وأمَّا الإحسّانُ، فقد جاءَ ذكرُه (^٧) في القُرآنِ في مواضعَ: تارةً مقرونًا
بالإيمانِ، وتارةً مقرونًا بالإسلامِ، وتارةً مقرونًا بالتَّقوى، أو بالعمل (^٨).
فالمقرونُ بالإيمانِ: كقولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٩)، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (^١٠).
والمقرونُ بالإسلام: كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ
_________________
(١) في " مسنده " ٤/ ٢٨٦، وإسناده ضعيف، وقواه بعضهم بما له من شواهد.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) في (ص): «يذق».
(٤) لم ترد في (ج).
(٥) في " تفسيره " (٢٣٩٥١).
(٦) في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٩٦). وأخرجه: الطبراني في " الكبير " (١١٥٣٧)، والبغوي (٣٤٦٨) من حديث عبد الله بن عباس، مرفوعًا. وأخرجه: أحمد ٥/ ١٤٦، وأبو داود (٤٥٩٩) من حديث أبي ذر، مرفوعًا.
(٧) زاد بعدها في (ص): «مقرونًا».
(٨) في (ص): «وتارة بالإسلام وتارة بالتقوى».
(٩) المائدة: ٩٣.
(١٠) الكهف: ٣٠.
[ ١٠٢ ]
عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (^١)، وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (^٢).
والمقرون بالتقوى: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (^٣)، وقد يذكر مفردًا كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى
وَزِيَادَةٌ﴾ (^٤)، وقد ثبت في " صحيح مسلم " (^٥) عنِ النَّبيِّ - ﷺ - تفسيرُ الزِّيادةِ بالنّظرِ إلى وجهِ الله - ﷿ - في الجنة، وهذا مناسبٌ لجعلِه جزاءً (^٦) لأهلِ الإحسّانِ؛ لأنَّ الإحسانَ هو أنْ يَعبُدَ المؤمنُ ربّه في الدُّنيا (^٧) على وجهِ الحُضورِ والمُراقبةِ، كأنّه يراهُ بقلبِهِ وينظرُ إليه في حال عبادتِهِ (^٨)، فكانَ جزاءُ ذلك النَّظرَ إلى (^٩) الله عيانًا في الآخرة (^١٠).
وعكس هذا ما أخبرَ الله تعالى به عَنْ جَزاءِ الكُفَّار في الآخرةِ: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (^١١)، وجعلَ ذلك جزاءً لحالهم في الدُّنيا، وهو تراكُم الرَّانِ على قُلوبِهم، حتّى حُجِبَتْ عن معرفتِهِ ومُراقبته في الدُّنيا، فكان جزاؤُهم على ذلك أنْ حُجِبوا عن رُؤيته في الآخرة (^١٢).
فقوله - ﷺ - في تفسير الإحسّان: «أنْ تعبدَ الله كأنّكَ تراهُ …» إلخ يشير إلى أنَّ العبدَ يعبُدُ الله تعالى على هذه الصِّفة، وهو استحضارُ قُربِهِ، وأنَّه بينَ يديه كأنَّه يراهُ، وذلك يُوجبُ الخشيةَ والخوفَ والهيبةَ والتَّعظيمَ (^١٣)، كما جاء في رواية أبي هريرة: «أنْ تخشى الله كأنَّكَ تراهُ».
_________________
(١) البقرة: ١١٢، والآية لم ترد في (ص).
(٢) لقمان: ٢٢.
(٣) النحل: ١٢٨.
(٤) يونس: ٢٦.
(٥) الصحيح ١/ ١١٢ (١٨١) (٢٩٧) و(٢٩٨).
(٦) في (ص): «جعله الله - ﷿ -».
(٧) «في الدنيا» سقطت من (ص).
(٨) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ١٤٦.
(٩) زاد بعدها في (ص): «وجه».
(١٠) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ٢/ ١٥.
(١١) المطففين: ١٥.
(١٢) انظر: تفسير البغوي ٥/ ٢٢٥، وزاد المسير ٩/ ٥٧.
(١٣) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ١٤٦.
[ ١٠٣ ]
ويُوجِبُ أيضًا النُّصحَ في العبادة، وبذل الجُهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها.
وقد وصَّى النَّبيُّ - ﷺ - جماعةً من أصحابِهِ بهذه الوصيَّةِ، كما روى إبراهيمُ الهجريُّ، عن أبي الأحوصِ، عن أبي ذرٍّ، قال: أوصاني خليلي - ﷺ - أنْ أخشى الله كأنِّي أراهُ، فإنْ لم أكن أراه، فإنَّهُ يراني.
ورُوي عن ابنِ عمرَ، قال: أخذَ رسولُ اللهِ - ﷺ - ببعض جسدي، فقال:
«اعبُدِ الله كأنَّكَ تراهُ»، خرَّجه النَّسائيُّ (^١)، ويُروى من حديث زيد بن أرقم مرفوعًا وموقوفًا: «كُنْ كأنَّكَ ترى الله، فإنْ لم تكن تراه، فإنَّهُ يراكَ» (^٢).
وخرَّج الطبراني (^٣) من حديث أنس: أنّ رجلًا قال: يا رسول الله، حدثني بحديثٍ (^٤)، واجعله موجزًا، فقال: «صلِّ صلاةَ مودِّعٍ؛ فإنَّكَ إنْ كنتَ لا تراهُ، فإنَّه يراكَ».
وفي حديث حارثة المشهور - وقد رُويَ من وجوهٍ مرسلةٍ (^٥)، ورُوي متصلًا، والمرسل أصحُّ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال له: «كيف أصبحت يا حارثة؟» قال: أصبحتُ مؤمنًا حقًا، قال: «انظر ما تقولُ، فإنَّ لكلِّ قولٍ حقيقةً»، قال:
يا رسول الله، عزفَتْ نفسي عن الدُّنيا، فأسهرتُ ليلي، وأظمأتُ نهاري، وكأنِّي أنظرُ إلى عرشِ ربِّي بارزًا (^٦)، وكأنِّي
أنظرُ إلى أهلِ الجنَّةِ في
_________________
(١) في " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " ٥/ ٢٧٨. وأخرجه: أحمد ٢/ ١٣٢، والآجري في " الغرباء " (٢١)، وأبو نعيم في " الحلية " ٦/ ١١٥ من حديث عبد الله بن عمر، به. وهو حديث صحيح.
(٢) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٢٠٢ موقوفًا ومرفوعًا، والمرفوع ضعيف لضعف محمد بن حنيفة أبي حنيفة الواسطي. انظر: لسان الميزان ٧/ ١٠٩.
