الحديث الأول
عن عبد الرحمن بن سمرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطِيتها عن مسألة وُكِلت إليها، وإن أُعطِيتها من غير مسألة أُعِنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفِّر عن يمينك وأنت الذي هو خير» .
* * *
الحديث الثاني
عن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير منها وتحلَّلتها» .
الأصل في مشروعية الأيمان وثبوت حكمها الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - ﷿ -: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] وقال - تعالى -: ﴿وَلاَ تَنْقُضُوا
[ ٣٤٥ ]
الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] .
والنذور: جمع نذر، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الله - ﷿ -: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وقال - تعالى -: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] .
وأصل اليمين في اللغة: اليد، وأُطلِقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلٌّ منهم بيمين صاحبه، وعرفت اليمين في الشرع بأنها: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله.
قوله: «لا تسأل الإمارة» يدخل في الإمارة القضاء والحسبة ونحو ذلك، وأن مَن حرص على ذلك لا يُعان عليه، ومَن وُكِل إلى نفسه هلك.
وعن أنس رفعه: «مَن طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء وُكِل إلى نفسه، ومَن أُكرِه عليه أنزل الله عليه ملكًا يسدده»؛ أخرجه ابن المنذر.
وعن أبي هريرة رفعه: «مَن طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدلُه جورَه فله الجنة، ومَن غلب جورُه عدلَه فله النار»؛ أخرجه أبو داود.
وفي حديث أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: «إنَّا لا نولِّي مَن حرص»، قال ابن دقيق العيد: لما كان خطر الولاية عظيمًا بسبب أمور في الوالي وسبب أمور خارجة عنه، كان طلبها تكلُّفًا ودخولًا في خطر عظيم، فهو جدير بعدم العون، ولما كانت إذا أتت من غير مسألة لم يكن فيها هذا التكلُّف، كانت جديرة بالعون على أعبائها وأثقالها.
قوله: «وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفِّر عن يمينك وائتِ الذي هو خير»، وفي رواية: «فائتِ الذي هو خيرٌ وكفِّر عن يمينك»، ولأبي داود: «كفِّر عن يمينك ثم ائتِ الذي هو خير» .
وفي حديث عديِّ بن حاتم عند مسلم: «فرأى غيرها أتقى لله فليأتِ التقوى»، قال عياض: اتفقوا على أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث، وقال المازري: للكفارة ثلاث حالات: أحدها قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقًا، ثانيها بعد الحلف والحنث فتجزئ اتفاقًا، ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيه الخلاف، اهـ، والجمهور على جوازها قبل الحنث.
قوله: «لا أحلف على يمين»، وفي رواية لمسلم: «على أمر»، وفي رواية للبخاري: "أتيت رسول الله - ﷺ - في نفرٍ من الأشعريين فوافَقته وهو غضبان
فاستحملناه فحلف أن لا يحملنا"، وفي لفظ له قال: «والله ما أحملكم، ما عندي ما أحملكم»، قال: فانطلقنا، فأتي رسول الله - ﷺ - بنهب إبل، فقيل:
[ ٣٤٦ ]
هؤلاء الأشعريون، فأتيناه فأمر لنا بخمس ذود غر الذري، فاندفعنا، وفيه: فرجعنا، فقلنا: يا رسول الله، أتيناك نستحملك فحلفت أن لا تحملنا، ثم حملتنا فظننَّا أو فعرفنا أنك نسيت يمينك، قال: «انطلقوا فإنما حملكم الله، إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير منها وتحللتها» .
قوله: «وتحللتها»؛ أي: كفرت عنها.
* * *
الحديث الثالث
عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، ولمسلم: «فمَن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»، وفي رواية قال عمر: "فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عنها ذاكرًا ولا آثرًا"، يعني: حاكيًا أنه حلف بها.
الحديث دليلٌ على المنع من الحلف بغير الله - تعالى - قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع، وعن عكرمة قال: قال عمر: "حدثت قومًا حديثًا، فقلت: لا وأبي، فقال رجل من خلفي: «لا تحلفوا بآبائكم»، فالتفتُّ فإذا رسول الله - ﷺ - يقول: «لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خيرٌ من آبائكم»؛ رواه ابن أبي شيبة، قال الحافظ: وهذا مرسل يتقوَّى بشواهده.
وعن ابن عمر أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله؛ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، قال الترمذي حسن.
