الحديث الأول
عن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول - وأشار النعمان بأصبعيه إلى أذنيه -: «إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمَن اتَّقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحِمَى يوشك أن يقع فيه، ألاَ وإن لكل ملك حِمَى، ألاَ وأن حِمَى الله محارمه، ألاَ وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألاَ وهي القلب» .
الأصل في الأطعمة الحلُّ؛ لقول الله - تعالى -: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقال - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية، وقال - تعالى -: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] .
وعن سلمان الفارسي - ﵁ - قال سُئِل رسول الله - ﷺ - عن السمن والجبن والفراء فقال: «الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم»؛ رواه ابن ماجه والترمذي.
[ ٣٦٦ ]
قوله: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن»؛ أي: بأدلتهما الظاهرة.
قوله: «وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس»، وللترمذي: «لا يدري كثيرٌ من الناس أمِنَ الحلال هي أم من الحرام، ومفهومه أن معرفة حكمها ممكِن لكن للقليل من الناس.
قوله: «فمَن اتَّقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه»؛ أي: مَن حذر منها فقد برأ دينه من النقص وعرضه من الطعن فيه، وفي هذا إشارة إلى المحافظة على أمور
الدين ومراعاة المروءة، قال بعض العلماء: المكروه عقبة بين العبد والحرام فمَن استكثر من المكروه تطرَّق إلى الحرام، والمباح عقبة بينه وبين المكروه فمَن استكثر منه تطرَّق إلى المكروه.
قوله: «ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام»، في رواية: «فمَن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان له أترك، ومَن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حِمَى الله، مَن رتع حول الحِمَى يُوشِك أن يواقعه» .
قوله: «ألاَ وإن لكل ملك حِمَى، ألاَ وإن حِمَى الله محارمه» قال الحافظ: كان ملوك العرب يحمون لمواشيهم أماكن مختصَّة يتوعَّدون مَن يرعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمثَّل لهم النبي - ﷺ - بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة المراقب لرضا الملك يبعد عن ذلك الحمى؛ خشية أن تقع مواشيه في شيء منه، فبعده أسلم له ولو اشتدَّ حذره، وغير الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه، فلا يأمن أن تنفرد الفاذة فتقع فيه بغير اختياره أو بمحلِّ المكان الذي هو فيه، ويقع الخصب في الحمى فلا يملك نفسه أن يقع فيه، فالله - ﷾ - هو الملك حقًّا وحماه محارمه.
قوله: «ألاَ وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألاَ وهي القلب» (ألا) للتنبيه على صحة ما بعدها، والمضغة: القطعة من اللحم، وهي قدر ما يمضغ، وسمي القلب قلبًا لتقلُّبه في الأمور، وخصَّ القلب لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وفيه إشارة أن لطيب الكسب أثرًا في صلاح القلب، اهـ.
* * *
[ ٣٦٧ ]
الحديث الثاني
عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: "أنفجنا أرنبًا بمرِّ الظَّهْرَان، فسعى القوم فلعبوا وأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول الله - ﷺ - بوركها وفخذها فقبله".
فيه جوازُ أكل الأرنب، وفيه أن آخِذ الصيد يملكه ولا يشاركه من أثاره معه، وفيه هدية الصيد وقبولها من الصائد وإهداء الشيء اليسير للكبير القدر إذا علم من حالة الرضا بذلك، وفيه أن وليَّ الصبي يتصرَّف فيما يملكه الصبي بالمصلحة، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - قالت: "نحرنا على عهد رسول الله - ﷺ - فرسًا فأكلناه"، وفي رواية: "ونحن في المدينة".
* * *
الحديث الرابع
عن جابر بن عبد الله - ﵄ -: "أن النبي - ﷺ - نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأَذِن في لحوم الخيل"، ولمسلم وحده قال: "أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهى النبي - ﷺ - عن الحمار الأهلي".
[ ٣٦٨ ]
قوله: "نحرنا على عهد رسول الله - ﷺ - فرسًا فأكلناه"، وللدارقطني: "فأكلناه نحن وأهل بيت رسول الله - ﷺ"، قال الحافظ: والذي يظهر أن الحكم في الخيل والبغال والحمير كان على البراءة الأصلية، فلمَّا نهاهم الشارع يوم خيبر عن الحمر والبغال خشي أن يظنوا أن الخيل كذلك لشبهها بها؛ فأَذِن في أكلها دون البغال والحمير.
* * *
الحديث الخامس
عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قال: "أصابتنا مجاعة ليالي خيبر فلمَّا كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، فلمَّا غلت بها القدور نادَى منادي رسول الله - ﷺ -: أن أكفِئُوا القدور، ولا تأكلوا من لحوم الحمر الأهلية".
فيه أن الذكاة لا تطهر ما لا يحلُّ أكله، وأن كلَّ شيء تنجَّس بملاقاة النجاسة يكفي غسله مرَّة واحدة؛ لإطلاق الأمر بالغسل في بعض الروايات، قال القرطبي: قوله: «فإنها رجس»، ظاهر في عود الضمير على الحمر؛ لأنها المتحدث عنها المأمور بإكفائها من القدور وغسلها، وهذا حكم المتنجِّس فيستفاد منه تحريم أكلها، وهو دالٌّ على تحريمها لعينها لا لمعنى خارج، اهـ.
