وأمَّا النِّيَّةُ بالمعنى الذي يذكره الفُقهاءُ، وهو أنَّ تمييزَ العباداتِ من العاداتِ، وتمييز العباداتِ بعضها مِنْ بعضٍ، فإنَّ الإمساكَ عنِ الأكلِ والشُّربِ يقعُ تارةً حميةً، وتارةً لعدمِ القُدرةِ على الأكل (^٣)، وتارةً تركًا للشَّهواتِ للهِ - ﷿ -، فيحتاجُ في الصِّيامِ إلى نيَّةٍ ليتميَّزَ بذلك عَنْ تركِ الطَّعامِ على غير هذا الوجه.
وكذلك العباداتُ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ، منها فرضٌ، ومنها نفلٌ.
والفرضُ يتنوَّعُ أنواعًا، فإنَّ الصَّلواتِ المفروضاتِ خمسُ صلواتِ كلَّ يومٍ وليلةٍ، والصَّومُ الواجبُ تارةً يكونُ صيامَ رمضان، وتارةً (^٤) صيامَ كفارةٍ، أو عن نذرٍ، ولا يتميَّزُ هذا كلُّه إلاَّ بالنِّيَّةِ، وكذلك الصدقةُ، تكونُ نفلًا، وتكونُ فرضًا، والفرضُ منه زكاةٌ، ومنه كفَّارةٌ، ولا يتميَّزُ ذلكَ إلاَّ بالنِّيَّةِ، فيدخلُ ذلك في عمومِ قوله - ﷺ -: «وإنَّما لكل امرئٍ (^٥) ما نَوى».
وفي بعضِ ذلك اختلافٌ مشهورٌ بينَ العُلماءِ، فإنَّ منهم مَنْ لا يُوجِبُ تعيينَ النِّيَّةِ للصَّلاةِ المفروضةِ، بل يكفي عندَه أنْ ينويَ فرضَ الوقتِ، وإنْ لم يستحضِرْ تسميتَه
_________________
(١) في (ص): «مما» بإسقاط: «قد».
(٢) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٢/ ٢٠٧.
(٣) عبارة: «وتارة لعدم القدرة على الأكل» لم ترد في (ص).
(٤) زاد بعدها في (ص): «يكون».
(٥) في (ج): «لامريءٍ».
[ ٥٦ ]
في الحال، وهي روايةٌ عن الإمامِ (^١) أحمدَ (^٢).
ويُبنى على هذا القولِ: أنَّ منْ فاتَته صلاةٌ مِنْ يومٍ وليلةٍ، ونسيَ عينَها، أنّ عليه أنْ يقضي ثلاثَ صلواتٍ: الفجرَ والمغربَ ورُباعيَّةً واحدة (^٣).
وكذلك ذهبَ طائفةٌ مِنَ العُلماءِ إلى أنَّ صيامَ رمضانَ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ تعينية أيضًا، بل تُجزئُ بنيَّة الصيامِ مُطلقًا؛ لأنَّ وقتَه غيرُ قابلٍ لصيامٍ آخر، وهو أيضًا روايةٌ
_________________
(١) لم ترد في (ص).
(٢) قال ابن قدامة الحنبلي في " المغني " ١/ ٥٤٤ - ٥٤٥: «لا نعلم خلافًا بين الأئمة في وجوب النية للصلاة، فإن كانت الصلاة مكتوبة لزمته نية الصلاة بعينها ظهرًا أو عصرًا أو غيرهما فيحتاج إلى نية شيئين: الفعل والتعيين. واختلف أصحابنا في نية الفريضة، فقال بعضهم: لا يحتاج إليها؛ لأنَّ التعيين يغني عنها لكون الظهر مثلًا لا يكون إلا فرضًا من المكلف، وقال ابن حامد: لا بُدَّ من نية الفريضة؛ لأنَّ المعينة قد تكون نفلًا كظهر الصبي والمعادة فيفتقر إلى ثلاثة أشياء الفعل والتعيين والفريضة ويحتمل هذا كلام الخرقي لقوله: ينوي بها المكتوبة. وقال القاضي: ظاهر كلام الخرقي أنَّه لا يفتقر إلى التعيين؛ لأنَّه إذا نوى المفروضة انصرفت النية إلى الحاضرة، والصحيح أنَّه لا بد من التعيين، بدليل: أنَّه لم يغن عن نية المكتوبة وقد يكره عليه صلوات فلا تعيين إحداهن بدون التعيين». انظر: الواضح في شرح مختصر الخرقي ١/ ٢١١ - ٢١٢، والمبدع ١/ ٣٥٨.
(٣) قال ابن قدامة الحنبلي: «أما الفائتة فإنْ عينها بقلبه أنَّها ظهر اليوم لم يحتج إلى نية القضاء ولا الأداء بل لو نواها أداء فبان أنَّ وقتها قد خرج وقعت قضاء من غير نية، ولو ظن أنَّ الوقت قد خرج فنواها قضاءً فبان أنَّها في وقتها أداء من غير نية كالأسير إذا تحرى وصام شهرًا يريد به شهر رمضان فوافقه أو ما بعده أجزأه، وإنْ ظن أنَّ عليه ظهرًا فائتة فقضاها في وقت ظهر اليوم ثم تبين أنَّه لا قضاء عليه فهل يجزئه عن ظهر اليوم؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يجزئه؛ لأنَّ الصلاة معينة، وإنَّما أخطأ في نية الوقت فلم يؤثر كما إذا اعتقد أنَّ الوقت قد خرج فبان أنَّه لم يخرج، أو كما لو نوى ظهر أمس وعليه ظهر يوم قبله. والثاني: لا يجزئه؛ لأنَّه لو لم ينو عين الصلاة فأشبه ما لو نوى قضاء عصر لم يجزه عن الظهر ولو نوى ظهر اليوم في وقتها وعليه فائتة لم يجزه عنها ويتخرج فيها كالتي قبلها. فأما إنْ كانت عليه فوائت فنوى صلاة غير معينة لم يجزه عن واحدة منها لعدم التعيين ولو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها لزمه خمس صلوات ليعلم أنه أدى الفائتة، ولو نسي صلاة لا يدري أظهر هي أم عصر لزمه صلاتان، فإن صلى واحدة ينوي أنها الفائتة لم يجزه لعدم التعيين». انظر: المغني ١/ ٥٤٥.
