قول عمر - ﵁ - حسبكم كتاب الله
وأما ما ادعوه من اعتراض عمر على رسول الله - ﷺ - بقوله: (عندكم كتاب الله، حسبنا كتاب الله) وأنه لم يمتثل أمر الرسول - ﷺ - فيما أراد من كتابة الكتاب، فالرد عليه: أنه ليس في قول عمر هذا الاحتمال، أي اعتراض على رسول الله - ﷺ - وعدم امتثال أمره كما قد يتوهم، ويرد عليهم:
١ - أنّ قول عمر - ﵁ -: (حسبنا كتاب الله) حسم للخلاف الذي وقع بين الحاضرين لا على أمر النبي - ﷺ -، وهذا ظاهر من قوله: (عندكم كتاب الله) فإن المخاطب جمع وهم المخالفون لعمر - ﵁ - في رأيه. وإلا فعمر - ﵁ - هو من اشد الناس إتباعًا للنبي - ﷺ -.
ثم لو ادعى مدعٍ أنّ عليَّ بن أبي طالب - ﵁ - كان ممن قال بقول عمر - ﵁ - أو ممن خالفه لما وجد إلى ذلك سبيلًا فاحتمال الأمرين جائز.
٢ - أنّه ظهر لعمر - ﵁ - ومن كان على رأيه من الصحابة، أن أمر الرسول - ﷺ - بكتابة الكتاب ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، وقد نبه على هذا القاضي عياض (١)، والقرطبي (٢)، والنووي (٣)، وابن حجر (٤).
ثم إنه قد ثبت بعد هذا صحة اجتهاد عمر - ﷺ - وذلك بترك الرسول - ﷺ - كتابة الكتاب، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم، لأنه لن يترك التبليغ لمخالفة من خالف، ولهذا عد هذا من موافقات عمر - ﵁ -.
قال القرطبي في سبب اختلافهم:"وسبب ذلك أن ذلك كله إنما حمل عليه الاجتهاد المسوغ، والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب، أو أحدهما مصيب، والآخر غير مأثوم بل مأجور كما قررناه في الأصول " (٥).
_________________
(١) إكمال المعلم ٥/ ٣٨١.
(٢) المفهم ٤/ ٥٦٠.
(٣) شرح مسلم ١١/ ٧٨.
(٤) فتح الباري ٨/ ١٣٤.
(٥) المفهم ٤/ ٥٦٠.
[ ٣١ ]
ثم صح عن علي - ﵁ - أنه رفض محو كلمة (رسول الله - ﷺ -) لما أمره النبي - ﷺ - في صلح الحديبية أن يفعل ذلك؟ فهل تعد مخالفة؟ الجواب قطعًا: لا؟ وهذه كتلك، فتأمل.
وحتى على قول من قال إنّ خطاب عمر - ﵁ - لما قال (حسبنا كتاب الله) أراد التوقف عن الإتيان بالكتاب فلم يفهم من قول عمر - ﵁ - أنه قصد الاستغناء عن سنة النبي - ﷺ -،ومن زعم ذلك من المبتدعة فهو زعم لا دليل عليه، لأن عمر - ﵁ - لم يرد بقوله هذا الاستغناء عن بيان السنة المطهرة، بل قال ما قاله لما قام عنده من القرينة بالاجتهاد السائغ على أنّ كتابة هذا الكتاب مما سبق تأصيله في كتاب الله ﷿.
وقال الخطابي: "لم يتوهم عمر الغلط فيما كان النبي - ﷺ - يريد كتابته، بل امتناعه محمول على أنه لما رأى ما هو فيه من الكرب وحضور الموت خشي أن يجد المنافقون سبيلًا إلى الطعن فيما يكتبه وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق فكان ذلك سبب توقف عمر - ﵁ -، لا أنه تعمد مخالفة النبي - ﷺ - ولا جواز الغلط عليه حاشا وكلا " (١).
وقال النووي:" أما كلام عمر - ﵁ - فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر - ﵁ - وفضائله ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب - ﷺ - أمورًا ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها فقال عمر: حسبنا كتاب الله لقوله تعالى ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ وقوله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ فعلم أنّ الله تعالى أكمل دينه فأمن الضلالة على الأمة وأراد الترفيه على رسول الله - ﷺ - فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه" (٢).
