لا كفَّارةَ لها إلا ذلك» (^٣) ثمَّ تلا: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (^٤).
ولو صلَّى حاملًا في صلاته نجاسةً لا يُعفى عنها، ثم علم بها بعد صلاته، أو في أثنائها، فأزالها فهل يُعيدُ صلاته أم لا؟ فيه قولان، هما روايتان عن أحمد (^٥)، وقد رُوي عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه خلع نعليه في صلاته وأتمَّها، وقال: «إنَّ جبريل
_________________
(١) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى ١/ ٦٩ - ٧٠.
(٢) انظر: المصدر السابق ٣/ ١٠.
(٣) أخرجه: البخاري ١/ ١٥٥ (٥٩٧)، ومسلم ٢/ ١٤٢ (٦٨٤) (٣١٤)، والبيهقي ٢/ ٢١٨ و٤٥٦ من حديث أنس بن مالك مرفوعًا بهذا اللفظ.
(٤) طه: ١٤.
(٥) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى ١/ ١٥٣.
[ ٨٠٢ ]
أخبرني أنَّ فيهما أذى» (^١) ولم يُعد صلاته.
ولو تكلَّم في صلاته ناسيًا أنَّه في صلاة، ففي بطلان صلاته بذلك قولان
مشهوران، هما روايتان عن أحمد (^٢)، ومذهبُ الشافعي: أنَّها لا تَبطُلُ بذلك (^٣).
ولو أكل في صومه ناسيًا، فالأكثرون على أنَّه لا يَبطُلُ صيامه، عملًا
بقوله - ﷺ -: «مَنْ أَكل، أو شرب ناسيًا، فليتمَّ صومه، فإنَّما أطمعه الله وسقاه» (^٤). وقال مالك: عليه الإعادة؛ لأنَّه بمنزلة من ترك الصلاة ناسيًا (^٥)، والجمهور يقولون: قد أتى بنيَّةِ الصيام، وإنَّما ارتكب بعض محظوراته ناسيًا، فيُعفى عنه (^٦).
ولو جامع ناسيًا، فهل حكمه حكم الآكل ناسيًا أم لا؟ فيهِ قولان:
أحدهما: - وهو المشهور عن أحمد - أنَّه يَبطُلُ صيامُه بذلك وعليه القضاء، وفي الكفارة عنه روايتان (^٧). والثاني: لا يبطل صومه بذلك، كالأكل، وهو مذهب الشافعي (^٨)،
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٣/ ٢٠ و٩٢، وأبو داود (٦٥٠)، وابن خزيمة (١٠١٧)، وابن حبان
(٢) ، والحاكم ١/ ٢٦٠، والبيهقي ٢/ ٤٠٢ و٤٣١ من حديث أبي سعيد الخدري، وهو حديث صحيح. وروي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن مسعود.
(٣) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى ١/ ١٣٨.
(٤) انظر: المجموع للنووي ٤/ ١٥.
(٥) أخرجه: أحمد ٢/ ٣٩٥ و٤٢٥ و٤٨٩ و٤٩١ و٤٩٣ و٥١٣، والبخاري ٣/ ٤٠ (١٩٣٣) و٨/ ١٧٠ (٦٦٩٦)، ومسلم ٣/ ١٦٠ (١١٥٥) (١٧١)، وأبو داود (٢٣٩٨)، وابن ماجه (١٦٧٣)، والترمذي (٧٢١) و(٧٢٢)، والنسائي في " الكبرى " (٣٢٧٥) من حديث أبي هريرة.
(٦) انظر: المدونة الكبرى ١/ ٣٣٤ وما ذهب إليه المصنف من هذا التعليل غير صحيح، بل حجتهم في ذلك أنَّ هذا الحديث خبر آحاد وقد عارض القاعدة العامة التي تقول: النسيان لا يؤثر في باب المأمورات، أي لا يؤثر من ناحية براءة ذمة المكلف قال ابن العربي في "عارضة الأحوذي" ٣/ ١٩٧: «أصل مالك في أنَّ خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يعمل به» فما يفسد الصوم بعدمه على وجه العمد، فإنَّه يفسده على وجه النسيان، كما في النية، والصيام ركنه الإمساك، فإذا فات الركن في العبادة وجب الإتيان به، وقد تعذر هنا، فاقتضى الحكم بفساد صومه، وانظر: أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء: ٢١٩ - ٢٢٠.
