الحديث الأول
عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الذهب بالذهب ربًا إلا هاء وهاء، والفضة بالفضة ربًا إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبُرِّ ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء» .
الربا حرامٌ بالكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] الآيات، وقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠] .
قال مالك: عن زيد بن أسلم، كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل حق إلى أجل، فإذا حلَّ قال: أتقضي أم تُربِي؟ فإن قضاه أخذ وإلا زاد في حقه وزاد الآخر في الأجل.
والربا في اللغة: الزيادة، وهو في الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة.
وأمَّا الصرف: فهو دفع ذهب وأخذ فضة وعكسه، وله شرطان: منع النسيئة مع اتِّفاق النوع واختلافه، ومنع التفاضل في النوع الواحد منهما.
[ ٢٥٦ ]
وقوله: «الذهب بالذهب ربًا إلا هاء وهاء» الذي في البخاري: «الذهب بالورق»، ورواية مسلم: «الورق بالذهب»، ولفظه عن ابن شهاب عن مالك بن أوس: أخبره أنه التمس صرفًا بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مِنِّي، فأخذ الذهب يقلِّبها في يده ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله - ﷺ -: «الذهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء» .
ولمسلم: قال عمر بن الخطاب: كلاَّ والله لتعطينه ورقه أو لتردن إليه ذهبه، فإن رسول الله - ﷺ - قال: «الورق بالذهب ربًا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء»، فذكره.
قال الحافظ: قوله: «الذهب بالورق ربًا» قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك فيه وحمله عنه الحفَّاظ، وكذلك رواه الحفاظ عن ابن عيينة، وشذَّ أبو نعيم عنه فقال: "الذهب بالذهب".
قال الحافظ: الذهب يُطلَق على جميع أنواعه المضروبة وغيرها، والورق الفضة، والمراد هنا جميع أنواع الفضة مضروبة وغير مضروبة، انتهى.
قوله: «إلا هاء وهاء»؛ أي: يعطيه ما في يده ويأخذ ما في يد صاحبه، كالحديث الآخر: «إلا يدًا بيد»؛ يعني: مقابضة في المجلس.
قوله: «والبُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير» قال الحافظ: واستدلَّ به على أن البر والشعير صنفان وهو قول الجمهور، قال ابن عبد البر: فيه أن النسيئة لا تجوز في بيع الذهب بالورق، وإذا لم يجز فيهما مع تفاضلهما بالنسيئة فأحرى ألا يجوز في الذهب بالذهب وهو جنس واحد، وكذا الورق بالورق، قال الحافظ: وقد نقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على هذا الحكم، انتهى.
وروى مسلم عن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد»، قال النووي: قوله - ﷺ -: «يدًا بيد» حجة للعلماء كافَّة في وجوب التقابض وإن اختلف الجنس.
* * *
[ ٢٥٧ ]
الحديث الثاني
عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق
بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز»، وفي لفظ: «إلا يدًا بيد»، وفي لفظ: «إلا وزنًا بوزنٍ، مثلًا بمثلٍ، سواء بسواء» .
قوله: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل»، وفي رواية: «الذهب بالذهب مثلًا بمثل والورق بالورق مثلًا بمثل»، قال الحافظ: ويدخل في الذهب جميع أصنافه من مضروب ومنقوش، وجيد ورديء، وصحيح ومكسر، وحلى وتبر، وخالص ومغشوش، ونقل النووي تبعًا لغيره في ذلك الإجماع.
قوله: «ولا تشفوا»؛ أي: لا تفضلوا، قال الحافظ: والشف الزيادة، وتطلق على النقص.
قوله: (ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز»؛ أي: مؤجلًا بحالٍّ، قال الحافظ: البيع كله إمَّا بالنقد أو بالعرض حالًاّ أو مؤجلًا؛ فهو أربعة أقسام: بيع النقد إمَّا بمثله وهو المراطلة، أو بنقد غيره وهو الصرف، وبيع العرض بنقد يسمى النقد ثمنًا والعرض عِوَضًا، وبيع العرض بالعرض يسمى مقابضة والحلول في جميع ذلك جائز، وأمَّا التأجيل فإن كان النقد بالنقد مؤخرًا فلا يجوز وإن كان العرض جاز، وإن كان العرض مؤخرًا فهو السَّلَم وإن كانا مؤخَّرَين فهو بيع الدين بالدين، وليس بجائز إلا في الحوالة عند مَن يقول إنها بيع، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: جاء بلال إلى النبي -
[ ٢٥٨ ]
ﷺ - بتمر برني، فقال له النبي - ﷺ -: «من أين هذا؟»، قال بلال: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع ليطعم النبي - ﷺ - فقال النبي - ﷺ - عند ذلك: «أوَّه عين الربا عين الربا لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشترِ به» .
