الحديث الأول
عن عبد الله الله بن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر»، وفي رواية: «اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجلٍ ذكر» .
(الفرائض): هي قسمة المواريث: جمع فريضة بمعنى مفروضة، وخصَّت المواريث باسم الفرائض لقوله - تعالى -: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] .
وعن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة»؛ رواه أبو داود وابن ماجه.
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تعلَّموا القرآن وعلِّموه الناس، وتعلَّموا الفرائض وعلِّموها، فإني امرؤ مقبوض والعلم مرفوع، ويوشك أن يختلف اثنان في الفريضة والمسألة فلا يجدان أحدًا يخبرهما»؛ ذكره أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله.
[ ٢٧٦ ]
قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها» المراد بالفرائض هنا: الأنصباء المقدَّرة في كتاب الله - تعالى - وهي النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس، والمراد بأهلها مَن يستحقها بنصِّ القرآن.
قوله: «فما بقي فلأولى رجل ذكر»؛ أي: فما بقي من المال بعد ذوي الفروض فهو لأقرب رجل من العصبة، وأقربهم البنوَّة، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الإخوة من الأب، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم أعمام الأب ثم بنوهم، ثم أعمام الجد لا يرث بنو أبٍ أعلى مع بني أب أقرب وإن نزلوا، ومَن أدلى بأبوين يُقدَّم على مَن أدلى بأب، ويُقدَّم الأخ من الأب على ابن الأخ لأبوين، وإذا انقرض العصبة من النسب ورث المولى
المعتق ثم عصباته من بعده، ولا يرث النساء بالولاء إلا مَن أُعتِقن أو أعتقه مَن أعتقن.
وجهات العصوبة ست: البنوة، الأبوة، ثم الأخوة، ثم بنو الإخوة، ثم العمومة، ثم الولاء، فإذا اجتمع عاصبان فأكثر قُدِّم الأقرب جهةً، فإن استووا فيها فالأقرب درجة، فإن استووا فيها قُدِّم مَن لأبوين على مَن لأبٍ، وهذا كقول الجعبري - رحمه الله تعالى -:
فَبِالْجِهَةِ التَّقْدِيمُ ثُمَّ بِقُرْبِهِ = وَبَعْدَهُمَا التَّقْدِيمُ بِالْقُوَّةِ اجْعَلاَ
وإذا لم تستوعب الفروض المال ولم يكن عصبة رُدَّ على ذوي الفروض بقدر فروضهم إلاَّ الزوجين، فإن لم يكن ذو فرض ولا عصبة ورث أولو الأرحام بالتنزيل؛ وهو أن تجعل كل شخص بمنزلة مَن أدلى به، وهم أحق بالميراث من بيت المال؛ لقول النبي - ﷺ - «الخال وارثُ مَن لا وارث له»، وفي الحديث دليلٌ على أن ابن الابن يحوز المال إذا لم يكن دونه ابن، وأن الجد يرث جميع المال إذا لم يكن دونه أبٌ، وأن الأخ من الأم إذا كان ابن عم يرث بالفرض والتعصيب، وكذا الزوج إذا كان ابن عم، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عن أسامة بن زيد - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، أتنزل
[ ٢٧٧ ]
غدًا في دارك بمكة؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من رباعٍ أو دور؟»، ثم قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» .
الحديث دليلٌ على انقطاع التوارث بين المسلم والكافر بالنسب، وكذا بالولاء، وهو قول جمهور العلماء ورواية عن أحمد.
قوله: أتنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور» (الرباع) جمع ربع: وهو المنزل المشتمل على أبيات، وكان عقيل ورث أبا
طالب هو وطالب، ولم يرث عليٌّ ولا جعفر - ﵄ - شيئًا؛ لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين.
قال الحافظ: وأخرج هذا الحديث الفاكهي من طريق محمد بن أبي حفصة، وقال في آخره: ويُقال إن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم بن عبدمناف، ثم صارت لعبد المطلب ابنه فقسمها بين ولده حين عمر فمن ثَمَّ صار للنبي - ﷺ - حق أبيه عبد الله، وفيها وُلِد النبي - ﷺ.