[ ٥٧ ]
عنِ الإمام (^١) أحمدَ (^٢). وربَّما حُكِي عن بعضِهم أنَّ صيامَ رمضانَ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ بالكُلِّيَّةِ (^٣)؛ لتعيينه بنفسه، فهو كردِّ الودائعِ، وحُكِي عن الأوزاعيِّ أنَّ الزَّكاةَ كذلك (^٤). وتأوَّلَ بعضُهم قولَه على أنَّه أرادَ أنَّها تُجزئُ بنيَّةِ الصَّدقةِ المُطلَقَةِ كالحجِّ. وكذلك قال أبو حنيفة: لو تصدَّق بالنِّصاب كلِّه مِنْ غيرِ نيَّةٍ أجزأه عن زكاته (^٥).
وقد رُوي عنِ النَّبيِّ - ﷺ -: أنَّه سَمع رجُلًا يُلبِّي بالحّجِّ عَنْ رجُلٍ، فقال له: «أحَجَجْت عن نَفسك؟» قالَ: لا، قالَ: «هذه عَنْ نفسِك، ثمَّ حُجَّ عن الرَّجُلِ».
وقد تُكُلِّم في صحَّةِ هذا الحديث، ولكنَّه صحيحٌ عن ابنِ عباسٍ وغيره (^٦).
وأخذ بذلك الشَّافعيُّ (^٧) وأحمدُ (^٨) في المشهور عنه وغيرُهما، في أنَّ حَجَّة الإسلامِ تسقُطُ بنيَّةِ الحجِّ مطلقًا، سواءً نوى التَّطوُّعَ أو غيرَه، ولا يُشتَرطُ للحجِّ تعيينُ النِّيَّةِ، فمنْ حجَّ عن غيرِه، ولم يحجَّ عن نفسِهِ، وقع عنْ نفسه، وكذا لو حجَّ عنْ نذرهِ، أو نفلًا، ولم يكن حجَّ حجَّةَ الإسلام، فإنه ينقلِبُ عنها، وقد ثبتَ عنِ النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه أمرَ أصحابَهُ في حجَّةِ الوداعِ بعدَ ما دخلُوا معه، وطافوا، وسعَوا أنْ يَفسَخُوا
_________________
(١) لم ترد في (ص).
(٢) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ١/ ٢٥٣، والمغني ٣/ ٢٣.
(٣) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ١/ ٢٥٤، والمغني ٣/ ٢٧، والشرح الكبير ٣/ ٢٩ - ٣٠.
(٤) انظر: فقه الإمام الأوزاعي ١/ ٣٥٥، والمغني ٢/ ٥٠٢، وفقه الزكاة ٢/ ٢٨٠.
(٥) انظر: فقه الزكاة ٢/ ٢٨٤.
(٦) أخرجه: ابن أبي شيبة (١٣٣٦٨)، وأبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وأبو يعلى (٢٤٤٠)، وابن الجارود (٤٩٩)، وابن خزيمة (٣٠٣٩)، والطحاوي في " شرح المشكل " (٢٥٤٧) و(٢٥٤٩)، وابن حبان (٣٩٨٨)، والطبراني في " الكبير " (١٢٤١٩) وفي " الصغير "، له (٦٣٠)، والدارقطني ٢/ ٢٦٧ - ٢٧٠، والبيهقي ٤/ ٣٣٦ - ٣٣٧ من طرق عن ابن عباس، به مرفوعًا. وأخرجه: الشافعي في " مسنده " (٩٢٥) و(٩٢٦) بتحقيقي، وابن أبي شيبة (١٣٣٧٠)، والدارقطني ٢/ ٢٧١، والبيهقي ٤/ ٣٣٧ و٥/ ١٧٩ - ١٨٠، والبغوي (١٨٥٦) من طرق عن ابن عباس، به موقوفًا. وللحافظ ابن حجر كلام موسع في صحة هذا الحديث أورده في "التلخيص الحبير" ٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩.
(٧) انظر: الأم ٣/ ٣٠٦، والمجموع ٧/ ٦٧.
(٨) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ١/ ٢٧٣، والمغني ٣/ ١٨٥.
[ ٥٨ ]
حجَّهم، ويجعلوها عمرةً، وكانَ منهم القارنُ والمفرِدُ (^١)،
وإنَّما كانَ طوافُهم عندَ قُدومهم طوافَ القُدومِ وليسَ بفرضٍ، وقد أمرهم أنْ يجعلُوه طوافَ عمرةٍ (^٢) وهو فرضٌ، وقد أخذَ بذلكَ الإمامُ أحمدُ في فسخِ الحجِّ (^٣)، وعملَ به، وهو مشكلٌ على أصلهِ، فإنَّه يُوجِبُ تعيينَ الطَّوافِ الواجب للحجِّ والعمرة بالنيَّةِ، وخالفَهُ في ذلك أكثرُ الفُقهاءِ، كمالكٍ والشَّافعيِّ وأبي حنيفةَ (^٤).
