٤٢٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ ﷿ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْهُ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا»
_________________
(١) قَوْلُهُ: (أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ) أَيْ أَنَّهُ يُحِبُّ تَوْبَةَ أَحَدِكُمْ وَيَرْضَى بِهَا فَوْقَ مَا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ ضَالَّتَهُ وَيَرْضَى بِهَا وَالْمَقْصُودُ الْحَثُّ عَلَى التَّوْبَةِ
[ ٢ / ٥٦١ ]
لِكَوْنِهَا مَحْبُوبَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَهُ تَعَالَى.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
٤٢٤٨ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ الْمَدِينِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَطَايَاكُمْ السَّمَاءَ ثُمَّ تُبْتُمْ لَتَابَ عَلَيْكُمْ»
_________________
(١) قَوْلُهُ: (لَتَابَ عَلَيْكُمْ) يُرِيدُ أَنَّ كَثْرَةَ الذُّنُوبِ لَا تَمْنَعُ عَنِ التَّوْبَةِ هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ وَيَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَبَاقِي رِجَالِ الْإِسْنَادِ ثِقَاتٌ.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
٤٢٤٩ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ فَالْتَمَسَهَا حَتَّى إِذَا أَعْيَى تَسَجَّى بِثَوْبِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةَ الرَّاحِلَةِ حَيْثُ فَقَدَهَا فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ فَإِذَا هُوَ بِرَاحِلَتِهِ»
_________________
(١) قَوْلُهُ: (لَلَّهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَفْرَحُ (بِفَلَاةٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ، أَيْ: بِمَفَازَةٍ (أَعِيَا) أَيْ جَعَلَهُ الِالْتِمَاسُ عَاجِزًا (تَسَجَّى)، أَيْ: تَغَطَّى بِثَوْبِهِ لِيَمُوتَ مَكَانَهُ (وَجْبَةُ الرَّاحِلَةِ) صَوْتُ وَقْعِ قَدَمِهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَفِي الزَّوَائِدِ فِي إِسْنَادِهِ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ وَهُمَا ضَعِيفَانِ وَأَصْلُ الْحَدِيثِ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
٤٢٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ»
_________________
(١) قَوْلُهُ: (التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ) إِطْلَاقُ الذَّنْبِ يَشْمَلُ الذُّنُوبَ كُلَّهَا فَيَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ مِنْ أَيِّ ذَنْبٍ كَانَ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ إِذَا صَحَّتْ بِشَرَائِطِهَا فَهِيَ مَقْبُولَةٌ (كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الذَّنْبَ يُرْفَعُ مِنْ صَحَائِفِ أَعْمَالِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّشْبِيهُ فِي عَدَمِ الْعِقَابِ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، ثُمَّ الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الزَّوَائِدِ فِي زَوَائِدِهِ، وَقَالَ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى مَا قَالَ وَأَبْقَى الْحَدِيثَ عَلَى الْحَالِ، وَفِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، بَلْ حَسَّنَهُ شَيْخُنَا يَعْنِي لِشَوَاهِدِهِ، وَإِلَّا فَأَبُو عُبَيْدَةَ جَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
٤٢٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»
_________________
(١) قَوْلُهُ: (خَطَّاءٌ) بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: كَثِيرُ الْخَطَأِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَطَأِ الْمَعْصِيَةُ عَمْدًا، أَوْ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْخَطَأُ الْمُقَابِلُ لِلصَّوَابِ دُونَ الْعَمْدِ (التَّوَّابُونَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَيْ: دُونَ الْمُصِرِّينَ فَإِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغِيرَةِ يَجْعَلُهَا كَبِيرَةً فَكَيْفَ عَلَى الْكَبِيرَةِ.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
٤٢٥٢ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ ابْنِ مَعْقِلٍ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّدَمُ تَوْبَةٌ فَقَالَ لَهُ أَبِي أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ النَّدَمُ تَوْبَةٌ قَالَ نَعَمْ»