قال الحافظ: إن النبي - ﷺ - لما هاجر استولى عقيل وطالب على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما؛ لكونهما كانا لم يسلما، وباعتبار ترك النبي - ﷺ - لحقه منها بالهجرة وفقد طالب ببدر فباع عقيل الدار كلها، انتهى، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عمر - ﵄ -: "أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الولاء وهبته".
(الولاء): حقٌّ ثبت بوصفٍ وهو الإعتاق، فلا يقبل النقل إلى الغير بوجهٍ من الوجوه؛ فلهذا قال النبي - ﷺ -: «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يُباع ولا يُوهَب» .
قال الموفق: والولاء لا يورث وإنما يورث به، ولا يُباع ولا يُوهَب وهو للكبر، فإذا مات المعتق وخلف عتيقه وابنين فمات أحد الابنين بعده عن
[ ٢٧٨ ]
ابن ثم مات العتيق فالميراث لابن المعتق، فإن مات الابنان بعده وقبل المولى وخلف أحدهما ابنا والآخر تسعة فولاؤه بينهم على عددهم لكلِّ واحد عشرة، انتهى.
وعن ابن عباس - ﵄ -: "أن رجلًا مات على عهد النبي - ﷺ - ولم يترك وارثًا إلا عبدًا هو أعتقه فأعطاه ميراثه"؛ رواه الخمسة إلا النسائي.
قال في "الاختيارات": أسباب التوارث: رحم ونكاح وولاء عتق إجماعًا، وذكر عند عدم ذلك كله موالاته ومعاقدته وإسلامه على يديه والتقاطه كونهما من أهل الديوان، وهو رواية عن الإمام أحمد، ويرث مولى من أسفل عند عدم الورثة وقاله بعض العلماء، انتهى، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عن عائشة - ﵂ - قالت: "كانت في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدى لها لحم فدخل عليَّ رسول الله - ﷺ - والبرمة على النار، فدعا بطعام، فأتي بخبز وإدام من إدام البيت، فقال: «ألم أرَ البرمة على النار فيها لحم؟»، فقالوا: بلى يا رسول الله، ذلك لحم تصدق به على بريرة فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: «هو عليها صدقة، وهو لنا منها هدية»، وقال النبي - ﷺ -: «إنما الولاء لِمَن أعتق» .
فيه دليل على حصر الولاء لِمَن أعتق، وفي رواية للبخاري: «الولاء لِمَن أعطى الورق وولى النعمة» .
قولها: "كانت في بريرة ثلاث سنن"، وفي رواية: ثلاث قضيات والمراد ما وقع من الأحكام فيها مقصودًا، وإلا ففي قصتها فوائد كثيرة تُؤخَذ بطريق التنصيص أو الاستنباط، وفي الحديث دليل على أن الأمة إذا عتقت تحت
[ ٢٧٩ ]
عبد فلها الخيار، فإن مكنته من وطئها عالمة سقط خيارها، وأن بيعها لا يكون طلاقًا ولا فسخًا، وفيه ثبوت الولاء للمرأة المعتقة، وفيه أن المرء إذا خير بين مباحين فاختار ما ينفعه لم يُلَم ولو أضرَّ ذلك برفيقه، وفيه اعتبار الكفاءة في الحرية وسقوطها بالرضا، وفيه جواز أكل الغني ما تصدق به على الفقير إذا أهداه له، وجواز أكل الإنسان من طعامِ مَن يسرُّ بأكله ولو لم يأذن له فيه بخصوصه، وفيه جواز الصدقة على مَن
يمونه غيره، وفيه أن مَن حَرُمت عليه الصدقة جاز له أكل عينها إذا تغيَّر حكمها، وفيه أن الهدية تُمَلَّك بوضعها في بيت المهدي له ولا يحتاج إلى التصريح بالقبول، وفيه أنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إذا لم يكن فيه شبهة، ولا عن الذبيحة إذا ذُبِحت بين المسلمين، وفيه تسمية الأحكام سننًا وإن كان بعضها واجبًا، وفي قصة بريرة من الفوائد أيضًا استحباب شفاعة الحاكم في الرفق بالخصم؛ لقول النبي - ﷺ - لبريرة: «زوجك وأبو ولدك»، وفيها غير ذلك، والله أعلم.
* * *
[ ٢٨٠ ]