وقال ابن بطال:" فعمر أفقه من ابن عباس حين اكتفى بالقرآن الذى أكمل الله فيه الدين، ولم يكتف بذلك ابن عباس " (٣).
وتُعقب ابن بطال:" بأن إطلاق ذلك مع ما تقدم ليس بجيد فإن قول عمر - ﵁ -:حسبنا كتاب الله. لم يرد أنه يكتفى به عن بيان السنة بل لما قام عنده من القرينة وخشي من الذي يترتب على كتابة الكتاب مما تقدمت الإشارة إليه فرأى أن الاعتماد على القرآن لا يترتب عليه شيء مما خشيه. وأما ابن عباس فلا يقال في حقه لم يكتف بالقرآن مع كونه حبر القرآن وأعلم الناس بتفسيره وتأويله؛ ولكنه أسف على ما فاته من البيان بالتنصيص عليه لكونه أولى من الاستنباط والله أعلم" (٤).
_________________
(١) شرح النووي ١١/ ٧٧،وفتح الباري ٨/ ١٣٤.
(٢) شرح مسلم ١١/ ٧٧.
(٣) شرح البخاري١/ ١٨٩.
(٤) فتح الباري٨/ ١٣٢.
[ ٣٢ ]
أما عن ادعائهم أن عمر - ﵁ - اضطهد الصحابة وغلبهم بالقوة فدونه خرط القتاد! فكيف يستطيع رجل واحد –كما جاء في رواياتهم (١) - أن يمنع النبي - ﷺ - من تبليغ أمرٍ تزعمون أنه وصية الله ورسوله! وهو أمر لا يجوز جهله ناهيك عن نكرانه والتنكب له؟
ثم أنتم زعمتم أنّ رسول الله - ﷺ - بلغه مرارًا وتكرارًا في غدير خم وغيره –فلو سلمنا جدلًا- فما الطائل إذن من دفعه في هذا الموضع أو منعه، والناس كل الناس تعرفه؟ ولو أعملتم النظر في فريتكم هذه لوقعتم في الكفر على قواعدكم إذ تزعمون أنّ الوصية نصَّ عليها القرآن وذكرت صراحة بقوله تعالى:" ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ المائدة٦٧.
يقول ابن تيمية ﵀:" ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي فهو ضال باتفاق عامة الناس من علماء السنة والشيعة، أما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه، وأما الشيعة القائلون بأن عليًا كان هو المستحق للإمامة فيقولون إنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصًا جليًا ظاهرًا معروفًا وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب، وإن قيل إن الأمة جحدت النص المعلوم المشهور فلأن تكتم كتابًا حضره طائفة قليلة أولى وأحرى، وأيضًا: فلم يكن يجوز عندهم تأخير البيان إلى مرض موته، ولا يجوز له ترك الكتاب لشك من شك فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته لكان النبي - ﷺ - يبينه ويكتبه ولا يلتفت إلى قول أحد فإنه أطوع الخلق له، فعلم أنه لما ترك الكتاب لم يكن الكتاب واجبًا ولا كان فيه من الدين ما تجب كتابته حينئذ إذ لو وجب لفعله كما لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه وكما أمر في ذلك الحال بإخراج اليهود من جزيرة العرب وغير ذلك مما ذكره في الحديث وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أنه - ﷺ - أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر - ﵁ -، ثم ترك ذلك اعتمادًا على ما علمه من تقدير الله تعالى ذلك كما هم بالكتاب في أول مرضه حين قال: "وارأساه"، ثم ترك الكتاب، وقال: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر"، ثم نبه أمته على استخلاف أبي بكر بتقديمه إياه في الصلاة" (٢).
ثم كيف يستطيع عمر - ﵁ - أن يقهر أمة كاملة فيهم أمثال أبي بكر وعثمان وعلي وطلحة وسعد، وهم أهل الشجاعة والدين وقد نصّ القرآن على صدقهم وشدتهم!! فيكتمونه عن الناس ولا يبلغونه، ولا ينصرون نبيهم في هذه اللحظات التي هي أشد اللحظات عليهم، لحظات الفراق وقد عرفوا بحبه واتباعه، حتى قال
_________________
(١) ينظر مثلا: إثبات الهداة، الحر العاملي١/ ٥٤٩،والغيبة، للمجلسي ص١٥٠،وله أيضًا: بحار الأنوار ٥٣/ ١٤٧وغاية المرام، لهاشم البحراني ١/ ٣٧٠.