وقد يفرِّقُ الإمامُ أحمدُ بينَ أنْ يكونَ طوافُهُ في إحرامٍ انقلبَ، كالإحرامِ الذي يفسخُه، ويجعلهُ عمرةً، فينقلبُ الطَّوافُ فيه تبعًا لانقلابِ الإحرامِ، كما ينقلبُ الطَّوافُ في الإحرامِ الذي نوى به التَّطوُّعَ إذا كان عليه حَجَّةُ الإسلام، تبعًا لانقلابِ
_________________
(١) روي عن جابر بن عبد الله - ﵃ -، قال: أهَلَّ النَّبيُّ - ﷺ - هو وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هديٌ غير النبيِّ - ﷺ - وطلحة، وقدم عليٌ من اليمن ومعه هديٌ، فقال: أهللت بما أهل به النبيُّ - ﷺ -، فأمر النبيُّ - ﷺ - أصحابه أنْ يجعلوها عمرة ويطوفوا، ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر فبلغ النبي - ﷺ - فقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أنَّ معي الهدي لأحللت …». أخرجه: الحميدي (١٢٩٣)، وأحمد ٣/ ٣٠٢ و٣٠٥ و٣١٧ و٣٦٢ و٣٦٦، والبخاري ٢/ ١٧٦ (١٥٦٨) و٢/ ١٩٥ (١٦٥١) و٣/ ٤ (١٧٨٥) و٣/ ١٨٥ (٢٥٠٥) و(٢٥٠٦) و٩/ ١٠٣ (٧٢٣٠) و٩/ ١٣٧ (٧٣٦٧)، ومسلم ٤/ ٣٦ (١٢١٦) (١٤١) و٤/ ٣٧ (١٢١٦) (١٤٢) و(١٤٣) و٤/ ٣٨ (١٢١٦) (١٤٤)، وأبو داود (١٧٨٧) و(١٧٨٨) و(١٧٨٩)، والنسائي ٥/ ١٧٨ و٢٠٢ و٢٤٨ وفي " الكبرى "، له (٣٧٨٧) و(٣٨٥٥) و(٣٩٨٥) و(٤١٧١)، وابن خزيمة (٩٥٧) و(٢٧٨٥) و(٢٧٨٦) من طرق عن جابر، به. وروي أيضًا عن ابن عباس - ﵃ - قال: كانوا يرون أنَّ العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون: إذا برا الدبر وعفا الأثر، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر، قدم النبي - ﷺ - وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله أي الحِل؟ قال: «حلٌ كله». = = … أخرجه: أحمد ١/ ٢٥٢ و٣٧٠، والبخاري ٢/ ٥٤ (١٠٨٥) و٢/ ١٧٥ (١٥٦٤) و٣/ ١٨٥ (٢٥٠٥) و(٢٥٠٦) و٥/ ٥١ (٣٨٣٢)، ومسلم ٤/ ٥٦ (١٢٤٠) (١٩٨) و(١٩٩) و٤/ ٥٧ (١٢٤٠) (٢٠١)، والنسائي ٥/ ١٨٠ و٢٠١ وفي " الكبرى "، له (٣٧٩٥) و(٣٨٥٣) و(٣٨٥٤) من طرق عن ابن عباس، به.
(٢) من قوله: «وكان منهم القارن والمفرد …» إلى هنا لم يرد في (ص).
(٣) عبارة: «في فسخ الحج» لم يرد في (ص).
(٤) انظر: المدونة الكبرى ٢/ ٤٦٧، والمغني ٣/ ٢٠٢، والمجموع ٧/ ٩٢ - ٩٣، والمبسوط ٤/ ٢٥، وإرشاد الساري: ٢٨٤.
[ ٥٩ ]
إحرامِهِ مِنْ أصلهِ، ووقوعِه عن فَرضِه، بخلاف ما إذا طافَ للزيارةِ بنيَّةِ الوَداعِ، أو التَّطوُّعِ (^١)، فإنّ هذا لا يُجزئه لأنّه (^٢) لم ينوِ به الفَرضَ، ولم ينقلبْ فرضًا تبعًا لانقلابِ إحرامهِ، والله أعلمُ (^٣).
وممَّا يدخُلُ في هذا الباب: أنَّ رجلًا في عهد النبيِّ - ﷺ - كانَ قد وضعَ صدقتَه عندَ رجُلٍ، فجاءَ ابنُ صاحبِ الصدقةِ، فأخذها ممَّن هي عنده، فعلم بذلكَ أبوهُ، فخاصمه إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فقال: ما إيَّاكَ أردتُ، فقال النَّبيُّ - ﷺ - للمتصدِّقِ: «لكَ ما نويتَ»، وقال للآخِذِ: «لَك ما أخذْتَ» خرَّجه (^٤) البخاري (^٥).
وقد أخذَ الإمامُ (^٦) أحمدُ بهذا الحديثِ، وعملَ به في المنصوصِ عنه، وإنْ كان أكثرُ أصحابِهِ على خلافِه، فإنَّ الرَّجُلَ إنَّما يُمنعُ من دفعِ الصَّدقةِ إلى ولده خشيةَ أن يكونَ محاباةً، فإذا وصلتْ إلى ولده من حيثُ لا يشعر، فالمحاباةُ منتفيَةٌ، وهو مِنْ (^٧) أهلِ استحقاقِ الصَّدقةِ في نفسِ الأمرِ (^٨)، ولهذا لو دفعَ صدقَته إلى مَنْ يظنُّه فقيرًا، وكان غنيًّا في نفسِ الأمرِ، أجزأتهُ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه إنَّما دفَعَ إلى مَنْ يعتقدُ استحقاقَه، والفقرُ أمرٌ خفيٌّ، لا يكادُ يُطَّلعُ على حقيقته (^٩).
وأمَّا الطَّهارةُ، فالخلافُ في اشتراط النِّيَّة لها مشهورٌ، وهو يرجعُ إلى أنَّ الطَّهارةَ للصَّلاةِ هل هي عبادةٌ مستقلةٌ، أم هي شرطٌ من شروطِ الصَّلاةِ، كإزالةِ النَّجاسةِ،
_________________
(١) «أو التطوع» لم ترد في (ص).
(٢) سقطت من (ص).
(٣) انظر: المغنى ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٤) في (ص): «رواه».
(٥) في صحيحه ٢/ ١٣٨ (١٤٢٢). وأخرجه: أحمد ٣/ ٤٧٠ و٤/ ٢٥٩، وحميد بن زنجويه في " الأموال " (٢٢٩٦)، والدارمي (١٦٤٥)، والطحاوي في " شرح المشكل " (٤٥٣٣)، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (١٠٧٠)، والبيهقي ٧/ ٣٤ من حديث معن بن يزيد السلمي، به.
(٦) لم ترد في (ص).
(٧) سقطت من (ص).
(٨) انظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل برواية ابنه عبد الله (٥٥١)، والمسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ١/ ٢٤٦، ونيل المأرب ٢/ ٤٠٨.
(٩) انظر: رؤوس المسائل في الخلاف على مذهب أحمد بن حنبل ١/ ٣١٢.
[ ٦٠ ]
وسَترِ العورةِ؟ فمن لم يشترط لها النِّيَّةَ، جعلها كسائرِ شُروطِ الصَّلاةِ، ومَنِ اشترطَ لها النِّيَّةَ، جعلها عبادةً مُستقلَّةً، فإذا كانت عبادةً في نفسها، لم تصحَّ بدونِ نيّةٍ، وهذا قولُ جمهور العلماءِ (^١)، ويدلُّ على صحَّةِ ذلك تكاثرُ النُّصوصِ الصَّحيحةِ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -: بأنَّ الوُضوءَ يكفِّر الذُّنوبَ والخطايا، وأنَّ (^٢) مَنْ توضَّأ كما أُمِرَ، كان كفَّارةً لذُنوبه (^٣).
