الحديث الأول
عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني - ﵁ - قال: "خرج النبي - ﷺ - يستسقي فتوجَّه إلى القبلة يدعو وحوَّل رداءه، ثم صلَّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة"، وفي لفظ: "أتى المصلى".
فيه دليلٌ على مشروعية صلاة الاستسقاء، وهي سنَّة مؤكدة، وفيه دليلٌ على أن سنة الاستسقاء البروز إلى المصلَّى، وفيه استحباب تحويل الرداء في هذه العبادة، واستقبال القبلة عند تحويل الرداء والدعاء.
وعن أبي هريرة قال: "خرج نبي الله - ﷺ - يومًا يستسقي، فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا»؛ رواه أحمد وابن ماجه.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك أنه - ﷺ - بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عن أنس بن مالك - ﵁ -: أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من بابٍ كان نحو دار القضاء، ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب، فاستقبل رسول الله - ﷺ - قائمًا، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله - ﷺ - يديه ثم قال: «اللهم أغثنا،
[ ١١٨ ]
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا»، قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل التُّرْسِ، فلمَّا توسَّطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب
بالناس، فقال: يا رسول الله، هلك الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله يمسكها عنَّا، فرفع رسول الله - ﷺ - يديه ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكَام والظِّرَاب وبطون الأودية ومنابت الشجر»، قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: فسألت أنس بن مالك أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري.
قال - ﵁ -: الظراب الجبال الصغار.
«الآكام»: جمع أكمة، وهي أعلى من الرابية ودون الهضبة، ودار القضاء: دار عمر بن الخطاب - ﵁ - سُمِّيت بذلك لأنها بيعت في قضاء دينه.
قوله: "سبتًا" المراد به الأسبوع، وهو من تسمية الشيء باسم بعضه كما يقال: جمعة.
قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة، وفيه القيام في الخطبة وأنها لا تنقطع بالكلام ولا بالمطر، وفيه قيام الواحد بأمر الجماعة وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر الصحابة؛ لأنهم كانوا يسلكون الأدب بالتسليم وترك الابتداء بالسؤال، ومنه قول أنس: كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية، فيسأل رسول الله - ﷺ - وفيه سؤال الدعاء من أهل الخير ومَن يُرجَى منه القبول وإجابتهم لذلك، وفيه تكرار الدعاء ثلاثًا وإدخال
[ ١١٩ ]
دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة والدعاء به على المنبر ولا تحويل فيه، ولا استقبال والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وليس في السياق ما يدلُّ على أنه نواها مع الجمعة، وفيه علَم من أعلام النبوة في إجابة الله دعاء نبيه - ﵊ - عقبه أو معه ابتداء في الاستسقاء وانتهاء في الاستصحاء، وفيه الأدب في الدعاء؛ حيث لم يدعُ برفع المطر مطلقًا؛ لاحتمال الاحتياج إلى استمراره فاحترز فيه بما يقتضي دفع الضرر وإبقاء النفع.
ويستنبط منه أن مَن أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخَّطها لعارض يعرض فيها، بل يسأل الله رفع ذلك العارض وإبقاء النعمة، وفيه أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكُّل وإن كان مقام الأفضل التفويض؛ لأنه - ﷺ - كان عالمًا بما
وقع لهم من الجدب وأخر السؤال في ذلك تفويضًا لربه، ثم أجابهم إلى الدعاء لما سألوه في ذلك بيانًا للجواز وتقريرًا لسنة هذه العبادة الخاصة، انتهى.
وقال البخاري: "باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء"، وساق حديث أنس قال: "أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة فقال: يا رسول الله، هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، فرفع رسول الله - ﷺ - يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون، قال: فما خرجنا من المسجد حتى مُطِرنا، فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى، فأتى الرجل إلى نبي الله - ﷺ - فقال: يا رسول، بَشِق المسافر ومنع الطريق الحديث.
قوله: "بَشِق"، بفتح الموحدة وكسر المعجمة بعدها قاف؛ أي: ملَّ واشتدَّ عليه الضرر، والله أعلم.
* * *