قوله - ﷺ - (قوموا عني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني).
وقوله - ﷺ - قوموا عني: هو خطاب موجه لمن حوله في البيت لما اختلفوا وتنازعوا في أمر الكتابة، فقال لهم النبي - ﷺ - قوموا عني من شدة ما يصيب المريض من الانزعاج من أشياء قد لا تكون مزعجة له قبل المرض، وهذا أمر طبعي فأي إنسان قد يتأذى من أي شيء حتى لو كان هذا الشيء مباحًا وربما مسنونًا، وقد نبه النبي - ﷺ - إلى هذا الأمر فأخرج الشيخان من حديث أبي مسعود الأنصاري - ﵁ - قال: قال رجل يا رسول الله لا أكاد أدرك
_________________
(١) أوائل المقالات ص٤٤.
(٢) الكافي ٢/ ١٧٦كتاب الإيمان والكفر باب الكتمان.
(٣) الكافي ٢/ ١٧٨ كتاب الإيمان والكفر باب الكتمان.
[ ٣٩ ]
الصلاة مما يطول بنا فلان فما رأيت النبي - ﷺ - في موعظة أشد غضبا من يومئذ فقال:" أيها النّاس إنّكم منفّرون فمن صلى بالنّاس فليخفّف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة " (١).
وأحيانًا تجد أحدنا ينفر من أحب الناس إليه، ومن أحب المجالس إليه بسبب ما يطرأ عليه من آلام المرض، فكيف بالنبي - ﷺ - وهو يتوجع أشد مما يتوجع به رجلان؟ كما جاء في حديث ابن مسعود - ﵁ -:"إني أوعك كما يوعك رجلان منكم قلت ذلك أن لك أجرين قال أجل ذلك" (٢).
وهذا من باب ما يعرض للأنبياء من عوارض المرض بوصفهم بشرًا وليس بوصف النبوة، وهذا أمر طبعي فالنبي - ﷺ - جاع وعطش ومرض وجرح وكسرت رباعيته الشريفة، وسحر، وطرأت عليه ما يطرأ على غيره من البشر، وهذا من كمال نبوته فهو أسوة للناس - ﷺ - يجوع كما يجوعون ويمرض كما يمرضون ولكنه مع هذا فهو لا يقول إلا حقًا ولا ينطق إلا صدقًا، وهذا كله في غير التبليغ فهو معصوم فيه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ النجم٣ - ٤.
قال النووي:" أعلم أنّ النبي - ﷺ - معصوم من الكذب ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته وحال مرضه، ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، وليس معصومًا من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام ونحوها، مما لا نقص فيه لمنزلته ولا فساد لما تمهد من شريعته وقد سحر - ﷺ - حتى صار يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله ولم يصدر منه - ﷺ - في هذا الحال كلام في الأحكام مخالف لما سبق من الأحكام التي قررها فإذا علمت ما ذكرناه فقد " (٣).
وقال أيضًا:"معناه دعوني من النزاع واللغط الذي شرعتم فيه، فالذي أنا فيه من مراقبة الله تعالى والتأهب للقائه والفكر في ذلك ونحوه أفضل مما أنتم فيه" (٤).
قال ابن الجوزي:"يحتمل أن يكون المعنى دعوني فالذي أعاينه من كرامة الله التي أعدها لي بعد فراق الدنيا خير مما أنا فيه في الحياة أو أن الذي أنا فيه من المراقبة والتأهب للقاء الله، والتفكر في ذلك ونحوه، أفضل من الذي تسألونني فيه من المباحثة عن المصلحة في الكتابة أو عدمها ويحتمل أن يكون المعنى فإن امتناعي من أن أكتب لكم خير مما تدعونني إليه من الكتابة" (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٠) وغيرها من المواضع ومسلم ٣/ ١٢ (٤٦٦).
(٢) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٥٣٣٦)،ومسلم ٨/ ١٤ (٦٧٢٤) وغيرهما.
(٣) شرح النووي ١١/ ٧٦.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) فتح الباري ٨/ ١٣٢.
[ ٤٠ ]
وتعقبه الحافظ فقال:" ويحتمل عكسه، أي الذي أشرت عليكم به من الكتابة خير مما تدعونني إليه من عدمها بل هذا هو الظاهر وعلى الذي قبله كان ذلك الأمر اختبارا وامتحانا فهدى الله عمر لمراده وخفي ذلك على غيره" (١).
:"والنبي - ﷺ - قد عزم على أن يكتب الكتاب الذي ذكره لعائشة، فلما رأى أن الشك قد وقع، علم أن الكتاب لا يرفع الشك، فلم يبق فيه فائدة، وعلم أن الله يجمعهم على ما عزم عليه، كما قال:" ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" (٢).
أما عن تهمة بعض المرضى للصحابة كون النبي - ﷺ - طردهم من بيته تشبثًا بظاهر هذا الحديث وأمثاله، فالذي يتهم الصحابة بهذا فإنه لزامًا يتهم عليًا - ﵁ - لأنه كان فيهم، وقول النبي - ﷺ - لم يستثن أحدًا من الناس وإنما أطلق (قوموا عني).
ثم تأمل فيما أورده الكليني عن موسى بن جعفر رحمه الله تعالى قال:"قلت لأبي عبد الله ﵇: كان أمير المؤمنين كاتب الوصية ورسول الله (ص) المملي عليه وجبرئيل والملائكة المقربون ﵈؟؟ قال: فأطرق طويلًا ثم قال: يا أبا الحسن قد كان ما قلت ولكن حين نزل برسول الله (ص) الأمر نزلت الوصية من عند الله كتابًا مسجلا ً نزل بها جبرئيل مع أمناء الله ﵎ من الملائكة فقال جبرائيل: يامحمد مُر بإخراج من عندك إلا وصيك ليقبضها منّا وتشهدنا ليقبضها منّا وتشهدنا بدفعك إياها إليه ضامنًا لها - يعني عليًا (ع) - وفاطمة فيما بين الستر والباب (الحديث) (٣)!!
فهذا النص يعارض تهمتكم للصحابة ولعمر ﵃، ويخالف أصل دعوتكم أن عمر منع النبي - ﷺ - من الكتابة، فجبريل هو من طلب من النبي - ﷺ - اخراج من عنده إلا علي بن أبي طالب لتبليغ الوصية.
ولا يفهم من قوله (قوموا عني) غضبًا أو أنه طردهم! كما يظن بعض المرضى، وإنما هو حسم للخلاف، فقد صح في الحديث الذي أخرجه الشيخان من حديث جندب بن عبد الله - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال:" اقرؤوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه " (٤).فهل قوله - ﷺ - ههنا قوموا عنه يريد تركه أو مخالفته؟!
أم يريد ترك الخلاف وحسمه.
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) منهاج السنة ١/ ٣٩٥.
(٣) أصول الكافي ١/ ٣١١.
(٤) أخرجه البخاري (٤٧٧٣) و(٦٩٣٠) وغيره.
[ ٤١ ]