(٣) في " الأوسط " (٤٤٢٧) من حديث عبد الله بن عمر، به. وهنا قد وهم الحافظ ابن رجب ﵀ فنسب الحديث إلى أنس، وبعد تتبع طرق الحديث وجدناه من طريق عبد الله بن عمر بن الخطاب، وفي إسناد الحديث ضعف لجهالة بعض رواته، قال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٢٣٢: «وفيه من لم أعرفهم».
(٤) سقطت من (ص).
(٥) أخرجه: ابن المبارك في " الزهد " (٣١٤) مرسلًا.
(٦) في (ص): «وكأني بعرش الرحمان بارزًا».
[ ١٠٤ ]
الجَنَّةِ كيف يتزاورونَ (^١) فيها، وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ النَّارِ كيفَ (^٢) يتعاوَوْنَ فيها. قال: «أبصرتَ فالزمْ، عبدٌ نوَّرَ الله الإيمانَ في قلبه» (^٣).
ويُروى من حديث أبي أمامة: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - وصَّى رجلًا، فقال له: «استحي مِنَ اللهِ استحياءك مِنْ رجلين من صالحي عشيرتِك لا يفارقانك» (^٤). ويُروى من وجهٍ آخرَ مرسلًا (^٥).
ويُروى عن معاذٍ أنّ النَّبيَّ - ﷺ - وصَّاه لمَّا بعثه إلى اليمن، فقال: «استحي مِنَ اللهِ كما تستحي رجلًا ذا هيبةٍ من أهلك» (^٦).
وسئلَ النَّبيُّ - ﷺ - عن كشف العورة خاليًا، فقال: «الله أحقُّ أن يُستحيا
منه» (^٧).
ووصَّى أبو الدَّرداء رجلًا، فقال له: اعبُدِ الله كأنَّكَ تَراه (^٨).
_________________
(١) في (ص): «وكأني بأهل الجنة يتزاورون».
(٢) سقطت من (ص).
(٣) أخرجه: الطبراني في " الكبير " (٣٣٦٧)، والبيهقي في " شُعب الإيمان " (١٠٥٩١)، من حديث الحارث بن مالك، به مرفوعًا، وهو ضعيف. وأخرجه: البزار (٣٢)، والبيهقي في " شُعب الإيمان " (١٠٥٩٠) من حديث أنس بن مالك، به مرفوعًا. وهو ضعيف.
(٤) أخرجه: الطبراني في " الكبير " (٧٨٩٧) من حديث أبي أمامة به، وهو جزء من حديث طويل، وإسناده ضعيف؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان.
(٥) أخرجه: أحمد في " الزهد " (٢٤٨) من طريق سعيد بن يزيد، مُرسلًا.
(٦) أخرجه: البزار (٢٦٤٢)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٨٢٥) من حديث معاذ ابن جبل، به، وإسناده ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، ولعنعنة أبي الزبير. = = … وأخرجه: مالك في " الموطأ " (٢٦٢٦) برواية يحيى الليثي بلفظ: أنَّ معاذ بن جبل قال آخر ما أوصاني به رسول الله - ﷺ - حين وضعت رجلي في الغرز أنْ قال: «أحسن خلقك للناس مُعاذ بن جَبل»، وهو منقطع.
(٧) أخرجه: عبد الرزاق (١١٠٦)، وأحمد ٥/ ٣ و٤، وأبو داود (٤٠١٧)، وابن ماجه
(٨) ، والترمذي (٢٧٦٩) و(٢٧٩٤)، والنسائي في " الكبرى " (٨٩٧٢)، والحاكم ٤/ ١٧٩ - ١٨٠، وأبو نعيم في " الحلية " ٧/ ١٢١ - ١٢٢، والبيهقي ١/ ١٩٩ و٢/ ٢٢٥ و٧/ ٩٤ وفي " شُعب الإيمان "، له (٧٧٥٣) وفي " الآداب "، له (٧١٦)، والخطيب في " تاريخه " ٣/ ٢٦١ - ٢٦٢ من حديث معاوية بن حيدة، به، وهو جزء من حديث طويل، وهو حديث حسن.
(٩) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ١/ ٢١١ - ٢١٢.
[ ١٠٥ ]
وخطب عروة بنُ الزُّبير إلى ابنِ عمرَ ابنته وهما في الطَّواف، فلم يُجبه، ثم لقيَهُ بعد ذلك، فاعتذر إليه، وقال: كنَّا في الطَّوافِ نتخايلُ الله بين أعيننا. أخرجه أبو نعيم (^١) وغيره.
قوله - ﷺ -: «فإنْ لم تكن تراه فإنَّه يراك».
قيل (^٢): إنّه تعليلٌ للأوَّل، فإنَّ العبدَ إذا أُمر بمراقبة الله في العبادة، واستحضارِ قُربِهِ مِنْ عبده، حتى (^٣) كأنَّ العبدَ يراه، فإنَّه قد يشقُّ ذلك عليه، فيستعين على ذلك بإيمانه بأنّ الله يراه، ويطَّلعُ على سرِّه وعلانيته وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيءٌ من أمره، فإذا حقَّق هذا المقامَ، سهُل عليه الانتقالُ إلى المقام الثاني، وهو دوامُ التَّحديق بالبصيرة إلى قُربِ الله من عبدِه ومعيَّته (^٤)، حَتّى كأنَّه يراه.
وقيل: بل هو إشارةٌ (^٥) إلى أنّ مَنْ شقَّ عليه أنْ يعبُد الله كأنَّه يراه (^٦)، فليعْبُدِ الله على أنَّ الله يراه ويطّلع عليه، فليستحي مِنْ نظره إليه، كما قال بعضُ العارفين: اتَّقِ الله أنْ يكونَ أهونَ النَّاظرين إليك.
وقال بعضُهم: خَفِ الله على قدر قُدرته عليك، واستحي من الله على قدر قُربه منك.
قالت بعضُ العارفات من السَّلف: مَنْ عملَ للهِ على المُشاهدة، فهو عارفٌ، ومن عمل على مشاهدة الله إيَّاهُ، فهو مخلص. فأشارت إلى المقامين اللَّذين تقدَّم ذكرُهما:
أحدهما: مقام الإخلاص، وهو أنْ يعملَ العبدُ على استحضارِ (^٧) مُشاهدةِ الله
_________________
(١) في " الحلية " ١/ ٣٠٩.
(٢) سقطت من (ص).
(٣) في (ص): «يعني».
(٤) في (ص): «وهيبته».
(٥) سقطت من (ص).
(٦) عبارة: «أن يعبد الله كأنه يراه» لم ترد في (ص).
(٧) زاد في (ص): «الله لأن الاستحضار ذلك».
