الحديث الأول
عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - أن رجالًا تمارَوْا في منبر رسول الله - ﷺ - من أي عود هو؟ فقال سهل: من طرفاء الغابة، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - قام عليه فكبَّر وكبَّر الناس وراءه وهو على المنبر، ثم ركع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: «يا أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتمُّوا بي ولتتعلموا صلاتي»، وفي لفظ: "صلى عليها، ثم كبَّر عليها، ثم ركع وهو عليها ثم نزل القهقرى".
[ ١٠٥ ]
الأصل في فرض الجمعة الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] .
قال الحافظ: يستفاد من الحديث أن مَن فعل شيئًا يخالف العادة أن يبين حكمته لأصحابه، وفيه مشروعية الخطبة على المنبر لكلِّ خطيب خليفة كان أو غيره، وفيه جواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل، وجواز العمل اليسير في الصلاة وكذا الكثير إن تفرَّق، وفيه استحباب اتخاذ المنبر لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه، واستحباب الافتتاح بالصلاة في كل جديد، إمَّا شكرًا، وإمَّا تبركًا.
* * *
الحديث الثاني
عن عبد الله بن عمر - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَن جاء منكم الجمعة فليغتسل» .
فيه دليلٌ على استحباب الغسل يوم الجمعة وتأكيد سنيته.
* * *
الحديث الثالث
عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: جاء رجل والنبي - ﷺ - يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: «صليت يا فلان؟»، قال: لا، قال: «قم فاركع ركعتين»، وفي رواية: «فصلِّ ركعتين» .
فيه دليلٌ على استحباب صلاة تحية المسجد حالَ الخطبة، وفي الحديث الآخَر: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما»؛ رواه مسلم.
وفيه أن التحية لا تفوت بالقعود، وأن للخطيب أن يأمر في خطبته وينهي
[ ١٠٦ ]
ويبيِّن الأحكام المحتاج إليها.
وعن بريدة - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يخطبنا، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله - ﷺ - من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله ورسوله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما»؛ رواه الخمسة.
* * *
الحديث الرابع
عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: "كان رسول الله - ﷺ - يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس".
فيه دليلٌ على مشروعية الجلوس بين الخطبتين، ولفظ الحديث في البخاري عن عبد الله بن عمر قال: "كان النبي - ﷺ - يخطب خطبتين يقعد بينهما".
* * *
الحديث الخامس
عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» .
(اللغو): ما لا يحسن من الكلام، وفيه دليل على وجوب الإنصات حال الخطبة، فإن احتاج إلى ما لا بُدَّ منه فبالإشارة.
* * *
الحديث السادس
عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَن اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرَّب
[ ١٠٧ ]
بدَنَة، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقَرَة، ومَن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا أقرن، ومَن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّب دجاجة، ومَن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» .
قوله: «ثم راح»؛ أي: ذهب، وابتداء الساعات بعد ارتفاع الشمس، وفيه من الفوائد الحضُّ على الاغتسال يوم الجمعة وفضله، وفصل التبكير إليها.
* * *
الحديث السابع
عن سلمة بن الأكوع - وكان من أصحاب الشجرة، ﵁ - قال: "كنَّا نصلي مع رسول الله - ﷺ - في صلاة الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به".
وفي لفظ: "كنَّا نجمع مع رسول الله - ﷺ - إذا زالت الشمس، ثم نرجع فنتتبَّع الفيء".
قوله: "نجمع"؛ أي: نصلي الجمعة.
قوله: "وليس للحيطان ظل يستظل به" لا ينفي أصل الظل، ولكن ينفي الظل الكثير الذي يستظلُّون به، وفيه دليلٌ على مشروعية التبكير بصلاة الجمعة في أوَّل الوقت بعد الزوال.
قال الموفق في "المغني": المستحَبُّ إقامة الجمعة بعد الزوال؛ لأن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك، ولأن في ذلك خروجًا من الخلاف، فإن علماء الأمة اتَّفقوا على أن ما بعد الزوال وقت للجمعة، وإنما الخلاف فيما قبله، انتهى.
وقال النووي: وقد قال مالك وأبو حنيفة
[ ١٠٨ ]
والشافعي وجماهير العلماء: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل وإسحاق فجوَّزاها قبل الزوال، انتهى.
وقال البخاري: "وقت الجمعة إذا زالت الشمس» .
* * *
الحديث الثامن
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "كان النبي - ﷺ - يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: آلم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان".
فيه دليلٌ على استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الفجر يوم الجمعة، وقيل: إن الحكمة في ذلك الإشارة إلى ما فيهما من ذكر خلق آدم وأحوال يوم القيامة؛ لأن ذلك كان وسيقع يوم الجمعة.
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلِق آدم - ﵇ - وفيه أُدخِل الجنة، وفيه أُخرِج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة»؛ رواه مسلم.
* * *