الحديث الأول
عن عبد الله بن عمر - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجة» .
* * *
الحديث الثاني
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا؛ وذلك أنه إذا توضَّأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يُخرِجه إلا الصلاة لم يخطُ خطوةً إلا رُفِعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلَّى لم تزل الملائكة تصلِّي عليه ما دام في مصلاَّه: اللهم صلِّ عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة» .
قوله: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» قال الترمذي: عامة من رواه قالوا: "خمسًا وعشرين"، إلا ابن عمر فإنه قال: "سبعًا وعشرين"؛ انتهى.
[ ٥٣ ]
وقد جمع بينهما بأن ذكر القليل لا ينفي الكثير وفضل الله واسع، وقيل: السبع مختصَّة بالجهرية والخمس بالسرية؛ لأن في الجهرية الإنصات عند قراءة الإمام والتأمين عند تأمينه.
وفي حديث أبي هريرة إشارة إلى بعض الأسباب المقتضية للدرجات وهو قوله: «وذلك أنه إذا توضَّأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخطُ خطوة إلا رُفِعت له بها درجة وحُطَّ عنها بها خطيئة»، ومنها الاجتماع والتعاون على الطاعة، والألفة بين الجيران، والسلامة من صفة النفاق
ومن إساءة الظن به، ومنها صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له، وغير ذلك، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمُر بالصلاة فتُقَام، ثم آمر رجلًا فيصلِّي بالناس، ثم أنطلق برجال معهم حِزَم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» .
هذا الحديث يدلُّ على وجوب الصلاة في الجماعة، وفيه تقديم التهديد على العقوبة، وسر ذلك أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفى به عن الأعلى من العقوبة، وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرَّة، وفيه الرخصة للإمام في ترك الجماعة لمثل ذلك.
وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: «لقد رأيتنا وما يتخلَّف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتَى به يُهادِي بين الرجلين حتى يُقَام في الصف»؛ رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي، وقال البخاري: "باب وجوب صلاة الجماعة".
وقال الحسن: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة عليه لم يطعها وساق الحديث، ولفظه: أن رسول الله -
[ ٥٤ ]
ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمُر بحطب فيحطب، ثم آمُر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمُر رجلًا فيؤمُّ الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين (١) حسنتين لشهد العشاء» .
* * *
الحديث الرابع
عن عبد الله بن عمر - ﵄ -: عن النبي - ﷺ - قال: «إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها»، قال: فقال بلال بن عبد الله، والله لنمنعهن، قال: فأقبل عليه عبد الله فسبَّه سبًّا سيئًا ما سمعته سبَّه مثله قطُّ، وقال: أخبرك عن رسول الله - ﷺ - وتقول: والله لنمنعهن، وفي لفظ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» .
فيه دليلٌ على جواز خروج النساء إلى المساجد إذا أُمِنت الفتنة بهن أو منهن.
ولأبي داود: «ولا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خيرٌ لهن» .
قال ابن دقيق العيد: وقد صحَّ أن النبي - ﷺ - قال: «أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة»، ويلحق به حسن الملابس، ولبس الحلي الذي يظهر أثره في الزينة، انتهى.
وفي الحديث تأديب المعترض على السنن برأيه وعلى العالم بهواه وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرًا إذا تكلم بما لا ينبغي له، وجواز التأديب بالهجران.
* * *
_________________
(١) العرق: العظم بلحمه، والمرماة: الظلف، اهـ قاموس، اهـ مصححه.
[ ٥٥ ]
الحديث الخامس
عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: "صليت مع رسول الله - ﷺ - ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد الجمعة وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء"، وفي لفظ: "فأمَّا المغرب والعشاء والفجر والجمعة ففي بيته".
وفي لفظ للبخاري أن ابن عمر قال: "حدثتني حفصة أن النبي - ﷺ - كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر وكانت ساعة لا أدخل على النبي - ﷺ - فيها".
قوله: "صليت مع رسول الله - ﷺ - ركعتين قبل الظهر"، في رواية "حفظت من رسول الله - ﷺ - عشر ركعات"، فالمراد بقوله: "مع" التبعية لا التجميع، وهذا الحديث يدلُّ على سنيَّة الرواتب العشر وتأكيدها.
قوله: "فأمَّا المغرب والعشاء والفجر والجمعة ففي بيته" قال الحافظ: والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد، وإنما كان - ﷺ - يتشاغَل بالناس في النهار غالبًا، وبالليل يكون في بيته غالبًا، انتهى.
قال ابن دقيق العيد: وفي تقديم السنن على الفرائض وتأخيرها عنها معنًى لطيف مناسب، أمَّا في التقديم فلأن الإنسان يشتغل بأمور الدنيا وأسبابها فتتكيَّف النفس في ذلك بحال بعيدة عن حضور القلب في العبادة والخشوع فيها الذي هو روحها، فإذا قدمت السنن على الفريضة تأنَّست النفس بالعبادة وتكيَّفت بحالة تقرِّب من الخشوع فيدخل في الفرائض على حالة حسنة لم تكن تحصل له لو لم تقدم السنة، فإن النفس مجبولة على التكييف بما هي فيه لا سيَّما إذا كثر أو طال، وورود الحالة المنافية لما قبلها قد تمحو أثر الحالة السابقة أو تضعفه، وأمَّا السنن المتأخِّرة فلما ورد أن النوافل جابرة لنقصان الفرائض، فإذا وقع الفرض ناسَب أن يكون بعده ما يجبر خللًا فيه إن وقع.
* * *
[ ٥٦ ]
الحديث السادس
عن عائشة - ﵂ - قالت: "لم يكن رسول الله - ﷺ - على شيء من النوافل أشدَّ تعاهدًا منه على ركعتي الفجر"، وفي لفظ لمسلم: «ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها» .
فيه دليل على تأكيد ركعتي الفجر وعظم ثوابهما.
تنبيه:
إذا صلى الرجل ركعتي الفجر في بيته وأتى المسجد قبل أن تُقَام الصلاة فليركع ركعتين؛ لقوله - ﷺ -: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» .