الحديث الأول
عن عائشة - ﵂ - أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي - ﷺ -: أصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، قال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» .
فيه دليلٌ على التخيير بين الصوم والفطر في السفر، وأخرج أبو داود والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه أنه قال: يا رسول الله، إني صاحب ظهر أعالجه أسافر وأَكْرِيه، وإنه ربما صادَفَني هذا الشهر - يعني: رمضان - وأنا أجد القوَّة، وأجدني أن أصوم أهون عليَّ من أن أؤخِّر فيكون دَيْنًا علي، فقال: «أي ذلك شئت يا حمزة» .
* * *
[ ١٥٠ ]
الحديث الثاني
عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: "كنَّا نسافر مع النبي - ﷺ - فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم".
فيه دليل على التخيير في رمضان للمسافر بين الإفطار والصوم، وفي حديث أبي سعيد عند مسلم: "كنَّا نغزو مع رسول الله - ﷺ - فلا يجد الصائم على المفطر والمفطر على الصائم، يرون أن مَن وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومَن وجد ضعفًا فأفطر أن ذلك حسن"، قال الحافظ: وهذا التفصيل هو المعتَمَد وهو نصٌّ رافع للنزاع.
* * *
الحديث الثالث
عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في شهر رمضان في حرٍّ شديد، حتى إذا كان أحدنا لَيضع يده على رأسه من شدَّة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله - ﷺ - وعبد الله بن رواحة".
قال الحافظ: فيه ردٌّ على مَن قال: مَن سافر في شهر رمضان امتنع عليه الفطر، وفيه دليلٌ على أن لا كراهية في الصوم في السفر لِمَن قوي عليه ولم يصبه منه مشقَّة شديدة.
وعن أبي سعيد - ﵁ - قال: أتى رسول الله - ﷺ - على نهرٍ من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله - ﷺ - على بغلة له فقال: «اشربوا أيها الناس»، قال: فأبوا، قال: «إني لست مثلكم، إني آمركم إني راكب»، فأبوا، فثنى رسول الله - ﷺ - فخذه فنزل فشرب وشرب الناس وما كان يريد أن يشرب؛ رواه أحمد.
* * *
[ ١٥١ ]
الحديث الرابع
عن جابر - ﵁ - قال: "كان رسول الله - ﷺ - في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا؟»، قالوا: صائم، قال: «ليس من البر الصيام في السفر» .
وفي لفظٍ لمسلم: «عليكم برخصة الله التي رخَّص لكم» .
قوله: «ليس من البر الصيام في السفر»، قال ابن دقيق العيد: أُخِذ من هذه القصة أن كراهة الصوم في السفر مختصَّة بِمَن هو في مثل هذه الحالة ممَّن يجهده الصوم ويشقُّ عليه، أو يؤدِّي به إلى ترك ما هو أَوْلَى من الصوم من وجوه القُرَب.
وقوله: «عليكم برخصة الله التي رخَّص لكم» دليلٌ على أنه يستحب التمسُّك بالرخصة إذا دعت الحاجة إليها، ولا تترك على وجه التشديد والتنطُّع والتعمق انتهى، وبالله التوفيق.
* * *
الحديث الخامس
عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: "كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فمنَّا الصائم ومنَّا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يوم حار، وأكثرنا ظلًاّ صاحب الكساء، فمنَّا مَن يتَّقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوَّامون وقام المفطِرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله - ﷺ -: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» .
فيه دليلٌ على جواز الصوم في السفر وفضيلة الإفطار لِمَن يخدم أصحابه.
* * *
[ ١٥٢ ]
الحديث السادس
عن عائشة - ﵂ - قالت: "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان".
فيه دليلٌ على جواز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان، وقال ابن عباس: لا بأس أن يفرق لقوله - تعالى -: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] .
قال الحافظ: وفي الحديث دليلٌ على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا سواء كان لعذر أو لغير عذر، ويؤخَذ من حرصها على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر، انتهى.
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: "مَن فرَّط في صيام رمضان حتى أدركه رمضان آخر فليصم هذا الذي أدركه ثم ليصم ما فاته ويطعم مع كل يوم مسكينًا"؛ رواه الدارقطني.
* * *
الحديث السابع
عن عائشة - ﵂ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَن مات وعليه صيام صام عنه وليُّه» .
وأخرجه أبو داود وقال: هذا في النذر خاصة وهو قول أحمد بن حنبل.
* * *
الحديث الثامن
عن عبد الله بن عباس - ﵄ - قال: «جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر،
[ ١٥٣ ]
أفأقضيه؟ قال: «لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟»، قال: نعم، قال: «فدين الله أحق أن يُقضَى» .
وفي رواية: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - - فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أفرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدِّي ذلك عنها؟»، قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمك» .
قوله: «مَن مات وعليه صيام صام عنه وليُّه»، قال الحافظ: خبر بمعنى الأمر تقديره فليصم عنه وليه، وليس هذا الأمر على الوجوب عند الجمهور.
وقد اختلف السلف في هذه المسألة؛ فأجاز الصيامَ عن الميت أصحابُ الحديث، وعلَّق الشافعي في القديم القول به على صحَّة الحديث وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية.
