الحديث الأول
عن عبد الله بن عباس - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - وقَّت لأهل المدينة ذا الحُلَيفة، ولأهل الشام الجُحْفَة، ولأهل نجد قَرْنَ المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، هن لهن ولِمَن أتى عليهن من غير أهلهن ممَّن أراد الحج أو العمرة، ومَن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهلُ مكة من مكة.
* * *
الحديث الثاني
عن عبد الله بن عمر - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «يُهَلِّل أهل المدينة من ذي الحُلَيْفَة، وأهل الشام من الجُحْفَة، وأهل نجد من قَرْن»، قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله - ﷺ - قال: «ويُهِلُّ أهل اليمن من يَلَمْلَم» .
الحج أحد أركان الإسلام الخمسة؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، و(السبيل): الزاد
[ ١٧٠ ]
والراحلة، وقال - تعالى -: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والحج في اللغة: القصد، وهو في الشرع: القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة.
قوله: "باب المواقيت" هي جمع ميقات، قوله: "وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة " إلى آخره؛ أي: حدَّد هذه المواضع للإحرام، والتوقيت: التحديد والتعيين، وقوله في حديث ابن عمر: «يُهِلُّ»؛ أي: يحرم، قال الحافظ: المُهَلُّ موضع الإهلال، وأصله رفع الصوت؛ لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعًا.
قوله: «هن لهن»؛ أي: المواقيت للجماعات، وفي رواية: «هن لهم»؛ أي: المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة، قال الحافظ: ويدخل في ذلك مَن دخل بلدًا ذات ميقات ومَن لم يدخل، فالذي لا يدخل لا إشكال فيه إذا لم يكن له ميقات معين، والذي يدخل فيه خلافٌ كالشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة، فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجُحْفَة التي هي ميقاته الأصلي، فإن أخَّر أساء ولزمه دم عند الجمهور.
قوله: «ممن أراد الحج أو العمرة» قال الحافظ: فيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام.
قوله: «ومَن كان دون ذلك»؛ أي: بين الميقات ومكة، «فمن حيث أنشأ»؛ أي: فميقاته من حيث إنشاء الإحرام؛ إذ السفر من مكانه إلى مكة.
قال الحافظ: ويؤخذ منه أن مَن سافَر غير قاصد للنسك فجاوَز الميقات ثم بدَا له بعد ذلك النُّسُك أنه يُحرِم من حيث تجدَّد له القصد ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات؛ لقوله: «فمن حيث أنشأ» .
قوله: «حتى أهل مكة من مكة» قال الحافظ: أي: لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه، بل يحرمون من مكة كالآفاقي الذي بين الميقات ومكة وهذا خاصٌّ بالحاج، وأمَّا المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، واختلف فيمن جاوز الميقات مريدًا للنسك فلم يحرم، فقال الجمهور: يأثم ويلزمه دم، قال الجمهور: لو رجع إلى الميقات قبل التلبُّس بالنُّسُك سقط عنه الدم، انتهى ملخَّصًا.
فائدة:
قال الحافظ: الأفضل في كلِّ ميقات أن يحرم من طرفه الأبعد من مكة، فلو أحرم من طرفه الأقرب جاز.
[ ١٧١ ]
تتمَّة:
وعن ابن عمر - ﵄ - قال: "لما فُتِح هذان المصران أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله - ﷺ - حدَّ لأهل نجد قرنًا وهو جور عن
طريقنا، وإنَّا إن أردنا قرنًا شقَّ علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق".
قال الحافظ: والمصران: الكوفة، والبصرة، وهما سرتا العراق، والمراد بفتحهما غلَبَة المسلمين على مكان أرضهما، وإلاَّ فهما من تمصير المسلمين، انتهى.
قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن إحرام أهل العراق من ذات عرق إحرام من الميقات.
قال الموفق: ومَن لم يكن طريقه على ميقات فإذا حاذَى أقرب المواقيت إليه أحرم، انتهى، والله أعلم.
* * *