الحديث الأول
عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي قال: "سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيه جزور أو بقرة
[ ١٩٧ ]
أو شاة أو شرك في دم، قال: وكأن أناسًا كرهوها، فنمت فرأيت في المنام كأن إنسانًا ينادي: حج مبرور ومتعة متقبلة، فأتيت ابن عباس فحدَّثته فقال: الله أكبر، سنَّة أبي القاسم - ﷺ".
التمتُّع: هو الاعتمار في أشهر الحج، ثم التحلُّل من تلك العمرة، والإهلال بالحج في تلك السنة؛ قال الله - تعالى -: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتُّع المراد بقوله - تعالى -: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع القِرَان؛ لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن التمتُّع أيضًا فسخ الحج إلى العمرة، انتهى.
قوله: "سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها"، وفي رواية: "تمتَّعت فنهاني ناسٌ، فسألت ابن عباس - ﵄ - فأمرني بها"، قال الحافظ: وكان ذلك في زمن ابن الزبير، وكان ينهى عن المتعة.
قوله: "وسألته عن الهدي"؛ أي: المذكور في قوله - تعالى -: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
قوله: "فيه جزور"؛ أي: في المتعة؛ يعني: يجب على مَن تمتَّع دمٌ، والجزور البعير ذكرًا كان أو أنثى.
قوله: "أو شرك في دم"؛ أي: مشاركة في الجزور والبقرة.
قال الحافظ: وهذا موافق لما رواه مسلم عن جابر قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مُهِلِّين بالحج، فأمرنا رسول الله - ﷺ - أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منَّا في بدنة"، وبهذا قال الشافعي والجمهور سواء كان الهدي تطوعًا أو واجبًا، وسواء كانوا كلهم متقرِّبين بذلك، أو كان بعضهم يريد التقرُّب وبعضهم يريد اللحم، وأجمعوا على أن الشاة لا يصحُّ الاشتراك فيها.
قوله: "وكأن أناسًا كرهوها، فنمت فرأيت في المنام كأن إنسانًا ينادي: حج مبرور ومتعة متقبلة"، وفي رواية: "كأن رجلًا يقول لي: حج مبرور وعمرة متقبَّلة"، وفي رواية: "عمرة متقبَّلة وحج مبرور"، والحج المبرور
[ ١٩٨ ]
هو الذي لا يخالطه شيء من الإثم.
ولأحمد من حديث جابر: قالوا: يا رسول الله، ما بر الحج؟ قال: «إطعام الطعام وإفشاء السلام» .
قوله: "فأتيت ابن عباس فحدَّثته فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم - ﷺ"، وفي رواية: "ثم قال لي: أقم عندي فأجعل لك سهمًا من مالي، قال شعبة: فقلت: لِمَ؟ فقال: للرؤيا التي رأيت".
قال الحافظ: ويؤخذ منه إكرام من أخبر المرء بما يسرُّه، وفرح العالم بموافقته الحق، والاستئناس بالرؤيا لموافقته الدليل الشرعي، وعرض الرؤيا على العالم، والتكبير عند المسرَّة، والعمل بالأدلة الظاهرة، والتنبيه على اختلاف أهل العلم ليعمل بالراجح منه الموافق للدليل، وبالله التوفيق.
* * *
الحديث الثاني
عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: "تمتَّع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فسَاقَ الهدي من ذي الحُلَيْفَة، وبدأ رسول الله - ﷺ - فأهلَّ بالعمرة ثم أهلَّ بالحج، فتمتَّع الناس مع رسول الله - ﷺ - فأهلَّ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس مَن تمتَّع فسَاقَ الهدي من ذي الحُلَيْفَة، ومنهم مَن لم يهدِ،
فلمَّا قدم النبي - ﷺ - مكة قال للناس: مَن يكن منكم قد أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومَن لم يكن أهدى فليَطُف بالبيت وبالصفا والمروة، ليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهدِ، ومَن لم يجد هديًا فليَصُم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى
[ ١٩٩ ]
أهله، فطاف رسول الله - ﷺ - حين قَدِم إلى مكة واستلم الركن أول شيء، ثم خبَّ ثلاثة أشواط من السبع، ومشى أربعًا، وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلَّم وانصرف فأتى الصفا، فطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثم لم يحلَّ من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حلَّ من كل شيء حرم منه، وفعل مثلما فعل رسول الله - ﷺ - مَن أهدى فساق الهدي من الناس.
قوله: "تمتَّع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج"، قال الحافظ: يحتمل أن يكون معنى قوله: "تمتِّع" محمولًا على مدلوله اللغوي، وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها وغير ذلك، بل قال النووي: إن هذا هو المتعين.
قال الحافظ: وقوله: "بالعمرة إلى الحج"؛ أي: بإدخال العمرة على الحج.