[ ١٠٦ ]
إياه، واطِّلاعه عليه، وقُربه منه، فإذا استحضرَ العبدُ هذا في عمله، وعَمِلَ عليه، فهو مخلصٌ لله؛ لأنَّ استحضارَهُ ذلك في عمله يمنعُهُ من الالتفاتِ إلى غيرِ الله وإرادته بالعمل.
والثاني: مقام المشاهدة، وهو أنْ يعملَ العبدُ على مقتضى مشاهدته لله تعالى
بقلبه، وهو أنْ يتنوَّرَ القلبُ بالإيمانِ، وتنفُذ البصيرةُ في العِرفان، حتّى يصيرَ الغيبُ كالعيانِ.
وهذا هو حقيقةُ مقامِ الإحسّان المشار إليه في حديث جبريلَ - ﵇ -، ويتفاوت أهلُ هذا المقام فيه بحسب قوَّة نفوذ البصائرِ.
وقد فسَّر طائفةٌ من العُلماءِ المثل الأعلى المذكورَ في قوله - ﷿ -: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ (^١) بهذا المعنى، ومثلُهُ قولُه تعالى:
﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (^٢)، والمراد: مثل نورِه في قلبِ المؤمن، كذا قال أبيُّ بنُ كعبٍ (^٣) وغيرُه مِنَ السَّلَف.
وقد سبق حديث: «أفضلُ الإيمانِ أنْ تعلمَ أنَّ الله معك حيثُ كنت»، وحديث: ما تزكيةُ المرءِ نفسه؟، قال: «أنْ يعلمَ أنَّ الله معه حيثُ
كانَ».
وخرَّج الطبراني (^٤) من حديث أبي أُمامةَ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «ثلاثةٌ في ظلِّ الله يومَ القيامةِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه: رجلٌ حيثُ توجه عَلِمَ أنَّ الله معه …»، وذكر الحديث.
وقد دلّ القرآنُ على هذا المعنى في مواضِعَ متعدِّدةٍ، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^٦)، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ
_________________
(١) الروم: ٢٧.
(٢) النور: ٣٥.
(٣) اخرجه: الطبري في " تفسيره " (١٩٧٥٧)، وطبعة التركي ١٧/ ٢٩٨، وابن أبي حاتم في " تفسيره " (٢٥٩٣) و(٢٥٩٤)، وممن قال بهذا المعنى سعيد بن جبير والضحاك.
(٤) في " الكبير " (٧٩٣٥)، وإسناده ضعيف جدًا، فيه بشير بن نمير متروك. انظر: مجمع الزوائد ١٠/ ٢٧٩.
(٥) البقرة: ١٨٦.
(٦) الحديد: ٤.
[ ١٠٧ ]
هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا
تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيه﴾ (^٢)، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ
مَعَهُمْ﴾ (^٤).
وقد وردت الأحاديثُ الصَّحيحةُ بالنَّدب إلى استحضار هذا القُربِ في
حال العباداتِ، كقوله - ﷺ -: «إنَّ أحدَكم إذا قامَ يُصلِّي، فإنَّما يُناجِي
ربَّه، أو ربَّه بينه وبينَ القبلةِ» (^٥)،
وقوله: «إنّ الله قِبَلَ وجهه إذا
صلّى» (^٦)، وقوله: «إنّ الله ينصب وجهه لوجهِ عبدِه في صلاتِهِ ما لم
يلتفِت» (^٧).
وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذِّكرِ: «إنَّكم لا تَدعُونَ أصمَّ (^٨) ولا غائبًا، إنَّكُم تدعُون سميعًا (^٩) قريبًا» (^١٠)، وفي
_________________
(١) المجادلة: ٧.
(٢) يونس: ٦١.
(٣) ق: ١٦.
(٤) النساء: ١٠٨.
(٥) أخرجه: الحميدي (١٢١٩)، وأحمد ٣/ ١٧٦ و٢٧٣ و٢٧٨ و٢٩١، والبخاري ١/ ١١٢ (٤١٣) و١/ ١٤٠ (٥٣١) و٢/ ٨٢ (١٢١٤)، ومسلم ٢/ ٧٦ (٥٥١) (٥٤)، وأبو عوانة ١/ ٣٣٨، وابن حبان (٢٢٦٧)، والبيهقي ١/ ٢٥٥ و٢/ ٢٩٢، والبغوي (٤٩١) من حديث أنس بن مالك، به.
(٦) أخرجه: مالك في " الموطأ " (٥٢٢) برواية يحيى الليثي، وأحمد ٢/ ٦٦، والبخاري ١/ ١١٢ (٤٠٦)، ومسلم ٢/ ٧٥ (٥٤٧) (٥٠)، وأبو داود (٤٧٩) والنسائي ٢/ ٥١، وأبو عوانة ١/ ٣٣٦ و٣٣٧، والبيهقي ٢/ ٢٩٣، والبغوي (٤٩٤) من حديث عبد الله بن عمر، به.
(٧) أخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠٧٠٩)، وأحمد ٤/ ١٣٠ و٢٠٢ و٣٤٤، والترمذي
(٨) و(٢٨٦٤)، والنسائي في " الكبرى " (٨٨٦٦) و(١١٣٤٩)، وأبو يعلى
(٩) ، وابن خزيمة (٤٨٣) و(٩٣٠) و(١٨٩٥) وفي التوحيد، له: ١٥، وابن حبان (٦٢٣٣)، والطبراني في " الكبير " (٣٤٢٧) و(٣٤٢٨) و(٣٤٣٠) وفي " مسند الشاميين "، له (٢٨٧٠)، والآجري في "الشريعة": ٨، وابن منده في "الإيمان" (٢١٢)، والحاكم ١/ ١١٧ - ١١٨ و٢٣٦ و٤٢١ - ٤٢٢ من حديث الحارث الأشعري، به. والروايات مطولة ومختصرة، وقال الترمذي: «حسن صحيح غريب».
(١٠) زاد بعدها في (ص): «ولا أبكم».
(١١) زاد بعدها في (ص): «بصيرًا».
(١٢) أخرجه: البخاري ٤/ ٦٩ (٢٩٩٢) و٥/ ١٦٩ (٤٢٠٢) و٨/ ١٠١ (٦٣٨٤)، ومسلم ٨/ ٧٣ (٢٧٠٤) (٤٤) من حديث أبي موسى الأشعري، به.
[ ١٠٨ ]
رواية (^١): «وهو أقربُ إلى أحدكم من عُنُقِ راحلتِهِ» (^٢)، وفي رواية: «هو أقربُ إلى أحدكم من حبل الوريد».
وقوله: «يقولُ الله - ﷿ -: أنا مع عبدي إذا ذكرني، وتحرَّكت بي
شفتاه» (^٣).