وهذا يدلُّ على أنَّ الوُضوءَ المأمورَ به في القرآنِ عبادةٌ مستقلَّةٌ (^٤) بنفسها، حيث رتَّب عليه تكفيرَ الذنوبِ، والوضوءُ الخالي عن النِّيَّةِ لا يُكفِّرُ شيئًا من الذُّنوبِ بالاتِّفاقِ (^٥)، فلا يكونُ مأمورًا به، ولا تصحُّ به الصَّلاةُ، ولهذا لم يَرِد في شيءٍ من
_________________
(١) الفقهاء في هذه المسألة على مذهبين: المذهب الأول: النية سنة في الوضوء، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه. المذهب الثاني: النية فرض، وبذلك قال جمهور العلماء، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والظاهرية والزيدية والإمامية، وهو الصواب. انظر: الحاوي الكبير ١/ ٨٧، واللباب في شرح الكتاب ١/ ١٠، والمغني ١/ ١٢٢ - ١٢٣، والمجموع ١/ ١٧٠، وإعلام الموقعين ٢/ ٢١٦، ومنتهى الإرادات ١/ ١٨، والسيل الجرار ١/ ٧٥ و٨٠، ومفتاح الكرامة ١/ ٢٠٣، ومسائل من الفقه المقارن ١/ ٦٦.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) من ذلك ما جاء عن النبي - ﷺ -: أن عثمان بن عفان دعا بإناءٍ فأفرغ على كفيه ثلاث مِرارٍ، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرارٍ ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرارٍ إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يُحدّثُ فيهما نفسه غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه». أخرجه: مالك في " الموطأ " (٦٥) برواية يحيى الليثي، وعبد الرزاق (١٤١)، والحميدي (٣٥)، وأحمد ١/ ٥٧ و٥٩ و٦٠ و٦١ و٦٤ و٦٧ و٦٨ و٧١، والدارمي (٦٩٩)، والبخاري ١/ ٥١ (١٥٩) و١/ ٥٢ (١٦٤) و٣/ ٤٠ (١٩٣٤)، و٨/ ١١٤ (٦٤٣٣)، ومسلم ١/ ١٤١ (٢٢٦) (٣) و١/ ١٤٢ (٢٢٨) (٧) و١/ ١٤٣ (٢٣١) (١٠) و١/ ١٤٩ (٢٤٥) (٣٣)، وأبو داود (١٠٦) (١٠٧) و(١٠٩)، وابن ماجه (٢٨٥) و(٤٥٩)، وعبد الله بن أحمد في " زياداته " ١/ ٧٤، والنسائي ١/ ٦٤ و٦٥ و٨٠ و٩١ و١١١ وفي " الكبرى "، له (٩١) و(١٠٣) و(١٧١) و(١٧٢) و(٨٤٠)، وابن خزيمة (٢) و(٣) و(١٥٨)، وابن حبان (١٠٤١)، والبيهقي ١/ ٢٢٥، والبغوي (١٥٢) و(١٥٣) من حديث عثمان بن عفان، به.
(٤) سقطت من (ص).
(٥) انظر: الأم ٢/ ٦٢ - ٦٣، والواضح في شرح مختصر الخرقي ١/ ٣٩.
[ ٦١ ]
بقيَّةِ شرائطِ الصلاةِ، كإزالةِ النَّجاسةِ، وسترِ العورةِ ما ورد في الوُضوءِ مِنَ الثَّوابِ (^١)، ولو شَرَكَ بينَ نيَّةِ الوُضوءِ، وبينَ قصدِ التَّبرُّد، أو إزالةِ النَّجاسةِ، أو الوسخِ، أجزأه في المنصوصِ عن الشَّافعيِّ (^٢)، وهذا (^٣) قولُ أكثرِ أصحابِ أحمدَ (^٤)؛ لأنَّ هذا القصدَ (^٥) ليسَ بمحرَّمٍ، ولا مَكروهٍ، ولهذا لو قصدَ مع رفعِ الحدثِ تعليمَ الوضوءِ، لم يضرَّهُ ذلك. وقد كان النبيُّ - ﷺ - يقصِدُ أحيانًا (^٦) بالصلاةِ تعليمَها للنَّاس، وكذلك الحجُّ، كما قال: «خذوا عنِّي مناسِكَكُم (^٧)».
وممَّا تدخُلُ النيةُ فيه مِنْ أبوابِ العلمِ: مسائلُ الأيمان.
فلغوُ اليمينِ لا كفَّارةَ فيه، وهو ماجرى على اللِّسان من غيرِ قصدٍ بالقلبِ إليه، كقوله: لا والله، وبلى والله في أثناءِ الكلامِ (^٨)، قال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (^٩).
_________________
(١) انظر: الواضح في شرح مختصر الخرقي ١/ ٣٩، ونيل المآرب ١/ ٥٠.
(٢) انظر: الحاوي الكبير ١/ ٩٦، والوسيط ١/ ٧٨، والمجموع ١/ ١٧٧.
(٣) سقطت من (ص).
(٤) انظر: المغني ١/ ١٢٣.
(٥) في (ص): «الفعل».
(٦) سقطت من (ص).
(٧) أخرجه: أحمد ٣/ ٣٠١ و٣١٨ و٣٣٢ و٣٣٧ و٣٦٧ و٣٧٨، والدارمي (١٨٩٩)، ومسلم ٤/ ٧٩ (١٢٩٧) (٣١٠)، وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي ٥/ ٢٧٠ وفي " الكبرى "، له (٤٠٦٨)، وابن خزيمة (٢٨٧٧)، والبيهقي ٥/ ١١٦ و١٣٠، والبغوي (١٩٤٦) من حديث جابر بن عبد الله، به.
