وهو نوعان:
أحدهما: من لا اختيارَ له بالكلِّيَّة، ولا قُدرةَ له على الامتناع، كمن حُمِلَ
كَرْهًا وأدخل إلى مكانٍ حلف على الامتناع من دخوله، أو حُمِل كَرْهًا، وضُرب به غيرُه حتّى مات ذلك الغيرُ، ولا قُدرة له على الامتناع، أو أُضْجعت، ثم زُنِي بها من غيرِ قُدرةٍ لها على الامتناع، فهذا لا إثم عليه بالاتفاق، ولا يترتَّب عليه حِنْثٌ في يمينه عند جمهور العلماء. وقد حُكي عن بعض السَّلف - كالنَّخعي - فيه خلاف، ووقع مثلُه في كلام بعض أصحاب الشَّافعي وأحمد، والصحيح عندهم أنَّه لا يحنث بحال.
وروي عن الأوزاعي في امرأة حلفت على شيء، وأحنثها زوجُها كُرهًا أنَّ كفارَتها عليه، وعن أحمد روايةٌ كذلك، فيما إذا وطئ امرأتهُ مُكرهةً في صِيامها أو إحرامها أنَّ كفارتها عليه. والمشهور عنه أنَّه يفسدُ بذلك صومها وحجُّها.
والنوع الثاني: من أُكره بضربٍ أو غيره حتَّى فعل، فهذا الفعلُ يتعلق به
التَّكليفُ، فإنَّه يمكنه أنْ لا يفعل فهو مختارٌ للفعل، لكن ليس غرضُه نفسَ الفعل، بل دفع الضَّرر عنه، فهو مختارٌ مِنْ وجه، غيرُ مختارٍ من وجهٍ، ولهذا اختلف الناسُ: هل هو مكلَّفٌ أم لا؟
[ ٨٠٥ ]
واتفق العلماءُ على أنّه لو أُكرِه على قتل معصومٍ لم يُبَحْ لهُ أن يقتُله، فإنَّه إنَّما يقتُله باختياره افتداءً لنفسه من القتل (^١)، هذا إجماعٌ مِنَ العلماء المعتدِّ بهم، وكان في زمن الإمام أحمد يُخالِف فيهِ مَنْ لا يُعتدُّ به، فإذا قتله في هذه الحال، فالجمهور على أنَّهما يشتركان في وجوب القَوَدِ: المكرهِ والمكرَه؟ لاشتراكهما في القتل، وهو قول مالك والشافعي في المشهور وأحمد،
وقيل: يجب على المكرِه وحده؛ لأنَّ المكرَه صارَ كالآلة، وهو قولُ أبي حنيفة وأحدُ قولي الشَّافعيِّ، ورُوي عن زفرَ كالأوَّل، ورُوي عنه أنَّه يجبُ على المكرَه لمباشرته، وليس هو كالآلة؛ لأنَّه آثمٌ بالاتِّفاق، وقال أبو يوسف: لا قَودَ على واحدٍ منهما، وخرَّجه بعضُ أصحابنا وجهًا لنا من الرِّواية لا توجب فيها قتل الجماعة بالواحد، وأولى (^٢).
ولو أكره بالضَّرب ونحوه على إتلاف مالِ الغير المعصوم، فهل يُباحُ له ذلك؟ فيهِ وجهان لأصحابنا: فإنْ قلنا: يُباحُ لهُ ذَلِكَ، فضمنه المالك، رجع بما ضمنه على المكره، وإنْ قلنا: لا يُباح له ذلك، فالضمانُ عليهما معًا كالقود. وقيل: على المكره المباشر وحدَه وهو ضعيف.
ولو أُكره على شرب الخمر أو غيره من الأفعال المحرّمة، ففي إباحته بالإكراه قولان:
أحدُهما: يُباحُ له ذلك استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٣)، وهذه نزلت في عبد الله بن أبيِّ بن سلول، كانت له أمتانِ يُكرههما على الزنى، وهما يأبيان ذلك (^٤)، وهذا قول الجمهور كالشافعي، وأبي حنيفة، وهو المشهورُ عن
_________________
(١) قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: «انعقد الإجماع على أنَّ المكره على القتل مأمور باجتناب القتل والدفع عن نفسه، وإنَّه يأثم إنْ قتل من أكره على قتله». فتح الباري ١٢/ ٣٩٠، وقال عبد بن حميد: «لا يعذر من أكره على قتل غيره لكونه يؤثر نفسه على نفس غيره». فتح الباري ١٢/ ٣٩٥.
