الحديث الأول
عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: "كان النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة".
الأصل في صلاة العيد: الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله - تعالى -: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وفي الحديث دليل على مشروعية صلاة العيد قبل الخطبة.
* * *
[ ١٠٩ ]
الحديث الثاني
عن البراء بن عازب - ﵁ - قال: خطب النبي - ﷺ - يوم الأضحى بعد الصلاة قال: «مَن صلى صلاتنا ونسَك نسكنا فقد أصاب النسك، ومَن نسَك قبل الصلاة فلا نسك له»، فقال أبو بردة بن نِيَار خال البراء بن عازب: يا رسول الله، إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أوَّل ما يُذبَح في بيتي، فذبحت شاتي وتغدَّيت قبل أن آتي الصلاة، قال: «شاتك شاة لحم»، قال: يا رسول الله، فإن عندنا عناقًا وهي أحب إلينا من شاتين، أفتجزي عنِّي؟ قال: «نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك» .
قوله: «تجزي»؛ أي: تقضي، ومنه قوله - تعالى -: ﴿لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وفي الحديث دليلٌ على مشروعية الصلاة يوم العيد قبل الخطبة، وأمَّا ما ذبح قبل الصلاة لا تجزي عن الأضحية، وأن العناق لا تجزي في الأضحية.
قال ابن دقيق العيد: وفيه دليلٌ على أن المأمورات إذا وقعتْ على خلاف مقتضى الأمر لم يعذر فيها بالجهل، وقد فرَّقوا في ذلك بين المأمورات والمنهيَّات
فعذَرُوا في المنهيَّات بالنسيان والجهل، كما جاء في حديث معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة، انتهى.
قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم، أن المرجع في الأحكام إنما هو إلى النبي - ﷺ - وأن خطابه للواحد يعمُّ جميع المكلَّفين حتى يظهر دليل الخصوصية، وفيه أن الإمام يعلِّم الناس في خطبة العيد أحكام النحر، وفيه جواز الاكتفاء في الأضحية بالشاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته.
قال الشيخ
[ ١١٠ ]
أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أن العمل وإن وافق نية حسنة لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع، وفيه جواز أكل اللحم يوم العيد مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل والادِّخار، ومع ذلك ثبت لهم الأجر في الذبح، وفي الحديث أن الجذع من المعز لا يجزي وهو قول الجمهور، وفيه تأكيد أمر الأضحية، وأن المقصود منها طيب اللحم وإيثار الجار على غيره، وأن المفتي إذا ظهرت له من المستفتي أمارة الصدق كان له أن يسهل عليه حتى لو استفتاه اثنان في قضية واحدة جاز أن يفتي كلا منهما بما يناسب حاله، وجواز إخبار المرء عن نفسه بما يستحق به الثناء عليه بقدر الحاجة، انتهى ملخصًا.
قوله: "وتغديت قبل أن آتي الصلاة" فيه جواز الأكل قبل صلاة الأضحى.
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": وتختلف الفتوى باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن جندب بن عبد الله البَجَلي - ﵁ - قال: صلى رسول الله - ﷺ - يوم النحر، ثم خطب وقال: «مَن ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومَن لم يذبح فليذبح باسم الله» .
قوله: «فليذبح بسم الله»؛ أي: فليذبح قائلًا: بسم الله، وفيه دليل على أن وقت الأضحية بعد صلاة العيد.
* * *
الحديث الرابع
عن جابر - ﵁ - قال: "شهدت مع رسول الله - ﷺ - يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة،
[ ١١١ ]
ثم قام متوكئًا على بلال، فأمَر بتقوى الله وحثَّ على الطاعة، ووعَظ الناس وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكَّرهن، فقال: «تصدَّقن فإنكنَّ أكثر حطب جهنم»، فقامت امرأة من سِطَة النساء سفعاء الخدَّين فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: «لأنكن تكثرن الشِّكَاية، وتكفرن العشير»، قال: فجعلن يتصدَّقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن".
قوله: "فقامت امرأة من سِطَة النساء"؛ أي: من وسطهن في المجلس.
قوله: "سفعاء الخدَّين" (الأسفع) و(السفعاء): مَن أصاب خدَّه لونٌ يخالف لونه الأصلي من سواد أو خضرة أو غيره، والحديث يدلُّ على عدم مشروعية الأذان والإقامة لصلاة العيد وهو بإجماع العلماء.
قال ابن دقيق العيد: وكان تخصيص الفرائض بالأذان تمييزًا لها بذلك عن النوافل، وإظهارًا لشرفها، وهذه المقاصد التي ذكرها الراوي من الأمر بتقوى الله والحث على طاعته، والموعظة والتذكير، هي مقاصد الخطبة، انتهى.
قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد أيضًا استحباب وعظ النساء وتعليمهن أحكام الإسلام، وتذكيرهن بما يجب عليهن، وحثهن على الصدقة، وتخصيصهن بذلك في مجلس منفرد، ومحلُّ ذلك كله إذا أمن الفتنة والمفسدة، وفيه خروج النساء إلى المصلى، واستدلَّ به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقُّف على إذن زوجها أو على مقدار معيَّن، وفيه أن الصدقة من دوافع العذاب، وفيه بذل النصيحة والإغلاظ بها لِمَن احتِيج في حقِّه إلى ذلك، وفيه جواز طلَب الصدقة للمحتاجين ولو كان الطالب غير محتاج، وفي مبادرة تلك النسوة على الصدقة بما يعزُّ عليهن من حليِّهن مع ضيق الحال في ذلك الوقت دلالة على رفيع
مقامهن في الدين وحرصهن على امتثال أمر الرسول - ﷺ، ورضي عنهن.
* * *
[ ١١٢ ]
الحديث الخامس
عن أم عطية نسيبة الأنصارية - ﵂ - قالت: "أمرنا - تعني: النبي، - ﷺ - أن نُخرِج في العيدين العواتق وذوات الخدور، وأمر الحُيَّض أن يعتزلن مصلى المسلمين"
وفي لفظ: "كنَّا نُؤمَر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها، وحتى تخرج الحُيَّض، فيكبِّرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطُهرَتَه".
"العواتق": جمع عاتق، وهي مَن بلغت الحلم، أو قاربت، أو استحقَّت التزويج، أو هي الكريمة على أهلها، أو التي عتقت عن الامتهان في الخروج للخدمة.
"والخدور": جمع خدر، وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه، وبين العاتق والبكر عموم وخصوص وجهي.
وفي الحديث مشروعية صلاة العيدين في الصحراء، واستحباب خروج النساء يوم العيد، وحضور الحيَّض واعتزالهن المصلى، والله أعلم.
* * *