(٢) منهاج السنة ٦/ ٢٥ - ٢٦.
[ ٣٣ ]
عروة بن مسعود الثقفي - ﵁ - لما أرسلته قريش مفاوضًا قبل أن يسلم لما رجع إلى قريش:" والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدا والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له " (١).
فالصحابة الذين قتلوا وأوذوا وشردوا فصبروا من أجل إعلاء كلمة الحق أمام طاغية عصره أبي جهل وغيره من طواغيت الباطل في بدر الفرقان وأحد وحنين .. الخ أيعجزون عن رد رجل واحد، كائنًا من كان -لو سلمنا لكم- وفي حضرة من هو أحب إليهم من أنفسهم وأموالهم والناس أجمعين؟ ولو أردنا إيراد بعض مآثرهم في توقير النبي - ﷺ - وتعظيمه والأدب بين يديه لما وسعنا مثل هذا البحث ولا عشرات أمثاله! ووالله لو حدثت طفلًالم يبلغ الحلم على فطرته بمثل هكذا خرافة لاستنكرها أيما استنكار؟!،ولكن ما قولك فيمن رضع الحقد والطعن والتكفير، أعاذنا الله من الجهل والبدع. زيادة على ما في هذا القول من تهمة لكل الصحابة – ومنهم علي - ﵁ - في دينهم وشجاعتهم.
وقد جاءت في كتب القوم نصوص كثيرة تنصّ على أنّ هناك من سمع وعلم الوصية المزعومة وهم من أبرز الصحابة جرأة وشجاعة وجلادة: كعلي بن أبي طالب والمقداد وأبي ذر وسلمان وأسامة، وطلحة والزبير، وأبي سفيان!!! وغيرهم ﵃ أجمعين، ومن ذلك ما يروونه:
عن سليم بن قيس الهلالي: قال الإمام علي (ع) لطلحة: " ألست قد شهدت رسول الله (ص) حين دعا بالكتف ليكتب فيها مالا تضل الأمة ولا تختلف، فقال صاحبك ما قال: (إن نبي الله يهجر) فغضب رسول الله (ص) ثم تركها قال: بلى قد شهدت ذلك. قال: فإنكم لما خرجتم أخبرني بذلك رسول الله (ص) بالذي أراد أن يكتب فيها وأن يشهد عليها العامة فأخبره جبرئيل: (إن الله ﷿ قد علم من الأمة الاختلاف والفرقة) ثم دعا بصحيفة فأملى عليّ ما أراد أن يكتب في الكتف وأشهد على ذلك ثلاث رهط: سلمان وأبا ذر والمقداد وسمى من يكون من أئمة الهدى الذين أمر الله بطاعتهم إلى يوم القيامة. فسماني أولهم ثم ابني هذا - وأدنى بيده إلى الحسن - ثم الحسين ثم تسعة من ولد ابني هذا - يعني الحسين- كذلك كان يا أبا ذر وأنت يا مقداد فقاموا وقالوا: نشهد بذلك على رسول الله (ص) " (٢).
_________________
(١) صحيح البخاري (٢٥٢٩).
(٢) كتاب سليم بن قيس الهلالي ص٢١١،وغيبة النعماني ص٨١.
[ ٣٤ ]
فهذا سلمان وأبو ذر ﵄، وكذا العباس عم النبي - ﷺ - وأسامة وأبو سفيان وغيرهم كما نقل في نهج البلاغة (١) فهؤلاء كلهم يعلمون بوصيته - ﷺ - لعلي –كما يزعمون- فلماذا سكتوا جميعًا! هل خوفًا من رجل واحد!؟،ومما ثبت عند الجميع أنّ الصحابة الكرام كان ينتقد أحدهم الآخر ولا يسلّم له إلا بما ثبت عن النبي - ﷺ - فهل يعقل أن يرد سلمان على عمر ﵄ وهو خليفة المسلمين لثوب لبسه ويسكت عن وصية النبي - ﷺ - في علي؟ ولا يقال إنّ عليًا ومن معه كانوا مستضعفين؟ فهو قول باطل لكون الولاء في الإسلام لم يكن للعشيرة ولا للقبيلة وإنما للدين، ولو كان الأمر للعشيرة أو القبيلة لكان الأمر للأوس أو الخزرج؟ لأن أبا بكر وعمر وعليًا وعثمان ﵃ كانوا من أهل مكة والخلاف وقع في المدينة.
