وقد اختلف في من الذي سكت أو نسي؟ قال النووي:" الساكت ابن عباس، والناسي سعيد بن جبير" (٣).
قال الحافظ:"قوله: يحتمل أن يكون القائل ذلك هو سعيد بن جبير، ثم وجدت عند الإسماعيلي التصريح بأن قائل ذلك هو ابن عيينة. وفي "مسند الحميدي" ومن طريقه أبو نعيم في "المستخرج": قال سفيان: قال سليمان أي ابن أبي مسلم: لا أدري أذكر سعيد بن جبير الثالثة فنسيتها أو سكت عنها. وهذا هو الأرجح" (٤).
وقال المهلب الثالثة:"هي تجهيز جيش أسامة - ﵁ - " (٥). وقواه ابن بطال، وقال:" وفيه دليل أن الوصية المدعاة لعليٍ باطلة؛ لأنه لو كان وصيًا كما زعموا لعلم قصة جيش أسامة كما علم ذلك أبو بكر، وما جهله" (٦).
وقال القاضي عياض:" ويحتمل هذا قوله ﵇:" لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد". فقد ذكر مالك في الموطأ (٧) معناه" (٨).
وقال الداودي: "الثالثة الوصية بالقرآن، وبه جزم ابن التين" (٩).
ويحتمل أن يكون ما وقع في حديث أنس أنها قوله: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" (١٠).
_________________
(١) شرح النووي ١١/ ٧٦.
(٢) ينظر إكمال المعلم ٥/ ٣٨٣،وشرح النووي ١١/ ٧٦.
(٣) شرح النووي ١١/ ٧٩.
(٤) فتح الباري ٥/ ٢٦١.
(٥) شرح ابن بطال ٥/ ٢١٤،وفتح الباري ٥/ ٢٦١.
(٦) المصدر نفسه.
(٧) الموطأ (٣٧٦).
(٨) إكمال المعلم ٥/ ٣٨٣.
(٩) فتح الباري ٥/ ٢٦١،وعمدة القاري ٢٦/ ٣٤٨.
(١٠) أخرجه أحمد ٣/ ١١٧،والنسائي في الكبرى ٤/ ٢٥٨، عن أنس - ﵁ - قال: كانت عامة وصية رسول الله - ﷺ - حين حضره الموت:"الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل رسول الله - ﷺ - يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه ".بإسناد صحيح.
[ ٤٤ ]
والذي يظهر أنّ سبب هذا الاختلاف في ما وصّى به النبي - ﷺ - عائد إما إلى أن كل صحابي ينفي أو يثبت بنحو ما سمعه من النبي - ﷺ -،فأنس - ﵁ - يذكر آخر وصية قالها النبي - ﷺ - وهو يغرغر بأبي هو وامي والناس أجمعين، وهذه الوصايا الثلاث إنما ذكرها النبي - ﷺ - قبل وفاتة بأيام، فلا تعارض.
وقد تمسك بعض المبتدعة وتشبثوا بهذه الوصية الثالثة زاعمين أن أهل السنة حذفوها أو بعض الرواة كتموها!
قال صاحب المراجعات: " ومع ذلك فقد أوصاهم عند موته بوصايا ثلاث: أن يولوا عليهم عليًا، وأن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأن يجيزوا الوفد بنحو ما كان يجيزه، لكن السلطة والسياسة يومئذ ما أباحتا للمحدثين بوصيته الأولى، فزعموا أنهم نسوها " (١).
وهو مردود باطل، فلو كان هناك ما يخفى أو يمنع من الإظهار إلى العلن –جدلًا- فلماذا يقول:"نسيتها" أو "تركتها"؟ بل تحذف الثالثة وتصبح الوصية أمرين فقط؟ علمًا أن في الروايات الحديثية مثل ذلك كثير، منها:
ما اخرجه أحمد بسنده عن البراء بن عازب - ﵁ - النبي - ﷺ - قال:"زينوا القرآن بأصواتكم ".كنت نسيتها فذكرنيها الضحاك بن مزاحم (٢).