(٨) انظر: الأم ٨/ ٥٤ - ٥٥، واللباب في شرح الكتاب ٤/ ٤، وبداية المجتهد ١/ ٥٠٠ - ٥٠١. وقد وردت أحاديث في اللغو في اليمين، روي عن إبراهيم الصائغ قال: سألت عطاء عن اللغو في اليمين، فقال: قالت عائشة: أن رسول الله - ﷺ - قال: «هو كلام الرجل في بيته، كلا والله وبلى والله». أخرجه: عبد الرزاق (١٥٩٥١)، وأبو داود (٣٢٥٤)، والطبري في " تفسيره " (٣٥٠١)، وابن أبي حاتم في " تفسيره " (٢١٥٥)، وابن حبان (٤٣٣٣)، والبيهقي ١٠/ ٤٩. وروى موقوفًا عن عائشة ﵂ أنها قالت: لغو اليمين قول الإنسانِ: لا والله وبلى والله. أخرجه: مالك في " الموطأ " (١٣٦٦) برواية الليثي، والشافعي في " مسنده " (١٧٢٣) و(١٧٢٤) بتحقيقي، وعبد الرزاق (١٥٩٥٢) وفي " التفسير "، له (٢٦٨)، والبخاري ٨/ ١٦٨ (٦٦٦٣)، والنسائي في " الكبرى " (١١١٤٩)، وابن الجارود (٩٢٥)، والطبري في " تفسيره " (٣٥٠٠) و(٣٥٠٧)، وابن أبي حاتم في " تفسيره " (٢١٥٢) و(٦٧٠١) و(٦٧٠٢)، والبيهقي ١٠/ ٤٨ و٤٩.
(٩) البقرة: ٢٢٥.
[ ٦٢ ]
وكذلك يُرجَعُ في الأيمان إلى نيَّةِ الحالِف وما قصدَ بيمينه، فإنْ حَلَفَ بطلاقٍ، أو عَتاقٍ، ثم ادَّعى أنَّه نوى ما يُخالِفُ ظاهرَ لفظه، فإنَّه يُدَيَّنُ فيما بينه وبينَ الله - ﷿ - (^١).
وهل يُقبل منه في ظاهرِ الحُكم؟ فيهِ قولانِ للعُلماءِ (^٢) مشهوران، وهما روايتانِ عَنْ أحمَدَ (^٣)، وقد رُوي عَنْ عمرَ أنّه رُفعَ إليه رجلٌ قالتْ لهُ امرأته: شبِّهني، قالَ: كأنَّكِ ظبيةٌ، كأنَّك حمامةٌ، فقالت (^٤): لا أرضى حتّى تقولَ: أنت خلِيَّةٌ (^٥) طالِقٌ، فقالَ ذَلِكَ، فقالَ عمر: خذ بيدها فهي امرأتُك. خرَّجه أبو عبيد (^٦)، وقال: أراد النَّاقَةَ تكون معقولةً، ثُمَّ تُطْلَقُ من عِقالها ويُخلَّى عنها، فهي خَليَّةٌ مِنَ العِقالِ، وهي طالقٌ؛ لأنَّها قد طَلَقَت منه، فأراد الرَّجُلُ ذلك، فأسقطَ عنه عمرُ الطَّلاق لنيَّته. قال: وهذا أصلٌ لكلِّ (^٧) مَنْ تكلَّم بشيءٍ يُشبه لفظَ الطَّلاق (^٨) والعَتاق، وهو ينوي غيرَه
_________________
(١) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ٢/ ١٤٣ - ١٤٧، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٥/ ١٥٠، والهداية ٢/ ١٣٠ بتحقيقي.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) قال القاضي أبو يعلى: «إذا أتى بصريح الطلاق ونوى به شيئًا يخالف الظاهر هل يصدق في الحكم أم لا؟ على روايتين: إحداهما: يصدق لأنه لا خلاف أنَّه لو قال لمدخول بها: أنت طالق طالق، وقال أردت بالثانية إفهامها إنْ قد وقع بها طلقة قبل منه ذلك، كذلك هاهنا؛ ولأنَّها يمين يصدق فيها في الباطن فصدق فيها في الظاهر. والرواية الثانية: لا يصدق في الحكم لأنَّ ما قاله خِلاف الظاهر فلم يصدق في حقها كما لو أقر بألف درهم، ثم رجع وقال: كذبت في إقراري وليس له قبلي شيء فإنَّه يحتمل ما قال، ولكن لا يصدق في الحكم لأنه خِلاف الظاهر، كذلك هاهنا، وقد نص على هذه الرواية في مواضع». انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ٢/ ١٤٧ - ١٤٨.
(٤) زاد بعدها في (ص): «له».
(٥) زاد بعدها في (ص): «أنت».
(٦) في غريب الحديث ٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠. وأخرجه: سعيد بن منصور في " سننه " (١١٩٢) و(١١٩٣).
(٧) سقطت من (ص).
(٨) في (ص): «من تكلم بشبهة الطلاق».
[ ٦٣ ]
أنَّ القولَ فيه قولُه فيما بينَه وبينَ الله، في الحُكمِ على تأويلِ مذهب (^١) عمر - ﵁ -.
ويُروى عن سُمَيطٍ السَّدوسيِّ، قال: خطبتُ امرأةً، فقالوا: لا نزوِّجُكَ حتى تُطلِّق امرأتَك، فقلت: إنِّي قد طلَّقتُها ثلاثًا، فزوَّجوني، ثم نظروا، فإذا امرأتي عندي، فقالوا: أليسَ قد طلَّقتها ثلاثًا؟ فقلتُ: كانَ عندي فلانةٌ فطلَّقتُها، وفلانةٌ فطلَّقتُها، وفلانة فطلقتها (^٢)، فأما هذه، فلم أطلِّقْها، فأتيتُ شقيقَ بن ثورٍ وهو يريدُ الخروجَ إلى عثمانَ وافدًا، فقلتُ لهُ: سل أميرَ المؤمنين عَنْ هذه، فخرج فسأله، فقالَ: نيَّتُه. خرَّجه أبو عبيد في " كتاب الطلاق "، وحكى إجماعَ العُلماءِ على مِثلِ (^٣) ذلكَ.
وقال إسحاقُ بنُ منصورٍ: قلتُ لأحمدَ: حديثُ السُّمَيطِ تَعرفُهُ (^٤)؟ قال: نعم، السَّدوسيّ، إنّما جعلَ نيَّته بذلك، فذكر ذلك شقيق لعثمان، فجعلها نيته (^٥).
