الحديث الأول
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا كبَّر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعد بين وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاي بالماء والثلج والبرد» .
قوله: "هنيهة" وفي رواية: "هنيَّة"؛ أي: شيئًا يسيرًا.
قوله: "بأبي أنت وأمي"؛ أي: أفديك بأبي وأمي.
قوله: «بالماء والثلج والبرد» قال ابن دقيق العيد: عبَّر بذلك عن غاية المحو؛ فإن الثوب الذي يتكرَّر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء.
وفي الحديث دليلٌ على مشروعية الاستفتاح بين التكبير والقراءة، وحديث الباب أصحُّ ما ورد في ذلك، وقد ورد فيه أحاديث منها: «وجهت وجهي » إلى آخره، ومنها: «سبحانك اللهم وبحمدك » إلى آخره.
ونقل عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجيه والتسبيح، وإن جمع بين «سبحانك اللهم وبحمدك» وبين «اللهم باعد بيني وبين خطاياي» فحسن.
وفي الحديث من الفوائد جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، وفيه ما كان الصحابة عليه من المحافظة على تتبُّع أحوال النبي - ﷺ - في حركاته وسكناته، وإسراره وإعلانه، حتى حفظ الله بهم الدين.
[ ٦٩ ]
وعن الحسن عن سمرة عن النبي - ﷺ -: أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها.
وفي رواية: سكتت إذا كبر، وسكتت إذا فرغ من قراءة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]؛ رواه أبو داود.
قال النووي: يسكت قدر قراءة المأمومين الفاتحة، وقال في "الفروع": ويستحبُّ سكوته بعدها قدر قراءة المأموم.
وقال في "المغني": يستحب أن يسكت الإمام عُقَيب قراءة الفاتحة سكتةً يستريح فيها، ويقرأ فيها مَن خلفه الفاتحة كي لا ينازعوه فيها.
* * *
الحديث الثاني
عن عائشة - ﵂ - قالت: "كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوِّبه ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعدًا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفرش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم".
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث سها المصنف في إيراده في هذا الكتاب فإنه مما انفرد به مسلم عن البخاري، وشرط الكتاب تخريج الشيخين للحديث.
قوله: "كان يستفتح الصلاة بالتكبير"؛ أي: يقول: الله أكبر، وهي تكبيرة الإحرام.
قوله: "والقراءة" بالنصب؛ أي: ويستفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، بضم الدال على الحكاية٠
قوله: "وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه"؛ أي: لم يرفعه ولم يخفضه.
قوله:
[ ٧٠ ]
"وكان يقول في كل ركعتين التحية"؛ أي: يجلس للتشهد ويقول: «التحيات لله» .
قوله: "وكان ينهى عن عقبة الشيطان" هي أن يلصق الرجل إليتيه في الأرض وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب.
قوله: "وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع"؛ أي: يبسطهما في سجوده كالكلب.
قوله: "وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى" هذه الجلسة تكون في التشهد الأول وفي القعود بين السجدتين، وأمَّا التشهد الأخير فيتورَّك فيه لحديث أبي حميد في صفة صلاة النبي - ﷺ - قال: "وإذا جلس في الركعتين جلَس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعَد على مقعدته"؛ أخرجه البخاري.
قال في "سبل السلام": وللعلماء خلاف في ذلك، والظاهر أنه من الأفعال المخير فيها.
* * *
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه حذوَ منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبَّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك وقال: «سمع الله لِمَن حمده ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود» .
فيه دليلٌ على استحباب رفع اليدين في هذه المواضع الثلاثة، ويستحب أيضًا حين يقوم من التشهد الأول لما روى البخاري عن نافع: أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبَّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لِمَن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي - ﷺ.
ويستحب أن يضع يده اليمنى على كوعه؛ لحديث وائل بن حجر: أنه رأى النبي - ﷺ - وضع يده اليمنى على كفِّه اليسرى والرسغ والساعد؛ رواه أحمد وأبو داود، ويضعهما تحت سرَّته أو فوق صدره.
قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أن ذلك صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع.
* * *
[ ٧١ ]
الحديث الرابع
عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُمِرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين» .
فيه دليلٌ على وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة.
قوله: "وأشار بيده إلى أنفه" يدل على دخول الأنف في السجود مع الجبهة فصارا كالعضو الواحد.
وعن العباس بن عبد المطلب - ﵁ -: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه»؛ رواه الجماعة إلا البخاري.
* * *
الحديث الخامس
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول سمع الله لِمَن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: «ربنا ولك الحمد»، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.
* * *
[ ٧٢ ]
الحديث السادس
عن مطرف بن عبد الله قال: صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب - ﵁ - فكان إذا سجد كبَّر، وإذا رفع رأسه كبَّر، وإذا نهض من الركعتين كبَّر، فلمَّا قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال: ذكَّرَني هذا صلاة محمد - ﷺ - أو قال: صلى بنا صلاة محمد - ﷺ.
في ذلك دليلٌ على مشروعية التكبير في كل خفض ورفع وقيام وقعود، إلا في الرفع من الركوع فإن الإمام يقول: سمع الله لِمَن حمده، ويقول هو والمأموم: ربنا ولك الحمد إلى آخره.
قال البغوي في "شرح السنة": اتفقت الأئمة على هذه التكبيرات.
وقال النووي: قد كان فيه خلاف في زمن أبي هريرة، وكان بعضهم لا يرى التكبير إلا للإحرام، انتهى.
واختلف العلماء هل التكبير واجب أو مندوب؟ فذهب جمهورهم إلى أنه مندوب فيما عدا تكبيرة الإحرام، وقال أحمد في رواية عنه وبعض أهل الظاهر: إنه يجب؛ لقول النبي - ﷺ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي»؛ رواه البخاري، ولحديث أبي موسى قال: إن رسول الله - ﷺ - خطبنا فبين لنا سنَّتنا وعلَّمنا صلاتنا فقال: «إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمَّكم أحدكم، فإذا كبَّر فكبِّروا وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين يحبكم الله، وإذا كبَّر وركع فكبِّروا واركعوا؛ فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم»، فقال رسول الله - ﷺ -: «فتلك بتلك»، وإذا قال: سمع الله لِمَن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم، فإن الله - تعالى - قال على لسان نبيه: سمع الله لِمَن حمده، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم.
قال رسول الله - ﷺ -: «فتلك بتلك»؛ الحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود.
* * *
[ ٧٣ ]
الحديث السابع
عن البراء بن عازب - ﵄ - قال: "رمقت الصلاة مع محمد - ﷺ - فوجدت قيامه فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء، وفي رواية البخاري: ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء".
فيه دليلٌ على تقارب الأركان في الطول من الركوع والرفع منه والسجود والجلوس بين السجدتين.
قوله: "ما خلا القيام والقعود"؛ يعني: القيام للقراءة والقعود للتشهد الأخير؛ فإنهما أطول من بقية الأركان.
* * *
الحديث الثامن
عن ثابت البناني عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: "إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله - ﷺ - يصلي بنا".
قال ثابت: "فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه؛ كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي".
قوله: "لا آلو"؛ أي: لا أقصر، وفي الحديث دليل على تطويل هذين الركنين كسائر الأركان.
وعن ابن عباس - ﵄ -: أن النبي - ﷺ -
[ ٧٤ ]
كان يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني»؛ رواه أبو داود والترمذي واللفظ له.
وأمَّا الرفع من الركوع فكان يقول فيه: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» .
* * *
الحديث التاسع
عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: "ما صليت وراء إمام قطُّ أخف صلاة، ولا أتم صلاة من رسول الله - ﷺ - ".
قال ابن دقيق العيد: الحديث يدلُّ على طلب أمرين في الصلاة: التخفيف في حقِّ الإمام مع الإتمام، والثاني عدم التقصير، وذلك هو الوسط العدل، والميل إلى أحد الطرفين خروجٌ عنه، أمَّا التطويل في حقِّ الإمام فإضرارٌ بالمأمومين، وأمَّا التقصير عن الإتمام فبخس في حق العبادة، انتهى.
