الحديث الأول
عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "صلى بنا رسول الله - ﷺ - إحدى صلاتي العشي"، قال ابن سيرين: وسمَّاها أبو هريرة ولكن نسيت أنا، قال: "فصلَّى بنا ركعتين ثم سلَّم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتَّكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبَّك بين أصابعه، وخرجت السرعان من أبواب المسجد فقالوا: قصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر فهابَا أن يكلِّماه، وفي القوم رجلٌ في يديه طول يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: «لم أنس ولم تقصر»، فقال: «أكما يقول ذو اليدين؟»، قالوا: نعم، فتقدَّم فصلى ما ترك ثم سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه ثم سلَّم، قال: فنبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم".
[ ٨٥ ]
(العشي) ما بين زوال الشمس إلى غروبها؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] .
قوله: "إحدى صلاتي العشاء"؛ يعني: إمَّا الظهر وإمَّا العصر، وفي رواية لمسلم: "صلاة العصر"، والحديث دليل على مشروعية سجود السهو، وعلى أن كلام الناس لا يبطل الصلاة، وأن السلام سهوًا والخروج من الصلاة على ظن التمام لا يبطلها، وإذا تكلم عامدًا لمصلحة الصلاة لم تبطل، كما فعل ذو اليدين ولم يأمره النبي - ﷺ - بالإعادة، وفيه جواز البناء على الصلاة بعد السلام سهوًا، وفيه دليلٌ على أن سجود السهو يتداخَل ولا يتعدَّد بتعدُّد أسبابه؛ فإن النبي - ﷺ - تكلَّم ومشى، وفيه دليلٌ على أنه إذا سها الإمام فسجد سجد معه المأمومون وإن لم يسهوا، وفيه التكبير في سجود السهو والسلام بعده.
وفي الحديث جواز السهو على النبي في الأفعال، كما قال - ﷺ -: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكِّروني»، ولكنه لا يقرُّ عليه بل يقع له بيان ذلك، وفائدته بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثل ذلك لغيره، وفيه أن الاعتقاد عند فَقْدِ اليقين يقوم مقام اليقين لقوله: «لم أنسَ»؛ أي: في اعتقادي لا في نفس الأمر، وفيه جواز تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، وأمَّا الحديث الذي أخرجه أبو داود عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله - ﷺ - «إذا توضَّأ أحدكم ثم خرج عامدًا إلى الصلاة فلا يشبِّكن بين يديه فإنه في صلاة»، فمن العلماء مَن ضعَّفه، ومنهم مَن جمع بين الأحاديث بأن النهي مقيَّد بما إذا كان في الصلاة أو قاصدًا لها، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عن عبد الله بن بحينة - وكان من أصحاب النبي، - ﷺ - أن النبي - ﷺ - صلى الظهر فقام في الركعتين الأوليَين ولم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة
[ ٨٦ ]
وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم.
فيه دليلٌ على أن مَن ترك التشهد الأول ساهيًا جبره بسجود السهو قبل السلام، وقد اختلف أهل العلم في حكم سجود السهو هل هو واجب أو سنة؛ فمنهم مَن قال: مسنون، ومنهم مَن قال: واجب، ومنهم مَن فصَّل في ذلك.
واختلفوا أيضًا في محلِّه؛ فمنهم مَن قال: قبل السلام، ومنهم مَن قال: بعده، ومنهم مَن قال: يستعمل كل حديث فيما ورد فيه، وما لم يَرِدْ فيه حديث فمحلُّه قبل السلام، قال الحافظ: ورجَّح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده، ونقل الماوردي وغيره الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل انتهى.
وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى ثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك وليبنِ
على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم فإن كان صلى خمسًا شفعن صلاته، وإن كانتا ترغيمًا للشيطان»؛ رواه مسلم.
فائدة:
قال الموفق في "المغني": وإذا نسي سجود السهو حتى طال الفصل لم تبطل الصلاة، وحكم النافلة حكم الفرض في سجود السهود، والله أعلم.
* * *