فإن كانَ الحالِفُ ظالمًا، ونوى خِلافَ ما حلَّفه عليه غريمُه، لم تنفَعْه نيَّتُه، وفي " صحيح مسلم " (^٦) عن أبي هُريرة، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «يمينُكَ على ما يُصدِّقُك عليه صاحبُك». وفي رواية له (^٧): «اليمينُ على نيةِ المُستحْلِفِ (^٨)»، وهذا محمولٌ على
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) عبارة: «وفلانة فطلقها» سقطت من (ج).
(٣) سقطت من (ص).
(٤) سقطت من (ص).
(٥) عبارة: «فذكر ذلك شقيق لعثمان، فجعلها نيته» سقطت من (ص).
(٦) ٥/ ٨٧ (١٦٥٣) (٢٠). وأخرجه: أحمد ٢/ ٢٢٨ و٣٣١، والدارمي (٢٣٥٤)، وأبو داود (٣٢٥٥)، وابن ماجه (٢١٢١)، والترمذي (١٣٥٤)، والعقيلي في " الضعفاء " ٢/ ٢٥١، والدارقطني ٤/ ١٥٧ و١٥٨، والحاكم ٤/ ٣٠٣، وأبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٢٢٥ و١٠/ ١٢٧، والبيهقي ١٠/ ٦٥، والبغوي (٢٥١٤).
(٧) سقطت من (ص).
(٨) ٥/ ٨٧ (١٦٥٣) (٢١). وأخرجه: ابن ماجه (٢١٢٠)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٢٥٩) والبيهقي ١٠/ ٦٥، والبغوي (٢٥١٥).
[ ٦٤ ]
الظَّالم، فأمَّا المظلومُ، فينفعهُ ذلك. وقد خرَّج الإمام أحمدُ، وابنُ ماجه مِنْ حديثِ سُويدِ بنِ حنظلةَ، قال: خرجنا نُريدُ رسول الله - ﷺ -، ومعنا وائلُ بنُ حُجْرٍ، فأخذه عدوٌّ له، فتحرَّجَ الناسُ أنْ يحلِفوا، فحلفتُ أنا إنّه أخي، فخلى سبيلَه، فأتينا النَّبيَّ - ﷺ -، فأخبرتُهُ أنَّ القومَ تحرَّجُوا أنْ يحلفوا، وحلفتُ أنا (^١) إنَّه أخي، فقال: «صدقتَ، المسلمُ أخو المسلم (^٢)».
وكذلك تدخلُ النيَّةُ في الطَّلاق والعتاقِ، فإذا أتى بلفظٍ مِنْ ألفاظ الكناياتِ المحتملَةِ للطَّلاقِ أو العتاقِ، فلا بُدَّ له من النيَّةِ (^٣).
وهل يقومُ مقامَ النِّيَّةِ دَلالةُ الحالِ مِنْ غضبٍ أو سُؤالِ الطَّلاقِ ونحوِه أم لا؟ فيه خلافٌ مشهورٌ بينَ العلماءِ (^٤)، وهل يقعُ بذلك الطَّلاق في الباطن كما لو نواهُ، أم يلزمُ به في ظاهر الحُكم فقط؟ فيه خلافٌ مشهورٌ أيضًا (^٥)، ولو أوقعَ الطَّلاقَ بكنايةٍ
_________________
(١) سقطت من (ص).
(٢) أخرجه: أحمد ٤/ ٧٩، وأبو داود (٣٢٥٦)، وابن ماجه (٢١١٩)، والطحاوي في " شرح المشكل " (١٨٧٤)، والطبراني في " الكبير " (٦٤٦٤) و(٦٤٦٥)، والحاكم ٤/ ٢٩٩، والبيهقي ١٠/ ٦٥ وإسناده ضعيف لجهالة جد إبراهيم بن عبد الأعلى.
(٣) قال ابن قدامة في " المغني " ٨/ ٢٨٥: «فأما غير الصريح فلا يقع الطلاق به إلا بنية أو دلالة حال». ونقل الأثرم إذا قال: «الحقي بأهلك وقال: لم أنو به طلاقًا ليس بشيء ظاهر هذا اعتبار النية» المسائل الفقهية ٢/ ١٤٣. وانظر: رؤوس المسائل في الخلاف على مذهب أحمد بن حنبل ٢/ ٨٠٤، والمجموع ١٨/ ١٧٢، ومنتهى الإرادات ٢/ ٢٦٠، ونيل المآرب ٤/ ٤٣٩.
(٤) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في " رؤوس المسائل في الخلاف " ٢/ ٨٠٤: «إذا انضم إلى الكنايات دلالة حال لم يحتج إلى نية، وقال الشافعي: يحتاج إلى نية وإلا لم يقع، وعن أحمد نحوه دليلنا: أنَّ دلالة الحال تؤثر في الكلام والأفعال، أما الكلام فإنَّ اللفظة الواحدة تستعمل في المدح والذم، وليس ذلك إلا لدلالة الحال». وقال أيضًا في ٢/ ٨٠٥: «ولا فرق بين أنْ يكون دلالة الحال سؤالًا أو غضبًا، وقال أبو حنيفة كمذهبنا في السؤال وفي الغضب يحتاج إلى نية إلا في ثلاث ألفاظ: اختاري، واعتدي، وأمرك بيدك، دليلنا: أنَّ هذه كناية فوقع بها الطلاق في حال الغضب بغير نية كالألفاظ الثلاث». انظر: المسائل الفقهية ٢/ ١٤٣ - ١٤٤، والمغني ٨/ ٢٦٩ - ٢٧٠، ومنتهى الإرادات ٢/ ٢٦٠، ونيل المآرب ٤/ ٤٣٩.
(٥) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في " رؤوس المسائل في الخلاف " ٢/ ٨٠٦: «إذا نوى بالكنايات الخفية عددًا من الطلاق ثبت قل أو كثر، وبه قال أكثرهم، وقال أبو حنيفة: لاثبت بها إلاّ واحدة بائن، أو ثلاث، فأما طلقتان فَلا، دليلنا: إنّ من ملك إيقاع طلقة بكناية ملك إيقاع طلقتين بكناية كالعبد».