وقوله: «يقولُ الله - ﷿ -: أنا مع ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حيث ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرتُهُ في نفسي، وإنْ ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خيرٍ منه، وإنْ تقرّبَ منِّي شبرًا، تقرَّبتُ منه ذراعًا، وإن تقرَّبَ منِّي ذراعًا، تقرَّبتُ منه
باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولةً» (^٤).
ومن فهم من شيءٍ من هذه النصوص تشبيهًا أو حُلولًا أو اتِّحادًا، فإنّما أُتِيَ من جهله (^٥)، وسُوء فهمه عن الله ورسوله - ﷺ -، والله ورسولُه بريئانِ من ذلك كلِّه، فسبحانَ مَنْ ليسَ كمثله شيءٌ، وهو السَّميعُ البصيرُ.
قال بكرٌ المزنيُّ: مَن مثلُك يا ابنَ آدم: خُلِّي بينَك وبينَ المحراب والماء، كلّما شئتَ دخلتَ على اللهِ - ﷿ - (^٦)، ليس بينَكَ وبينَه ترجُمان (^٧).
_________________
(١) في (ص): «حديث».
(٢) أخرجه: مسلم ٨/ ٧٤ (٢٧٠٤) (٤٦)، وأبو داود (١٥٢٦) و(١٥٢٧) و(١٥٢٨)، والترمذي (٣٣٧٤) و(٣٤٦١) من حديث أبي موسى الأشعري، به.
(٣) أخرجه: أحمد ٢/ ٥٤٠، والبخاري في " خلق أفعال العباد " (٥٧)، وابن ماجه
(٤) ، وابن حبان (٨١٥)، والبيهقي (٥٠٩) و(٥١٠)، والبغوي في (١٢٤٢) من حديث أبي هريرة، به. وأخرجه: الحاكم ١/ ٤٩٦ من حديث أبي الدرداء، به.
(٥) أخرجه: الطيالسي (٢٣٨٧)، وأحمد ٢/ ٢٥١ و٣١٦ و٣٥٤ و٤٠٥ و٤١٣ و٤٣٥، والبخاري ٩/ ١٤٧ (٧٤٠٥) و٩/ ١٩٢ (٧٥٣٧) وفي "خلق أفعال العباد"، له (٥٥)، ومسلم ٨/ ٦٢ - ٦٣ (٢٦٧٥) (٢) و(٣) و٨/ ٦٦ - ٦٧ (٢٦٧٥) (١٩) و(٢٠) و(٢١) و٨/ ٩١ (٢٦٧٥) (١)، وابن ماجه (٣٨٢٢)، والترمذي (٣٦٠٣)، والنسائي في " الكبرى " (٧٧٣٠) من حديث أبي هريرة، به. والروايات مطولة ومختصرة.
(٦) في (ص): «فإنه من جهله».
(٧) زاد بعدها في (ص): «فإنه».
(٨) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٢/ ٢٢٩.
[ ١٠٩ ]
ومن وصل إلى استحضارِ هذا في حال ذكره الله وعبادته استأنسَ بالله، واستوحش مِنْ خلقه ضرورةً.
قال ثور بن يزيد: قرأتُ في بعضِ الكُتب: أنَّ عيسى - ﵇ - قال: يا معشر الحواريِّين، كلِّموا الله كثيرًا، وكلِّموا الناسَ قليلًا، قالوا: كيف نكلِّمُ الله كثيرًا؟ قال: اخلُوا بمناجاته، اخلوا بدُعائه. خرَّجه أبو نعيم (^١).
وخرَّج أيضًا (^٢) بإسناده عن رياح، قال: كان عندنا رجلٌ يصلِّي كلَّ يومٍ وليلةٍ ألفَ ركعة، حتى أُقعِدَ من رجليه، فكان يصلِّي جالسًا ألف ركعة، فإذا صلى العصر، احتبى، فاستقبل القبلةَ، ويقول: عجبتُ للخليقةِ كيف أَنِسَتْ بسواك، بل عجبتُ للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواكَ.
وقال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النَّضر الحارثيِّ، فرأيتُه كأنَّه منقبضٌ، فقلت: كأنَّك تكره أنْ تُؤتى؟ قال: أجل (^٣)، فقلت: أوَما تستوحشُ؟ فقال: كيف أستوحشُ وهو يقولُ: أنا جليسُ مَنْ ذكرني (^٤).
وقيل لمالك بنِ مِغْول وهو جالسٌ في بيته وحده: ألا تستوحشُ؟ فقال: ويستوحشُ مع الله أحدٌ؟
وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته، ويقولُ: من لم تَقَرَّ عينُه بكَ، فلا قرَّت
عينُه، ومن لم يأنس بكَ، فلا أنِسَ (^٥).
وقال غزوان: إنِّي أصبتُ راحةَ قلبي في مُجالسةِ مَنْ لديه حاجتي.
وقال مسلم بنُ يسار: ما تلذَّذ المتلذِّذونَ بمثلِ الخَلْوةِ بمناجاةِ اللهِ - ﷿ - (^٦).
وقال مسلم العابد: لولا الجماعة، ما خرجتُ من بابي أبدًا حتّى أموت، وقال:
_________________
(١) في " الحلية " ٦/ ١٩٥.
(٢) أبو نعيم في " الحلية " ٦/ ١٩٥.
(٣) في (ص): «نعم».
(٤) أخرجه: البيهقي في " شُعب الإيمان " (٧٠٩).
(٥) زاد بعدها في (ص): «الله به».
(٦) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٢/ ٢٩٤.
[ ١١٠ ]
ما يجدُ المطيعونَ لله لذَّةً في الدُّنيا أحلى من الخلوة بمناجاة سيِّدهم (^١)، ولا أحسب لهم في الآخرة مِنْ عظيم الثَّواب أكبرَ في صدورهم وألذَّ في قلوبهم مِن النَّظر إليه، ثم غُشي عليه.
وعن إبراهيم بن أدهم، قال: أعلى الدَّرجات أنْ تنقطعَ إلى ربِّك، وتستأنِسَ إليه بقلبِك، وعقلك (^٢)، وجميع جوارحك حتى لا ترجُو إلاَّ ربَّك، ولا تخاف إلاَّ ذنبكَ، وترسخ محبته في قلبك حتى لا تُؤْثِرَ عليها شيئًا، فإذا كنت كذلك لم تُبالِ في بَرٍّ كنت، أو في بحرٍ، أو في سَهْلٍ، أو في جبلٍ، وكان شوقُك إلى لقاء الحبيب شوقَ الظمآن إلى الماء البارد، وشوقَ الجائعِ إلى الطَّعام الطيب، ويكونُ ذكر الله عندكَ (^٣) أحلى مِنَ العسل، وأحلى من المَاء (^٤) العذبِ الصَّافي عند العطشان في اليوم الصَّائف.
