الحديث الأول
عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ - قال: "صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف في بعض أيامه التي لقي
[ ١٢٠ ]
فيها العدو، فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو، فصلَّى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء الآخَرون فصلى بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعة ركعة".
صلاة الخوف ثابتة بالكتاب والسنة؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢] .
سبب نزول هذه الآية ما قال مجاهد عن أبي عياش الزرقي قال: "كنَّا مع رسول الله - ﷺ - بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر فقال: «لقد أصبنا غرَّة لو حملنا عليهم وهم في الصلاة»، فنزلت الآية بين الظهر والعصر".
قال الخطَّابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي - ﷺ - في أيام مختلفة وبأشكال متباينة، يتحرَّى في كلها ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ في الحراسة، فهي على اختلاف صورها متفِقة المعنى، انتهى.
قوله: "في بعض أيامه التي لقي فيها العدو" وفي رواية: "غزوت مع رسول الله - ﷺ - قِبَل نجد".
قوله: "فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا" وفي "الموطأ": "ثم استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون".
قوله: "وجاء الآخَرون فصلى بهم ركعة وقضت الطائفتان ركعة ركعة"، ولأبي داود من حديث ابن مسعود: "ثم سلم فقام هؤلاء - أي: الطائفة الثانية - فقضَوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلُّوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا".
قال الحافظ:
[ ١٢١ ]
واستدلَّ به على عظم أمر الجماعة، بل على ترجيح القول بوجوبها لارتكاب أمور كثيرة لا تُغتَفَر في غيرها، ولو صلَّى كلُّ امرئ منفردًا لم يقع الاحتياج إلى معظم ذلك، انتهى.
* * *
الحديث الثاني
عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات بن جبير، عمَّن صلى مع رسول الله - ﷺ - صلاة ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفَّت مع الإمام وطائفة وجاه العدو فصلَّى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وِجَاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلَّى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا وأتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم الرجل الذي صلى مع رسول الله - ﷺ - هو سهل بن أبي حثمة.
الفرق بين هذا الحديث وحديث ابن عمر: أن الطائفة الأولى أتمَّت لأنفسها مع بقاء صلاة الإمام وتوجَّهت للحراسة فارغة من الصلاة، والذي في حديث ابن عمر أن الطائفة الأولى توجَّهت للحراسة مع كونها في الصلاة.
قوله: "ثم سلم بهم" ظاهره أنه انتظرهم في التشهد ليسلموا معه، فالطائفة الأولى أحرموا معه، والأخرى سلموا معه.
قال البخاري، قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف؛ يعني: حديث سهل.
* * *
الحديث الثالث
عن جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵄ - قال: "شهدت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف والعدو بيننا وبين القبله،
[ ١٢٢ ]
فكبر النبي - ﷺ - وكبَّرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفَع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخَّر في نحر العدو، فلمَّا قضى النبي - ﷺ - السجود وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدَّم الصف المؤخَّر وتأخَّر الصف المقدَّم، ثم ركع النبي - ﷺ - وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخَّر في نحر العدو، فلمَّا قضى النبي - ﷺ - السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلم النبي - ﷺ - وسلمنا جميعًا.
قال جابر: "كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائكم"؛ ذكره مسلم بتمامه، وذكر البخاري طرفًا منه: وأنه صلى صلاة الخوف مع النبي - ﷺ - في الغزوة السابعة غزوة ذات الرقاع.
هذا الحديث فيه صفة ثالثة لصلاة الخوف، قال النووي: وبهذا الحديث قال الشافعي وأبو يوسف وابن أبي ليلى إذا كان العدو في جهة القبلة، انتهى.
وقال الإمام أحمد: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة.
وعن جابر - ﵁ - قال: "كنَّا مع النبي - ﷺ - بذات الرقاع وأُقِيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان للنبي - ﷺ -
[ ١٢٣ ]
أربع وللقوم ركعتان"؛ متفق عليه.
وللشافعي والنسائي عن جابر: "أن النبي - ﷺ - صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم، ثم صلى بآخرين ركعتين ثم سلم".
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: "صليت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف عام غزوة نجد، فقام إلى صلاة العصر فقامت معه طائفة وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورها إلى القبلة، فكبر فكبروا جميعًا الذين معه والذين مقابل العدو، ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيامًا مقابلي العدو، ثم قام وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله - ﷺ - كما هو، ثم قاموا فركع ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلة العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله - ﷺ - قاعد ومَن معه، ثم كان السلام فسلم وسلموا جميعًا، فكان لرسول الله - ﷺ - ركعتان ولكل طائفة ركعتان"؛ رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
وعن ثعلبة بن زَهْدَم - ﵁ - قال "كنَّا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقال: أيكم صلى مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة أنا، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا"؛ رواه أبو داود والنسائي.
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: "فرض الله الصلاة على نبيكم - ﷺ - في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة"؛ رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
وعن ابن عمر: أنه وصف صلاة الخوف ثم قال: "فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها".
قال مالك، قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلاَّ عن النبي - ﷺ؛ رواه البخاري.
قال الشوكاني: وقد أخذ بكلِّ نوع من أنواع صلاة الخوف الواردة عن النبي - ﷺ - طائفة من أهل العلم؛ والحق الذي لا محيصَ عنه أنها جائزة على كلِّ نوع من الأنواع الثابتة، وقد قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا إلا صحيحًا انتهى، والله أعلم.
* * *
[ ١٢٤ ]