الحديث الأول
عن ابن عمر - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - كان يسبِّح على ظهر راحلته حيث كان يومئ برأسه، وكان ابن عمر يفعله.
وفي رواية: كان يوتر على بعيره.
ولمسلم: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة.
وللبخاري: إلا الفرائض.
استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، والقبلة هي الكعبة؛ والأصل في ذلك قول الله - تعالى -: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] .
قوله: "كان يسبح على ظهر راحلته"؛ أي: يصلي عليها.
وفيه دليلٌ على جواز صلاة النافلة على الدابة سواء كان إلى جهة القبلة أو غيرها.
وعن جابر - ﵁ - قال: "بعثني رسول الله - ﷺ - في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع"؛ رواه أبو داود.
وتجوز صلاة الفرض
[ ٦٠ ]
على الراحلة للعذر؛ لحديث يعلي بن مرة: أن النبي - ﷺ - انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم والبِلَّة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذَّن وأقام، ثم تقدَّم رسول الله - ﷺ - على راحلته فصلَّى بهم يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع؛ رواه أحمد والترمذي.
وعن ابن عمر - ﵄ - قال: "سُئِل النبي - ﷺ - كيف أصلي في السفينة؟ قال: «صلِّ فيها قائمًا إلاَّ أن تخاف الغرق»؛ رواه الدارقطني.
وقال البخاري: "وصلى جابر وأبو سعيد في السفينة قائمًا، وقال الحسن: "قائمًا ما لم تشق على أصحابك تدور معها وإلا فقاعدًا.
* * *
الحديث الثاني
عن ابن عمر - ﵄ - قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي - ﷺ - قد أُنزِل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة".
فيه دليلٌ على صحة صلاة مَن صلَّى إلى غير القبلة جاهلًا أو ساهيًا أو مجتهدًا، وفيه أن العمل الكثير لمصلحة الصلاة لا يبطلها، وفيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وفيه جواز تعليم مَن ليس في الصلاة لِمَن هو فيها، وأن استماع المصلي لكلام مَن ليس في الصلاة لا يفسد صلاته.
* * *
الحديث الثالث
عن أنس بن سيرين قال: "استقبلنا أنسًا حين قدم من الشام
[ ٦١ ]
فلقيناه بعين التمر، فرأيته يصلي على حمار ووجه من ذا الجانب - يعني: عن يسار القبلة - فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة؟ فقال: لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله ما فعلته".
فيه دليلٌ على جواز الصلاة على الحمار.
قال ابن دقيق العيد: يُؤخَذ من هذا الحديث طهارة عرق الحمار؛ لأن ملابسته مع التحرُّز منه متعذِّرة، لا سيَّما إذا طال الزمان في ركوبه واحتمل العرق.
قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد أن مَن صلَّى على موضع فيه نجاسة لا يباشرها بشيء منه أن صلاته صحيحة؛ لأن الدابة لا تخلو من نجاسة ولو على منفذها، وفيه الرجوع إلى أفعاله - ﷺ - كالرجوع إلى أقواله من غير عرضة للاعتراض عليه، وفيه تلقِّي المسافر، وسؤال التلميذ شيخَه عن مستند فعله، والجواب بالدليل، وفيه التلطُّف في السؤال والعمل بالإشارة؛ لقوله: "من ذا الجانب"، انتهى.
تتمَّة:
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» .
وعن عامر بن ربيعة - ﵁ - قال: "كنَّا مع رسول الله - ﷺ - في ليلة مظلمة فأشكلت علينا القبلة فصلَّينا فلمَّا طلعت الشمس إذا نحن صلينا إلى غير القبلة فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] "؛ رواهما الترمذي.
* * *