وقال الفضيل: طُوبى لمن استوحش مِنَ النَّاسِ، وكان الله جليسَه (^٥).
وقال أبو سليمان: لا آنسني الله إلاَّ به أبدًا.
وقال معروف لرجلٍ: توكَّل على الله حتّى يكونَ جليسَك وأنيسَك وموضعَ شكواكَ (^٦).
وقال ذو النون: مِنْ علامات المحبِّين لله أنْ لا يأنَسُوا بسواه، ولا يستوحشُوا معه، ثم قال: إذا سكنَ القلبَ حبُّ اللهِ تعالى، أنِسَ بالله؛ لأنَّ الله أجلُّ في صُدورِ العارفين أنْ يُحبُّوا سواه.
وكلامُ القوم في هذا الباب يطولُ ذكرُه جدًا، وفيما ذكرنا كفايةٌ إنْ شاء الله تعالى.
فمن تأمَّل ما أشرنا إليه ممَّا دلَّ عليه هذا الحديثُ العظيم، علم أنَّ جميعَ العُلوم والمعارف ترجعُ إلى هذا الحديث وتدخل تحته، وأنَّ جميع العلماء من فِرَقِ هذه
الأمَّة
_________________
(١) في (ص): «الله - ﷿ -».
(٢) في (ص): «وعينك».
(٣) سقطت من (ص).
(٤) سقطت من (ص).
(٥) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٨/ ١٠٨.
(٦) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٣٦٠.
[ ١١١ ]
لا تخرجُ علومهم التي يتكلَّمون فيها عن هذا الحديث، وما دلَّ عليه مجمَلًا ومفصَّلًا، فإنَّ الفُقهاءَ إنَّما يتكلَّمون في العبادات التي هي من جملة خصال الإسلام، ويضيفون إلى ذلك الكلامَ في أحكامِ الأموالِ والأبضاعِ والدِّماءِ، وكلُّ ذلك من علمِ الإسلامِ كما سبق التنبيه عليه، ويبقى كثيرٌ من علم الإسلامِ مِنَ الآدابِ والأخلاقِ وغير ذلك لا يَتَكلَّمُ عليه إلاَّ القليلُ منهم، ولا يتكلَّمون على معنى الشهادتين، وهما أصلُ الإسلام كلِّه.
والذين يتكلمون في أصول الدِّيانات، يتكلَّمون على الشَّهادتين، وعلى الإيمان باللهِ، وملائكته، وكتبه، ورسُله، واليومِ الآخرِ، والإيمان بالقدر (^١).
والذين يتكلَّمون على علم المعارف والمعاملات يتكلَّمون على مقام الإحسان، وعلى الأعمال الباطنة التي تدخلُ في الإيمان أيضًا (^٢)، كالخشية، والمحبَّة، والتوكُّلِ، والرِّضا، والصَّبر، ونحو ذلك، فانحصرتِ العلومُ الشَّرعية التي يتكلَّمُ عليها فِرَقُ المسلمين في هذا الحديث، ورجعت كلُّها إليه، ففي هذا الحديث وحدَه كفايةٌ، وللهِ الحمدُ والمنَّةُ (^٣).
وبقي الكلام على ذكر السَّاعةِ مِنَ الحَديث.
فقول جبريل ﵇ أخبرني عن السَّاعة، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «ما المسئول عنها بأعلمَ من السَّائل» (^٤) يعني: أنَّ علم الخلق كلِّهم في وقتِ السَّاعة سواءٌ، وهذه إشارةٌ إلى أنَّ الله تعالى استأثر بعلمها (^٥)،
ولهذا في حديث أبي هريرة (^٦): قال النَّبيُّ - ﷺ - في خمسٍ لا يعلمهُنَّ إلاَّ الله تعالى (^٧)، ثم تلا:
_________________
(١) انظر: الإيمان لابن تيمية: ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٢) انظر: مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد: ١٨٠.
(٣) في (ص): «الحمد» فقط.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) انظر: مختصر معارج بشرح سلم الوصول إلى علم الوصول في علم التوحيد: ١٩٧.
(٦) أخرجه: البخاري ١/ ١٩ (٥٠)، ومسلم ١/ ٣٠ - ٣١ (٩) (٥) و(٦) و(٧) من حديث أبي هريرة، به. وهو جزء من حديث طويل.
(٧) من قوله: «استأثر بعلمها ولهذا …» إلى هنا لم يرد في (ص).
[ ١١٢ ]
﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (^١)، وقال الله - ﷿ -: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ (^٢).
وفي " صحيح البخاري " (^٣) عن ابن عمر، عن النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «مفاتيحُ الغيبِ خمسٌ لا يعلمها إلاَّ الله» ثم قرأ هذه الآية: ﴿إنَّ الله عِندَهُ عِلمُ السَّاعةِ﴾ الآية.
وخرَّجه الإمام أحمد (^٤)، ولفظه: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «أوتيتُ مفاتيحَ كلِّ شيءٍ إلاَّ الخمسِ: ﴿إنَّ الله عِنده عِلمُ السَّاعةِ﴾ الآية.
وخرَّج أيضًا (^٥) بإسناده عن ابن مسعود، قال: أوتي نبيُّكم - ﷺ - مفاتيح كلِّ شيءٍ غير خمسٍ: ﴿إنَّ الله عِندهُ عِلمُ السَّاعةِ﴾ الآية.
قوله: فأخبرني عن أماراتها. يعني: عن علاماتها (^٦) التي تدلُّ على اقترابها،
وفي حديث أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «سأحدِّثُك عن أشراطها» (^٧)، وهي علاماتها (^٨) أيضًا.
وقد ذكر النَّبيُّ - ﷺ - للسَّاعة علامتين:
الأولى: «أنْ تلد الأمة ربَّتها (^٩)»، والمراد بربَّتها سيِّدتُها ومالكتها،
وفي حديث أبي هريرة «ربها»، وهذه إشارةٌ إلى فتح البلاد، وكثرة جلبِ
الرَّقيق حتى تكثر السَّراري، ويكثر أولادهن، فتكون الأُم رقيقةً لسيِّدها،
وأولاده منه بمنْزلته، فإنَّ ولدَ
_________________
(١) لقمان: ٣٤.
(٢) الأعراف: ١٨٧.
(٣) الصحيح ٢/ ٤١ (١٠٣٩) و٦/ ٧١ (٤٦٢٧) و٦/ ٩٩ (٤٦٩٧) و٦/ ١٤٤ (٤٧٧٨) و٩/ ١٤٢ (٧٣٧٩).