فعلي - ﵁ - من أشرف قبائل العرب وأعزها بيتًا وأمنعها رجالًا فكيف يصبر على ضيم ولا سيما إن كان في الدين!! وهذه العزة والمنعة يقرون بها في كتبهم: فيروون عن علي - ﵁ - أنه قال ليهودي:"يا أخا اليهود (٢)!!! - ثم إني لو طلبت حقي لكنت أولى ممن طلبه لعلم من مضى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن بحضرتك منه بأني كنت أكثر عددًا وأعز عشيرة وأمنع رجالًا وأطوع أمرًا وأوضح حجة وأكثر في هذا الدين مناقب وآثارًا لسوابقي وقرابتي ووراثتي " (٣).
فهذا النص من فمهم وهو يدينهم فلم يكن مستضعفًا كما يصورونه، وهذه فاطمة بنت النبي - ﷺ - وزوج علي جهرت بطلبها أرض فدك وخاصمت من أجلها، فهل أرض فدك أعز على فاطمة من وصية الدين؟ وهل علي - ﵁ - أقل شجاعة منها؟ – حاشاه- فهذه الفرية مردودة شرعًا وعقلًا، والهدف الواضح هو الطعن في علي - ﵁ - أولًا؛ إذ يصورنه ضعيفًا مهزومًا خوارًا –حاشاه- فهو أسد الله وسيف نبيه المسلط على أعداء الله تعالى.
وتأمل في هذه النصوص الباطلة التي ينقلونها فتنقلب على قائلها حجة!،فجاء في نهج البلاغة يصف حادثة السقيفة:"فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإنّ الناس في ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولا يصدر أحد إلا عن رأيكم أنتم أهل العزة والمنعة، وأولو العدد والكثرة وذوو البأس والنجدة وإنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير. فقال عمر هيهات لا يجتمع سيفان في غمد والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة منهم من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه
_________________
(١) نهج البلاغة شرح أبي حديد ١/ ٢١٠.
(٢) وعجبًا لهذه العقيدة التكفيرية التي تكفر الصحابة الموحدين، وتجعل من اليهود المشركين أخوانًا لهم؟!.
(٣) الخصال ص٣٧٤.
[ ٣٥ ]
وعشيرته. فقال الحباب بن المنذر: يا معشر الأنصار املكوا أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم فأجلوهم من هذه البلاد فأنتم أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب أنا أبو شبل في عريسة الأسد، والله إن شئتم لنعيدنها جذعة. فقال عمر: إذن يقتلك الله. قال: بل إياك يقتل" (١).
وهذه القصة لا تثبت من وجه صحيح بل هي باطلة، وفيها ما فيها من الدس والطعن، إذ الثابت عن الحباب بن المنذر - ﵁ - أنه قال: منا أمير ومنكم أمير (٢)،والمهم هنا: لماذا اعترض الحباب –وسكت علي ﵄، وأنتم تقولون هو وصي رسول الله - ﷺ -؟ وهذا النص –المزعوم-يقطع أن عمر - ﵁ - يرد ويناقش بل ويسب؟! - حاشاه – فأين زعمكم أنّ عمر - ﵁ - الجم الصحابة كلهم ومنع الوصية؟
ثم ثبت بالسند الصحيح عندنا أن بعض الأنصار أرادوا سعد بن عبادة للخلافة في حادثة سقيفة بني ساعدة (٣)،فلماذا تكلم كل هؤلاء وترك مثله علي ﵁، ولماذا لم يدلِ برأيه مثل بقية الصحابة؟ فإن قيل ترك ذلك لئلا تقع فتنة بين الصحابة؟
أجيب: ألستم من نقل قول الحباب بن المنذر –المزعوم –آنفًا: (فإن أبوا عليكم فأجلوهم من هذه البلاد)، أي: اطردوهم من المدينة، (فأنتم أحق بهذا الأمر منهم)؛لأنه يرى قومه أحق بالخلافة! فأين وصيتكم المزعومة؟، (فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين)، وهذه أوضح صورة على الدس في هذه القصة (٤)،فكيف ينسبه الصحابي الجليل الحباب بن المنذر إلى نفسه وهو من البدريين! ثم يقول: (أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب أنا أبو شبل في عريسة الأسد، والله إن شئتم لنعيدنها جذعة. فقال عمر: إذن يقتلك الله. قال-احباب-: بل إياك يقتل)! وهل بعد هذه الفتنة فتنة؟ فإذا وقع المحذور بزعمكم كانت الفرصة سانحة للمطالبة بالحق الشرعي؟
والأهم من هذا كله: لو كان عمر - ﵁ - بهذه الصورة المشوهة التي ترسمونها له من حب للدنيا وطمع في الخلافة –حاشاه-فلماذا رفض عمر الخلافة وقد دعاه إليها أبو بكر؟ أليس هذا زهدًا منه ومعرفة بحق أبي بكر ومنزلته؟ وهو أهل لها وحق له ذلك.
