الحديث الأول
عن أنس بن مالك - ﵁ -: "أن النبي - ﷺ - أعتق صفية وجعل عتقها صداقها".
الأصل في مشروعية الصداق الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] الآية، وقال - تعالى -: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، وكلُّ ما كان مالًا جاز أن يكون صداقًا قليلًا كان أو كثيرًا.
[ ٢٩٢ ]
قوله: "أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" فيه دليلٌ على أن الرجل إذا أعتق أمَتَه على أن يجعل عتقها صداقها أنه يصحُّ العقد والعتق والمهر، قال الترمذي بعد إخراج الحديث: وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها حتى يجعل لها مهرًا سوى العتق، والقول الأول الأصح.
* * *
الحديث الثاني
عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - جاءته امرأة فقالت: إني وهبت نفسي لك، فقامت قيامًا طويلًا، فقال رجل: يا رسول الله، زوِّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة؟ فقال: «هل عندك من شيء تصدقها؟»، فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله - ﷺ -: «إزارك إن أعطيتها جلست ولا إزار لك، فالتمس شيئًا»، قال: ما أجد، قال: «فالتمس ولو خاتمًا من حديدٍ»، فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «هل معك شيء من القرآن»، قال: نعم، فقال رسول الله - ﷺ -: «زوجتكما بما معك من القرآن» .
هذه الواهبة غير الواهبة المذكورة في قوله - تعالى -: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] .
وفي الحديث جواز التزويج بالقرآن لِمَن لم يكن عنده مال، وفيه أنه لا حدَّ لأقلِّ المهر، وفيه أن الإمام يزوج مَن ليس لها وليٌّ خاص إذا رضيت بذلك، وفيه
[ ٢٩٣ ]
جواز تأمُّل محاسن المرأة لإرادة تزويجها وإن لم تتقدَّم الرغبة في تزويجها ولا وقعت خطبتها.
وعن محمد بن مسلمة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا ألقى الله - ﷿ - في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها»؛ رواه أحمد وابن ماجه.
وفيه أن النكاح لا بُدَّ فيه من الصداق، وفيه استحباب ذكر الصداق في العقد؛ لأنه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة، فلو عقد بغير ذكر صداق صحَّ ووجب لها مهر المثل بالدخول، وفيه استحباب تعجيل تسليم المهر، وفيه جواز النكاح بالخاتم الحديد وما هو نظير قيمته، ونقل عياض الإجماع على أن مثل الشيء الذي لا يتموَّل ولا له قيمة لا يكون صداقًا ولا يحلُّ به النكاح، وفيه جواز كون الإجارة صداقًا، وقد نقل عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافَّة إلا الحنفية، وفيه دليل على أن مَن قال: زوجني فلانة، فقال: زوجتها بكذا، كفى ذلك، ولا يحتاج إلى قول الزوج: قبلت، إذا ظهر منه قرينة القبول، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن النكاح ينعقد بكلِّ لفظ يدل عليه، وهو قول الحنفية والمالكية وإحدى الروايتين عن أحمد، وأصوله تشهد بأن العقود تنعقد بما يدلُّ على مقصودها من قول أو فعل.
وفيه أن طالب الحاجة ينبغي عليه ألاَّ يلحَّ في طلبها، بل يطلبها برفق وتأنٍّ ويدخل في ذلك طالب الدنيا والدين من مستفتٍ وسائل وباحث عن علم، وفيه نظر الإمام على مصالح رعيَّته وإرشاده إلى ما يصلحهم، وفيه المراوضة في الصداق
وخطبة المرء لنفسه، وفيه جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، وفيه فوائد أُخَر، والله الموفق.
* * *
الحديث الثالث
عن أنس بن مالك - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه ردع زعفران، فقال النبي
[ ٢٩٤ ]
- ﷺ -: مَهْيَم؟ فقال: يا رسول الله، تزوجت امرأة، فقال: «ما أصدقتها؟»، قال: وزن نواة من ذهب، قال: «بارك الله لك، أَوْلِم ولو بشاة» .
قوله - ﷺ -: «مهيم»؛ أي: ما شأنك - أو ما هذا؟ وهي كلمة استفهام مبنية على السكون، وفي رواية للطبراني: فقال له: «مهيم» وكانت كلمته إذا أراد أن يسأل عن الشيء.
قوله: "وزن نواة من ذهب" المراد واحدة نوى التمر، وللطبراني، قال أنس: "جاء وزنها ربع دينار"، وقيل: لفظ النواة من ذهب عبارة عمَّا قيمته خمسة دراهم من الورق.
قال الشافعي: النواة ربع النشِّ، والنشُّ نصف أوقية، والأوقية أربعون درهمًا.
قوله: «بارك الله لك أولم ولو شاة» (لو) للتقليل، وفيه دليل على توكيد أمر الوليمة، قال عياض: وأجمعوا على أن لا حدَّ لأكثرها، وأمَّا أقلها فكذلك، والمستحبُّ أنها على قدر حال الزوج، وفيه استحباب الدعاء للمتزوِّج، وسؤال الإمام والكبير أصحابه وأتباعه عن أحوالهم، وجواز خروج العروس وعليه أثر العرس من خلوق وغيره.
وفيه جواز التزعفر للعروس وخصَّ به عموم النهي عن التزعفر للرجال، والله أعلم.
* * *
[ ٢٩٥ ]