[ ٦٥ ]
ظاهرةٍ، كالبَتَّةِ ونحوها، فهل يقعُ به الثلاثُ أو واحدةٌ؟ فيه قولان مشهوران، وظاهرُ مذهبِ أحمدَ أنَّه يقعُ به الثَّلاثُ مع إطلاقِ النِّيَّةِ، فإن نوى به ما دُونَ الثَّلاثِ، وقعَ به ما نواه، وحُكِي عنه رواية أنَّه يلزمه الثَّلاثُ أيضًا (^١).
ولو رأى امرأةً، فظنَّها امرأتهُ، فطلَّقها، ثم بانت (^٢) أجنبيَّة، طلقت امرأتُهُ؛ لأنَّه إنّما قصدَ طلاقَ امرأتِهِ. نصَّ على ذلك أحمدُ (^٣)، وحُكِي عنه رواية أخرى: أنَّها لا تطلق (^٤)، وهو قول الشَّافعيّ (^٥)، ولو كان العكس، بأنْ رأى امرأةً ظنَّها أجنبيّةً، فطلَّقها، فبانت امرأتُه، فهل تطلُق؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد (^٦)، والمشهور مِنْ مذهب الشَّافعيِّ وغيره أنَّها تطلق (^٧).
ولو كان له امرأتان، فنهى إحداهما عَنِ الخُروج، ثم رأى امرأةً قد خرجَتْ، فظنَّها المنهيَّةَ (^٨)، فقال لها: فلانةُ خرجْتِ (^٩)، أنت طالقٌ، فقد اختلفَ العُلماء
_________________
(١) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في " رؤوس المسائل في الخلاف " ٢/ ٨٠٤ - ٨٠٥: «الكنايات الظاهرة لا يقع بها الطلاق إذا لم ينضم إليها دلالة حال أو نية، وبه قال أكثرهم، وقال مالك: يقع الطلاق، ومن أصحابه من يسمي ذلك صريحًا. دليلنا: أنه لفظ لم يرد به القُرآن للفرقة بين الزوجين، فلم يكن صريحًا كالكنايات الخفية. والكنايات الظاهرة إذا نوى بها الطلاق كانت ثلاثًا، فأمّا الخفية فيرجع في العدد إلى ما نواه، وقال أبو حنيفة: جميع الكنايات يقع بها واحدة بائن إلا قوله: اعتدي واستبرئي رحمك وأنت واحدة فإنها رجعية، وقال مالك: الكنايات الظاهرة يقع بها ثلاثًا في حق المدخول بها، وواحدة في حق غير المدخول بها، وقال الشافعي: جميع ذلك يقع به واحدة رجعية إلاّ أن ينوي الثلاث فيكون ثلاثًا». وانظر: المغني ٨/ ٢٧٢ - ٢٧٣، ونيل المآرب ٤/ ٤٣٩.
(٢) في (ص): «فبانت».
(٣) انظر: المغني ٨/ ٢٨٤.
(٤) انظر: المغني ٨/ ٢٨٤ - ٢٨٥.
(٥) انظر: الحاوي الكبير ١٠/ ٢٩٥.
(٦) انظر المغني ٨/ ٢٨٤ - ٢٨٥.
(٧) ينظر في هذه المسألة: الحاوي الكبير ١٠/ ٢٩٥.
(٨) عبارة: «فظنها المنهية» سقطت من (ص).
(٩) عبارة: «فلانة خرجت» سقطت من (ص).
[ ٦٦ ]
فيها، فقالَ الحسن: تطلُقُ المنهيَّةُ؛ لأنَّها هي التي نواها (^١).
وقال إبراهيمُ: تطلقان (^٢)، وقال عطاءٌ: لا تطلُق واحدةٌ منهما، ومذهبُ أحمد: أنَّه تطلُقُ المنهيَّةُ روايةً (^٣) واحدةً؛ لأنَّه نوى طلاقَها. وهل تطلق المواجهة على روايتين عنه، واختلف الأصحاب على القولِ بأنّها (^٤) تطلُق: هل تطلق في الحُكم فقط، أم في الباطن أيضًا؟ على طريقتين لهم.
وقد استدلَّ بقولِهِ - ﷺ -: «الأعمال بالنيَّاتِ، وإنَّما لامرئٍ ما نوى» على أنَّ العُقودَ التي يُقصَدُ بها في الباطنِ التَّوصُّلُ إلى ما هو محرَّمٌ غيرُ صحيحةٍ، كعقودِ البُيوعِ التي يُقصدُ بها معنى الرِّبا ونحوها، كما هو مذهبُ مالكٍ وأحمدَ وغيرهما، فإنَّ هذا العقدَ إنَّما نوي به الرِّبا، لا البيعَ (^٥)، «وإنَّما لامرئٍ ما نوى».
ومسائلُ النِّيَّةِ المتعلِّقَةُ بالفقه كثيرةٌ جدًا، وفيما ذكرناه كفايةٌ.
وقد تقدَّم عنِ الشَّافعيِّ أنَّه قال في هذا الحديث: إنَّه يدخلُ في سبعينَ بابًا من الفقهِ، والله أعلمُ (^٦).
والنِّيَّةُ: هي قصدُ القلبِ (^٧)، ولا يجبُ التَّلفُّظ بما في القَلب في شيءٍ مِنَ العِباداتِ، وخرَّج بعضُ أصحابِ الشَّافعيِّ له قولًا باشتراطِ التَّلفُّظ بالنِّيَّة للصَّلاة، وغلَّطه المحقِّقونَ منهم، واختلفَ المتأخِّرون من الفُقهاء في التَّلفُّظ بالنِّيَّة في الصَّلاة وغيرها، فمنهم مَنِ استحبَّه، ومنهم مَنْ كرهه (^٨).
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزاق (١١٣٠٣)، وسعيد بن منصور في " سننه " (١١٧٦).
(٢) أخرجه: عبد الرزاق (١١٣٠٣)، وسعيد بن منصور في " سننه " (١١٧٧).
(٣) سقطت من (ص)
(٤) زاد بعدها في (ص): «لا».
(٥) انظر: الإشراف على نكت مسائل الخِلاف ٢/ ٥٢٧.
(٦) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٦/ ٥٣٤، والمجموع ١/ ١٦٩، وفتح الباري ١/ ١٤.
(٧) انظر: كتاب العين: ٩٩٦، والصحاح ٦/ ٢٥١٦، ولسان العرب ١٤/ ٣٤٣.