٣ - إنّ عمر - ﵁ - كان بعيد النظر، ثاقب البصيرة، سديد الرأي، وقد رأى أن الأولى ترك كتابة الكتاب -بعد أن تقرر عنده أن الأمر به ليس على الوجوب- وذلك لمصلحة شرعية راجحة للعلماء في توجيهها أقوال، فقيل: شفقته على رسول الله - ﷺ - مما يلحقه من كتابة الكتاب مع شدة المرض، ويشهد لهذا قوله: (إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع) فكره أن يتكلف رسول الله - ﷺ - ما يشق ويثقل عليه (٥) مع استحضاره قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ الأنعام /٣٨، ﴿تبيانًا لكل شيء﴾.النحل/٨٩.
وقيل: إنه خشي تطرق المنافقين، ومن في قلبه مرض، لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة، وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل، نصّ على ذلك القاضي عياض وغيره من أهل العلم (٦).
وقيل: إنه خشي أن يكتب أمورًا ربما عجزوا عنها فاستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد، لما فيه من الأجر والتوسعة على الأمة.
وقد يكون عمر - ﵁ - لاحظ هذه الأمور كلها، أو كان لاجتهاده وجوه أخرى لم يطلع عليها العلماء، كما خفيت قبل ذلك على من كان خالفه من الصحابة، ووافقه عليها الرسول - ﵁ - بتركه كتابة الكتاب، ولهذا عد العلماء هذه الحادثة من دلائل فقهه ودقة نظره.
قال النووي:"وأما كلام عمر - ﵁ - فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث، على أنه من دلائل فقه عمر، وفضائله، ودقيق نظره" (٧).
الوجه الرابع: أن عمر - ﵁ - كان مجتهدًا في موقفه من كتابة الكتاب، والمجتهد في الدين معذور على كل حال، بل مأجور لقول النبي - ﷺ -: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر " (٨)، فكيف وقد كان اجتهاد عمر بحضور رسول الله - ﷺ - فلم يؤثمه، ولم يذمه به، بل وافقه على ما أراد من ترك كتابة.
_________________
(١) نهج البلاغة ١/ ٣٦٤.
(٢) مسند أحمد١/ ١٣٢.
(٣) صحيح البخاري (٦٣٢٨)
(٤) وهو على طريقتهم في الطعن في أصحاب النبي - ﷺ -،فلا يعقل أن يصدر مثل هذا الكلام من رجل تربى في مدرسة القرآن وكنف النبي - ﷺ -؟ بل ولا يعقلها الطفل الصغير الذي قرأ شيئًا من القرآن، فلم تأت آية في القرآن الكريم تتحدث عن النصر إلا قرنت بالله تعالى أو نسب النصر إليه تعالى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ آل عمران١٢٦. و﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ الأنفال١٠.وكذا ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ التوبة٢٥.و﴿وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ الفتح٣.بل في آية تحفظها عجائز المسلمين وصغارهم: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ النصر١. ولا عجب، فهذا ديدنهم، فهم يتهمون النبي - ﷺ - حاشاه- أنه فشل في تربية أصحابه، يقول الخميني:" إن رسول الله قد فشل في تربية أصحابه" خطاب ألقاه في إذاعة طهران بمناسبة مولد الرضا ١٥ شعبان١٤٠٠هـ، وينظر أحاديث يحتج بها الشيعة، عبد الرحمن دمشقية ١/ ١٩٨.