(٢) انظر: تفسير الطبري ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦، والمبسوط للسرخسي ٢٤/ ٧٢ - ٧٣ و٨٨ - ٨٩.
(٣) النور: ٣٣.
(٤) انظر: تفسير الطبري (١٩٧٤٩) و(١٩٧٥٢).
[ ٨٠٦ ]
أحمد، ورُوي نحوه عن الحسن، ومكحولٍ، ومسروقٍ، وعن عمر بن الخطاب ما يدلُّ عليه.
وأهلُ هذه المقالة اختلفوا في إكراه الرَّجُلِ على الزِّنى، فمنهم من قال: يصحُّ إكراهُه
عليه، ولا إثمَ عليه، وهو قولُ الشافعي، وابن عقيلٍ من أصحابنا، ومنهم من قال: لا يصحُّ إكراهه عليه، وعليه الإثمُ والحدُّ، وهو قول أبي حنيفة ومنصوصُ أحمد، ورُوي عن الحسن.
والقولُ الثاني: إنَّ التقية إنَّما تكون في الأقوال، ولا تقية في الأفعال، ولا إكراهَ عليها، رُوي ذلك عن ابنِ عباس، وأبي العالية، وأبي الشَّعثاء، والربيع بن أنس، والضَّحَّاك (^١)، وهو روايةٌ عن أحمد، ورُوي عن سُحنون أيضًا.
وعلى هذا لو شرب الخمرَ، أو سرق مكرهًا، حُدَّ.
وعلى الأول لو شرب الخمر مكرهًا، ثم طلَّق أو أعتق، فهل يكون حكمُه حكمَ المختارِ لشُربِها أم لا؟ بل يكونُ طلاقُه وعِتاقه لغوًا؟ فيه لأصحابنا وجهان (^٢)، ورُوي عن الحسن فيمن قيل له: اسجُد لصنمٍ وإلاَّ قتلناك، قال: إنْ كان الصَّنمُ تجاهَ القبلة، فليسجُد، ويجعل نيَّته لله، وإنْ كان إلى غير القبلة، فلا يفعل وإنْ
قتلوه، قال ابنُ حبيب المالكي: وهذا قولٌ حسنٌ، قال ابن عطية: وما يمنعه أنْ يجعلَ نيته لله، وإن كان لغير القبلة (^٣)، وفي كتاب الله: ﴿فَأَيْنَمَا تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (^٤)، وفي الشرع إباحةُ التنفُّل للمسافر إلى غير القبلة؟
وأما الإكراه على الأقوال، فاتَّفق العلماء على صحته، وأنَّ من أُكره على قولٍ محرَّم
إكراهًا معتبرًا أنَّ لهُ أنْ يفتديَ نفسه به، ولا إثمَ عليهِ، وقد دلَّ عليهِ قولُ الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ (^٥). وقال النَّبيُّ - ﷺ - لعمار: «إنْ عادوا فَعُدْ» (^٦).
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٥٣٧١) و(٥٣٧٤) و(٥٣٧٥) و(٥٣٧٦).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة ٨/ ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٣) انظر: المحلى لابن حزم ٩/ ١٣٠.
(٤) البقرة: ١١٥.
(٥) النحل: ١٠٦.
(٦) أخرجه: عبد الرزاق في " تفسيره " (١٥٠٩)، وابن سعد في " الطبقات " ٣/ ١٨٩، والطبري في " تفسيره " (١٦٥٦٣) وطبعة التركي ١٤/ ٣٧٤، والحاكم ٢/ ٣٥٧، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ١٤٠، وهو مرسل. …
[ ٨٠٧ ]
وكان المشركون قد عذَّبوه حتَّى يوافقهُم على ما يُريدونه من الكفر، ففعل.
وأما ما روي عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه وصَّى طائفةً من أصحابه، وقال: «لا تُشركوا بالله وإن قُطِّعتُم وحُرِّقتم» (^١)،
فالمرادُ الشِّركُ بالقُلوب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ﴾ (^٣).
