الحديث الأول
عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»، زاد مسلم: "قال ابن عمر: فوالله ما مرَّت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ذلك إلا ووصيتي عندي".
الوصية نوعان: أحدهما: الوصية بالحقوق الواجبة على الإنسان وذلك واجب، الثاني: الوصية بالتطوُّعات في القربات وذلك مستحب، والحديث محمول على النوع
[ ٢٧٣ ]
الأول، وتُطلَق الوصية أيضًا على ما يقع به الزجر عن المنهيَّات والحث على المأمورات، ويشترط لصحة الوصية العقل والحرية، ولا تندب الوصية بالمال لِمَن كان له ورثة وماله قليل.
قوله: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه»، ولأحمد: «حقٌّ على كلِّ مسلم ألاَّ يبيت ليلتين وله ما يوصى فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده»، وفي الحديث من الفوائد: التأهُّب للموت والحزم قبل الفوت، واستدلَّ به على جواز الاعتماد على الكتابة والخط إذا عرف ولو لم يقترن ذلك بالشهادة، ويُستفاد منه أن الأشياء المهمَّة ينبغي أن تضبط بالكتابة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ لأنه يخون غالبًا.
* * *
الحديث الثاني
عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: "جاءني رسول الله - ﷺ - يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتدَّ بي، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالٍ ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: «لا»، قلت: فالثلث، قال: «الثلث، والثلث
كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكفَّفون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك»، قال: فقلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟ قال: «إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم» .
[ ٢٧٤ ]
لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله - ﷺ - أن مات بمكة.
قوله: «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرت بها» كأنه قيل له: لا توصِ بأكثر من الثلث، فإنك إن متَّ تركت ورثتك أغنياء، وإن عشت تصدَّقت وأنفقت، فالأجر حاصل لك في الحالتين.
قوله: «ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون» وقع كما قال - ﷺ - فإنه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنة، وانتفع به المسلمون بالغنائم ممَّا فتح الله على يديه من بلاد الشرك وضُرَّ به المشركون الذين هُتكوا على يديه.
قال بعض العلماء: (لعلَّ) وإن كانت للترجي لكنها من الله للأمر الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان رسول الله - ﷺ - غالبًا.
قوله: "لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله - ﷺ - أن مات بمكة"، "البائس": الذي اشتدَّ بؤسه، والبؤس: شدة الفقر.
قوله: "يرثي له" أن يتوجَّع له لكونه مات في البلد التي هاجر منها.
وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعيةُ عيادة المريض للإمام فمَن دونه، واستحباب الفسح للمريض في طول العمر، وجواز إخبار المريض بشدَّة مرضه لطلب دعاء أو دواء، وأن ذلك لا يُنافِي الصبر المحمود، وفيه إباحة جمع المال بشروطه، وفيه الحثُّ على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب، وأن صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد، وفيه الإنفاق على مَن تلزمه مؤنتهم والحث على الإخلاص
في ذلك، وفيه منع نقل الميت من بلد إلى بلد، وفيه النظر في مصالح الورثة، وفيه أن مَن ترك مالًا قليلًا فالاختيار له ترك الوصية وإبقاء المال للورثة، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عباس - ﵄ - قال: لو أن الناس غضُّوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله - ﷺ - قال: «الثلث والثلث كثير» .
[ ٢٧٥ ]
قوله: "غضوا"؛ أي: نقصوا، وعند الإسماعيلي "لو غض الناس إلى الربع كان أحب إلى رسول الله - ﷺ"، وفيه دليل على استحباب النقص من الثلث في الوصية.
وعند النسائي في حديث سعد: "عادني رسول الله - ﷺ - في مرضي فقال: «أوصيت؟»، قلت: نعم، قال: «بكم؟»، قلت: بمالي كله في سبيل الله، قال: «فما تركت لولدك؟»، قلت: هم أغنياء، قال: «أوصِ بالعشر»، فما زال يقول وأقول حتى قال: «أوصِ بالثلث، والثلث كثير - أو: كبير» .
* * *