٧٩ - (٢٨١) - (١/ ٢٢١ - ٢٢٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا أَبُو عَامَرٍ العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا، قَدْ مَنَعَتْينِي الصِّيَامَ وَالصَّلَاةَ؟ قَالَ: "أَنْعَتُ لَكِ الكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ" قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَتَلَجَّمِي" قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَاتَّخِذِي ثَوْبًا" قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ: أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ، فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي وَصَلِّي فَإِنَّ ذَلِكِ يُجْزِئُكِ وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ المَغْرِبَ، وَتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ، وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحٍ وَتُصَلِّينَ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي، وَصُومِي إِنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ١ / ١٥٢ ]
وَسَلَّمَ: وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ".
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَشَرِيكٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ جُرَيجٍ يَقُولُ: عُمَرُ بْنُ طَلْحَةَ، وَالصَّحِيحُ عِمْرَانُ بْنُ طَلْحَةَ. قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَهَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي المُسْتَحَاضَةِ: إِذَا كَانَتْ تَعْرِفُ حَيْضَهَا بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ، وَإِقْبَالُهُ أَنْ يَكُونَ أَسْوَدَ، وَإِدْبَارُهُ أَنْ يَتَغَيَّرَ إِلَى الصُّفْرَةِ، فَالحُكْمُ لَهَا عَلَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَإِنْ كَانَتِ المُسْتَحَاضَةُ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ قَبْلَ أَنْ تُسْتَحَاضَ، فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي، وَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ وَلَمْ تَعْرِفِ الحَيْضَ بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ، فَالحُكْمُ لَهَا عَلَى حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ. وكذلك قَالَ أبُوْ عُبَيْدٍ.
وقَالَ الشَّافِعِيُّ: المُسْتَحَاضَةُ إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي أَوَّلِ مَا رَأَتْ فَدَامَتْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِذَا طَهُرَتْ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ حَيْضٍ، فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنَّهَا تَقْضِي صَلَاةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَلَّ مَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
قَالَ أبُوْ عِيْسَى: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي أَقَلِّ الحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: أَقَلُّ الحَيْضِ ثَلاثَةٌ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ، وَبِهِ يَأْخُذُ ابْنُ المُبَارَكِ، وَرُوِيَ عَنْهُ خِلَافُ هَذَا.
وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْهُمْ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: أَقَلُّ الحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ،
[ ١ / ١٥٣ ]
وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
• قوله: "حَيْضَةً، كَثِيرَةً":-بفتح الحاء- بمعنى الحَيْضِ وهو مصدرُ "اسْتَحَاضَ" على حَدِّ "أنْبَتَ اللهُ نبَاتًا" ولا يَضُرُّه الفَرْقُ في اصطِلاحِ من الفُقَهَاء بين الحَيض والاستِحاضةِ إذ الكلام واردٌ على أصل اللُّغة.
• قوله: "فَتَلَجَّمِي": في "المجمع"، أي: اجْعَلى موضع خروج الدَّمِ عِصَابَةً تمنع الدم، شَبَّهَ بوضع اللِّجام فِي فم الدَّابة (^١).
وفِي "النهاية": وهو أن تَشُدَّ على وسَطِهَا خِرْقَةً أو خيطًا فتأخذ خرقةً أخرى فتُدْخِلها بين فخذيها وإلْيَتَيْها، وتَشُدُّ الطَّرْفَيْن بالخرقة التي فِي وسطها، إحداهما قدَّامها عند سُرَّتِها والأخرى خلفها، وتلصق هذه الخرقة المشدودةَ بين الفخذين بالقطعة التي على الفَرْج إلصاقًا جَيِّدًا. انتهى (^٢).
• قوله: "فَاتَّخِذِي"، أي: استَعْمِلي الثَّوب فِي التَّلَجُّمِ ليقطع. والله تعالى أعلم.
• قوله: "فَتَحَيَّضِي": في "المجمع": تَحَيَّضَتْ إذا قعدتْ من أيَّام حيضها تنتظر انقطاعها أراد عُدِّيْ نفسكِ حائضًا أو افْعَلِي ما تفعل الحائضُ، وخُصَّ العدَدَان؛ لأنَّهما الغالبُ على أيَّامه. انتهى (^٣).
• قوله: "فَصَلِّي أَرْبَعًا … " إلخ، ظاهرُ الإطلاق يقتضي أنَّه لا حاجة إلى
_________________
(١) راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: ٤/ ٤٦٩.
(٢) راجع: النهاية الجزرية لابن الأثير: ٨/ ٣٧٤٤.
(٣) راجع: مجمع بحار الأنوار للهندي: ١/ ٦١٥.
[ ١ / ١٥٤ ]
الوُضوء لكل وقت صلاة وهو ظاهر التَّشْبِيْه في قوله: "وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي، كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ … " إلخ، لكن مقتضى الأحاديث السَّابِقَة اعتبارُ الوضوءِ لكلِّ وقت صلاة مثلا. والله تعالى أعلم.
• قوله: "فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي": ظاهرُه أنَّ المرادَ إن قويتِ على أن تفعلي فى دائمًا كذلك من غير تَحَيُّضِ أيامًا، فالجمعُ بينهما أنْ تَحِيْضَ أيّامًا وتفعل في الباقي الجمع بين الصَّلاتين على الوجه المذكور.
والظاهر أنَّ إجزاءَ الأمرين على حسب حالِهما إن أمكنَ منها إرجاعُ الحيض إلى أيام بعينها بأدنى علامةٍ فقد قَوِيَتْ على الأمر الأوَّل وإلا فالأمْر الثَّانِي، والجمع، أنَّها تَجِد أدنى علامةٍ للإرجاع إلى أيَّامٍ بعَيْنِها ومع ذلك تَغْتَسل كلَّ يوم، وتجمع بين الصلاتين احتياطًا. والله تعالى أعلم. ومعنى "أيَّهُمَا صَنَعْتِ"، أي: عند القُدْرَةِ عليه بأنْ [كان] الحالُ مُقْتَضِيًا ذلك.
[ ١ / ١٥٥ ]