الحديث الأول
عن أنس بن مالك - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث» .
«الخُبُث»: بضم الخاء والباء وهو جمع خبيث، و«الخبائث»: جمع خبيثة، استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم.
[ ١٩ ]
«الخلاء» هنا: موضع قضاء الحاجة، والاستطابة: إزالة الأذى عن المخرَجَين بالماء أو بالأحجار.
قوله: "إذا دخل الخلاء"؛ أي: إذا أراد أن يدخل كما في رواية عند البخاري، وعن علي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله»؛ رواه ابن ماجه.
ويُكرَه دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجة، وعن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه؛ رواه أهل السنن.
قال أحمد: الخاتم إذا كان فيه اسم الله يجعله في باطن كفِّه ويدخل الخلاء.
وعن أنس - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذي أذهب عنى الأذى وعافانى»؛ رواه ابن ماجه.
* * *
الحديث الثاني
عن أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ولكن شرِّقوا أو غربوا»، قال أبو أيوب: فقدِمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بُنِيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله - ﷿.
«الغائط»: الموضع المطمئن من الأرض كانوا ينتابونه للحاجة، فكنَّوا به عن نفس الحديث كراهيةً لذكره بخاص اسمه، و"المراحيض" جمع مرحاض: وهو المغتَسَل، وهو أيضًا كناية عن موضع التخلِّي.
* * *
[ ٢٠ ]
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: "رقيت يومًا على بيت حفصة فرأيت النبي - ﷺ - يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة".
حديث أبي أيوب يدلُّ على تحريم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، وحديث ابن عمر يدلُّ على جواز ذلك في البنيان، وعن مروان الأصفر قال: "رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نُهِى عن هذا؟ قال: بلى، إنما نُهِيَ عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس؛ رواه أبو داود.
قوله: «ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» المراد بذلك أهل المدينة ومَن على سمتها، ولا يدخل في ذلك من الأمكنة ما كانت القبلة فيه إلى المشرق أو المغرب.
* * *
الحديث الرابع
عن أنس بن مالك - ﵁ - أنه قال: "كان رسول الله - ﷺ - يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلامٌ نحوي معي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء".
و"العنزة": الحربة الصغيرة، و"الإداوة": إناء صغير من جلد.
والحديث يدلُّ على مشروعية الاستنجاء بالماء، قال أحمد: إن جمع بين الحجارة والماء فهو أحبُّ إليَّ؛ لحديث عائشة وهو ما رواه الترمذي وصححه أنها قالت للنساء:
[ ٢١ ]
"مُرْنَ أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء، ثم أثر الغائط والبول، فإني استحييهم، وإن النبي - ﷺ - كان يفعله".
وفي الحديث جواز استخدام الأحرار إذا رضوا، وفيه أن في خدمة العالم شرفًا للمتعلم.
* * *
الحديث الخامس
عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «لا يمسَّن أحدكم ذكَرَه بيمينه وهو يبول، ولا يتمسَّح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفَّس في الإناء» .
الحديث يدلُّ على النهى عن إمساك الذكر باليمين عند البول وعن إزالة الأذى باليمين.
قوله: «ولا يتنفس في الإناء»؛ أي: داخله؛ لأن التنفُّس فيه مستقذَر وربما أفسده على غيره، وأمَّا إذا أبان الإناء وتنفَّس خارجه فهي السنة.
* * *
الحديث السادس
عن عبد الله بن عباس - ﵄ - قال: مَرَّ النبي - ﷺ - بقبرين فقال: «إنهما ليُعَذَّبان وما يعذبان في كبير؛ أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأمَّا الآخر فكان يمشي بالنميمة»، فأخذ جريدة رطبة فشقَّها نصفين فغرز في كلِّ قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله، لِمَ فعلت هذا؟ قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» .
[ ٢٢ ]
قوله: «وما يُعَذَّبان في كبير»؛ أي: الاحتراز منه سهل، وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما وهو عند الله كبير، كما قال - تعالى -: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]، وفي روايةٍ: «وما يُعذَّبان في كبير ولكنه كبير» .
قوله: «أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من البول»؛ أي: من بوله، قال البخاري: "وقال النبي - ﷺ - في صاحب القبر: «كان لا يستتر من بوله»، ولم يذكر سوى بول الناس"، انتهى.
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه»؛ رواه الدارقطني، وقد استدلَّ بعض العلماء بقوله: «من البول» على نجاسة الأبوال كلها من الآدميين والبهائم مأكولة اللحم وغيرها، والحديث خاصٌّ ببول الآدميين؛ فأمَّا أبوال ما يُؤكَل لحمه فطاهرة؛ والدليل على ذلك: أن النبي - ﷺ - أمر العرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها، وقال - ﷺ -: «صلُّوا في مرابض الغنم» .
وفي الحديث إثبات عذاب القبر ووجوب إزالة النجاسة مطلقًا والتحذير من ملابستها، وفيه أن النميمة من الكبائر، وهي نقل كلام الناس بقصد الإضرار.
قوله: "فأخذ جريدة رطبة" أخذ بعض العلماء من هذا الحديث استحباب وضع الجريد الرطب ونحوه على القبور؛ لأنه يسبح ما دام رطبًا فيحصل التخفيف ببركة التسبيح، وأنكره بعضهم، وقال: هذا من خصائص النبي - ﷺ - لأنه أمر مغيب.
تتمَّة:
عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «اتَّقوا اللاعنين»، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلَّى في طريق الناس أو في ظلِّهم»؛ رواه مسلم.
وعن عبد الله بن مغفل - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا يبولن أحدكم في مستحمِّه ثم يتوضَّأ منه؛ فإن عامة الوسواس فيه»؛ رواه أحمد وأبو داود.
وقال ابن ماجه: سمعت علي بن محمد يقول: إنما هذا في الحفيرة، فأمَّا اليوم فمغتسلات الجص والصاروج والقير فإذا بال وأرسل عليه الماء فلا بأس به.
وعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا تغوَّط الرجلان فليتوارَ كلُّ واحد منهما عن صاحبه ولا يتحدَّثا؛ فإن الله يمقت على ذلك»؛ رواه أحمد.
* * *
[ ٢٣ ]