(٤) في " مسنده " ٢/ ٨٥.
(٥) " في مسنده " ٢/ ٨٥ - ٨٦. وأخرجه البخاري ٦/ ١٤٤ (٤٧٧٨)، والطبراني في " الكبير " (١٣٣٤٤) و(١٣٣٤٦) من حديث ابن عمر مرفوعًا.
(٦) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ١٤٧.
(٧) تقدم تخريجه.
(٨) زاد بعدها في (ص): «التي تدل على اقترابها».
(٩) زاد بعدها في (ص): «فكأن ولدها هو الذي أعتقها».
[ ١١٣ ]
السيد بمنْزلة السيد، فيصير ولد الأمة بمنْزلة ربها وسيدها (^١).
وذكر الخطابي (^٢) أنَّه استدلَّ بذلك من يقول: إنَّ أمَّ الولدِ إنَّما تعتق على ولدها من نصيبه من ميراث والده، وإنَّها تنتقل إلى أولادها بالميراث، فتعتق عليهم، وإنَّها قبل موت سيدها تُباع، قال: وفي هذا الاستدلال نظر.
قلت: قد استدل به بعضُهم على عكس ذلك، وعلى أنَّ أمَّ الولد لا تُباع، وأنَّها تعتق بموتِ سيِّدها بكل حال؛ لأنَّه جعل ولد الأمَة ربها، فكأن ولدها هو الذي أعتقها فصار عتقها منسوبًا إليه؛ لأنَّه سببُ عتقها (^٣)، فصار كأنَّه
مولاها (^٤). وهذا كما روي عنِ النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال في أمِّ ولده ماريَّةَ لمَّا ولدت إبراهيمَ - ﵇ -: «أعتقها ولدُها» (^٥).
وقد استدلّ بهذا الإمام أحمد، فإنَّه قال في رواية محمد بن الحكم عنه: تلد الأمةُ ربتها: تكثُر أمَّهاتُ الأولاد، يقول: إذا ولدت، فقد عتقت لولدها، وقال: فيه حجة أنَّ أمهات الأولاد لا يُبَعْنَ (^٦).
وقد فسر قوله: «تلدُ الأمةُ ربَّتها» بأنَّه يكثرُ جلبُ الرَّقيق، حتّى تجلب البنت، فتعتق، ثم تجلب الأم فتشتريها البنت وتستخدمها جاهلة بأنَّها أمها، وقد وقع هذا في الإسلام (^٧).
وقيل: معناه أنَّ الإماء يَلِدنَ الملوكَ، وقال وكيع (^٨): معناه تلدُ العجمُ العربَ، والعرب ملوك العجم وأربابٌ لهم (^٩).
_________________
(١) انظر: شرح السنة للبغوي ١/ ١١، وشرح النووي لصحيح مسلم ١/ ١٤٧، وقد تقدم التعليق على ذلك أول الحديث.
(٢) في " معالم السنن " ٤/ ٦٨.
(٣) من قوله: «ربها فكأن ولدها …»، إلى هنا لم يرد في (ص).
(٤) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ١٤٧، والواضح في شرح مختصر الخرقي ٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨.
(٥) أخرجه: ابن سعد في " الطبقات " ١/ ١٠٨، وابن ماجه (٢٥١٦)، والدارقطني ٤/ ١٣١، والحاكم ٢/ ١٩، والبيهقي ١٠/ ٣٤٦ من حديث عبد الله بن عباس، به. وإسناده ضعيف لضعف الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس.
(٦) انظر: المغني ١٢/ ٤٩٢.
(٧) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ١٤٧.
(٨) لم ترد في (ص).
(٩) أخرجه: ابن ماجه عقب (٦٣).
[ ١١٤ ]
والعلامة الثانية: «أنْ ترى الحُفاة العُراة العالة» (^١).
والمراد بالعالة: الفُقراء (^٢)، كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (^٣).
وقوله: «رعاء الشاء يتطاولون في البُنيان». هكذا في حديث عمر (^٤)، والمراد أنَّ أسافلَ الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتّى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه (^٥).
وفي حديث أبي هريرة ذكر ثلاثَ علامات: منها: أنْ تكون الحُفاة العراة رؤوسَ الناس، ومنها: أنْ يتطاول رِعاءُ البَهم في البنيان (^٦).
وروى هذا الحديث عبدُ الله بن عطاء، عن عبد الله بن بُريدة، فقال فيه:
«وأنْ تَرى الصمَّ البُكمَ العُمي (^٧) الحفاةَ رعاءَ الشاء يتطاولون في البنيان ملوك
الناس»، قال: فقام الرَّجُلُ، فانطلق، فقلنا: يا رسولَ الله، مَنْ هؤلاء الذين
نعتَّ؟ قال: «هم العُريب» (^٨). وكذا روى هذه اللفظة الأخيرة عليُّ بنُ زيد، عن يحيى بن يعمر،
عن ابن عمر (^٩).
وأمَّا الألفاظ الأُوَلُ، فهي في الصحيح من حديث أبي هريرة بمعناها (^١٠).
وقوله: «الصمّ البكم العمي» إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم.
وفي هذا المعنى أحاديث متعددة، فخرَّج الإمام أحمد (^١١)
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ١٤٨.
(٣) الضحى: ٨.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ١٤٨.
(٦) تقدم تخريجه.
(٧) سقطت من (ص).
(٨) أخرجه: المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٦٧) وعنده كلمة «العَرب» بدل «العُريب».
(٩) رواية علي بن زيد بن جدعان عند الإمام أحمد في " المسند " ٢/ ١٠٧، وعند المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٣٧١)، وليس فيها هذه اللفظة.
(١٠) تقدم تخريجه.
(١١) في " مسنده " ٥/ ٣٨٩. وأخرجه: البيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ٣٩٢، والبغوي (٤١٥٤) من حديث حذيفة بن اليمان، به.
[ ١١٥ ]
والترمذي (^١) من حديث حذيفة، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «لا تقومُ السَّاعة حَتّى يكونَ أسعدُ النَّاسِ بالدُّنيا لكع بن لكع».
وفي " صحيح ابن حبان " (^٢) عن أنس، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «لا تنقضي الدنيا حتّى تكونَ عندَ لكع بنِ لكعٍ».
وخرّج الطبراني (^٣) من حديث أبي ذرٍّ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «لا تقومُ الساعةُ حتى يغلبَ على الدُّنيا لكعُ بنُ لكع».