(٥) انظر: الشفا للقاضي عياض ٢/ ٨٨٨، وشرح صحيح مسلم للنووي ١١/ ٩٠، وفتح الباري لابن حجر ١/ ٢٠٩.
(٦) انظر: الشفا ٢/ ٨٨٩، وشرح النووي ٢/ ٩٢.
(٧) شرح النووي ١١/ ٧٦.
(٨) رواه البخاري من حديث عمرو بن العاص (٧٣٥٢)، ومسلم ٣/ ١٣٤٢ (١٧١٦).
[ ٣٦ ]
وأما قولهم: إنّ الأكثرية الساحقة كانت على قول عمر - ﵁ -، ولذلك رأى رسول الله - ﷺ - عدم الجدوى من كتابة الكتاب، لأنه علم بأنهم لن يمتثلوه بعد موته. فهذا الكلام مع ما فيه من الكذب على الرسول - ﷺ - والطعن على الصحابة بمجرد التخرص والظنون الكاذبة، فهو دليل على جهل مركب، إذ الرسول - ﷺ - مأمور بالتبليغ سواء استجاب الناس أو لم يستجيبوا، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ المائدة٩٢. فلو كان الرسول - ﷺ - أمر بكتابة الكتاب، ما كان ليتركه لعدم استجابة أصحابه، كما أنه لم يترك الدعوة في بداية عهدها لمعارضة قومه وشدة أذيتهم له، بل بلّغ ما أُمر به، وما أثناه ذلك عن دعوته، حتى هلك من هلك عن بينة، وحيَ من حيي عن بينة (١).
فلو كان في هذا الكتاب أمر شرعي واجب التبليغ لاستحال شرعًا وعقلًا وعرفًا أنّ يتركه النبي - ﷺ - علمًا أنّ الحادثة يوم الخميس ووفاته - ﷺ - يوم الاثنين بالاتفاق فلماذا لم يبلغه بعد؟ علمًا أنه أوصى بعد ذلك بغيره من الوصايا الأخرى الواردة في الحديث نفسه؟
قال النووي:"كان النبي - ﷺ - همّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه ذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك ونسخ ذلك الأمر الأول" (٢).
ثم لو سلمنا لهكذا شبه فستفتح علينا أبواب كثيرة أمام شبه أكبر، إذ على هذه القواعد العرجاء يستطيع أي مفتر كذاب أن يدعي ما يشاء في أي مسألة! فالدين كمل والرسالة تمت وما مات النبي - ﷺ - إلا وقد بلغ الدين كله.
وقال شيخ الاسلام:"إن قيل: أن الأمة جحدت النص المعلوم المشهور، فلأن تكتم كتابا حضره طائفة قليلة أوْلى وأحرى. وأيضا فلم يكن يجوز عندهم تأخير البيان إلى مرض موته، ولا يجوز له ترك الكتاب لشك من شك، فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته، لكان النبي - ﷺ - يبيّنه ويكتبه، ولا يلتفت إلى قول أحدٍ، فإنه أطوع الخلق له، فعُلم أنه لما ترك الكتاب لم يكن الكتاب واجبًا، ولا كان فيه من الدين ما تجب كتابته حينئذ، إذ لو وجب لفعله، ولو أن عمر - ﵁ - اشتبه عليه أمر، ثم تبيّن له أوشك في بعض الأمور، فليس هو أعظم ممن يفتى ويقضى بأمور ويكون النبي - ﷺ - قد حكم بخلافها، مجتهدا في ذلك، ولا يكون قد علم حكم النبي - ﷺ -؛ فإن الشك في الحق أخف من الجزم بنقيضه" (٣).
_________________
(١) الإنتصار للصحب، الرحيلي ص٢٩٣،بتصرف.
(٢) شرح النووي ١١/ ٧٦،وينظر منهاج السنة ٦/ ٣١٥،وفتح الباري ١/ ٢٠٩.
(٣) منهاج السنة ١/ ٣٩٦.
[ ٣٨ ]