وكذا ما أخرجه باسناده عن سيار بن سلامة قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة فسألناه عن وقت صلاة رسول الله - ﷺ -؟ فقال: "كان يصلي الظهر حين تزول الشمس والعصر يرجع الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية والمغرب قال سيار نسيتها والعشاء لا يبالي بعد تأخيرها إلى ثلث الليل وكان لا يحب النوم قبلها والحديث بعدها وكان يصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف وجه جليسه وكان يقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة قال سيار لا أدري في إحدى الركعتين أو في كلتيهما" (٣). ونظراء هذا كثير لمن تتبع.
وهنا نسأل فلماذا لم تكن هذه الوصية الثالثة هي باستخلاف أبي بكر- مثلا-ولا سيما أنه قد تعددت شواهده! فنسيها ابن عباس - ﵁ - أو الراوي عنه عبيد الله –جدلًا-؟ ولو فتحنا مثل هذه التساؤلات في الروايات لردت أمور ثابتة، وابتدعت أخرى وتحرف دين الله تعالى.
ثم لماذا يكتمها ابن عباس –جدلًا- أو عبيد الله؟ بعد خلافة علي - ﵁ -؟ على علمهم بإثم من كتم الشهادة، ﵃ أجمعين.
_________________
(١) المراجعات ص ٢٥٥/ ٢٨٤.
(٢) المسند ٤/ ٣٠٤.
(٣) المسند ٤/ ٤٢٥.
[ ٤٥ ]
قال الحافظ ابن حجر:" أخرج ابن حبان الحديث من طريق ابن عيينة عن مالك بن مغول بلفظ يزيل الإشكال فقال: "سئل ابن أبي أوفى: هل أوصى رسول الله - ﷺ -؟ قال: ما ترك شيئا يوصي فيه. قيل: فكيف أمر الناس بالوصية ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله"، وقال القرطبي: استبعاد طلحة واضح لأنه أطلق، فلو أراد شيئا بعينه لخصه به، فاعترضه بأن الله كتب على المسلمين الوصية وأمروا بها فكيف لم يفعلها النبي - ﷺ -؟ فأجابه بما يدل على أنه أطلق في موضع التقييد، قال: وهذا يشعر بأن ابن أبي أوفى وطلحة بن مصرف كانا يعتقدان أن الوصية واجبة، كذا قال، وقول ابن أبي أوفى "أوصى بكتاب الله" أي بالتمسك به والعمل بمقتضاه، ولعله أشار لقوله ﷺ: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا كتاب الله"، وأما ما صح في مسلم وغيره أنه ﷺ: "أوصى عند موته بثلاث: لا يبقين بجزيرة العرب دينان" وفي لفظ: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب" وقوله: "أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به" ولم يذكر الراوي الثالثة، وكذا ما ثبت في النسائي أنه - ﷺ - "كان آخر ما تكلم به الصلاة وما ملكت أيمانكم" وغير ذلك من الأحاديث التي يمكن حصرها بالتتبع، فالظاهر أن ابن أبي أوفى لم يرد نفيه، ولعله اقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه أعظم وأهم، ولأن فيه تبيان كل شيء إما بطريق النص وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتبع الناس ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم النبي ﷺ به لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية، أو يكون لم يحضر شيئا من الوصايا المذكورة أو لم يستحضرها حال قوله، والأولى أنه إنما أراد بالنفي الوصية بالخلافة أو بالمال، وساغ إطلاق النفي أما في الأول فبقرينة الحال وأما في الثاني فلأنه المتبادر عرفا، وقد صح عن ابن عباس: "أنه - ﷺ - لم يوص" أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أرقم بن شرحبيل عنه، مع أن ابن عباس هو الذي روى حديث أنه - ﷺ - أوصى بثلاث، والجمع بينهما على ما تقدم " (١).