(٧) انظر: المفصل لعبد الكريم زيدان ٢/ ٧٢.
(٨) انظر: التمهيد لابن عبد البر ٧/ ١٨١، والمسائل الفقهية من كتاب الروايتين والواجهين ١/ ٢٦٠.
(٩) انظر: التمهيد لابن عبد البر ٧/ ١٧٩، والمجموع ٦/ ٢٢٨.
[ ٨٠٣ ]
وحُكي رواية عن أحمد (^١). وكذا الخلاف في الجماع في الإحرام ناسيًا: هل يبطُل به النُّسُكُ أم لا؟
ولو حلف لا يفعل شيئًا، ففعله ناسيًا ليمينه، أو مخطئًا ظانًّا أنّه غير المحلوف عليه، فهل يحنث في يمينه أم لا؟ فيه ثلاثةُ أقوالٍ هي ثلاث روايات عن أحمد (^٢):
أحدها: لا يحنث بكلِّ حال، ولو كانت اليمينُ بالطَّلاق والعتاق، وأنكر هذه الرواية عن أحمد الخلالُ، وقال: هي سهو من ناقلها، وهو قولُ الشافعي في أحد قوليه، وإسحاق، وأبي ثور، وابن أبي شيبة، ورُوي عن عطاء، قال إسحاق: ويُستحلف أنَّه كان ناسيًا ليمينه.
والثاني: يحنث بكلِّ حال، وهو قولُ جماعة مِنَ السَّلف ومالك.
والثالث: يفرَّق بين أنْ يكونَ يمينُه بطلاقٍ أو عتاقٍ، أو بغيرهما، وهو المشهورُ عن أحمد، وقول أبي عُبيدٍ، وكذا قال الأوزاعيُّ في الطلاق، وقال: إنَّما الحديثُ الذي جاء في العفو عن الخطأ والنسيان ما دام ناسيًا، وأقام على امرأته، فلا إثم عليه، فإذا ذكر، فعليه اعتزالُ امرأته، فإنَّ نسيانَه قد زال. وحكى إبراهيم الحربي إجماعَ التابعين على وقوع الطلاق بالناسي.
ولو قتل مؤمنًا خطأً، فإنَّ عليه الكفَّارةَ والدِّيَة بنصِّ الكتاب،
وكذا لو أتلف مالَ غيره خطأً يظنُّه أنَّه مالُ نفسه.
وكذا قال الجمهورُ في المُحرِم يقتل الصَّيدَ خطأً، أو ناسيًا لإحرامه أنَّ عليه جزاءه (^٣)، ومنهم من قال: لا جزاءَ عليه إلاَّ أنْ يكونَ متعمدًا لقتله تمسُّكًا
بظاهر (^٤) قوله - ﷿ -: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (^٥) الآية، وهو رواية عن أحمد، وأجاب الجمهورُ عن الآية بأنَّه رتَّب على قتله متعمدًا الجزاء
_________________
(١) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى ١/ ٢٩١.
(٢) انظر: المغني لابن قدامة ١١/ ١٧٥ - ١٧٦.
(٣) كذا قال ابن عباس والحسن ومجاهد. انظر: تفسير الطبري (٩٧٨٢) و(٩٧٨٤) و(٩٧٩٠).
(٤) سقطت من (ص).
(٥) المائدة: ٩٥.
[ ٨٠٤ ]
وانتقامَ الله تعالى، ومجموعُهما يختصُّ بالعامد، وإذا انتفى العمدُ، انتفى الانتقامُ، وبقي الجزاءُ ثابتًا بدليل آخر.
والأظهر - والله أعلم - أنَّ الناسي والمخطئ إنَّما عُفي عنهما بمعنى رفع الإثم
عنهما؛ لأنَّ الإثم مرتَّبٌ على المقاصد والنيَّات، والناسي والمخطئ لا قصدَ لهما، فلا إثم عليهما، وأمَّا رفعُ الأحكام عنهما، فليس مرادًا منْ هذه النصوص، فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليلٍ آخر.