_________________
(١) قَوْلُهُ: (النَّدَمُ) أَيْ: عَلَى الْمَعْصِيَةِ، أَيْ: لِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً، وَإِلَّا فَإِذَا نَدِمَ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَمَا إِذَا نَدِمَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ مِنْ جِهَةِ صَرْفِ الْمَالِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ مِنَ التَّوْبَةِ فِي شَيْءٍ.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
٤٢٥٣ - حَدَّثَنَا رَاشِدُ بْنُ سَعِيدٍ الرَّمْلِيُّ أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَيَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ»
_________________
(١) قَوْلُهُ: (تَوْبَةٌ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُعْظَمُهَا وَمُسْتَلْزِمٌ لِبَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا عَادَةً فَإِنَّ النَّادِمَ يَنْقَلِعُ مِنَ الذَّنْبِ فِي الْحَالِ عَادَةً وَيَعْزِمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ فِي الِاسْتِقْبَالِ وَبِهَذَا الْقَدْرِ تَتِمُّ التَّوْبَةُ إِلَّا فِي الْفَرَائِضِ الَّتِي يَجِبُ قَضَاؤُهَا فَتَحْتَاجُ التَّوْبَةَ فِيهَا إِلَى الْقَضَاءِ، وَإِلَّا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فَتَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الِاسْتِحْلَالِ، أَيِ: الرَّدِّ وَالنَّدَمِ يَعْنِي عَلَى كُلِّ ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي الزَّوَائِدِ. قُلْتُ: وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: أَيْ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) أَيْ: مَا لَمْ تَبْلُغْ رُوحُهُ حُلْقُومَهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْقَيْءِ يَتَغَرْغَرُ بِهِ الْمَرِيضُ، وَالْغَرْغَرَةُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَشْرُوبُ فِي الْفَمِ وَيُرَدُّ إِلَى أَصْلِ الْحَلْقِ فَلَا يَبْلُغُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمَقْصُودُ مَا لَمْ يُعَايِنْ أَحْوَالَ الْآخِرَةِ، وَفِي الزَّوَائِدِ فِي إِسْنَادِهِ وَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَقَدْ عَنْعَنَهُ وَكَذَلِكَ مَكْحُولٌ الدِّمَشْقِيُّ اهـ. قُلْتُ: لَكِنْ مِنْ شَوَاهِدِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]
[ ٢ / ٥٦٣ ]
٤٢٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبٍ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ كَفَّارَتِهَا فَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي هَذِهِ فَقَالَ هِيَ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي»
_________________
(١) قَوْلُهُ: (مِنَ امْرَأَةٍ) أَيْ: أَجْنَبِيَّةٍ (هِيَ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا) أَيْ: بِهَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّهُ أَتَى بِالْحَسَنَةِ بَعْدَ السَّيِّئَةِ وَإِطْلَاقُ الْآيَةِ يَشْمَلُ الْكَبَائِرَ إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّغَائِرِ.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
٤٢٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ قَالَ قَالَ الزُّهْرِيُّ أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ فَقَالَ إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبُنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا قَالَ فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ فَقَالَ لِلْأَرْضِ أَدِّي مَا أَخَذْتِ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ لَهُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ خَشْيَتُكَ أَوْ مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ فَغَفَرَ لَهُ لِذَلِكَ»
