قول ابن عباس - ﵁ - (الرزية كل الرزية).
وقال ابن حجر:" قوله يوم الخميس هو خبر لمبتدأ محذوف أو عكسه، وقوله: وما يوم الخميس يستعمل عند إرادة تفخيم الأمر في الشدة والتعجب منه زاد في أواخر الجهاد من هذا الوجه ثم بكى حتى خضب دمعه الحصي. ولمسلم من طريق طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيتها على خديه كأنها نظام اللؤلؤ وبكاء بن عباس يحتمل لكونه تذكر وفاة رسول الله - ﷺ - فتجدد له الحزن عليه ويحتمل أن يكون أنضاف إلى ذلك ما فات في معتقده من الخير الذي كان يحصل لو كتب ذلك الكتاب ولهذا أطلق في الرواية الثانية أن ذلك رزية ثم بالغ فيها فقال كل الرزية وقد تقدم في كتاب العلم الجواب عمن أمتنع من ذلك
_________________
(١) فتح الباري ٥/ ٢٦١.
[ ٤٦ ]
كعمر - ﵁ - قوله اشتد برسول الله - ﷺ - وجعه زاد في الجهاد يوم الخميس وهذا يؤيد أن ابتداء مرضه كان قبل ذلك " (١).
قلت: هكذا جاء في بعض الروايات أنّ ابن عباس - ﵁ - كان يقول حينما يذكر هذا الحديث:"الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - ﷺ - وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب".والتي راح بعض المبتدعة يتشبثون بها افتراء أنّ ابن عباس قصد بها عمر - ﵁ - ويجاب عليهم:
أنّ النص واضح كون ابن عباس بين سبب ترك النبي - ﷺ - للكتابة وهو اختلاف بعض الصحابة، فقال عبيد الله فكان يقول ابن عباس: إنّ الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - ﵁ - وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب (لاختلافهم ولغطهم)،فالسبب إذن: اللغط والاختلاف في الأمر، فأين ذكر عمر - ﵁ - فيه؟
ووجه ابن تيمية ﵀ الأمر توجيهًا رائعًا إذ قال:" وقول ابن عباس - ﵁ - إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - ﷺ - وبين أنْ يكتب الكتاب يقتضي أن هذا الحائل كان رزية وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق أو اشتبه عليه الأمر فإنه لو كان هناك كتاب لزال هذا الشك فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه" (٢).
فإنه لو خيرا لما تركه رسول الله - ﷺ -،وإن كانت الوصية واجبة فلا يجوز للنبي - ﷺ - أن يترك واجبًا.
فالنبي - ﷺ - أحرص الأنبياء على أمته بل وعلى جميع الناس، كما جاء في أحاديث الشفاعة العظمى والمقام المحمود، ولم يغمض عينيه إلا بعد أن بلغ رسالة ربه ﷿، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ المائدة٣.
فالنبي - ﷺ - شهيد على أمته، وأمته شهيدة على الناس، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ البقرة١٤٣.
وأخرج البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:"يدعى نوح يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير
_________________
(١) فتح الباري ٨/ ١٣٢.
(٢) منهاج السنة٦/ ٢٥.
[ ٤٧ ]
فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فتشهدون أنه قد بلغ ﴿ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ فذلك قوله جل ذكره ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ (١).
ولا أدري كيف تكون هذه الأمة المعدلة بنصّ القرآن والسنة خير الأمم شهيدة للأنبياء على أممهم بين يدي الله، وهي مرتدة خائنة تاركة لوصية نبيها –حاشاها-!!
فالرزية كل الرزية ليست في حق من زكّاهم القرآن وشهد بفضلهم الملائكة والأنس والجآن، بل الرزية كل الرزية، والطامة كل الطامة في حق من خسر دينه ودنياه، فراح يمجد في أمة الأعاجم، ويفتخر بحضارة فارس، ثم يلعن ويسب أصحاب محمد - ﷺ - وأهل بيته، واتباعه! ولإن بكى ابن عباس - ﵁ - دموعًا على خديه، لاختلاف الناس على نبيهم، فلا أحسبه إلا أن يبكي دمًا على من يفتري على الله ورسوله - ﷺ - ويطعن في خير الأنبياء وخير الأجيال وخير الأمم؟ بل كأني به شحذ سيفه وسل رمحه ليقطع ألسنة الكذب ورؤوس الضلالة.
_________________
(١) صحيحه (٤٤٨٧).
[ ٤٨ ]