٦ - (٨) - (١/ ١٣) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْن يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا". فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ مُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ.
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللهَ بْن الْحَارِثِ بْن جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ، وَمَعْقِلِ بْن أَبِي الْهَيثَمِ، وَيُقَالُ: مَعْقِلُ بْنُ أَبِي مَعقِلٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَهْلِ بْن حُنَيْفٍ. قَالَ أبُوْ عِيْسَى: حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ. وَأَبُو أَيُّوبَ اسْمُهُ: خَالِدُ بْن زَيْدٍ. وَالزُّهْرِيُّ اسْمُهُ: مُحَمَّدُ بْن مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَكُنْيَتُهُ: أَبُو بَكْرٍ.
قَالَ أَبُو الْوَليدِ الْمَكِّيُّ: قَالَ أَبُو عَبْد الله مُحَمَّدُ بْن إدْريْسَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "لا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا" إِنَّمَا هَذَا فِي الْفَيَافِي، وَأَمَّا فِي الْكُنُفِ الْمَبْنِيَّةِ لَهُ رُخْصَةٌ فِي أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا وَهَكَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْن إبْرَاهيْمَ.
وقَالَ أَحْمَدُ بْن حَنْبَلٍ ﵀: إِنَّمَا الرُّخْصَةُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَلَا يَسْتَقْبِلُهَا، كَأَنهُ لَمْ يَرَ فِي الصَّحْرَاءِ وَلَا فِي الْكُنُفِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ.
• قوله: "إِنَّمَا هَذَا فِي الْفَيَافِي": وكان الدَّليلُ على التَّخْصَيْصٍ أنَّ الغائطَ
[ ١ / ٥٧ ]
فِي الأصْل اسمٌ للمكان المُطمَئِنِّ من الأرضِ وهو المرادُ ههنا بقرينةِ "أتَيْتُمْ" إذ لا يُعْقل الإتيانُ بالنَّظر إلى ما يَخْرُج من الإنسانِ ممَّا يحل في ذلك المكان.
وأيضًا منعُ الإنسانِ عن الجِهَتَيْن وتخييرُه في جِهَتَيْن إنِّمَا يحسن عندَ حضورِه المكانَ، لا عند مُبَاشَرَتِه بما يَخْرُج من الإنْسَان، فيبقى حملُ الغائطِ على المكان، ولا شكَّ أنَّ الغائطَ عادةً لِمَا يطلبُ للخارج في الفَيافِي لا فِي البيوتِ.
ومِمَّا يَدُلُّ على خُصُوْصِ الحديث في الفَيافِي هو تَقْييدُ المنع عن الجِهَتَيْن وتخييرُه في الجِهَتَيْن بإتيانِ الغائط، ولا يَخْفى أنَّ ذلك في البيوتِ لا يكون عندَ إتيان الغائط بل عند مَبانِي الكَنِيف، وأمَّا فِي الفيافي فَيُتَصَوَّرُ عند اتْيان الغائط. والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٥٨ ]