الحديث الأول
عن عبد الله بن مغفل قال: "جلست إلى كعب بن عجرة فسألته عن الفدية فقال: نزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة، حملت إلى رسول
[ ١٧٨ ]
الله - ﷺ - والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى - أو ما كنت أرى الجهد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟»، فقلت: لا، قال: «فصُمْ ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكلِّ مسكين نصف صاع»، وفي رواية: "أمره رسول الله - ﷺ - أن يطعم فرقًا بين ستة مساكين أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام".
قال الله - تعالى -: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
قال مجاهد وغيره: الإحصار من عدو أو مرض أو كسر.
قال البغوي: قوله - تعالى -: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ معناه: لا تحلقوا رؤوسكم في حال الإحرام إلا أن تضطرُّوا إلى حلقه لمرض أو لأذًى في الرأس من هوام أو صداع، انتهى.
قال الموفق: ومَن أحصر بمضر أو ذهاب نفقة لم يكن له التحلُّل، فإن فاته الحج تحلَّل بعمرة، ويحتمل أنه يجوز له التحلُّل كمَن حصره العدو، انتهى.
قوله: "ويحتمل أنه يجوز له التحلل، هو رواية عن أحمد، وروى عن ابن مسعود وهو قول عطاء والنخعي والثوري وأصحاب الرأي وشيخ الإسلام ابن تيميَّة.
قال الزركشي: ولعله أظهر؛ لظاهر قوله - تعالى -: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولحديث الحجاج بن عمرو، انتهى.
والحديث رواه أحمد عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَن كسر أو وجع أو عرج فقد حلَّ وعليه حجة أخرى»، قال فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق.
قوله: «ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى»، أو: «ما كنت أرى الجهد بلغ منك ما أرى»، شكٌّ من الراوي، هل قال: الوجع أو الجهد.
و(الجَهْد) بالفتح: المشقَّة.
[ ١٧٩ ]
قوله: «أتجد شاة»، فقلت: لا، قال ابن عبد البر: فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا إيجابه.
قوله: «فصُمْ ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع»؛ أي: من كل شيء، ولأحمد: «لكل مسكين نصف صاع من طعام» .
قوله: "نزلت في خاصة وهي لكم عامة"، في رواية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: "أن رسول الله - ﷺ - رآه وأنه يسقط على وجهه، فقال: «أيؤذيك هوامك؟»، قال: نعم، فأمره أن يحلق وهو بالحديبية، ولم يتبيَّن لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يطعم فرقًا بين ستة، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام"، قال الحافظ: والصيام المطلق في الآية مقيد بما ثبت في الحديث بالثلاثة.
قال ابن التين وغيره: جعل الشارع هنا صوم يوم معادلًا بصاع.
وفي الفطر في رمضان عدل مُدٍّ، وكذا في الظهار والجماع رمضان، وفي كفارة اليمين بثلاثة أمداد وثلث، وفي ذلك أقوى دليل على أن القياس لا يدخل في الحدود والتقديرات.
قال: وفي حديث كعب بن عجرة من الفوائد أن السنة مبيِّنة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في القرآن وتقييدها بالسنَّة، وتحريم حلق الرأس على المحرم، والرخصة له في حلقه إذا آذَاه القمل أو غيره من الأوجاع، وفيه تلطُّف الكبير
بأصحابه وعنايته بأحوالهم وتفقُّده لهم، وإذا رأى ببعض أتباعه ضررًا سأل عنه وأرشده إلى المخرج منه، انتهى.
واستدلَّ به على أن الفدية لا يتعيِّن لها مكان، وبه قال أكثر التابعين.
قال الموفَّق: وكلُّ هدى أو إطعام فهو لمساكين الحرم إذا قدر على إيصاله إليهم إلا فدية الأذى واللبس ونحوهما إذا وجد سببها في الحلِّ فيفرقها حيث وجد سببها، ودم الإحصار يخرجه حيث أحصر، وأمَّا الصيام فيجزيه بكل مكان، انتهى، والله أعلم.
* * *