قال العلماء: السرُّ في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، وقال الماوردي: لا يجوز لأحدٍ أن
يحلف أحدًا بغير الله، لا بطلاق
[ ٣٤٧ ]
ولا عتاق ولا نذر، وإذا أحلف الحاكم أحدًا بشيء من ذلك وجب عزله لجهله، انتهى.
وفي الحديث الزجر عن الحلف بغير الله - ﷿ - لا نبي ولا غيره، وما ورد في القرآن من القسم بغير الله فذلك يختصُّ بالله - ﷿ - قال الشعبي: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق، وأما قوله - ﷺ -: «أفلح وأبيه إن صدق» فهذا اللفظ كان يجري على ألسنة العرب من غير أن يقصدوا به القسم، وقيل: يقع في كلامهم للتأكيد لا للتعظيم كقول الشاعر:
لَعَمْرُ أَبِي الوَاشِينَ إِنِّي أُحِبُّهَا
فإنه لم يقصد تعظيم والد مَن وشى به، قال الحافظ: وفيه أن مَن حلف بغير الله مطلقًا لم تنعقد يمينه سواء كان المحلوف به يستحقُّ التعظيم لمعنًى غير العبادة؛ كالأنبياء والملائكة والعلماء الصُّلَحاء والملوك والآباء والكعبة، أو كان لا يستحقُّ التعظيم كالآحَاد، أو يستحقُّ التحقير والإذلال كالشياطين والأصنام وسائر مَن عُبِد من دون الله، انتهى، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «قال سليمان بن داود - ﵉ -: لأطوفنَّ الليلة على تسعين امرأة تلد كلُّ امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهنَّ فلم تَلِد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان»، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان ذلك دركًا لحاجته» .
قوله: " قل: إن شاء الله"؛ يعني: قال له الملك.
قوله: "لأطوفن الليلة على تسعين امرأة" هو كناية عن الجماع، قال وهب بن منبه: كان لسليمان ألف امرأة:
[ ٣٤٨ ]
ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سريَّة.
قوله: "تلد كلُّ امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله" قال الحافظ: هذا قاله على سبيل التمنِّي للخير، وإنما جزم به لأنه غلب عليه الرجاء لكونه قصد به الخير وأمر الآخرة، لا لغرض الدنيا.
قوله: «فقيل له: قل: إن شاء الله فلم يقل»، وفي رواية: «فنسي» قال بعض السلف: نبه - ﷺ - في هذا الحديث على آفة التمنِّي والإعراض عن التفويض، قال: ولذلك نسي الاستثناء ليمضي فيه القدر.
قوله: «فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان»، في رواية: «ولم تحمل منهن شيئًا إلا واحدًا ساقطًا إحدى شقيه» .
قوله: «لو قال: إن شاء الله، لم يحنث وكان ذلك دركًا لحاجته»، في رواية: «وكان أرجى لحاجته»، وفي رواية: «لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون»، وفي رواية: «لو استثنى لحملت كلُّ امرأة منهن فولدت فارسًا يُقاتل في سبيل الله» .
وفي الحديث استحباب الاستثناء لِمَن قال: سأفعل كذا، وأن إتباع المشيئة اليمينَ يرفع حكمها، وفيه أن الاستثناء لا يكون إلا باللفظ، وفيه أن كثيرًا من المباح والملاذِّ يصير مستحبًّا بالنيَّة والقصد، وفيه ما خصَّ به الأنبياء من القوة على الجماع الدال ذلك على صحة البنية وقوة الفحولية وكمال الرجولية، مع ما هو فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم، ويُقال: إن كلَّ مَن كان أتقى لله فشهوته أشدُّ؛ لأن الذي لا يتَّقي يتفرَّج بالنظر ونحوه، وفيه جواز الإخبار عن الشيء ووقوعه في المستقبل بناء على غلبة الظن، وفيه جواز السهو على الأنبياء وأن ذلك لا يقدح في علوِّ منصبهم، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن حلف على يمين صبرٍ يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه
غضبان»، ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية.
* * *
[ ٣٤٩ ]
الحديث السادس
عن الأشعث بن قيس - ﵁ - قال: "كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: «شاهداك أو يمينه»، قلت: إذًا يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله - ﷺ -: «مَن حلف على يمين صبرٍ يقتطع بها مال امرئ مسلم لقِي الله وهو عليه غضبان» .
قوله: «مَن حلف على يمين صبر» (يمين الصبر): هي التي تلزم ويجبر عليها حالفها، يُقَال: أصبره اليمين أحلفه بها في مقاطع الحق، قال ابن بطال: إن الله خصَّ العهد بالتقدمة على سائر الأيمان، فدلَّ على تأكُّد الحلف به؛ لأن عهد الله ما أخذه على عباده وما أعطاه عباده.
