الحديث الأول
عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب: "فانخنست منه، فذهبت فاغتسلت ثم جئت فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟»، قال: كنت جنبًا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: «سبحان الله، إن المسلم لا ينجس» .
[ ٣٢ ]
قوله: "باب الغسل من الجنابة": قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] .
قوله: "فانخنست": الانخناس: الانقباض والرجوع، وفي الحديث دليل على طهارة عرق الجنب، وعلى جواز تصرُّفه في حوائجه قبل أن يغتسل، وفيه استحباب الطهارة عند ملابسة الأمور العظيمة، واحترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات، وفيه استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه.
* * *
الحديث الثاني
عن عائشة - ﵂ - قالت: "كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم يغتسل، ثم يخلل بيديه شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده".
وكانت تقول: "كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد نغترف منه جميعًا".
اشتمل هذا الحديث والذي بعده على بيان كيفية الغسل من ابتدائه إلى انتهائه.
وفي هذا الحديث البداءة بغسل اليدين، وتقديم الوضوء قبل الاغتسال، وتخليل الشعر، وجواز اغتسال الزوجين جميعًا واغترافهما من إناء واحد، وجواز نظر كلٍّ منهما إلى الآخر وهو عريان.
وروى أبو داود والنسائي عن رجل صحب النبي - ﷺ - قال: "نهى رسول الله - ﷺ - أن يغتسل الرجل بفضل المرأة أو المرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعًا"، وهذا النهي محمول على التنزيه جمعًا بين الأدلة؛
[ ٣٣ ]
لما روى مسلم عن ابن عباس - ﵄ -: أن النبي - ﷺ - كان يغتسل بفضل ميمونة - ﵂.
ولأصحاب السنن: اغتسل بعض أزواج النبي - ﷺ - في جفنة فجاء ليغتسل منها فقالت له: إني كنت جنبًا فقال: «إن الماء لا يجنب» .
* * *
الحديث الثالث
عن ميمونة بنت الحارث - ﵂ - زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: "وضعت لرسول الله - ﷺ - وضوء الجنابة فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثًا ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء ثم غسل سائر جسده، ثم تنحَّى فغسل رجليه فأتيته بخرقة فلم يردَّها فجعل ينفض الماء بيديه".
في هذا الحديث دليل على تقديم غسل الكفين على غسل الفرج لِمَن يريد الاغتراف، وفيه استحباب مسح اليد بالتراب بعد غسل الأذى وتكرير ذلك، وفيه مشروعية المضمضة والاستنشاق في الغسل، وفيه جواز تأخير غسل الرجلين في وضوء الغسل، وفيه خدمة الزوجات لأزواجهن.
وعن يعلى بن أمية - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يغتسل بالبَرَاز، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن الله - ﷿ - حييٌّ سِتِّير يحبُّ الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر»؛ رواه أبو داود والنسائي.
* * *
[ ٣٤ ]
الحديث الرابع
عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد» .
في هذا الحديث دليلٌ على استحباب الوضوء للجنب قبل النوم؛ لأنه يخفف الجنابة، وفيه أن غسل الجنابة ليس على الفور وإنما يتضيَّق عند القيام إلى الصلاة، وفيه استحباب التنظُّف عند النوم، قال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى -: والحكمة فيه أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة، بخلاف الشياطين فإنها تقرب من ذلك، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عن أم سلمة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ - قالت: جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم، إذا هي رأت الماء» .
قولها: "إن الله لا يستحي من الحق": قدَّمت هذا تمهيدًا لعذرها في ذكر ما يُستَحيَا منه.
[ ٣٥ ]
قال البغوي في قوله - تعالى -: ﴿وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]؛ أي: لا يترك تأديبكم وبيان الحق حياء.
قولها: "فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت": (الاحتلام): الجماع يراه النائم في نومه، والحديث يدلُّ على وجوب الغسل على المرأة بالإنزال وكذلك الرجل لحديث عائشة - ﵂ - قالت: "سُئِل رسول الله عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا، فقال: «يغتسل»، وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل، فقال: «لا غسل عليه»، فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك عليها
الغسل؟ قال: «نعم، إنما النساء شقائق الرجال»، قال ابن رسلان: أجمَع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني.
* * *
الحديث السادس
عن عائشة - ﵂ - قالت: "كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله - ﷺ - فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه".
وفي لفظٍ لمسلم: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فركًا فيصلي فيه".
قولها: "كنت أغسل الجنابة"؛ أي: المني، والحديث يدلُّ على غسل المني إذا كان رطبًا، وفركه إذا كان يابسًا.
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: "سُئِل رسول الله - ﷺ - عن المني يصيب الثوب؟ فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذْخِرَة» .
* * *
الحديث السابع
عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال:
[ ٣٦ ]
«إذا جلس بين شُعَبِها الأربع ثم جهَدَها فقد وجب الغسل»، وفي لفظٍ لمسلم: «وإن لم ينزل» .
«شُعَبها الأربع»: يداها ورجلاها.
قوله: «جهدها»؛ أي: جامَعَها.
وعن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا جاوَز الختانُ الختانَ وجب الغسل»؛ رواه الترمذي.
وعن أبي بن كعب - ﵁ - قال: "إن الفُتيَا التي كانوا يقولون: الماء من الماء، رخصة كان رسول الله - ﷺ - رخَّص بها في أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعد"؛ رواه أحمد وأبو داود.
وعن ابن عباس أنه حمل حديث: «الماء من الماء» على صورة مخصوصة؛ وهي ما يقع في المنام من رؤية الجماع.
* * *
الحديث الثامن
عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي - ﵃ -: أنه كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله وعنده قوم فسألوه عن الغسل فقال: يكفيك صاعٌ، فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: كان يكفي مَن هو أوفى منك شعرًا أو خير منك، يريد رسول الله - ﷺ - ثم أمَّنا في ثوب.
وفي لفظ: "كان رسول الله - ﷺ - يفرغ الماء على رأسه ثلاثًا".
قال - ﵁ -: الرجل الذي قال ما يكفيني هو: الحسن بن محمد بن أبي طالب - ﵁ - أبوه: محمد بن الحنفية.
[ ٣٧ ]
في هذا الحديث استحباب الغسل بالصاع اقتداءً بالنبي - ﷺ.
وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: "كان رسول الله - ﷺ - يتوضَّأ بالمُدِّ ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد"؛ متفق عليه.
وفي الحديث ما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النبي - ﷺ - والانقياد إلى ذلك، وفيه جواز الردِّ بعنف على مَن يُمارِي بغير علم، وتحذير السامعين من مثل ذلك، وفيه كراهية التنطُّع والإسراف في الماء.
قوله: «ثم أمَّنا في ثوب»؛ يعني: صلَّى بنا في إزار بغير رداء، وقد روى البخاري ومسلم عن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا كان الثوب واسعًا فالتحف به»؛ يعني: في الصلاة.
ولمسلم: «فخالِف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا فاتَّزر به» .
* * *