وسائر الأقوال يُتصوَّر عليها الإكراه، فإذا أكره بغيرِ حقٍّ على قولٍ من الأقوال، لم يترتب عليه حكمٌ مِنَ الأحكام، وكانَ لغوًا، فإنَّ كلامَ المكرَه صدرَ منه وهو غيرُ راضٍ به، فلذلك عُفيَ عنه، ولم يُؤاخَذْ به في أحكام الدُّنيا والآخرة. وبهذا فارق النَّاسي والجاهل، وسواء في ذلك العقود: كالبيع، والنكاح، أو الفسوخ: كالخُلع والطَّلاق والعتاق، وكذلك الأيمان والنُّذور، وهذا قولُ جمهور العلماء، وهو قولُ مالك والشافعي وأحمد.
وفرَّق أبو حنيفة بين ما يقبل الفسخ عندَه، ويثبت فيه الخيارُ كالبيع ونحوه،
فقال: لا يلزمُ مع الإكراه، وما ليس كذلك، كالنِّكاح والطلاق والعتاق والأيمان، فألزم بها مع الإكراه (^٤).
ولو حلف: لا يفعلُ شيئًا، ففعله مكرهًا، فعلى قول أبي حنيفة يَحنَثُ (^٥)، وأمَّا على قول الجمهور، ففيه قولان:
_________________
(١) أخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (١٨)، وابن ماجه (٤٠٣٤) عن أبي الدرداء. وعن عبادة بن الصامت عند المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٩٢٠)، واللالكائي في " أصول الاعتقاد " ٢/ ٨٢٢. وعن معاذ بن جبل عند أحمد ٥/ ٢٣٨، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (١٥٦) وفي " مسند الشاميين "، له (٢٢٠٤) وأسانيدها كلها ضعيفة.
(٢) لقمان: ١٥.
(٣) النحل: ١٠٦.
(٤) انظر: المبسوط ٢٤/ ١٣٥ باب الخيار في الإكراه
(٥) انظر: المبسوط ٢٤/ ١٠٥.
[ ٨٠٨ ]
أحدُهما: لا يحنَثُ، كما لا يَحنَثُ إذا فُعِلَ به ذلك كرهًا، ولم يقدر على الامتناع كما سبق، وهذا قولُ الأكثرين منهم.
والثاني: يَحنَثُ هاهنا؛ لأنَّه فعله باختياره بخلافِ ما إذا حُمِلَ، ولم يُمكنه الامتناعُ، وهو رواية عن أحمد وقول للشافعي، ومن أصحابه - وهو القفَّال - من فرَّق بين اليمين بالطَّلاق والعَتاق وغيرهما كما قلنا نحن في النَّاسي، وخرَّجه بعض أصحابنا وجهًا لنا.
ولو أُكره على أداءِ ماله بغيرِ حقٍّ، فباع عقارَه ليؤدِّي ثمنه، فهل يصِحُّ الشِّراءُ
منه أم لا؟ فيهِ روايتان عن أحمد، وعنه رواية ثالثة: إنْ باعه بثمن المثل، اشتُري منه، وإنْ باعه بدُونه، لم يشتر منه، ومتى رضي المكرَهُ بما أُكْرِهَ عليهِ لحُدوثِ رغبةٍ لهُ فيهِ بعدَ الإكراه، والإكراه قائمٌ، صحَّ ما صدرَ منه من العقود وغيرها بهذا القصد. هذا هو المشهورُ عند أصحابنا، وفيه وجهٌ آخر: أنَّه لا يَصِحُّ أيضًا، وفيه بُعد.
وأما الإكراه بحقٍّ، فهو غيرُ مانعٍ مِنْ لُزوم ما أكره عليه، فلو أُكره الحربيُّ على الإسلام فأسلم، صحَّ إسلامه، وكذا لو أكرهَ الحاكم أحدًا على بيع ماله ليوفي دينه، أو أُكره المؤلي بعد مدَّة
الإيلاء وامتناعه مِنَ الفيئة على الطلاق، ولو حلف لا يُوفِّي دينَه، فأكرهه الحاكمُ على وفائه، فإنَّه يَحنَثُ بذلك؛ لأنَّه فعل ما حلف عليه حقيقةً على وجهٍ لا يُعذَرُ فيه. ذكره أصحابنا بخلاف ما إذا امتنع من الوفاء، فأدَّى عنه الحاكمُ، فإنَّه لا يحنَثُ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه فعلُ المحلوف عليه.
[ ٨٠٩ ]