_________________
(١) قَوْلُهُ: (ثُمَّ اسْحَقُونِي) أَيْ: دُقُّونِي وَاطْحَنُونِي (ثُمَّ ذَرُّونِي) مِنْ ذَرَاهُ، أَيْ: أَطَارَهُ فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ الْأَجْزَاءَ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ هُنَاكَ سَبِيلٌ إِلَى جَمْعِهَا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ جَمْعَهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُسْتَحِيلًا وَالْقُدْرَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَحِيلِ فَلِذَلِكَ قَالَ «فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي» فَلَا يَلْزَمُ أَنَّهُ نَفَى الْقُدْرَةَ فَصَارَ بِذَلِكَ كَافِرًا فَكَيْفَ يَغْفِرُ لَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَا نَفَى الْقُدْرَةَ عَلَى مُمْكِنٍ، وَإِنَّمَا فَرَضَ غَيْرَ الْمُسْتَحِيلِ مُسْتَحِيلًا فِيمَا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ إِنَّهُ مُمْكِنٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَالْكُفْرُ هُوَ الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي وَيُحْتَمَلُ أَنَّ شِدَّةَ الْخَوْفِ طَيَّرَتْ عَقْلَهُ فَلَا الْتَفَتَ إِلَى مَا يَقُولُ وَمَا يَفْعَلُ وَأَنَّهُ هَلْ يَنْفَعُهُ أَمْ لَا كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ فِي الْوَاقِعِ فِي مَهْلَكَةٍ فَإِنَّهُ قَدْ يَتَمَسَّكُ بِأَدْنَى شَيْءٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَعَلَّهُ يَنْفَعُهُ إِذْ هُوَ فِيمَا قَالَ وَفَعَلَ فِي حُكْمِ الْمَجْنُونِ، وَأَجَابَ بَعْضٌ بِأَنَّ هَذَا رَجُلٌ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، وَهَذَا بَعِيدٌ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: مَعْنَى «لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي،» أَيْ: ضَيَّقَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] أَيْ: نُضَيِّقَ اهـ، وَهَذَا مَعْنًى غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلسَّوْقِ أَصْلًا (أَدِّ) أَمْرٌ مِنَ الْأَدَاءِ.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
٤٢٥٦ - قَالَ الزُّهْرِيُّ وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ» قَالَ الزُّهْرِيُّ لِئَلَّا يَتَّكِلَ رَجُلٌ وَلَا يَيْئَسَ رَجُلٌ
_________________
(١) قَوْلُهُ: (فِي هِرَّةٍ) أَيْ: لِأَجْلِهَا (مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ) مُثَلَّثَةٌ حَشَرَاتُ الْأَرْضِ كَالْعَصَافِيرِ وَنَحْوِهَا كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: بِمُعْجَمَاتٍ، أَيْ: هَوَامُّهَا وَحَشَرَاتُهَا.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
٤٢٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ الْمُسَيَّبِ الثَّقَفِيِّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ فَسَلُونِي الْمَغْفِرَةَ فَأَغْفِرَ لَكُمْ وَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي بِقُدْرَتِي غَفَرْتُ لَهُ وَكُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ فَسَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ فَسَلُونِي أَرْزُقْكُمْ وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَأَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا فَكَانُوا عَلَى قَلْبِ أَتْقَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي لَمْ يَزِدْ فِي مُلْكِي جَنَاحُ بَعُوضَةٍ وَلَوْ اجْتَمَعُوا فَكَانُوا عَلَى قَلْبِ أَشْقَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي لَمْ يَنْقُصْ مِنْ مُلْكِي جَنَاحُ بَعُوضَةٍ وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَأَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا فَسَأَلَ كُلُّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ مَا نَقَصَ مِنْ مُلْكِي إِلَّا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِشَفَةِ الْبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهَا إِبْرَةً ثُمَّ نَزَعَهَا ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ عَطَائِي كَلَامٌ إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»
_________________
(١) قَوْلُهُ: (وَكُلُّكُمْ ضَالٌّ) أَيْ: عَارٍ مِنَ الْهِدَايَةِ
[ ٢ / ٥٦٤ ]
لَيْسَ لَهُ هِدَايَةٌ مِنْ ذَاتِهِ، بَلْ هِيَ مِنْ عِنَايَةِ رَبِّهِ وَلُطْفِهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي حَدِيثَ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» بِمَعْنَى أَنَّهُ يُولَدُ خَالِيًا عَنْ دَوَاعِي الضَّلَالَةِ وَفِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ مُحْتَاجٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّ أَحَدًا لَا يُغْنِي أَحَدًا شَيْئًا مِنْ دُونِهِ فَحَقُّهُ أَنْ يُتَبَتَّلَ إِلَيْهِ بِشَرَاشِرِهِ قَوْلُهُ: (بِأَنِّي جَوَادٌ) بَيَانٌ لِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَطَاؤُهُ الْكَلَامَ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي خَزَائِنِهِ النُّقْصَانُ.
[ ٢ / ٥٦٥ ]