الحديث الأول
عن عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاة لِمَن يقرأ بفاتحة الكتاب» .
فيه دليلٌ على وجوب قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم والمنفرد، وروى أبو داود والترمذي عن عبادة قال: صلى رسول الله - ﷺ - الصبح فثقلت عليه القراءة، فلمَّا انصرف قال: «إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم»، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: «لا تفعلوا إلا بأمِّ القرآن؛ فإنه لا صلاة لِمَن يقرأ بها» .
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - «مَن صلى صلاةً لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج»، يقولها ثلاثًا، فقيل
[ ٧٩ ]
لأبي هريرة: إنَّا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «قال الله - ﷿ -: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجَّدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل»؛ رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
* * *
الحديث الثاني
عن أبي قتادة الأنصاري - ﵁ - قال: "كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الركعتين الأوليَين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الأولى
ويقصر في الثانية، وفي الركعتين الأخريين، بأم الكتاب، وكان يطول في الركعة الأولى في صلاة الصبح ويقصر في الثانية".
فيه دليلٌ على استحباب تطويل القراءة في الأوليين من الصلاة، وكون الأولى أطول من الثانية، وجواز الجهر في السرية بالآية ونحوها أحيانًا، وجواز النظر إلى الإمام، وفيه الاقتصار على الفاتحة في الأخريين، وفيه التنصيص على قراءة الفاتحة في كل ركعة.
وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: "كُنَّا نَحْزِر قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ألم تنزيل السجدة، وفي الأخريين قدر النصف من ذلك، وفي الأوليَين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، والأخريين على النصف من ذلك"؛ رواه مسلم.
والجمع بين الحديثين أنه - ﷺ - كان يصنع هذا تارة،
[ ٨٠ ]
وهذا تارة؛ فيقرأ في الأخريين غير الفاتحة معها أحيانًا، ويقتصر على الفاتحة أحيانًا.
وروى مالك من طريق الصنابحي: أنه سمع أبا بكر الصديق - ﵁ - يقرأ في ثالثة المغرب: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨]
* * *
الحديث الثالث
عن جبير بن مطعم - ﵁ - قال: "سمعت النبي - ﷺ - يقرأ في المغرب بالطور".
فيه دليلٌ على استحباب القراءة في المغرب بطوال المفصل أحيانًا.
وعن سليمان بن يسار عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: "ما رأيت رجلًا أشبه صلاةً برسول الله - ﷺ - من فلان، لإمامٍ كان بالمدينة، قال سليمان: فصليت خلفه، فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين، ويخفف العصر،
ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل"؛ رواه أحمد والنسائي.
* * *
الحديث الرابع
عن البراء بن عازب - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - كان في سفر فصلَّى العشاء الآخرة فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه - ﷺ.
[ ٨١ ]
فيه استحباب تحسين الصوت بالقراءة في الصلاة وغيرها، وتخفيف القراءة في السفر.
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما أَذِن الله لشيء ما أَذِن لنبيٍّ حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن يجهر به»؛ متفق عليه.
* * *
الحديث الخامس
عن عائشة - ﵂ -: أن رسول الله بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، فلمَّا رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -: فقال: «سلوه لأيِّ شيء يصنع ذلك؟»، فقال: لأنها صفة الرحمن - ﷿ - فأنا أحب أن أقرأها، فقال رسول الله - ﷺ - «أخبروه أن الله - تعالى - يحبه» .
فيه دليلٌ على جواز الجمع بين السورتين في ركعة واحدة، وفيه فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وفيه دليلٌ على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانًا لغيره.
وقال البخاري: "باب الجمع بين السورتين في ركعةٍ والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة"، ويذكر عن عبد الله بن السائب: "قرأ النبي - ﷺ -
المؤمنون في الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهرون أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع".
وقرأ عمر في الركعة الأولى بمائة وعشرين آية من البقرة، وفي الثانية بسورة من المثاني، وقرأ الأحنف بالكهف في الأولى، وفي الثانية بيوسف أو يونس، وذكر أنه صلى مع عمر - ﵁ - الصبح بهما، وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الأنفال، وفي الثانية بسورة من المفصل.
وقال قتادة فيمَن يقرأ سورة واحدة في ركعتين أو يردِّد سورة واحدة في ركعتين: كل
[ ٨٢ ]
كتاب الله.
وقال عبيد الله عن ثابت عن أنس: "كان رجل من الأنصار يؤمُّهم في مسجد قباء، وكان كلَّما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما تقرأ به افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كلِّ ركعة، فكلَّمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإمَّا تقرأ بها، وإمَّا أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، وإن أحببتم أن أؤمَّكم بذلك فعلت وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمَّهم غيره، فلمَّا أتاهم النبي - ﷺ - أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما منعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟»، فقال: إني أحبها، فقال: «حبك إيَّاها أدخلك الجنة» .
* * *
الحديث السادس
عن جابر - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال لمعاذ: «فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى؛ فإنه وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة» .
قال البخاري: "باب مَن شكا إمامه إذا طوَّل"، وقال أبو أسيد: طوَّلت بنا يا بني، وذكر حديث أبي مسعود: قال رجل: يا رسول الله، إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، ثم ذكر حديث جابر، ولفظه قال: "أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل، فوافَق معاذًا يصلي، فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء، فانطلق الرجل وبلغه أن معاذًا نال منه، فأتى النبي - ﷺ - فشكا إليه معاذًا، فقال النبي - ﷺ -: «يا معاذ، أفتَّان أنت - أو: أفاتن؟ ثلاث مرار - فلولا صلَّيت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة» .
وفي الحديث دليلٌ على استحباب قراءة أوساط المفصل في العشاء، واقتداء الإمام
[ ٨٣ ]
بأضعف المأمومين، ومراعاة حوائجهم، وعدم المشقة عليهم.
قال الحافظ: وفيه استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين، وفيه أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة، وجواز خروج المأموم من الصلاة لعذر، وفيه الاكتفاء في التعزير بالقول، وفيه أن التخلُّف عن الجماعة من صفة المنافقين، انتهى ملخصًا.
* * *