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن التمر بالتمر لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلًا بمثل، وسواء فيه الطيب والدون، وأنه كله على اختلاف أنواعه جنس واحد.
قال الحافظ: وفي الحديث قيام عذر مَن لا يعلم التحريم حتى يعلمه، وفيه جواز الرفق بالنفس، وترك الحمل على النفس لاختيار أكل الطيب على الرديء خلافًا لِمَن منع ذلك من المتزهِّدين، وفيه أن البيوع الفاسدة تُرَدُّ، انتهى ملخصًا.
* * *
الحديث الرابع
عن أبي المنهال قال: "سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم - ﵃ - عن الصرف فكلٌّ واحدٍ منهما يقول: هذا خيرٌ مِنِّي، وكلاهما يقول: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الذهب بالورق دينًا".
الصرف: بيع الدراهم بالذهب أو عكسه، وفي رواية: "سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف؟ فقالا: كُنَّا تاجرين على عهد رسول الله - ﷺ - فسألنا رسول الله - ﷺ - عن الصرف؟ فقال: «إن كان يدًا
[ ٢٥٩ ]
بيد فلا بأس، وإن كان نسيئًا فلا يصلح» .
قال الحافظ: وفي الحديث ما كان عليه الصحابة من التواضع وإنصاف بعضهم بعضًا، ومعرفة أحدهم حقَّ الآخر، واستظهار العالم في الفتيا بنظيره في العلم.
* * *
الحديث الخامس
عن أبي بكرة - ﵁ - قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواءً بسواءٍ، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا، قال: فسأله رجلٌ فقال: يدًا بيدٍ؟ فقال: هكذا سمعت".
قال الحافظ: اشتراط القبض في الصرف متَّفق عليه، واستدلَّ به على بيع الربويات بعضها ببعض إذا كان يدًا بيد، وأصرح منه حديث عبادة بن الصامت: «فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد»، انتهى.
وقال ابن دقيق العيد: قوله: "ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا" بالنسبة إلى التفاضل والتساوي، لا إلى الحلول أو التأجيل، انتهى.
تتمَّة:
قال في "الاختيارات": العلة في تحريم ربا الفضل الكيل أو الوزن مع الطعم وهو رواية عن أحمد، ويحرم بيع اللحم بحيوان من جنسه مقصود اللحم، ويجوز بيع الموزونات الربوية بالتحرِّي وقاله مالك: وما لا يختلف فيه الكيل والوزن مثل الأدهان يجوز بيع بعض ببعض كيلًا ووزنًا، وظاهر مذهب أحمد جواز بيع السيف المحلَّى بجنس حليته؛ لأن الحلية ليست بمقصودة، ولا يُشتَرَط الحلول والتقابض في صرف الفلوس النافقة بأحد النقدين وهو رواية عن أحمد، وإن اصطَرَفَا دينًا في ذمَّتهما جاز، ومَن باع ربويًّا نسيئة حرم أخذه عن ثمنه ما لا يباع
[ ٢٦٠ ]
به نسيئة ما لم تكن حاجة، والتحقيق في عقود الربا إذا لم يحصل فيها القبض أن لا عقد، والكيمياء باطلة محرَّمة، وتحريمها أشدُّ من تحريم الربا، ولا يجوز بيع الكتب التي تشتمل على معرفة صناعتها، وأفتى بعض ولاة الأمور بإتلافها، ويجوز قرض الخبز وردُّ مثله عددًا بلا وزن من غير قد الزيادة، وهو مذهب أحمد، ولو أقرضه في بلد آخر جاز على الصحيح، ويجوز قرض المنافع مثل أن يحصد معه يومًا، ويحصد معه الآخر يومًا، أو يسكنه دارًا ليسكنه الآخر بدلها، انتهى، والله أعلم.
* * *