الحديث الأول
عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» .
الأذان: لغة الأعلام؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، وشرعًا: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة.
قال الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] .
قال القرطبي وغيره: الأذان على قِلَّة ألفاظه مشتَمِل على مسائل العقيدة؛ لأنه بدأ بالأكبرية وهي تتضمَّن وجود الله وكماله، ثم ثنَّى بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد - ﷺ - ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة بالرسالة؛ لأنها لا تُعرَف إلا
[ ٥٧ ]
من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا.
ويحصل من الأذان الإعلامُ بدخول الوقت والدعاءُ إلى الجماعة، وإظهارُ شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولةُ القول وتيسُّره لكل أحد في كل زمان ومكان.
قوله: "أمر بلال"؛ أي: أمره النبي - ﷺ.
والحديث له قصة، وهي ما رواه البخاري عن ابن عمر: كان المسلمون حين قدِمُوا يجتمعون فيتحيَّنون الصلاة ليس يُنادَى لها، فتكلَّموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن
اليهود، فقال عمر: أوَلاَ تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا بلال، قم فنادِ بالصلاة» .
قوله: "أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"؛ أي: بألفاظ الأذان شفعًا والإقامة فُرادَى إلا قد قامت الصلاة.
قال ابن عبد البر: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أن تربيع التكبير الأوَّل في الأذان وتثنيته والترجيع في التشهد وتركه وتثنية الإقامة وإفرادها من الاختلاف المباح، فالجميع جائز، انتهى.
* * *
الحديث الثاني
عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السُّوائي قال: "أتيت النبي - ﷺ - وهو في قُبَّة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوء فمن ناضح ونائل، قال: فخرج النبي - ﷺ - وعليه حُلَّة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضَّأ وأذَّن بلال، قال: فجعلت اتبع فاه ها هنا وها هنا يقول يمينًا وشمالًا: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، ثم ركَّزت له عنزة فتقدَّم وصلَّى الظهر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة".
[ ٥٨ ]
فيه دليلٌ على مشروعية الالتفات عند الحيعلتين، ووضع السترة للمصلي، والاكتفاء بمثل العنزة، وأن السنَّة في السفر قصر الصلاة، قال أحمد: لا يدور المؤذن إلا إن كان على منارة يقصد إسماع أهل الجهتين.
* * *
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عمر - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إن بلالًا يؤذِّن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم» .
في الحديث دليلٌ على جواز أذان الأعمى إذا كان له مَن يخبره، وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى لا ينادي حتى يُقَال له: أصبحت أصبحت.
وللبخاري: «فإنه لا يؤذِّن حتى يطلع الفجر» .
ولمسلم: «ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا»، وفيه جواز اتِّخاذ مؤذنَين في المسجد الواحد، وفيه جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر؛ لأن الأصل بقاء الليل، وجواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان يقصد التعريف ونحوه، وجواز نسبة الرجل إلى أمِّه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه.
قال الموفق في "المغني": ويستحبُّ أن لا يؤذِّن قبل الفجر إلا أن يكون معه مؤذِّن آخر يؤذِّن إذا أصبح كفعل بلال وابن أم مكتوم اقتداءً برسول - ﷺ.
* * *
الحديث الرابع
عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثلما يقول» .
[ ٥٩ ]
فيه دليلٌ على مشروعية إجابة المؤذِّن بمثل ما يقول إلا في الحيعلتين، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول بعد فراغه: اللهم ربِّ هذه الدعوة التامَّة والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًّا.
تتمة:
وعن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتَمَة والصبح لأتوهما ولو حبوًا» .
* * *