(٨) قال أبو الحسن الماوردي الشافعي: «محل النية وهو القلب، ولذلك سميت به لانَّها تفعل بأنأى عضو في الجسد، وهو القلب، وإذا كان ذلك كذلك فله ثلاثة أحوال: أحدها: أنْ ينوي بقلبه، ويلفظ بلسانه فهذا يجزئه، وهو أكمل أحواله. والحال الثانية: أنْ يلفظ بلسانه ولا ينوي بقلبه فهذا لا يجزئه. والحال الثالثة: أنْ ينوي بقلبه ولا يتلفظ بلسانه فمذهب الشافعي يجزئه، وقال أبو عبد الله الزبيدي - من أصحابنا - لا يجزئه حتى يتلفظ بلسانه تعلقًا بأنَّ الشافعيَّ قال في كتاب " المناسك " ولا يلزمه إذا أحرم بقلبه أنْ يذكره بلسانه وليس كالصلاة التي لا تصح إلاّ بالنطق فتأول ذلك على وجوب النطق في النية، وهذا فاسد، وإنَّما إراد وجوب النطق بالتكبير ثم مما يوضح فساد هذا القول حجاجًا: أنَّ النية من أعمال القلب فلم تفتقر إلى غيره من الجوارح كما أنَّ القراءة لما كانت من أعمال اللسان لم تفتقر إلى غيره من الجوارح». الحاوي الكبير ٢/ ٩١ - ٩٢.
[ ٦٧ ]
ولا يُعلمُ في هذه المسائل نقلٌ خاصٌّ عنِ السَّلفِ، ولا عن الأئمَّةِ إلاَّ في الحَجِّ وحدَهُ، فإنَّ مُجاهدًا قال: إذا أراد الحجَّ، يُسمِّي ما يُهلُّ به، ورُوي عنه أنَّه قال: يسمِّيه في التَّلبيةِ، وهذا ليس مِمَّا نحنُ فيه، فإنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يذكرُ نُسُكَه في تلبيته، فيقول: «لَبَّيكَ عُمْرةً وحَجًّا» (^١)، وإنَّما كلامُنا أنّه يقولُ عندَ إرادةِ عقدِ الإحرامِ: اللَّهُمَّ إنِّي أُريدُ الحجَّ أو العمرةَ، كما استَحَبَّ ذلك كثيرٌ من الفُقهاءِ (^٢)، وكلامُ مجاهدٍ ليس صريحًا في ذلك. وقال أكثر السَّلفِ، منهم عطاءٌ وطاووسٌ والقاسمُ بنُ محمدٍ والنَّخعيُّ: تجزئه النِّيَّةُ عندَ الإهلالِ، وصحَّ عَنِ ابنِ عمرَ أنَّه سمعَ رجُلًا عندَ إحرامِهِ يقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أريدُ الحجَّ أو العمرةَ، فقال له: أتعلمُ النَّاس؟ أو ليسَ الله يعلمُ ما في نَفسكَ؟ (^٣)
_________________
(١) أخرجه: الحميدي (١٢١٥)، وأحمد ٣/ ١١١ و١٨٢ و٢٨٢، والدارمي (١٩٣)، ومسلم ٤/ ٥٢ (١٢٣٢) (١٨٥) و(١٨٦) و٤/ ٥٩ (١٢٥١) (٢١٤) و(٢١٥)، وأبو داود (١٧٩٥)، وابن ماجه (٢٩٦٩)، والنسائي ٥/ ١٥٠ وفي " الكبرى "، له (٣٧٠٩) و(٣٧١١)، وأبو يعلى (٤١٥٤) و(٤١٥٥)، وابن الجارود (٤٣٠)، وابن خزيمة (٢٦١٨) و(٢٦١٩)، والطحاوي في " شرح المعاني " ٢/ ١٥٢ و١٥٣ وفي " شرح المشكل "، له (٢٤٤١) و(٢٤٤٢)، والدارقطني ٢/ ٢٨٨، والحاكم ١/ ٤٧٢، والبيهقي ٥/ ٩ و٤٠، والبغوي (١٨٨١) و(١٨٨٢) من حديث أنس بن مالك.
(٢) انظر: الأم ٣/ ٣١٢، واللُّباب في شرح الكتاب ١/ ١٨١، وبداية المجتهد ١/ ٤١٢، وإرشاد الساري: ١١٣، والمغني ٣/ ٢٤٦، ومنتهى الإرادات ١/ ٢٤٣، والهداية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ١/ ٢١٧ بتحقيقنا. واختلف الفقهاء: هل تجزيء النية فيه من غير التلبية؟ فقال مالك والشافعي: تجزيء النية من غير التلبية، وقال أبو حنيفة: التلبية في الحج كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة. انظر: بداية المجتهد ١/ ٤١٢ - ٤١٣.
(٣) أخرجه: البيهقي ٥/ ٤٠.
[ ٦٨ ]
ونصَّ مالكٌ على مِثلِ هذا، وأنَّه لا يستحبُّ لهُ أنْ يُسمِّيَ ما أحرمَ به. حكاه صاحب كتاب " تهذيب المدونة " مِنْ أصحابه (^١)، وقال أبو داود: قلتُ لأحمدَ: أتقولُ قبلَ التَّكبير -يعني: في الصَّلاة- شيئًا؟ قال: لا، وهذا قد يدخُلُ فيه أنّه لا يتلَّفظُ بالنِّيَّةِ، والله أعلم (^٢).
_________________
(١) التهذيب في اختصار المدونة ١/ ٤٩٣ لأبي سعيد البراذعي خلف بن أبي القاسم القيرواني، وقال القَرافي المالِكي في " الذخيرة " ٣/ ١٤٨: «قال ابن القاسم: قال لي مالك: النية تكفي في الإحرام ولا يُسمي. قال سند: الإحرام ينعقد بتجرد النية، وكره مالك التسمية، واستحبها ابن حنبل». انظر: المدونة الكبرى ٢/ ٤٦٧، والإشراف على نكت مسائل الخلاف ١/ ٤٧١.
(٢) في " مسائل الإمام أحمد لأبي داود ": ٣٠. وانظر: المغني ١/ ٥٤٤ - ٤٤٥، والواضح في شرح مختصر الخرقي ١/ ٢١١ - ٢١٣، ورؤوس المسائل في الخِلاف ١/ ١٢١، ونيل المآرب ١/ ١٤٠.
[ ٦٩ ]