وعن جابر - ﵁ - قال: "حرم رسول الله - ﷺ - يعني: يوم خيبر - لحوم الحمر الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير"؛ رواه أحمد والترمذي.
* * *
الحديث السادس
عن ابن عباس - ﵄ - قال: "دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله - ﷺ - بيت ميمونة، فأتي بضب مَحنُوذ
[ ٣٦٩ ]
فأهوى إليه رسول الله - ﷺ - بيده، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله - ﷺ - بما يريد أن يأكل، فقلت: تأكله؟ هو ضب، فرفع رسول الله - ﷺ - يده فلم يأكل، فقلت: يا رسول الله، أحرام هو؟ قال: «لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه»، قال خالد: فاجتررته فأكلته والنبي - ﷺ - ينظر".
قولها: "فقلت: تأكله؟ هو ضب" ولمسلم: "قالت ميمونة: إنه لحم ضب، فكفَّ يده"، وفي حديث ابن عمر: قال النبي - ﷺ -: «الضب لست آكله ولا أحرمه» .
قوله: «إنه لم يكن بأرض قومي»؛ أي: قريش؛ يعني: لم يكن بأرض مكة وما حولها، ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز، وفي الحديث
جواز أكل الضب، وفي حديث ابن عمر: «كلوا وأطعموا فإنه حلال»، وفيه أن مطلق النفرة وعدم الاستطابة لا يستلزم التحريم، وفيه أن الطباع تختلف في النفور عن بعض المأكولات، وفيه أنه - ﷺ - كان يُؤاكِل أصحابه ويأكل اللحم حيث تيسَّر، وأنه كان لا يعلم من المغيبات إلا ما أعلمه الله - تعالى - وفيه فضيلة ميمونة أم المؤمنين وصدق فراستها - ﵂ - والله أعلم.
* * *
الحديث السابع
عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قال: "غزونا مع رسول الله - ﷺ - سبغ غزوات نأكل الجراد".
الحديث دليلٌ على جواز أكل الجراد، وأنه حلال، ويجوز أكله بغير تذكية؛ لحديث ابن عمر رفعه: «أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد
[ ٣٧٠ ]
والطحال»؛ رواه أحمد.
قال الحافظ: ونقل النووي الإجماع على حلِّ أكل الجراد، لكن فصَّل ابن العربي في شرح الترمذي بين جراد الحجاز وجراد الأندلس؛ فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل؛ لأنه ضرر محض، وهذا إن ثبت أنه يضرُّ أكله بأن يكون فيه سمية تخصُّه دون غيره من جراد البلاد تعيَّن استثناؤه، والله اعلم.
* * *
الحديث الثامن
عن زَهْدَم بن مُضَرِّب الجرمي قال: "كنَّا عند أبي موسى الأشعري فدعا بمائدة وعليها لحم دجاج، فدخل رجل من بني تيم الله أحمر شبيه بالموالي، فقال له: هلمَّ، فتلكأ، فقال له: هلمَّ؛ فإني رأيت رسول الله - ﷺ - يأكل منه".
قوله: "شبيه بالموالي"؛ أي: العجم.
قوله: "فقال له هلمَّ، فتلكَّأ"؛ أي: تردَّد وتوقَّف، وفي رواية: "قال: إني رأيته يأكل شيئًا فذرته فحلفت أن لا أكله".
وفي الحديث جواز أكل الدجاج، واستثنى بعضهم الجلالة، وهي ما تأكل الأقذار، وعن ابن عمر: أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا؛ أخرجه ابن أبي شيبة، وله عن جابر: "نهى رسول الله - ﷺ - عن الجلالة أن يؤكل لحمها ويشرب لبنها"، اهـ، والمعتبر في جواز أكل الجلالة زوال رائحة النجاسة بعد أن تعلف بالشيء الطاهر، والله أعلم.
* * *
الحديث التاسع
عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يَلعقها أو يُلعقها» .
[ ٣٧١ ]
قوله: «يَلعَقها»؛ أي: هو «أو يُلعِقها»؛ يعني: غيره ممَّا لا يتقذَّر ذلك؛ من زوجة، أو خادم، أو ولد، ولمسلم عن جابر: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليُمِط ما أصابها من أذًى وليأكلها، ولا يمسح يده حتى يَلعَقها أو يُلعِقها؛ فإنه لا يدري في أيِّ طعامه البركة» .
وفي الحديث ردٌّ على مَن كره لعق الأصابع، نعم لو فعله في أثناء الأكل كره؛ لأنه يعيد أصابعه في الطعام وعليها أثر ريقه.
قال الخطابي: عاب قوم أفسد عقلهم الترفُّه، فزعموا أن لعق الأصابع مستقبَح، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع والصفحة جزء ممَّا أكلوه، وفيه استحباب مسح اليد بعد الطعام، وعن أبي هريرة رفَعَه: «مَن بات وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء، فلا يلومنَّ إلا نفسه»، وفيه المحافظة على عدم إهمال شيء من فضل الله كالمأكول والمشروب.
* * *