وقال البيهقي في "الخلافيات": هذه المسألة ثابتة لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في صحتها فوجب العمل بها، ثم ساق بسنده إلى الشافعي قال: كل ما قلت وصح عن النبي - ﷺ - خلافه فخذوا بالحديث ولا تقلِّدوني، وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يُصام عن الميت.
وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد: لا يُصام عنه إلا النذر؛ حملًا للعموم الذي في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس، وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما؛ فحديث ابن عباس صورة مستقلَّة سأل عنها مَن وقعت له، وأمَّا حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قال في آخره: «فدين الله أحق أن يُقضَى» .
وأمَّا رمضان فيطعم عنه، ومعظم المجيزين للصيام لم يوجبوه، وإنما قالوا: يتخيَّر الولي بين الصيام والإطعام، انتهى ملخصًا.
وقال النووي: اختلف العلماء فيمَن مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء أو نذر أو غيره هل يقضى عنه؛ وللشافعي في المسألة قولان مشهوران:
[ ١٥٤ ]
أشهرهما لا يصام عنه، ولا يصح عن ميت صوم أصلا، والثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه ويبرأ به الميت ولا يحتاج إلى إطعام، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صحَّحه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، انتهى.
وقال الشوكاني: ظاهر الأحاديث أنه يصوم عنه وليُّه وإن لم يوصِ بذلك، وأن مَن صدق عليه اسم الولي لغةً أو شرعًا أو عرفًا صام عنه، ولا يصوم عنه مَن ليس بولي، انتهى، والله أعلم.
* * *
الحديث التاسع
عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر وأخَّروا السحور» .
فيه دليلٌ على استحباب تعجيل الإفطار بعد تحقُّق غروب الشمس، وتأخير السحور.
قوله: «ما عجَّلوا الفطر» (ما) ظرفية؛ أي: لا يزال الناس بخير مُدَّة فعلهم ذلك امتثالًا للسنة واقفين عند حدِّها غير متنطِّعين بعقولهم ما يغير قواعدها، وزاد أبو هريرة في هذا الحديث: "لأن اليهود والنصارى يؤخِّرون"؛ أخرجه أبو داود.
ولابن حبان والحاكم من حديث سهل: «ولا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم» .
قال الحافظ: من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة
لتحريم الأكل والشرب على مَن يريد الصيام زعما ممَّن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذِّنون إلا بعد الغروب بدرجةٍ لتمكين الوقت - زعموا - فأخَّروا الفطر وعجَّلوا السحور وخالَفوا السنة؛ فلذلك قلَّ عنهم الخير وكثر فيهم الشر، والله المستعان.
* * *
[ ١٥٥ ]
الحديث العاشر
عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - «إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم» .
فيه دليل على استحباب تعجيل الفطر إذا تحقَّق غروب الشمس.
قوله: «إذا أقبل الليل من ها هنا»؛ أي: من جهة المشرق «وأدبر النهار من ها هنا»؛ أي: من جهة المغرب، وعند البخاري: «وغربت الشمس فقد أفطر الصائم»؛ أي: قد حلَّ له الفطر.
قال ابن دقيق العيد: الإقبال والإدبار مثلا زمان؛ أعني: إقبال الليل وإدبار النهار، وقد يكون أحدهما أظهر للعين في بعض المواضع فيستدلُّ بالظاهر على الخفي، كما لو كان في جهة المغرب ما يستر البصر عن إدراك الغروب وكان المشرق ظاهرًا بارزًا فيستدلُّ بطلوع الليل على غروب الشمس، انتهى.
* * *
الحديث الحادي عشر
عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الوصال، قالوا يا رسول الله: إنك تواصل، قال: «إني لست مثلكم؛ إني أطعم وأسقى»؛ رواه أبو هريرة وعائشة وأنس بن مالك - ﵃.
ولمسلم عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» .
[ ١٥٦ ]
في الحديث دليلٌ على كراهة الوصال، وهو ألا يفطر بين اليومين، وفيه دليل على جوازه إلى السحر إذا لم يشقَّ عليه ولم يضعفه عن العبادة.
قوله: «إني أُطعَم وأُسقَى»؛ أي: يعطيني الله قوة الآكل والشارب ويفيض عليَّ ما يسد مسد الطعام والشراب، ومَن له أدنى ذوق وتجربة بعبادة الله والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه ومشاهدته، يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثيرٍ من الغذاء الجسماني، ولا سيما الفرح المسرور بمطلوبه الذي قرَّت عينه بمحبوبه.
قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد استواء المكلَّفين في الأحكام، وأن كل حكم ثبت في حق النبي - ﷺ - ثبت في حق أمته إلا ما استثني بدليل، وفيه جواز معارضة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله ولم يعلم المستفتي بسرِّ المخالفة، وفيه الاستكشاف عن حكمة النهي، وفيه ثبوت خصائصه - ﷺ - وأن عموم قوله - تعالى -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] مخصوص، وفيه أن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته ويبادرون إلى الائتساء به إلاَّ فيما نهاهم عنه، وفيه أن خصائصه لا يتأسَّى به في جميعها، وفيه بيان قدرة الله - تعالى - على إيجاد المسببات العاديات من غير سبب ظاهر، انتهى، والله أعلم.
* * *