وخرّج الإمام أحمد (^٤) والطبراني (^٥) من حديث أنس، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال
: «بينَ يدي الساعةِ سنُونَ خدَّاعةٌ، يُتَّهمُ فيها الأمينُ، ويُؤْتَمنُ فيها المتَّهمُ، وينطق فيها الرُّويبضةُ». قالوا: وما الرويبضَةُ؟ قال: «السَّفيه ينطق في أمرِ العامَّة». وفي رواية: «الفاسقُ يتكلَّمُ في أمر العامة» (^٦). وفي رواية الإمام أحمد (^٧): «إنَّ بين يدي الدجال سنينَ خداعةٌ، يُصدّقُ فيها الكاذبُ، ويكذّبُ فيها الصادقُ، ويخوَّن فيها الأمينُ ويؤتمنُ فيها الخائنُ»، وذكر باقيه.
ومضمونُ ما ذكر من أشراطِ الساعة في هذا الحديث يَرجِعُ إلى أنَّ الأمور تُوَسَّدُ إلى غير أهلها، كما قال النَّبيُّ - ﷺ - لمن سأله عن الساعة: «إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة (^٨)» (^٩)،
_________________
(١) في " الجامع الكبير " (٢٢٠٩)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن».
(٢) برقم (٦٧٢١)، وهو حديث صحيح.
(٣) في "الأوسط" (٣٠٩٨)، والطبعة العلمية (٣٠٧٦)، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة.
(٤) في " مسنده " ٣/ ٢٢٠. وأخرجه: أبو يعلى (٣٧١٥)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٤٦٥) و(٤٦٦) من حديث أنس بن مالك به، وهو حديث حسن من أجل محمد بن إسحاق.
(٥) في " الأوسط " (٣٢٧٠).
(٦) أخرجه: أحمد ٣/ ٢٢٠.
(٧) في مسنده ٣/ ٢٢٠.
(٨) في (ص): «فانتظروها».
(٩) أخرجه: أحمد ٢/ ٣٦١، والبخاري ١/ ٢٣ (٥٩) و٨/ ١٢٩ (٦٤٩٦)، وابن حبان
(١٠) ، والبيهقي ١٠/ ١١٨، والبغوي (٤٢٣٢) من حديث أبي هريرة، به. والروايات مطولة ومختصرة.
[ ١١٦ ]
فإنَّه إذا صار الحفاةُ العراةُ رعاءُ الشاءِ - وهم أهلُ الجهل والجفاء - رؤوسَ الناس، وأصحابَ الثروة والأموال، حتّى يتطاولوا في البنيان، فإنَّه يفسد بذلك نظامُ الدين والدنيا، فإنَّه إذا رَأَسَ الناسَ مَنْ كانَ فقيرًا عائلًا، فصار ملكًا على الناس، سواء كان مُلكُه عامًا أو خاصًا في بعض الأشياء، فإنَّه لا يكادُ يعطي الناسَ حقوقَهم، بل يستأثر عليهم بما استولى عليهم من المال، فقد قال بعض السَّلف: لأنْ تمدَّ يدكَ إلى فم التِّنين، فيقْضمها، خيرٌ لك من أنْ تمدَّها إلى يد غنيٍّ قد عالج الفقرَ (^١). وإذا كان مع هذا جاهلًا جافيًا، فسد بذلك الدين؛ لأنَّه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم، بل هِمته في جباية المال واكتنازه، ولا يُبالي بما فسد من دينِ (^٢) الناسِ، ولا بمن ضاعَ من أهل
حاجاتهم.
وفي حديثٍ آخر: «لا تقوم الساعةُ حتى يسودَ كُلَّ (^٣) قبيلة منافقوها» (^٤).
وإذا صار ملوكُ الناس ورؤوسُهم على هذه الحال، انعكست سائرُ الأحوال، فصُدِّقَ الكاذبُ، وكُذِّبَ الصادقُ، وائتُمِنَ الخائنُ، وخوِّنَ الأمينُ، وتكلَّمَ الجاهلُ، وسكتَ العالم، أو عُدِمَ بالكلية، كما صحَّ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه قال:
«إنّ من أشراط الساعة أن يُرفَعَ العلمُ، ويظهر الجهلُ» (^٥) وأخبر: «أنَّه يقبضُ العلمُ بقبض
العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا،
_________________
(١) أخرجه: أبو نعيم في " الحلية " ٧/ ٢٢ - ٢٣ من قول سفيان الثوري.
(٢) في (ص): «بذلك الدين».
(٣) سقطت من (ص).
(٤) أخرجه: البزار (٣٤١٦) (كشف الأستار)، والطبراني في " الكبير " (٩٧٧١) و(١٠٥٥٦)، وابن عدي في " الكامل " ٣/ ٢٢١ من حديث عبد الله بن مسعود، به. الروايات مطولة ومختصرة، وهو حديث ضعيف. وأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٧٧١٥) من حديث أبي بكرة، به.
(٥) أخرجه: معمر في " جامعه " (٢٠٨٠١)، والطيالسي (١٩٨٤)، وأحمد ٣/ ٩٨ و١٥١ و١٧٦ و٢٠٢ و٢١٣ و٢٧٣ و٢٨٩، وعبد بن حميد (١١٩٢)، والبخاري ١/ ٣٠ (٨٠) و(٨١) و٨/ ٢٠٣ (٦٨٠٨) وفي " خلق أفعال العباد "، له (٤٣)، ومسلم ٨/ ٥٨
(٦) (٨) و(٩)، وابن ماجه (٤٠٤٥) والترمذي (٢٢٠٥)، والنسائي في " الكبرى " (٥٩٠٥) و(٥٩٠٦) من حديث أنس بن مالك، به.
[ ١١٧ ]
فسُئِلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (^١). وقال الشَّعبي: لا تقومُ السَّاعة حتى يصيرَ العلمُ جهلًا، والجهلُ علمًا.
وهذا كله من انقلاب الحقائق في آخر (^٢) الزمان وانعكاس الأمور.
وفي " صحيح الحاكم " (^٣) عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «إن من أشراط الساعة أن يُوضع الأخيارُ، ويُرفع الأشرارُ».
وفي قوله: «يتطاولون في البنيان» دليلٌ على ذمِّ التباهي والتفاخر، خصوصًا بالتطاول في البنيان، ولم يكن إطالة (^٤) البناء معروفًا (^٥) في زمن النَّبيّ - ﷺ - وأصحابه، بل كان بنيانهم قصيرًا بقدر الحاجة (^٦)، وروى أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقومُ الساعةُ، حتَّى يتطاول الناسُ في البنيان». خرَّجه البخاري (^٧).