قوله: "وأهدى فساق الهدي من ذي الحُلَيْفَة" قال الحافظ: وفيه الندب إلى سَوْقِ الهدي من المواقيت ومن الأماكن البعيدة، وهي من السنن التي أغفلها كثير من الناس.
قوله: "وبدأ رسول الله - ﷺ - فأهلَّ بالعمرة ثم أهلَّ بالحج"، قيل: المراد به صورة الإهلال؛ أي: لما أدخل العمرة على الحج لبى بهما، فقال: لبيك بعمرة وحجة، وفي الصحيحين من حديث أنس: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لبيك عمرة وحجًّا» .
قال ابن القيم: الذي صنعه رسول الله - ﷺ - هو متعة القِرَان بلا شكٍّ كما قطع به أحمد.
قوله: "فتمتع الناس مع رسول الله - ﷺ - فأهلَّ بالعمرة إلى الحج"، هذا محمولٌ على التمتُّع اللغوي؛ فإنهم لم يكونوا متمتِّعين بمعنى التمتُّع المشهور، قال الحافظ: الذين تمتَّعوا إنما بدؤوا بالحج، لكن فسخوا
[ ٢٠٠ ]
حجهم إلى العمرة حتى حلُّوا بعد ذلك بمكة ثم حجوا من عامهم.
قوله: "فلمَّا قدم النبي - ﷺ - قال للناس: «مَن يكن منكم أهدى فإنه لا يحلُّ من شيء حرم منه حتى يقضى حجه» قال ابن دقيق العيد: هو موافق لقوله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فلا يجوز أن يحلَّ المتمتُّع الذي ساق الهدي حتى يبلغ الهدي محلَّه.
قوله: «ومَن لم يكن منكم أهدى فليَطُف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهدِ» قال النووي: معناه: أنه يفعل الطواف والسعي والتقصير ويصير حلالًا، وهذا دليل على أن الحلق أو التقصير نسك وهو الصحيح، وإنما أمَرَه بالتقصير دون الحلق مع أن الحلق أفضل؛ ليبقى له شعر يحلقه في الحج.
قال الحافظ: وقوله: «وليحلل» هو أمرٌ معناه الخبر؛ أي: قد صار حلالًا فله فعل كل ما كان محظورًا عليه في الإحرام، وقوله: «ثم ليهلَّ بالحج»؛ أي: يحرم وقت خروجه إلى عرفة، ولهذا أتى بـ (ثم) الدالَّة على التراخي، وقوله: «وليهدِ»؛ أي: هدي التمتُّع.
قوله: «ومَن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله»؛: أي مَن لم يجد الهدي بذلك المكان ويتحقَّق ذلك بأن يعدم الهدي أو يعدم ثمنه حينئذ، أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من ذلك فينتقل إلى الصوم كما هو نص القرآن.
قال الحافظ: والمراد بقوله: «في الحج»؛ أي: بعد الإحرام به.
وقال النووي: هذا هو الأفضل، فإن صامها قبل الإهلال بالحج أجزأ على الصحيح، وأمَّا قبل التحلُّل من العمرة فلا على الصحيح، فإن فاته الصوم قضاه،
وفي صوم أيام التشريق لهذا قولان للشافعية أظهرهما: لا يجوز، وأصحهما من حيث الدليل: الجواز.
قوله: "ثم سلم وانصرف فأتى الصفا" في حديث جابر عند مسلم: "ثم رجع إلى الحجر فاستَلَمَه، ثم خرج من باب الصفا".
قوله: «ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجه»، قال الحافظ: سبب عدم إحلاله كونه ساق الهدي وإلا لكان يفسخ الحج إلى العمرة ويتحلَّل منها كما أمر به أصحابه.
قوله: "وفعل مثلما فعل رسول الله - ﷺ - مَن أهدى فساق الهدي من الناس"، قال الحافظ: إشارة إلى عدم خصوصيته - ﷺ - بذلك، وفيه مشروعية طواف القدوم والرَّمَل فيه إن عقبه بالسعي، وتسمية السعي طوافًا، وطواف الإفاضة يوم النحر.
* * *
[ ٢٠١ ]
الحديث الثالث
عن حفصة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلُّوا من العمرة ولم تحلَّ أنت من عمرتك؟ قال: «إني لبَّدت رأسي وقلَّدت هديي، فلا أحلُّ حتى أنحر» .
قوله: «إني لبَّدت رأسي» قال الحافظ: هو أن يجعل فيه شيء ليلتصق به، ويُؤخَذ منه استحباب ذلك للمحرم؛ أي: لئلاَّ يتشعَّث شعره في الإحرام.