* * *
الحديث العاشر
عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري قال: "جاءنا مالك بن الحويرث في مسجدنا هذا فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، أصلي كيف رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي، فقلت لأبي قلابة: كيف كان يصلي؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا، وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض".
[ ٧٥ ]
أراد بشيخهم أبا بريد عمر بن سلمة الجرمي.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم وليس من شرط هذا الكتاب، وقال الحافظ: أخرج صاحب "العمدة" هذا الحديث وليس هو عند مسلم من حديث مالك بن الحويرث.
قوله: "إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة"؛ أي: ما أريد الصلاة بكم، ولم يرد نفي القربة إنما أراد تعليمهم؛ ولهذا قال: "أصلي كيف رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي".
وفي رواية: كان مالك ابن الحويرث يرينا كيف كانت صلاة النبي - ﷺ - وذلك في غير وقت صلاة.
قوله: "وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض" هذه تسمى جلسة الاستراحة، واختلف العلماء في مشروعيتها؛ فذهب الشافعي وطائفة من أهل الحديث إلى مشروعيتها، وهو رواية عن الإمام أحمد، ولم يستحبَّها الأكثر لحديث وائل بن حجر: أن النبي - ﷺ - لما سجد وقعت ركبتاه على الأرض قبل أن يقع كفاه، فلمَّا سجد وضع جبهته بين كفَّيه وجافى عن إبطيه، وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه؛ رواه أبو داود.
* * *
الحديث الحادي عشر
عن عبد الله بن مالك بن بحينة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطه.
فيه دليلٌ على استحباب التجافي للرجال في السجود.
* * *
الحديث الثاني عشر
عن أبي سلمة سعيد بن يزيد قال: "سألت أنس بن مالك: أكان النبي - ﷺ - يصلي في نعليه؟ قال: نعم".
[ ٧٦ ]
فيه دليلٌ على جواز الصلاة في النعلين.
وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه أذًى أو قذرًا فليمسحه وليصلِّ فيهما»؛ رواه أبو داود.
وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خالِفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم»؛ رواه أبو داود.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي حافيًا ومنتعلًا"؛ رواه أبو داود.
* * *
الحديث الثالث عشر
عن أبي قتادة الأنصاري - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله - ﷺ - ولأبي العاص بن الربيع بن عبدشمس، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
هذا الحديث دليلٌ على جواز مثل ذلك في الصلاة وأنه لا يبطلها، وفيه جواز دخول الصبيان المساجد، وفيه تواضعه - ﷺ - وشفَقَته على الأطفال وإكرامه لهم؛ رحمة بهم وجبرًا لوالديهم.
* * *
الحديث الرابع عشر
عن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» .
[ ٧٧ ]
قوله: «اعتدلوا في السجود» قال الحافظ: أي: كونوا متوسِّطين بين الافتراش والقبض، انتهى.
وينتصب على كفَّيه وركبتيه وصدوره قدميه، ويُجافِي عضُدَيه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويسجد بين كفيه، ويفرق ركبتيه.
قوله: «ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب»؛ أي: لا يفترش ذراعيه، وقد أمر النبي - ﷺ - بمخالفة الحيوانات في هيئة الصلاة، قال بعض العلماء:
إِذَا نَحْنُ قُمْنَا فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّنَا = نُهِينَا عَنِ الإِتْيَانِ فِيهَا بِسِتَّةِ
بُرُوكِ بَعِيرٍ وَالْتِفَاتٍ كَثَعْلَبٍ = وَنَقْرِ غُرَابٍ فِي سُجُودِ الفَرِيضَةِ
وَإِقْعَاءِ كَلْبٍ أَوْ كَبَسْطِ ذِرَاعِهِ = وَأَذْنَابِ خَيْلٍ عِنْدَ فِعْلِ التَّحِيَّةِ
* * *