وقال الراغب: ويطلق عهد الله على ما فطر عليه عباده من الإيمان به عند أخذ الميثاق، ويُراد به أيضًا ما أمر في الكتاب والسنة مؤكدًا، وما التزمه المرء من قِبَل نفسه كالنذر، اهـ.
وفي الحديث سماع الحاكم الدعوى فيما لم يره إذا عرفه المتداعيان، وفيه أن الحاكم يسأل المدَّعي: هل له بينة؟ وفيه بناء الأحكام على الظاهر، وأن حكم الحاكم لا يُبِيح للإنسان ما لم يكن حلالًا، وفيه أن صاحب اليد أَوْلَى بالمدَّعى فيه.
قال الحافظ: وفيه التنبيه على صورة الحكم في هذه الأشياء؛ لأنه بدأ بالطالب فقال: ليس لك إلا يمين الآخَر، ولم يحكم بها للمدعَى عليه إذا حلف، بل إنما جعل اليمين تصرف دعوى المدعي لا غير، ولذلك ينبغي للحاكم إذا حلف المدعى عليه أن لا يحكم بملك المدعي فيه ولا بحيازته، بل يقرُّه على حكم يمينه، وفيه أن يمين الفاجر تسقط عند الدعوى، وأن فجوره لا يُوجِب الحجر عليه، وفيه
موعظة الحاكم الخصم إذا أراد أن يحلف خوفًا من أن يحلف باطلًا، اهـ، وبالله التوفيق.
* * *
[ ٣٥٠ ]
الحديث السابع
عن ثابت بن الضحاك الأنصاري - ﵁ -: أنه بايَع رسول الله - ﷺ - تحت لشجرة، وأن رسول الله - ﷺ - قال: «مَن حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا متعمِّدًا فهو كما قال، ومَن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجلٍ نذر فيما لا يملك» .
وفي رواية: «لَعْنُ المؤمن كقتلِه»، وفي رواية: «مَن ادَّعى دعوى كاذبة ليستكثر بها لم يزده الله إلا قلَّة» .
قوله: «مَن حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا متعمِّدًا فهو كما قال» (الملة): الدين والشريعة، قال عياض: يُستَفاد منها أن الحالف المتعمِّد إن كان مطمئنَّ القلب بالإيمان وهو كاذبٌ في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه لم يكفر، وإن قال معتقدًا لليمين بتلك الملة لكونها حقًّا كفَر، وإن قالها لمجرَّد التعظيم لها احتمل، اهـ.
وعن الحسين بن واقد عن أبيه رفعه: «مَن قال: إني برئ من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يعد إلى الإسلام سالمًا»؛ أخرجه النسائي وصحَّحه.
قوله: «ومَن قتل نفسه بشيء عُذِّب به يوم القيامة» قال ابن دقيق العيد: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية، ويُؤخَذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله - تعالى - فلا يتصرَّف فيها إلا بما أذن الله له فيه.
قوله: «وليس على رجل نذر فيما لا يملك» أخرج مسلم من حديث عمران بن حصين في قصة المرأة التي كانت أسيرة فهربت على ناقة النبي - ﷺ - فإن الذين
أسروا المرأة
[ ٣٥١ ]
انتهبوها، فنذرت إن سلمت أن تنحرها، فقال النبي - ﷺ -: «لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» .
وعن عائشة أن النبي - ﷺ - قال: «لا نذر في معصية، وكفَّارته كفَّارة يمين»؛ رواه الخمسة، واحتجَّ به أحمد وإسحاق.
وعن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: «مَن نذر نذرًا ولم يسمِّه فكفَّارته كفَّارة يمين، ومَن نذر نذرًا لم يطقه فكفارته كفارة يمين»؛ رواه أبو داود وابن ماجه، وزاد «ومَن نذر نذرًا أطاقه فليفِ به» .
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف؟ فقال: «أوفي بنذرك»؛ أخرجه أبو داود، زاد أحمد والترمذي في حديث بريدة: أن ذلك وقت خروجه في غزوة، فنذرت إن ردَّه الله - تعالى - سالمًا، وعند أحمد: «إن كنتِ نذرتِ فاضربي، وإلا فلا» .
قوله: «لَعْنُ المؤمن كقتلِه»؛ أي: لأنه إذا لعنه فكأنه دعا عليه بالهلاك، وقيل: يشبهه في الإثم، والله أعلم.
* * *