قوله: «فلا أحلُّ حتى أنحر»؛ يعني: يوم النحر، وفي رواية: «فلا أحلُّ حتى أحلَّ من الحج»، قال الحافظ: استدلَّ به على أن مَن ساق الهدي لا يتحلَّل من عمل العمرة حتى يهلَّ بالحج ويفرغ منه؛ لأنه جعل العلَّة في بقائه على إحرامه كونه أهدى، وكذا وقع في حديث جابر، وأخبر أنه لا يحلُّ حتى ينحر الهدي، وهو قول أبي حنيفة وأحمد ومَن وافَقَهما، ويؤيِّده قوله في حديث عائشة: «فأمَّا مَن لم يكن ساق الهدي فليحل)، والأحاديث بذلك متضافرة؛ والذي تجتمع به
الروايات أنه - ﷺ - كان قارنًا؛ بمعنى: أنه أدخل العمرة على الحج بعد أن أهلَّ به مفردًا، لا أنه أوَّل ما أهل أحرم بالحج والعمرة معًا.
وقال النووي: الصواب الذي نعتقده أن النبي - ﷺ - كان قارنًا، وقال عياض: وأمَّا إحرامه - ﷺ - فقد تضافرت الروايات الصحيحة بأنه كان مفردًا، وأمَّا رواية مَن روى: «متمتعًا» فمعناه أمر به؛ لأنه صرَّح بقوله: «ولولا أن معي الهدي لأحللت» فصحَّ أنه لم يحلَّ، وأمَّا رواية مَن روى القِرَان فهو إخبار عن آخر أحواله؛ لأنه أدخل العمرة على الحج لما جاء إلى الوادي، وقيل له: قل عمرة في حجة.
قال الحافظ: وهذا الجمع هو المعتمَد، ويترجَّح رواية مَن روى القِرَان بأمور منها: أن معه زيادة علمٍ على مَن روى الإفراد وغيره، وبأن مَن روى الإفراد والتمتُّع اختلف عليه في ذاك.
إلى أن قال: ومقتضى ذلك أن يكون القِرَان أفضل من الإفراد والتمتُّع،
[ ٢٠٢ ]
وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه، واختاره من الشافعية المزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي، وذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إلى أن التمتُّع أفضل؛ لكونه - ﷺ - تمناه، فقال: «لولا أني سقت الهدي لأحلت» ولا يتمنَّى إلا الأفضل، وهو قول أحمد بن حنبل المشهور عنه، انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: إن ساق الهدي فالقِرَان أفضل، وإن لم يَسُقْ فالتمتُّع أفضل، ومَن أراد أن ينشئ لعمرته من بلده سفرًا فالإفراد أفضل له، وهذا أعدل المذاهب وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة، انتهى ملخصًا.
* * *
الحديث الرابع
عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: "أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله - ﷺ - ولم ينزل قرآن بحرمتها ولم ينهَ عنها حتى مات، فقال رجل برأيه ما شاء".
قال البخاري: يُقال: إنه عمر، ولمسلم: "نزلت آية المتعة؛ يعني: متعة الحج، وأمرنا بها رسول الله - ﷺ - ثم لم ينزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينهَ عنه حتى مات"، ولهما بمعناه.
قوله: "أنزلت آية المتعة"؛ يعني: قوله - تعالى -: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية.
قوله: "ولم ينهَ عنها"؛ أي: المتعة، وفي الرواية الأخرى: "ولم ينه عنه"؛ أي: التمتع.
قوله: "فقال رجل برأيه ما شاء، قال البخاري: يُقال: إنه عمر"، وعند مسلم: أن ابن الزبير كان ينهى عنها، وابن عباس يأمر بها، فسألوا جابرًا فأشار إلى أن أوَّل مَن نهى عنها عمر، قال الحافظ: استقرَّ الأمر بعد على الجواز: وفي الصحيحين عن ابن عباس - ﵄ - قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر
[ ٢٠٣ ]
الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلَّت العمرة لِمَن اعتمر، فقدم النبي - ﷺ - وأصحابه صبيحة رابعة مهلِّين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظَم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: «حل كله» .
قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد جواز نسخ القرآن بالقرآن ولا خلاف فيه، ونسخه بالسنة، وفيه اختلاف شهير، ووجه الدلالة منه قوله: "ولم ينهَ عنها" رسول الله - ﷺ - فإن مفهومه أنه لو نهى عنها لامتنعت، ويستلزم رفع الحكم، ومقتضاه جواز النسخ، وقد يُؤخَذ منه أن الإجماع لا يُنسَخ به؛ لكونه حصَر وجوه المنع في نزولِ آيةٍ أو نهيٍّ من النبي - ﷺ - وفيه وقع الاجتهاد في الأحكام بين الصحابة، وإنكار بعض المجتهدين على بعض بالنص، والله الموفق.