الحديث الأول
عن أنس بن مالك - ﵁ -: "أن النبي - ﷺ - أُتِي برجل قد شرب الخمر فجَلَده بجريدة نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوفٍ: أخفُّ الحدود ثمانون، فأمر به عمر - ﵁".
الخمر محرَّم بالكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠- ٩١] .
قوله: "فجلده بجريدة" وفي حديث أبي هريرة: أُتِي النبي - ﷺ - برجل قد شرب فقال: «اضربوه»، قال: فمنَّا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلمَّا انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، قال: «لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان»؛ رواه أحمد والبخاري وأبو داود، وزاد في رواية: "ثم قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه بكِّتوه، فأقبلوا عليه يقولون له: ما اتَّقيت الله - ﷿ - ما خشيت الله - جل ثناؤه - ما استحييت من رسول الله - ﷺ - ثم أرسلوه".
قال النووي: أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال، والأصحُّ جوازه
[ ٣٤١ ]
بالسوط، وشذَّ مَن قال هو شرط، وهو غلط منابذ للأحاديث الصحيحة.
قال الحافظ: وتوسَّط بعض المتأخِّرين فعيَّن السوط للمتمرِّدين، وأطراف الثياب والنعال للضعفاء، ومَن عداهم بحسب ما يليق بهم وهو متَّجه، انتهى.
قوله: فقال عبد الرحمن بن عوف: "أخفُّ الحدود ثمانون فأمر به عمر - ﵁"، قصة عبد الرحمن ذكرها مسلم وغيره ولم يخرجها البخاري، ولكن ذكر
معنى صنيع عمر في حديث السائب بن يزيد قال في آخره: "حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين".
وفي "الموطأ": أن عمر استشار الناس في الخمر فقال له عليُّ بن أبي طالب: نرى أن تجعله ثمانين فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فجعله عمر في الخمر ثمانين.
قال القاضي عياض: أجمعوا على وجوب الحد في الخمر واختلفوا في تقديره؛ فذهب الجمهور إلى الثمانين، وقال الشافعي في المشهور عنه وأحمد في رواية وأبو ثور وداود: أربعين.
* * *
الحديث الثاني
عن أبي بردة هانئ بن نِيَار البلوي - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله» .
اختلف العلماء في المراد بالحدِّ في هذا الحديث؛ فقال بعضهم: المراد بالحدِّ هنا ما ورد فيه من الشارع عدد من الجلد أو عقوبة مخصوصة، وقال بعضهم: المراد به حق الله، قال ابن القيم: المراد بالحدود هنا الحقوق التي هي أوامر الله ونواهيه، وهي المراد بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وفي أخرى: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا﴾ [النساء: ١٤]، قال: فلا يُزَاد على العشر في التأديبات التي لا تتعلَّق بمعصية كتأديب الأب ولدَه الصغير، اهـ.
قال الحافظ: ويحتمل أن
[ ٣٤٢ ]
يفرق بين مراتب المعاصي؛ فما ورد فيه تقدير لا يُزَاد عليه وهو المستثنَى في الأصل، وما لم يرد فيه تقدير فإن كانت كبيرة جازت الزيادة فيه وأطلق عليه اسم الحد كما في الآيات المُشَار إليها والتحق بالمستثنى، وإن كانت صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة، انتهى.
تتمَّة:
التعزير يكون بالضرب والحبس والهجر والتوبيخ في كلِّ معصية لا حدَّ فيها.
وعن النعمان بن بشير: "أنه رفع إليه رجل غشى جارية امرأته، فقال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله - ﷺ -: إن كانت أحلَّتها لك جلدتك مائة جلدة وإن كانت لم تحلَّها لك رجمتك"؛ رواه الخمسة.
وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: "أن النبي - ﷺ - حبس رجلًا في تهمة، ثم خلى سبيله"؛ رواه الخمسة إلا ابن ماجه.
قال الأوزاعي: "لا يبلغ بالتعزير الحد"؛ أي: لا يبلغ بكلِّ جناية حدًّا مشروعًا في جنسها، ويجوز أن يزيد على حدِّ غير جنسها؛ لحديث سعيد بن المسيب عن عمر في أمَة بين رجلَين وطئها أحدهما: "يُجلَد الحدَّ إلا سوطًا واحدًا"؛ رواه الأثرم واحتجَّ به أحمد.
وروى أحمد: "أن عليًّا أُتِي بالنجاشي قد شرب خمرًا في رمضان، فجلده ثمانين: الحد، وعشرين سوطًا لفطره في رمضان".
وعن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به»؛ رواه الخمسة إلا النسائي.
وعن سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس: "في البكر يوجد على اللوطية يرجم اللوطي محصنًا كان أو غير محصن"؛ رواه أبو داود.
وعن علي أنه رجم لوطيًّا قال: إن فعل، وبهذا نأخذ برجم اللوطي محصنًا كان أو غير محصن، وأخرج البيهقي أيضًا عن أبي بكر: "أنه جمع الناس في حق رجل يُنكَح كما تُنكَح النساء، فسأل أصحاب رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فكان من أشدِّهم يومئذ قولًا عليُّ بن أبي طالب قال: هذا ذنب لم تعصِ به أمَّة من الأمم إلا أمَّة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن تحرقه بالنار، فاجتمع أصحاب رسول الله -
[ ٣٤٣ ]
ﷺ - على أن يحرقه بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار".
وأخرج أيضًا عن ابن عباس: "أنه سُئِل عن حدِّ اللوطي فقال: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمي به منكسًا ثم يتبع الحجارة"، وذهب عمر وعثمان إلى أنه يلقى عليه حائط.
قال الشوكاني: وقد حكى صاحب "الشفاء" إجماع الصحابة على القتل، وما أحق مرتكب هذه الجريمة ومقارِف هذه الرذيلة الذميمة بأن يُعاقَب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيب بكسر شهوة الفسقة والمتمرِّدين، انتهى، والله أعلم.
* * *
[ ٣٤٤ ]