وخرَّج أبو داود (^٨) من حديث أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - خرج فرأى (^٩) قُبَّةً مشرفة، فقال: «ما هذه؟» قالوا: هذه لفلان، رجل من الأنصار، فجاء صاحِبُها،
فسلّم على رسول الله - ﷺ -، فأعرضَ عنه، فعلَ ذلك
_________________
(١) أخرجه: أحمد ٢/ ١٦٢ و١٩٠ و٢٠٣، والدارمي (٢٤٥)، والبخاري ١/ ٣٦ (١٠٠) و٩/ ١٢٣ (٧٣٠٧) وفي " خلق أفعال العباد "، له (٤٧)، ومسلم ٨/ ٦٠ (٢٦٧٣)
(٢) ، وابن ماجه (٥٢)، والترمذي (٢٦٥٢)، والنسائي في " الكبرى " (٥٩٠٧) و(٥٩٠٨)، وابن حبان (٤٥٧١) و(٦٧١٩) و(٦٧٢٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، به.
(٣) في (ص): «ذلك».
(٤) أي: المستدرك ٤/ ٥٥٤، وصححه.
(٥) سقطت من (ص).
(٦) في (ص): «مرفوعًا».
(٧) انظر: فتح الباري ١٣/ ١١٠.
(٨) في " صحيحه " ٩/ ٧٤ (٧١٢١) وفي " الأدب المفرد "، له (٤٤٩).
(٩) في " سننه " (٥٢٣٧). وأخرجه: أبو يعلى (٤٣٤٧) والبيهقي في " شُعب الإيمان " (١٠٧٠٥) من حديث أنس ابن مالك، به. وإسناده لا بأس به.
(١٠) في (ص): «أنَّه رأى».
[ ١١٨ ]
مرارًا، فهدمها الرَّجُلُ. وخرَّجه الطبراني (^١) من وجه آخر عن أنس أيضًا، وعنده، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «كلُّ بناءٍ - وأشار بيده هكذا على رأسه - أكثر مِنْ هذا، فهو وبالٌ على
صاحبه (^٢)».
وقال حريثُ بن السائب، عن الحسن: كنتُ أدخلُ بيوتَ أزواج النَّبيِّ - ﷺ - في خلافة عثمان - ﵁ - فأتناولُ سقفَها بيدي (^٣).
ورُويَ عن عمرَ أنَّه كتب: لا تُطيلوا بناءكم، فإنَّه شرُّ أيامكم (^٤).
وقال يزيدُ بن أبي زياد: قال حذيفة لسلمان: ألا نبني لك مسكنًا يا أبا
عبد الله؟ قالَ: لِمَ، لتجعلني ملكًا؟ قال: لا، ولكن نبني لك بيتًا من قصب ونَسقفه بالبواري، إذا قمت كاد أنْ يصيب رأسك، وإذا نمت كاد أنْ يمس طرفيك، قال: كأنَّك كنت في نفسي (^٥).
وعن عمّار بن أبي عمّار، قال: إذا رفع الرجل بناءه فوق سبع أذرع، نودي
يا أفسقَ الفاسقين، إلى أين (^٦)؟
خرّجه كلّه (^٧) ابنُ أبي الدنيا.
وقال يعقوب بنُ شيبة في " مسنده ": بلغني عن ابن عائشة، حدثنا ابن أبي شُميلة، قال: نزل المسلمون حولَ المسجد، يعني: بالبصرةِ في أخبية الشَّعرِ، ففشا فيهم السَّرَقُ، فكتبوا إلى عمرَ، فأذن لهم في اليراع، فبنوا بالقصب، ففشا فيهمُ الحريقُ، فكتبوا إلى عمر، فأذن لهم في المدَرِ، ونهى أنْ يرفعَ الرجل سمكه أكثر من سبعة
_________________
(١) في " الأوسط " (٣١٠٣)، وأخرجه ابن ماجه (٤١٦١) بلفظ أطول، وإسناده ضعيف.
(٢) عبارة: «على صاحبه» سقطت من (ج).
(٣) أخرجه: البخاري في "الأدب المفرد" (٤٥٠)، وابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" (٢٤٥).
(٤) أخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (٤٥٢).
(٥) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " قصر الأمل " (٣٠٦)، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ٢٠٢.
(٦) أخرجه: ابن أبي الدنيا في " قصر الأمل " (٢٥٠)، وأبو نعيم في " الحلية " ٣/ ٧٥.
(٧) سقطت من (ص).
[ ١١٩ ]
أذرع، وقال: إذا بنيتُم منه بيوتكم، فابنوا منه المسجدَ. قال ابن عائشة: وكان عتبةُ بن غزوان بنى مسجدَ البصرة بالقصب، قال: من صلى فيه وهو من قصب أفضلُ ممن صلى فيه وهو مِنْ لبن، ومن صلى فيه وهو من لبن خير (^١) ممن صلَّى فيه وهو من آجُر.
وخرّج ابن ماجه (^٢)
من حديث أنس، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «لا تقومُ الساعةُ حتّى يتباهى الناسُ في المساجد».
ومن حديث ابن عباس، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -، قال: «أراكم ستُشرِّفون مساجدَكم بَعْدي كما شرَّفتِ اليهودُ كنائسها، وكما شرَّفتِ النَّصارى
بِيَعَها (^٣)» (^٤).
وروى ابن أبي الدُّنيا (^٥) بإسناده عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن - ﵁ -،
قال: لما بنى رسول الله - ﷺ - المسجد، قال: «ابنوه عريشًا كعريشِ موسى».
قيل للحسن: وما عريشُ موسى؟ قال: إذا رفع يَده بلغ العريش، يعني:
السقف.
_________________
(١) في (ص): «أفضل».
(٢) في " سننه " (٧٣٩). وأخرجه: أحمد ٣/ ١٤٣ و١٤٥ و١٥٢ و٢٣٠ و٢٨٣، والدارمي (١٤١٥)، وأبو داود
(٣) ، والنسائي ٢/ ٣٢ وفي " الكبرى "، له (٧٦٨)، وأبو يعلى (٢٧٩٨) و(٢٧٩٩)، وابن خزيمة (١٣٢٢) و(١٣٢٣)، وابن حبان (١٦١٤) من حديث أنس ابن مالك، به. وهو حديث صحيح.
(٤) حديث ابن عباس متقدم على حديث أنس في (ص).
(٥) أخرجه: ابن ماجه (٧٤٠)، وابن حبان (١٦١٥)، والبيهقي ٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩، والبغوي (٤٦٣)، وإسناده ضعيف.
(٦) في " قصر الأمل " (٢٨٦)، ومن طريقه البيهقي في " دلائل النبوة " ٢/ ٥٤١ - ٥٤٢، وهو مع إرساله ضعيف، فراويه عن الحسن البصري إسماعيل بن مسلم المكي ضعيف الحديث، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير ٤/ ٥٣٢.
[ ١٢٠ ]